المشتق نشرة إلكترونية نصف سنوية تم إطلاقها في تشرين الأول ٢٠٢٠، وذلك في خضم إنهيار سياسي واجتماعي واقتصادي وبيئي غير مسبوق في لبنان، هي محاولة لبناء مفردات وأساليب وممارسات جماعية قادرة على تفكيك الهجوم الممنهج الذي نواجهه وكيفية التعامل معه.

المشتق هي تلميذة إنتفاضة ١٧تشرين اول ٢٠١٩؛ إنها أولاً وقبل كل شيء كائن جذري يكمن حولها تعبئة وتكثيف مجموعة متنوعة من الممارسات العملية. من خلال تجربة نموذج التحرير الجماعي المشترك "مجموعة متنوعة من المحررين الضيوف"، فإن كل عدد هو وقبل كل شيء عذرًا للتفكير والعمل معًا وطريقة لتوسيع وتقوية شبكات الأصدقاء والحلفاء من خلال أنماط مختلفة من الخطاب والفكر والعمل.

في كل عدد جديد من المشتق يتم دعوة ثلاثة محررين ضيوف، ولكل واحد منهن\م محور معين منطلق من كلمة "جذر" مكونة من ثلاثة أحرف. ثم يتعاون كل محرر مع خمسة مساهمات\ين للمساعدة في الكشف عن الجوانب المختلفة لكل موضوع، بالإضافة إلى مساهمة فنية تستجيب لكل نص.

مصنع الوحوش

علي شري, من مجموعة "الموت من الداخل", ألوان مائية. ٢٠٢١

بعد أول أسبوعين في السجن، كنت واقفاً على باب الزنزانة المفتوح في ساعة التريّض، حين شاهدت اثنين من السجناء يحملان ثالثًا من أسفل إبطيه، ويسيران به في الممر، وخلفهم حارس السجن يستعجلهما المشي، بينما يتعثران في خطواتهما تحت ثقل وزن جسده ورأسه الضخم المسترخي على صدره.

 حين مروا من أمامي، رفع رأسه لبضع ثوانٍ. في جبهته جرح لم أتبين حجمه، لأن الدم يغطي نصف وجهه. فمه مفتوح تتدلّى منه ريالته، عين مغلقة تغطيها الدماء، وأخرى مفتوحة في ذهول. نظر باتجاهي، لكن لم يرَني، على وجهه لم يكن هناك إلا فراغ وغياب. يرتدي فردة واحدة لشبشب بلاستيكي رخيص، وقدمه الأخرى العارية يجرها جراً، فتكنّس التراب وأعقاب السجائر من على بلاط الممر.

كل فترة يحاول ذلك الولد الانتحار أو افتعال المشكلات التي تسبب له الأذى البدني والعقاب الجماعي لمن معه في الزنزانة. لم يكن الولد في زنزانتنا، لكن في الأسبوع التالي انقطعت الكهرباء لدقائق عن السجن كله، وسمعنا صراخًا وخوارًا وعواءً من الزنزانة المجاورة. كنت حينها واقفاً على باب العنبر المغلق، وقد حشرت أنفي بين قضبان الباب والسلك المعدني الذي يغطيها في محاولة لتنفس هواء غير مشبع بالفساء كالذي يعبّئ الزنزانة، ثم عبروا من أمامي، مخبر واثنين من المساجين يحملان الولد في الطريق إلى عيادة السجن، لكن هذه المرة حافي القدمين ونصفه العلوي عارٍ. في اليوم التالي، عرفنا أنه حاول الانتحار بتعرية السلك الكهربائي الرئيسي الذي يمد الزنزانة بالكهرباء، عرّى جزءًا منه بأسنانه، ثم أمسك السلك بقبضتيه وظل قابضًا عليه، وجسده ينتفض. قالوا على الأغلب سيعيش لكنه أصيب بحروق بالغة في يديه.

ظلت محاولات انتحار الولد تتكرر، حتى يئس مأمور السجن من احتواء الأمر، وتمكن بعد محايلات وحوارات من ترحيله من السجن ليصبح مشكلة مأمور سجن آخر. 

أما الولد نفسه فعمره لم يكن يتجاوز الواحد وعشرين عاماً، لديه مشكلة واضحة في جزء من أعصاب وجهه، وبالتأكيد مشاكل أخرى في النمو، جعلته لا ينطق إلا كلمات متقطعة، وجملًا مضطربة، مطموسة الأحرف أحيانًا، كل شيء فيه يؤكد حاجته إلى رعاية صحية ونفسية، وهنا بالتأكيد ليس مكانه.

لم يكن باستطاعة أحد مساعدته، فالولد من قرية في الصعيد، من أسرة فقيرة جدًّا، يأتون لزيارته مرة في الشهر وينقطعون عنه لفترات طويلة، قُبض عليه بشكل عشوائي بحجة عدم وجود شهادة التجنيد معه، ثم نُقل إلى محكمة عسكرية، وحكم عليه بالسجن ثلاث سنوات بتهمة التهرّب من التجنيد.

ربع المساجين في سجننا كانوا هنا بالتهمة نفسها. وفي كل سجون مصر يشكل المتهربون من التجنيد جزءًا لا يستهان به من طاقة أي سجن، حتى إن السجون الحربية لا تتسع لهم، فتقوم وزارة الدفاع باستئجار سجون من وزارة الداخلية وإرسالهم لقضاء فترة العقوبة في تلك السجون المدنية.

نطلق عليهم في السجن “العساكر”، غالبيتهم قادمون من طبقات وأسر فقيرة، يتهربون من التجنيد لنفس السبب الذي يتهرب لأجله فقراء مصر من التجنيد منذ زمن محمد علي وحتى الآن، وهو إعالة أسرهم حتى لا يمرون بالتجربة ذاتها التي مر بها المجند متولي في سيرة شفيقة ومتولي.[1] أغلبهم لم يكمل دراسته، والمحظوظ فيهم يعرف كيف يكتب اسمه، لكن لا يعرف القراءة أو الكتابة، تخرجهم أسرهم من المدارس مبكراً وتلحقهم بأي مهنة. منذ طفولته يقضي الواحد منهم يومه في ورشة الحدادة، أو سائقًا على “توك توك”، ولحظة السعادة في يومه هي حين يأكل كيس الكشري الغارق في الصلصة والشطّة.

ثم يُتمّ السابعة عشرة “سن التجنيد الإجباري في مصر” أو يتجاوزها، فجأة يقع في كمين، ينظر أمين الشرطة في بطاقته ويسأله عن شهادة التجنيد، ثم ظلام تام.

 ينزعونه من بيته وأسرته التي يعولها في الصعيد أو قرى الدلتا ليُشحَن إلى القاهرة. تنعقد المحاكمات العسكرية بشكل صوري، الجلسة الواحدة قد يكون فيها خمسمائة متهم متهربين من التجنيد، لا وقت للعدالة، يوقع القاضي عليهم العقوبة وينصرف متأففًا من ازدحام القاعة ورائحة عرقهم التي تعبق بها.

وقع فتانا الذاهل عما حوله في هذه الدوامة حتى انتهى به المطاف في سجننا. جسد بالغ وعقل طفل لا يعرف سوى أن يقول “كوكا” يعني فرخة، و”رزة” يعني طبق رز. 

وجوده في السجن دمر ما تبقى من وجدانه، فصار لا يعرف سوى الاستمرار في محاولات الانتحار الفاشلة، حتى عقله البسيط لم يكن قادراً على التخطيط لمحاولة انتحار ناجحة.

***

منذ حوالي مائتي عام، قرر محمد علي فرض التجنيد الإجباري على المصريين، حيث أرسل في 18 فبراير 1822 خطابًا إلى واليه على مديرية جرجا أحمد باشا طاهر قال فيه:

من الواضح أننا نُرسل قواتنا بقيادة أبنائنا إلى السودان ليجلبوا لنا السود لنستخدمهم في حملة الحجاز وخدمات أخرى مماثلة… إلا أنه لما كان الأتراك من جنسنا ويجب أن يظلوا قريبين منا طول الوقت، ولا يُرسلون إلى هذه المناطق البعيدة، أصبح من الضروري جمع عدد من الجنود من الصعيد، ولذلك وجدنا أنه من المناسب أن تجنّد حوالي أربعة آلاف رجل من هذه المديريات.”[2]

اقتنع محمد علي بتجنيد المصريين بعد تجارب فاشلة لزيادة حجم جيشه. لم يكن يأمن الاستعانة بالأتراك والألبان من بني جنسه، كما حاول مرتين تجنيد السودانيين من خلال آليات الاستعباد والسخرة، لكن تجاربه انتهت إلى الفشل. في كتابه “كل رجال الباشا” يوضح د.خالد فهمي أن تردد محمد علي في تجنيد المصريين، مرجعه إلى خوفه من تدريب الفلاحين على السلاح وإدخالهم إلى الجيش، الأمر الذي قد يؤدي الى زيادة طموحهم وربما يهدد سيادة المكون التركي الحاكم الذي ينتمي إليه، كما تخوف من تأثير عمليات التجنيد الإجباري على الأيدي العاملة في الزراعة، المصدر الأساسي للثروة في البلاد والتي بسببها تمكن من مراكمة الثروة والبدء في مشروعه لبناء وتحديث الجيش.

صاحبت عملية تحديث الجيش المصري استكمال بناء مؤسسات الدولة، من المدارس إلى المستشفيات والمتاحف. كلها صممت بحيث تخدم الجيش واحتياجاته، أول برنامج للتطعيم ضد الجدري نفّذ على المصريين، كان بغرض الحفاظ على صحتهم من أجل تأهيلهم للخدمة العسكرية. وعلى هذا الأساس تشكلت الدولة المصرية الحديثة. 

الملك الحاكم في المنتصف، وحوله الجيش القائم على التجنيد الإجباري والسخرة، ثم مؤسسات الدولة الهادفة إلى خدمة ذلك الجيش أولاً. وخارج هذه الدائرة يقبع الهوام والعامة، الذين يشكلون النسبة الأكبر من المصريين.

قاوم المصريون التجنيد الإجباري منذ البداية، هربوا من جنود الوالي، وأحياناً أحدثوا إصابات وعاهات في أجسادهم مثل قطع أصبع السبابة حتى لا يتم تجنيدهم. لكن استمرار قطار الحداثة يصاحبه ضجيج المارشات والموسيقى العسكرية وأدبيات الهوية القومية، أعاد تموضع الجيش في الوجدان والثقافة المصرية من أداة للقهر والذل والإجبار إلى معبّر عن الهوية الجماعية المتخيلة ومحتكر أبدي لتعريف الوطنية.

تحققت مخاوف محمد علي، فأول تمرد عنيف هدد استمرار حكم أسرته كان على يد أحمد عرابي الضابط في الجيش المصري والفلاح الذي ترقى وطالب بالمساواة بين الضباط المصريين والأتراك. ثم عاد الفلاحون المصريون إلى الجيش وانهوا حكم أسرة محمد علي في ثورة 1952.

منذ عهد جمال عبد الناصر، توسع الجيش في عمليات التجنيد الإجباري، لكن هذه المرة تحولت الخدمة في الجيش إلى شرف ورجولة ووطنية ومهلبية وغيرها من كلمات الإنشاء وبروباغاندا الاستبداد والتوحش المصري. اتسعت كذلك الفجوة بين المجندين القادمين من مختلف طبقات الشعب وضباط الجيش الذين يتم اختيارهم منذ سن السادسة عشرة ليلتحقوا بالكلية الحربية ليتم عزلهم عن بقية المجتمع ليخرجوا في النهاية ضباطاً وقادة لهذا الجيش.

يروي أحمد حجي في كتابه البليغ “مذكرات جندي مصري في جبهة قناة السويس”، كيف كان الوضع هناك حتى وقت الحرب في سنوات ما قبل 1973، حيث ضباط يشربون البيرة وجنود يعيدون غلي الشاي أكثر من مرة”.

 أعاد الجيش الذي كان أداة محمد علي للحكم والتوسع موضعة نفسه مكان الملك، ومارس المُلك طبقاً للتقاليد المصرية الملكية العريقة، التي تعود إلى نشأة الدولة المصرية في عهد مينا نارمر (3200 عام قبل الميلاد). فصل قادة الجيش أنفسهم عن الشعب، وانشأوا مساكنهم ومدنهم وأنديتهم ومستشفياتهم الخاصة، بنوا قوقعة ملكية عسكرية معتمدين على فائض الإنتاج الذي حققته مؤسسات الجيش من الأنشطة التجارية بعد حرب 1973. استمر التوسع في استخدام المجندين كطاقة العمل الرئيسية في مؤسسات الجيش، طبعاً بأجور متدنية جداً وبلا أي حقوق عمل، حتى أصبح منظر مجندي الجيش الشباب واقفين داخل أكشاك بيع منتجات السمك والجمبري المملوكة للجيش، مشهدًا طبيعيًّا في معظم الأسواق المصرية.

إلى جانب ما سبق ومنذ السبعينيات، تم اختيار الفئات الأدنى في التعليم والثقافة، لتشكيل قوات الأمن المركزي من جنود شباب قادمين من قاع الفقر، معظمهم حتى لا يعرف القراءة أو الكتابة. يتم تجنيدهم لمدة ثلاث سنوات، يقضونها في معسكرات الأمن المركزي الواقعة على حدود مختلف المدن والمحافظات المصرية، جاهزين دائماً لأي لحظة ينتفض فيها الشعب أو يتظاهر حتى يتم دفعهم كقوة ضاربة ضد إخوانهم المواطنين.

تعرض هذا النظام، وهذه الحياة القائمة على الإيمان بصنم الدولة القومية كما يعرفها ويقدمها خطاب المؤسسة العسكرية في مصر منذ الخمسينيات لهزة عنيفة في ثورة 25 يناير. لم تصل هذه الهزة إلى إسقاط الحكم العسكري أو مركزية الجيش أو-لا سمح الله- إلغاء التجنيد الإجباري، لكنها فرضت تصورات أخرى عن الحياة والعيش المشترك. تصورات عن احترام حياة الفرد وحقوقه وحرياته بدلاً من احترام هيبة الجيش ومؤسسات الدولة. عن حياة بلا إجبار، بل يتمتع فيها المصريون بالحرية والمساواة ولا يتم تصنيفهم حسب الرتب العسكرية.

سريعاً استعاد الجيش السيطرة على السلطة في مصر بعد 2014، لكن التحدي الذي واجهه هو عدم صلاحية استخدام الخطابات الوطنية القومية القديمة. فشبح الأفكار والتصورات التي فرضتها ثورة يناير لا تزال تؤرقه إلى الآن، كما أن موقع مصر من النظام العالمي تغيّر تماماً.

لا يملك النظام المصري الحالي رفاهية أو جرأة جمال عبد الناصر لخلق عدو خارجي متمثل في أمريكا وإسرائيل لتبرير سياسات القمع. فكان الحل أن يستدير الجيش إلى الشعب، أن يعين الشعب كعدو، كقوة مدمرة يمكن استغلالها لتدمير “الدولة المصرية”.

***

في 2013 وقبل أن يصبح رئيساً لمصر، حكى عبد الفتاح السيسي للصحافي المصري ياسر رزق، أنه منذ صغره يحلم ويرى رؤى لا يمكن تفسيرها لكنها تتحقق في المستقبل أو كما قال: “أنا بطلت أتكلم عن المنامات والرؤى من 7 أو 8 سنين؛ أو من 2006، لكن أنا دايماً كانت ليّ منامات ورؤى وشفت كتير جدًا من الأمور اللي حصلت بعدها ومحدش قدر يفسرها من 35 سنة”.

يندمج السيسي في لحظة تجلٍّ ويروي بعض أحلامه لرزق قائلاً: “شفت نفسي في المنام من سنين طويلة جدًّا، من 35 سنة رافعًا سيفًا مكتوبًا عليه “لا إله إلا الله” باللون الأحمر”. ويقاطعه رزق: “لا إله إلا الله باللون الأحمر”، ويؤكد السيسي: “باللون الأحمر نعم”.

أما الحلم الاخر فأكثر غموضاً حيث حلم “في إيدي ساعة عليها نجمة خضرا وضخمة جداً، أوميجا، والناس بتسألني) اشمعنى إنت اللي معاك الساعة دي؟!) قلت لهم الساعة دي باسمي، هي “أوميجا” وأنا “أبدلفتاح” رحت حاطط الأوميجا مع العالمية مع عبد الفتاح”. أما الرؤى الأخيرة فأكثر صراحة ويقول “رأيت أني مع السادات بكلّمه وقالي أنا كنت عارف إني هابقى رئيس الجمهورية، وقلت له: وأنا عارف إني هابقى رئيس الجمهورية”.

نشرت هذه الأحلام في تسريب لتسجيل صوتي لم يكن من المفروض أن ينشر. في التسجيل يؤكد السيسي أنه يخبر ياسر رزق بشكل شخصي “off record” هذه الرؤى، استوقفني في التسجيل الوقفات والسكينة وبهجة الثقة في النفس عند السيسي، فكرت أني لو حلمت بأي حلم مما سبق، فسأعتبره كابوسًا، ما المبهج أن ترى نفسك ممسكاً بسيف مكتوب عليه و”بالأحمر”؟

 في هذه الأحلام يظهرالسيسي مرتفعاً عن الناس، مستوحشاً عليهم. أو كما قيل في لسان العرب: “وكل شيء يسْتَوْحِشُ عن الناس، فهو وَحْشِيّ؛ وكل شيء لا يَسْتَأْنس بالناس وَحْشِيٌّ.”

يُستخدم لقب الوحش أيضاً كصفة إيجابية، دلالة على الفحولة والقوة والشجاعة، وهذا كله بمنطق إرهاب العدو. كوصف الجنود بأنهم وحوش، فعملية التجنيد وإعداد المقاتل في مصر تعتمد على الفخر بتحويل المجند إلى وحش.

نحن في عام 2021 ، تتنافس الجيوش بما تمتلكه من عقول، وأسلحة متقدمة، وطائرات مسيرة بدون طيار، وفرق من الهاكرز قادرين على اقتحام وتخريب شبكات الكمبيوتر في أجهزة الدولة المنافسة. لكن في مصر تتمسك الدولة كل عام بما يعرف بالاستعراضات العسكرية والتي أحياناً يتم تنفيذها في المناسبات الوطنية، أو مع تخريج دفعات جديدة من الكليات العسكرية والشرطية.

منذ الثمانينات وحتى الآن، وصورة تلك الاستعراضات واحدة، ضباط شباب حديثو التخرج يستعرضون مهاراتهم، مثل مهارة أكل الثعابين والحيوانات البرية، مهارة القفز في دوائر من النار كلاعبي السيرك، مهارات الاشتباك بالأيدي والقتال البدني. ومنذ بضعة أعوام وفي حفل تخريج طلبة كلية الشرطة كان هناك فقرة غريبة يظهر فيها أكثر من مئة خريج من الكلية، عراة الصدر بعضلات منتفخة، غارقين في الزيت الذي يلمع على أجسادهم ويضخم من صورة عضلاتهم، واقفين فوق سيارات ربع نقل كتماثيل محنطة بينما السيارات التي تحملهم تعبر من أمام منصة الرئيس والقادة. تعلق الجماهير على مثل هذه الصور وفيديوات الاستعراضات العسكرية البدائية بكلمات كثيرة، لكن أكثر كلمة مستخدمة دائماً هي وصفهم بالـ”وحوش”. أو كما يتكرر دائماً فالجيش هو مصنع الرجال، مفرخة الوحوش. الماكينة التي تدخل فيها وأنت تحلم بأن تحمي بلدك وترفع علم قومك، ثم بعد سنوات من النجاح داخل المؤسسة ووصولك إلى أعلى مناصب ودرجات القيادة، يصبح حلمك سيفًا يقطر دمًا مكتوباً عليه “لا إله إلا الله”، وساعة أوميجا ثمنها يتجاوز الخمسين ألف دولار. 

***

نُقل الولد ذو عقل الطفل من سجننا. لكن وفود العساكر المساجين لم تتوقف. يأتون إلى السجن وبعضهم لم يتجاوز العشرين عاماً. كانت العادة إذا دخلت مجموعة منهم الزنزانة أن يتبرع كل شخص بجزء مما يملكه، سكر، شاي، خبز. لكي تكون زوادة لهم، لأنهم يأتون بلا أموال ولا طعام.

في حالة العوز تلك، يكون من السهل اصطيادهم من قبل أى الموجودين في السجن. الجماعات الإسلامية والتنظيمات الإرهابية يكونون الأسرع في التقاطهم. يضمونهم لجماعتهم ويشاركون الطعام والشراب معهم، يستحوذون على عقولهم بقال الله وقال الرسول، يشعر الولد بأنه وجد التقدير والرعاية تحت مظلة الأخوة في حب الله، ثم يوجهون غضبهم إلى حيث يريدون.

يخرجون من السجن بوصمة الاجرام والتهرب من التجنيد، بالتالي لا يمكن تعيينه مثلا في وظائف حكومية، وأي وظيفة خاصة سيتقدم لها سيظهر في سجله الجنائي أنه مجرم سابق، بالتالي لا يكون أمامه سوى الانحدار طبقياً إلى الأسفل، أوأن يسلك طريق الشقاوة أو الإجرام، أو الارتماء في حضن التنظيمات الإرهابية التي تمد مظلة الرعاية عليهم حتى بعد خروجهم من السجن. وهكذا إذا لم يصنع الوحش في الجيش، يصنع في السجن.

في بلد فقير وبلا موارد طبيعية مثل مصر، فإن مصدر الثروة الوحيد هو الأيدي العاملة وطاقته البشرية. لكن في ظل حكم الوحش وتحت إدارة التوحش، يجب تحويل تلك الأيدي إلى وحوش صغيرة قابلة للترويض والسيطرة عليها من قبل وحش أكبر. أن تكون إنساناً في مصر هو أخطر من أن تكون وحشاً.


 [1] فيلم شفيقة ومتولي، اخراج علي بدرخان، إنتاج مصر، ١٩٧٩

 [2] سجلات ديوان المعية السنية، الخطاب رقم 145، من السجل الثاني، من القسم الخامس. الخطاب مؤرخ بـ 25 جمادى الأول/ 1237/ 18 فبراير 1822 (دار الوثائق المصرية).

استصلاح الأراضي البحرية، والرّدم والنفايات: قراءة استقلابية للتمدّن اللبناني.

عماد قعفراني، إنسان، حيوان، نبات، رسم رقمي. 2021

لجأت الحكومة اللبنانية، منذ اندلاع أزمة النفايات في بيروت وضواحيها في عام ٢٠١٥، إلى حلول مؤقتة كانت خلاصتها رمي النفايات في المطامر الساحلية، كمطمر برج حمود، والجديدة، والكوستا برافا. واللافت أن هذه الحلول، التي تبدو مؤقتة، ليست بالجديدة، بل هي محض تكرار للإجراءات التي اعتُمدت في فترة الحرب الأهلية في عدد من المناطق الساحلية اللبنانية مثل صيدا وطرابلس، اللتان تجمعهما خصائص مشتركة. [1] غالبًا ما تتم عمليات استصلاح الأراضي البحرية في المناطق التي تضمّنت في تخطيطات مدنية وضعت ولم تنفذ منذ الخمسينات والستينات، وتصبح هذه الاستصلاحات مصدراً مهماً للأشغال العامة ومحرّكي الأسواق العقارية المرتبطين بالزعماء اللبنانيين، وذلك بهدف تحصيل أرباح خيالية. وفي بعض الأحيان، يهدف الاستصلاح إلى احتكار إيجارات الأراضي المستحصل عليها من خلال المشاريع القائمة عليه. تنبثق المواد التي تعطي هذه المطامر حقيقتها، في لحظات يصلح أن نسمّيها الإضطرابات الأيضية أو الإستقلابية، أي عندما تؤدي مشكلة حضريّة مفاجئة إلى تدفّق في المواد التي تنتج عن الأزمات المدينية، والتي يجب أن تخزّن في أماكن محدّدة (مواد مثل النفايات، والردم). تشكّل آليات التمدّن هذه مثالاً واضحاً لمفهوم الأنثروبوسين، إذ أنها تشكل  طبقة جيولوجية جديدة تم استحداثها بالكامل عبر النشاط البشري.

 الاستقلاب المديني: الاستهلاك، والإفراز، وإعادة التدوير.

 يتيح لنا مفهوم الاستقلاب المديني النظر إلى مشاريع التمدّن والاستصلاح على طول الساحل اللبناني، من عدسة تداول المواد وتحويل المواد التي تمنح المدينة تناسقها.  وإذا استخدمنا تشبيهاً جسديّاً للمدينة، نخلص إلى التفكير في أنها الطعام الذي أكله أسلافنا، وبالتالي السماد الذي خصبوا حقولهم به.

لا ينطبق  هذا التفكير الدوري العضوي على الأماكن التي تملؤها أنقاض المباني المهدمة آنيّاً، والتربة المحفورة، ونفايات البلدية، إذ أن ما ينبع منها ما هوإلّا تربة غير خصبة مغمّسة بسوائل سامة، تسمّم الثروة البحرية والنباتية والحيوانية، وكل من يجرؤ على السباحة في مياه البحر القريب منها. وسأسعى في هذا النص لتقديم لمحة توضيحية عن البيئة السياسية الحضرية كما يتصوّرها الجغرافي “إريك سوينجدو” وزملاؤه في كتاب “في طبيعة المدن[2]. عند استخدام تشبيه الإستقلاب المذكور آنفاً -وهو تشبيه يفيد ويساعد في زيادة الوعي للأهمية المادية للتدفّقات التي تشكّل المدينة- علينا أن لا ننسى الطبيعة السياسية المحضة لعمليات النقل والتحوّل هذه، باعتبارها عمليات  تشارك في إنتاج وإعادة إنتاج علاقات القوة، لا سيما عبر آليات تداول رأس المال غير المتكافئة. تطرح هذه العمليات إذاً، مسألة الفساد ودوره في إعادة إنتاج النخبة السياسية في لبنان، من خلال إنشاء نظام الاحتكارات. ويتعلّق البعد السياسي الأساسي الآخر فيها  بتمثيل مستقبل المجتمع والمدن اللبنانية، من خلال ما أسميته في مقال آخر “التخيّل التخطيطي”،[3] وهو مجموعة المعايير والتصوّرات أو الرؤى التي ظهرت في سياسات التنمية والتخطيط المديني للعاصمة اللبنانية. ولدت هذه الرؤى ومثيلاتها  من تفاعل  السياسيين واللاعبين الأساسيين والمخطّطين النخبويين  الذين عادةً ما يكونون مرتبطين بهم أو تابعين لهم. وبدقّة أكبر، تستبين هذه الرؤى مناطق محددة للتدخّل وإنشاء المشاريع السياسية والاجتماعية، والتي تكون في أغلب الأحيان على الساحل. لا يمكن فهم الخطوط الساحلية الجديدة لمدينة بيروت إلا على أنها نتاج مشترك لتداخل الخيال السياسي والمالي، كما يظهر في المشاريع الناتجة، والمواد التي تعطيها شكلًا.

سوليدير وأرضها المستصلحة

يمثّل وسط مدينة بيروت الحالي مثالاً جليًّا على التمدد، في ما يسمّى غالباً  باسم (بيال) BIEL، ويمتدّ على مساحة أرض تفوق الـ ٦٠ هكتاراً من الأراضي المفرزة والتي تتضمّن مركزاً للمؤتمرات والمعارض. نتج هذا الامتداد في البحر عن سلسلة من المشاريع والمبادرات التي يعود تاريخ طرحها إلى الستينيات، ومنها مشاريع  كانت  تهدف إلى زيادة أرضٍ ساحلية عبر بناء جسر يربط كورنيش عين المريسة بالطريق السريع عند المخرج الشرقي لبيروت. خلقت سنوات الحرب الأهلية  الخمسة عشر والاضطراب الاستقلابي الذي نتج عن تخزين النفايات المنزلية، الفرصة المثلى لملء خليج النورماندي بهذه النفايات، وتحويله بذلك إلى مطمر في عام ١٩٧٨. يكتب  فؤاد عواضة، وهو مخطّط حضري  وعضو سابق في فريق المخطّط التوجيهي  للتنمية والتخطيط العمراني في منطقة بيروت الحضرية في الثمانينيات ما يلي:

“يذكرنا أولئك الذين يتكلّمون بالسوء عن المشروع أنّ هذا السد المقام على خليج النورماندي، والذي أفسد أحد أجمل المواقع في بيروت، لم يكن”عفوياً” أو “اضطراريًّا”  كما يُزعم.  فالمسؤول عن المطمر قام  بالتخطيط له منذ أوائل الستينيات، عندما كان مديراً عاماً للتخطيط المدني، وكان يحلم بتمرير طريق سريع عبر عرض الخليج، “لإغلاق” الطريق الدائري حول بيروت. وقد حصل على تأكيدات بأن هذا التمدّد سيُستخدم في تشييد المباني، بينما تعتزم الإدارة الحالية تحويله إلى مدينة ملاهي مركزية كبيرة.[4]

في بداية سنة ١٩٨٣ بدأت جرافات شركة أوجيه لبنان -التي وضعها رفيق الحريري آنذاك  تحت تصرّف الحكومة مجاناً- بهدم وجرف المباني والأحياء التي اعتُبرت غير قابلة للترميم، وكان أبرزها مباني أسواق بيروت. جاءت هذه  المبادرة  على عجل، ودون دراسة وتخطيط، فأثارت احتجاجات الرأي العام وسخطه. ومن المعروف أن أعمال إعادة الإعمار في منطقة وسط المدينة، والتي امتدّت من عام ١٩٩١ إلى عام ١٩٩٨، زادت من عمليات الهدم، إذ بلغت ٨٠٪ من المباني القائمة في المنطقة. تم إلقاء هذه الأنقاض الجديدة، بدورها، في مكب نفايات النورماندي ممّا زاد حجمه بشكل كبير.

ظلّ مكب النورماندي  يتمدّد ويتوسّع  طوال هذه الفترة، ومن ناحية أخرى، كانت الخطط المستقبلية لبناء ناطحات السحاب على هذا الردم  تتطلّب تعزيزات قوية (أي أن يقدر الردم على تحمّل أمواج عالية كالتسونامي، وتمتين التربة لتتحمل مبانٍ شاهقة، وغيرها من الشروط…)، وبالتالي كان لابد من احتساب تكلفة إضافية تصل إلى عدة مئات الملايين من الدولارات لتنظيف الموقع من محتواه وتوفير مواد ردم مناسبة جديدة. وبما أنه لم يكن بمقدور الدولة  دفع هذه التكلفة الباهظة، فقد عرضت الأرض (مع بدل إشغال مرتفع) على سوليدير كمساهمة عينية، وبذلك يكون المخططون للمشروع قد حقّقوا الأرباح المرجوّة والتي خططوا لكسبها -هم وداعميهم من السياسيين والزعماء- تلقائياً عندما بدأوا بعملية ردم البحر.

أرض فارغة في المشروع  الاستصلاحي BIEL-Solidere في عام ٢٠١٥ الصورة لـ :  إيريك فيرداي

يشير تمدّد المساحات في وسط المدينة إلى أن الخطط الأولى لردم البحر نتجت عن خطة وُضعت للتخلص من الكميات غير المتوقعة من النفايات والركام الناتجة عن الجرف وإزالة الردم من وسط المدينة. تطوّر بعد ذلك مخطط الكسب المالي للمخططين لمكب النفايات وتحوّل إلى فرصة للربح،  فلم يكتفوا  بتوسيع مساحة الردم فحسب، بل فرضوا أيضاً أعمال تدعيم للأرضية، شكّلت مصدراً إضافيًّا لأرباح كبيرة.

الاستصلاح في المتن الشمالي:

تم اقتراح العديد من الخطط لاستصلاح الأراضي على طول خط ساحل المتن الشمالي، حيث تنتشر الضواحي بشكل عشوائي منذ الستينيات. وكان المُخطط العمراني غبريال شار قد وضع رؤية لتوسيع مرفأ بيروت في عام ١٩٧٤ لكنها لم تبصر النور.  وفي عام ١٩٨١، أطلق النائب عن المتن أمين الجميل دراسة أعدّتها دار الهندسة لإنشاء امتداد بطول ثمانية كيلومترات بدءاً من برج حمود وصولاً إلى  ضبية معلناً أن المشروع يهدف إلى إعادة هيكلة التوسع المديني وتنظيمه وهو كان قد تفاقم  مع الحرب الأهلية. وكانت الخطة تَعدُ بإنشاء عناصر بنية تحتية مفقودة مثل طريق بحري جديد، ومحطة معالجة لمياه الصرف الصحي، ومناطق تجارية وصناعية خفيفة، فضلاً عن مشاريع لتطوير القطاع العقاري والسياحي  حول الموانئ الموجودة في المنطقة. وبمجرد انتخابه رئيساً، باشر الجميل تنفيذ المشروع بدعم من رفيق الحريري ورجل الأعمال جوزيف خوري المتخصص في الأعمال البحرية، وهو مالك مقلع نهر الموت الكبير الذي كان قادراً على توفير مواد الردم المطلوبة.

هكذا، تحوّلت منطقة برج حمود إلى مكبّ للنفايات، يشبه إلى حد كبير مكب خليج النورماندي فيما أولى الجميّل وخوري الاهتمام لمنطقة الضبية، كونها ذات طبيعة ضحلة، مما عنى أن العمل على المشاريع التطويرية فيها كان أسهل. قام حينها المهندس المعماري ريكاردو بوفيل بوضع خطة للعمل، وبدأت الأعمال على الفور ببناء سد وقائي في المنطقة، ثمّ تبين لاحقاً  أن المواد التي تم جلبها من مقلع نهر الموت لم تكن كافية، وكانت مكلفة للغاية، إضافة إلى أنّ استخدام النفايات كان قد أفسد الموقع. فتوقّف المشروع، ليتم إعادة  إحياؤه في التسعينيات، حيث وُضعت خطة تمويلية لمنطقة الضبية وقد عُهد بإنجاز المشروع  مرة أخرى إلى جوزيف خوري الذي  مُنِح ثلث الأرض مقابل خدماته. تم بيع المشروع لاحقاً  للمستثمر الإماراتي “مجموعة ماجد الفطيم”، ويشكّل المشروع الآن واجهة بيروت البحرية ( The Waterfront City) وهو ميناء يطلّ عليه مجمّع سكني فاخر.

بالتوازي مع إعادة إحياء مشاريع الضبية، أعاد مجلس الإنماء والإعمار (CDR) إطلاق الدراسات الخاصة بإنجاز مشاريع ردم لاستصلاح الأراضي بين برج حمود وأنطلياس، تحت اسم لينور، وهي شركة عقارية شبيهة بشركة سوليدير، وقد اندلعت منافسة شرسة بين العديد من المستثمرين المحتملين وزعماء الحرب الأهلية ورئيس الوزراء آنذاك رفيق الحريري، ووزير الداخلية  ميشال المر، ورجال أعمال محليين آخرين، وكان الهدف المتنازع عليه يكمن في الاستيلاء على الأراضي المردومة مستقبلاً.

أدّى المشروع كذلك إلى ظهور جبهات معارضة، من جانب بلديات مثل بلدية برج حمود خصوصاً، إذ كانت تخشى النتائج السلبية التي  ستنجم عن إنشاء محطة معالجة مياه صرف صحي، ومن  الزيادة الملحوظة في تراكم النفايات في شمال المنطقة. أصبح “جبل النفايات” ركيزة أساسية لنشوء مكب النفايات الذي تفاقم بين العامين ١٩٩١ و ١٩٩٧ في برج حمود، وقد امتد إلى البحر على مساحة تقارب ٤٠ هكتاراً، وبلغ ارتفاعه ٤٢ متراً.

نشرت عمليات الحرق المزمن والمتكرّر للنفايات أبخرةً ضارة وسامة ورائحة كريهة في المنطقة، وكوّنت هذه الكومة من النفايات شكلاً جديداً من أشكال الاضطراب الإستقلابي، وخلقت بالتالي فرصةً مثالية لكي تبدأ  شركة لينور للبدء بتنفيذ مشاريعها، غير أن عملية تمتين التربة وإعادة معالجتها كان سيزيد من تكاليف المشروع ، لا سيما في ظل تواجد المنحدرات الشديدة للوادي البحري الذي يشكل الجزء الحدودي لنهر بيروت بالقرب من المنطقة. ومع تراجع سوق العقارات في عام ١٩٩٦-١٩٩٧، ووصول الرئيس لحود إلى سدّة رئاسة الجمهورية، تم التخلي عن المشروع.  يظهر لنا هذا التسلسل، أن الاضطرابات الاستقلابية -المتمثلة في فيضان الأنقاض والنفايات- التي توفر فرصاً للتنمية المدنية قد لا تبلغ جدواها، إذ تظلّ مقيّدة ومرتبطة بسوق العقارات وتداول رأس المال المديني.

الأرض الفارغة في مشروع استصلاح الضبية عام ٢٠١٧ (Photo Eric Verdeil)

التحضر المتسارع ، الاستهلاك المحموم ، انتشار مطامر النفايات

شهدت الفترة الواقعة بين تسعينيات القرن الماضي ويومنا هذا في لبنان نمواً مدينياً غير مسبوق، بلغ زيادة بنسبة ٨٠٪ بين عامي ١٩٩٤ و ٢٠١٤، بمعدل يتجاوز النمو السكاني بأشواط.[5] يترافق هذا الامتداد العمراني مع استنزاف كبير للموارد الطبيعية بغية استعمالها في صناعة مواد البناء، إذ يتم استخراجها بكميات كبيرة من الجبال المحيطة ببيروت.  وتجدر الإشارة إلى أن جزءاً كبيراً من أعمال المحاجر والمرامل والكسارات يُعتبر غير قانوني، ولكن لطالما تم التغاضي عنه، وذلك ليس لأن مساهمة قطاع البناء في الاقتصاد اللبناني تعتبر ضرورية فقط، بل أيضاً لأن أصحابها محميون من قبل البنية السياسية الفاسدة، إذ يمكّنهم هذا الغطاء من الحفاظ على أعمالهم غير المشروعة.

أدّت عمليات الهدم المتزايدة للمباني القديمة وحفر مواقع البناء الجديدة إلى تراكم  أنقاض كان لا بد من التخلص منها. وفي عام ٢٠٠٦ ، دمّرت القنابل الإسرائيلية ٢٢٠ مبنى دماراً شاملاً  في حي سكني مساحته 32 هكتاراً في قلب الضاحية الجنوبية لبيروت. وبما أن مخلّفات الدمار تمثّل فرصة للنمو داخل هذا النظام، فقد جُمع الردم على واجهة بحرية جديدة ، في منطقة تسمّى الكوستا برافا، جنوب المطار.

بالتوازي مع الارتفاع في معدل البناء، شهد لبنان أيضاً طفرة استثنائية في الاستهلاك، ممّا تسبّب في زيادة كبيرة في كمية النفايات. عكس هذا الارتفاع في كمية النفايات -غير العضوية على وجه الخصوص – عادات الاستهلاك المتغيّرة للسكان الخاضعين لنمط العولمة والتمدّن المفرط،  والمنقسمين طبقياً نتيجةً لتزايد غياب  التكافؤ الاجتماعي بين طبقات المجتمع؛ إذ تم الاعتماد بشكل شبه كليّ على استيراد معظم السلع المصنعة في الخارج، من المواد الغذائية وغيرها من المنتجات الاستهلاكية. وبالتالي، زادت كمية النفايات التي تجمعها البلدية بنسبة ٤٢٪ في منطقة بيروت وجبل لبنان، بين عامي ١٩٩٩ و ٢٠١٣، وهي نسبة أعلى بكثير من معدل النمو السكاني. أدّى هذا التزايد في كمية النفايات البلدية الناتجة عن استهلاك السلع وما يرتبط بها من أعمال للتخلص منها إلى بروز مشاريع مطامر نفايات ساحلية جديدة. ثم تفاقمت أزمة النفايات في عام ٢٠١٥ بسبب عدم التوصل إلى حل بديل لمعالجة النفايات البلدية، ممّا أجبر الحكومة على إيجاد أماكن لرميها أو طمرها  تزامناً مع إعادة إحياء مشروع لينور الذي كان خامداً لمدة ١٧ عاماً.  وقد سعى حينها  وزير البيئة أكرم شهيّب إلى إنشاء مكب نفايات بمساحة ٣٣.٣ هكتار بين برج حمود والجديدة.  تتكون تربة هذا الموقع من خليط من الرمل والردم ومخلفاتٍ من جبل النفايات القريب الذي يعتبر الآن -في مفارقة غريبة- غير مُلوِث بعد أن كان قد  نشر تلوّثه في الهواء والماء والتربة لسنوات طويلة.[6] ومن اللافت أن شهيّب، الذي أعطى اسمه للخطة، كان أيضاً وزير البيئة في عام ١٩٩٧ وقد أشرف حينها على إغلاق مكب برج حمود والفتح المؤقت لمكب الناعمة. وهكذا، تعيدنا أزمة ٢٠١٥ للتنقيب في ذاكرة المشاريع المعلّقة.

مكب نفايات برج حمود ( صورة من موقع غوغل ٢٠٢١)

تضمّنت خطة شهيب أيضاّ في بنودها  تحويل موقع كوستا برافا، حيث تمّ رمي الرّدم والأنقاض لأول مرة في عام ٢٠٠٦، إلى مكبّ نفايات جديد.[7] وعلى الرغم من البعد النسبي للموقع عن الأحياء السكنية، فقد كان المكبّ محل نزاع شديد بين البلديات في المنطقة. كما لاقى كذلك اعتراضاً من قبل المجموعات البيئية بشكل عام. تجدر الإشارة كذلك إلى أن إنشاء هذين المطمرين الجديدين بشكل طارئ أدّى إلى نشوء العديد من المخالفات القانونية وتفاقم تلوّث مياه البحر، حيث بدأت عملية نقل النفايات إليه قبل الانتهاء من بناء السدود الواقية وتركيب الأغشية العازلة كما اقتضت الخطة للحد من التسربات.



أعمال مكبات نفايات واستصلاح أراضٍ في كوستا برافا وصيدا عام ٢٠٢١ (صور من موقع غوغل)

إذا ما حلّلنا مشاريع الردم الكبيرة المُقامة في بيروت الكبرى وصيدا، نتوصّل إلى وجود ارتباط قوي بين دوافع ثلاث، إذ يمكننا أولاً أن نرى كيف استُثمرت أفكار الحداثة والتجديد في استصلاح أراضٍ جديدة على البحر كما في المخطّطات المدينية المبكرة. ثانياً، نرى كيف يدفع توقّع ارتفاع قيمة الأراضي المساعي إلى شراء الأراضي الساحلية المناسبة، وأخيراً، كيف توفّر حالات الاضطراب الإستقلابي المواد اللازمة لردم البحر في المواقع المختارة. ورغم ذلك، تؤدّي الفترات الزمنية المتغيّرة لهذه النبضات الإستقلابية إلى فكرة التمييز بين الصدمات المفاجئة (كالتدمير العنيف كما في حالة الهجوم الإسرائيلي عام ٢٠٠٦، وفائض النفايات في عام ٢٠١٥) وبين التسارع المستمر في البناء المديني والاستهلاك المُنتجين لتدفق المواد المستخرجة والمستدامة على مدى طويل. وعليه، خلال هذين النوعين من الفترات الزمنية المتفاوتة، يرتبط تكثيف الاستهلاك ورمي المخلفات (إنتاج الأنقاض) إرتباطاً مباشراً بتداول رأس المال الذي يأتي، في السياق اللبناني، أساساً من الخارج (حوالات الاغتراب، والاستثمارات الأجنبية) ويغذّي قدرة الاستهلاك وسوق العقارات مباشرة. يمكننا نهايةً أن نلاحظ أن نقل الركام الناتج عن تدمير المباني وأعمال الحفر باتجاه الأطراف المدينية وإلى شاطئ البحر في العديد من المدن الكبرى سريعة التغير -لا سيما في آسيا- يشكّل سمة من سمات الأنثروبوسين.[8]

لم تعد المدن تنمو على أنقاضها ، كما كان الحال لقرون مضت، بل صارت تُصدّر أنقاضها إلى الأطراف.  وفي لبنان ، تتسارع هذه الحركة بسبب عدم القدرة على تنظيم تدفّق النفايات والتحكم بها من خلال سياسات تقليل حجم الاستهلاك وإعادة التدوير.

أدّت الحلول المطروحة لحل أزمة النفايات في السنوات الأخيرة، إلى إنشاء مكبّات ومطامر للنفايات على أراضٍ لم يعد بالإمكان الاستفادة منها في المستقبل المنظور لأية غايات أخرى.  ولم يؤد نموذج التمدّن في مكبّات النفايات الساحلية إلا إلى نشوء تلال مهجورة وجبال جديدة من النفايات تطلّ على البحر، إضافةً إلى هدر الموارد الطبيعية وإغفال المبادئ الأساسية للتوسع المديني.

ترجمة: حسين ناصر الدين


[1] هذا النص هو توليف وتحديث على مقال منشور سابقًا بعنوان: Verdeil, É. (2017) ‘Des déchets aux remblais: imaginaire aménageur, corruption et dérèglements métaboliques à Beyrouth’, جدلية

http://www.jadaliyya.com/pages/index/26876/des-d%C3%A9chets-aux-remblais_imaginaire-am%C3%A9nageur-corr.

[2] Heynen، Nik، Maria Kaika، and Erik Swyngedouw، eds. في طبيعة المدن: البيئة السياسية الحضرية وسياسة التمثيل الغذائي الحضري. المجلد. 3. تايلور وفرانسيس ، 2006.

[3] فيردياي ، إريك. Beyrouth et ses Urbanistes: une ville en plans) (1946-1975).بيروت والحضر: مدينة على المخطوطات .بيروت: 2011. متاح على: http://books.openedition.org/ifpo/2101.

[4] عواضة ، فؤاد. إدارة الخدمات الحضرية في بيروت أثناء الحرب: 1975-1985. Talence: CEGET (الممارسات الحضرية (Talence) ، ISSN 0992-3845 ؛ 5) ، ص 120 ، (1998)

[5] لا يمكن الاعتماد بالكامل على إحصائيات السكان المتضاربة في لبنان، نظراً لعدم الإجماع عليها. وقد قدّرت اللجنة المركزية للإحصائيات عدد سكان لبنان في ١٩٩٧ ب ٤.٥ مليون نسمة، و ٤،٧ مليون نسمة في ٢٠١٧ (من دون الأخذ بعين الإعتبار تدفّق أعداد كبيرة من اللاجئين السوريين في عام ٢٠١٢.

[6]منصور، فضل “From Trash Dump to Dreamland: An Entangled History of Toxicity and Capital”، جدلية. ٢٠١٨. الرابط:  https://www.jadaliyya.com/Details/38158/From-Trash-to-Dreamland-An-Entangled-History-of-Toxicity-and-Capital.

[7] بخلاف جميع المطامر الأخرى، لا معلومات لدي عن أي مشاريع عقارية في مكب الكوستا برافا.

[8]زالسيفيك، جان، واترز، كولين ووليامز، مارك، “City-Strata of the Anthropocene”. Annales. التاريخ والعلوم الاجتماعية – النسخة الإنكليزية. ٧٢ (٢)، ص.٢٢٥-٢٤٥، (٢٠١٧). doi: 10.1017/ahsse.2019.11.

قلق – تدوينات من صناعة فيلم

صهيب أيوب, غير معنون, ألوان مائية. ٢٠١٩

تمهيد 
رشا السلطي

سنة 2018، أكمل الفنان التشكيلي والمخرج غسان حلواني فيلمه الطويل الأوّل، “طرس، رحلة الصعود إلى المرئي”. يشكّل الفيلم رحلة صادقة تسبر أسئلة وجوديّة متجسّدة في صور، ومشاعر، وإشارات، واستعارات ومجازات، حول معنى الاستمرار في العيش في ظلّ غياب شخص مختطف، والتعايش مع أرشيف «لجنة أهالي المخطوفين والمفقودين في لبنان»، والإشارة إلى الغياب الحاضر، وتقبّله.

لا شكّ في أنّ قضيّة آلاف الأشخاص المفقودين خلال الحرب الأهليّة اللبنانيّة هي من موروثاتها الأكثر تأثيرًا وديمومة والتي ما زالت معلّقة حتّى يومنا هذا. منذ أن أنهى اتّفاق الطائف النزاع المسلّح، حاولت الميليشيات المتقاتلة، والتي تَحَوَّلَ زعماؤها إلى حلفاء سياسيّين في الجمهوريّة، دفن الآثار الفاضحة لجرائمهم، ماحين معالم عشرات المقابر الجماعيّة وطامسين مسألة المفقودين والمخفيّين. هل يمكن لشخص مفقود أن يُرغَم على الاختفاء؟ يجري طمس مغزى العيش، وتأسيس حياة، في قلق لامتناهٍ وحتمي، في ظلّ شخص بقي لغز اختفائه غير محلول، ومعلّقًا بشكل من أشكال الانتظار.
منذ اكتشافي الأوّل للفيلم، لفتتني آليّته وبناؤه المتشابك المثير للدهشة، وذلك نتيجة سنوات عديدة من العمل الدؤوب في حبك دقيق وخلاق لعناصر مرئيّة وسرديّة. فعلى مدى كل هذه السنين، جمع حلواني تدوينات كان يسجّل فيها مشاهد من أحداث عاشها، وحالات راقبها، ومقابلات أجراها مع اختصاصيين. كما أعاد صياغة مقالات صحافيّة. هنا، يكشف حلواني عن عناصر من أحجيته الرائعة، مستخدمًا رسومًاوثلاث تدوينات منسوبة لثلاث شخصيات مختلفة من الفيلم، مركبة كأنها حوار.

غسان حلواني, مقابر بيروت الجماعيّة في بدلة حماية السلم الأهلي,

قلق – تدوينات من صناعة فيلم

الصحافي

٦ كانون الأوّل/ ديسمبر ٢٠٠٥، سهل البقاع. داخل حقل سنابل قمح في سهل مجدل عنجر، عند سفح تلّة مقام النبي العزير.
على بعد أمتار قليلة من تلك التلّة، يمكن للمرء أن يلحظ تشوهًا بارزًا في المشهد وسط حقل سنابل القمح، أشبه بالانحدار. يمكن رؤيته بشكل أفضل من عند الجامع الموجود أعلى التلّة.
يبلغ ارتفاع التلّة ٧٥ مترًا تقريبًا.

المدعي العام

[…] يتبيّن من التحقيقات المجراة والتقارير الفنيّة والعلمية والمخبرية، أن ما أمكن جمعه من الرفات المحطم والمبعثر عائد إلى:

  1. جنين عدد ١
  2. مولود في الشهر الأول عدد ١
  3. مولود رضيع من الشهر التاسع حتى الشهر الثاني عشر عدد ١
  4. مولود من عمر سنتين إلى ١٤ سنة عدد ٧
  5. مولود من عمر ١٦ إلى ٢٥  سنة عدد ١
  6. مولود من عمر ٣٠ إلى ٥٩ سنة عدد ١٥
  7. مولود من عمر ٦٠ إلى ٨٠- سنة عدد ٨

الصحافي

ربضنا على التلّة ثلاثة أيّام طويلة وحارّة.
سُربت معلومات بأنّ شيئًا ما كان على وشك الحدوث في المنطقة.
لذا وما إن سمعنا ذلك توجّهنا على جناح السرعة إلى السهل، حتّى قبل حضور أيّ شخص، هناك نصبنا معدّاتنا وبدأنا ننتظر.
كانت السماء منقشعة الغيوم  تماماً، ما يُنبئ بنهار حارّ في السهل.
جال نظرنا في النبات والزهر البرّيّ. نسمة لطيفة كانت تنفخ في حقل سنابل القمح. كان الجوّ ساكناً؛ ولم نكن نسمع سوى زقزقة العصافير، وحفيف النسمات. 
فجأة، ارتفع هدير محرّكات ممزقًا ذلك السكون.
من وراء التلّة، ظهرت جرّافة تليها قافلة من السيّارات الأمنيّة التيّ تقدمت داخل الحقل، وتوقّفت عند الانحدار البارز في الأرض.
طلبوا منّا مغادرة المكان فورًا وقاموا بعزل الموقع.
سُمح لنا بالمشاهدة عن بُعد فقط.
بدأوا يتحدثون في ما بينهم ويشيرون إلى ناحية بعض النقاط، بعد ذلك تحرّكت الجرّافة رافعةً ذراعها الحديديّة وغرزتها في الأرض، في قلب ذلك الانحدار.
كانت التربة التيّ رفعتها الجرافة سوداء.
تعجّب أحد سكّان القرية الذي كان واقفًا معنا،  متمتمًا من خلفنا بأنّ تربة هذه الأرض مفترض أن تكون حمراء. وبالفعل، كانت تظهر في بعض مواقع التلّة الصخريّة على يميننا بقع من التربة الحمراء بشكل جليّ.
التربة السوداء كانت غريبة عن هذه الأرض، ولا بدّ أنها استُقدمت من مكان آخر.
استمرّت الجرّافة بالحفر وانتشال الكسوة الترابية السوداء
بعد ذلك بقليل، انضمّت جرّافة ثانية إلى العمليّة.
كنّا بالكاد نستطيع تمييز أي شيء آخر سوى تلك الحركة الحديديّة الثقيلة؛ وكانت القوى الأمنيّة قد قامت بإبعادنا إلى مسافة أكبر عن موقع النبش.
سارعنا إلى قمّة التلّة علّنا نحظى برؤية أفضل، إلّا أن المشهد بدا من هناك مصغّرًا.
الرجال في بذّاتهم كانوا منتشرين في جميع أرجاء الموقع.
الجرافتان كانتا تحفران بعمق أكبر الآن، والحفرة أصبحت واسعة.
بدا لنا من موقعنا، أن الرجال يقومون بنقل أجزاءَ منتشلة من الأرض ويضعونها في أكياس بيضاء.
خرج أحد العسكريين من المنطقة المعزولة، فهرعنا نحوه، إلّا أنه وعلى الفور صرّح بأنّه غير مخوّلٍ الإدلاء بأيّة معلومات. 

الخبير الجنائي

عزيزي غسّان،
أودّ إعلامك أن رسالتك والمستند المرفق قد وصلاني. وبالفعل، لم أستلم أي شيء قبل الآن، باستثناء الخبر الذي يشير إلى أنّك ستقوم بجمع بعض المعلومات وإرسالها إليّ. لا تقلق بشأن وقتي، فقط علمت البارحة أن مشروع التشاد قد تمّ تأجيله لبضعة أيّام، لذا لديّ الكثير من الوقت، وحين أفهم أكثر ما الذيّ تريده منيّ، سيُلهيني ذلك النهار كله. 
قرأت المقالات التي أرسلتها. إنّه بالفعل عمل استقصائي غريب ومربك، يُبقي على أسئلة عديدة من دون إجابات، بداية دعني أقول إنه ليس من المستغرب أن ما تمّ اعتُباره مقبرة جماعيّة، يتضح أنّة بالفعل مقبرة عاديّة. قد يكون الأمر كذلك، ولكن يُتوقَّع أن يقوم المرء ببعض الاستقصاءات قبل استقدام الجرّافات. إن الوسيلة التي استخدمت لتحديد عمر الرفات وزمن دفنها هي الوسيلة المعتمدة لتحديد عمر الجثث، ولا شكّ أنّ رصاصة نحاسيّة موجودة في الموقع ليست كافيّة لتكون دليلاً قاطعاً.

المدعي العام

بعد الاطلاع على كتاب معالي وزير العدل رقم ٣/٧٠٩٤ تاريخ ٢٠٠٥/١٢/٦ والذي يطلب فيه إجراء التحقيقات وتحريك الدعوى العامة بخصوص المقابر الجماعية المكتشفة في مناطق مختلفة من لبنان، وعلى الأوراق كافة المتعلقة بالعثور على رفات في محلة تلة النبي العزيز الكائنة في خراج بلدة عنجر، وبعد أعمال التنقيب بإشراف النيابة العامة الاستئنافية في البقاع، ونقل الرفات الى مقرّ عام قوى الأمن الداخلي من قبل لجنة طبية متخصصة، وجمع ما أمكن جمعه من هياكل عظمية محطمة ومبعثرة، وبعد اجراء المعاينات والفحوصات العلمية والمخبرية تبيّن ما يلي: 
إن عدد  الذكور هو ١٨ وعدد الإناث ١٠ بينهم امرأة حامل، وإن ١٦ رفاتًا تعذر تحديد جنسها، وإن عمر الدفن متفاوت يعود أحدثها لمدّة ٥٠ سنة وأقدمها لمدة تزيد عن ٣٥٠ سنة، وإنه لم تلاحظ آثار إصابات بأسلحة نارية.
[…] تبيّن بأن الظرف النحاسي الفارغ والمضبوط عائد لمسدس فرنسي طراز ١٨٩٢ وكان مستعملاً من قبل الشرطة في المستعمرات الفرنسية وقد بوشر بتصنيع هذا النوع من الرصاص عام ١٨٩٢ وتوقف تصنيعه رسمياً  في بداية الخمسينات.
[…]لجهة القطعة الفخاريّة، أودعت الجامعة اللبنانية قسم الآثار لدراسة ما إذا كانت لها قيمة أثرية أم لا.
[…] تبيّن ان قطع القماش التي عثر عليها (سروال عسكري وكنزة عسكرية) لا علاقة لها بالرفات  بدليل عدم امتزاج القطع القماشية بأي من السوائل والبقايا البيولوجية الحيوية بما في ذلك تلك التي تنتج عن تفكك وتحلل الجثة.

الخبير الجنائي

ما أثار حيرتي أيضًا هو إجراء فحوصات الحمض النووي على العظام!، لا وبل صور أشعّة لكلّ عظمة. عادة، تقوم بذلك عندما يكون لديك فرضيّة حول هويّة الأشخاص المدفونين في المكان. يُستخرَج الحمض النووي لهدف مقارنته مع الحمض النووي لأفراد أحياء من العائلة. ولكن في حالتنا هذه، وفي ظلّ غياب أيّ فكرة عن هويّة الضحايا، وغياب أيّ عيّنة من الأقارب لغرض المقارنة، فإنه من غير المنطقيّ القيّام بهذه العملية. 
استوقفني أيضًا وصف الموقع. فمن الغريب أن يقوم الفاعلون باختيار منطقة صخريّة لدفن الجثث أو إخفائها. يُشكّل حفر مقبرة عملًا شاقاً، والناس كسالى عمومًا، لذا من المهم البحث عن سبب أو دافع لاختيار هكذا موقع كمكان لإخفاء الجرائم. لربّما كان هذا المكان الوحيد المتاح في المنطقة لدفن الجثث من دون شهود. الأمر عينه ينطبق على المقبرة العاديّة،  باعتقادي لا تشكّل الأرض الصخريّة المكان الأمثل لمقبرة (إلّا في حال عدم وجود خيارات أخرى على امتداد منطقة جغرافيّة واسعة).

الصحافي

كانت الشائعات المشؤومة قد شقّت طريقها إلى أعلى التلّة. أخبرنا سكّان القرية قصصًا تناقلها الناس شفهياً حول ما كان يحدث هنا. كمنتْ مهمتنا في تبيان ما يمكن أن يكون حقيقةً وفصله عمّا قد يكون اسطورة أو شائعات محلّيّة. 
لم يغادر أحد منّا التلّة. على مدى ثلاثة أيّام، بقينا هنا نراقب عن بعد ما بدا وكأنّه عمليّة لا نهاية لها.
اعترانا الشكّ. ولكثرة ما حدّقنا من هذه المسافة البعيدة ولهذه المدّة الطويلة، تحت أشعّة شمس حارقة، ومع هوَسنا بالبحث عن الحقيقة، سرحت مخيّلتنا، وبات المشهد ضبابيًّا. 
سحرتنا حركة ذراعيّ الآلتين الميكانيكيّة المتكرّرة، كما هدير المحرّكات القوي. حملتنا هلوساتنا نحو فكرة أنّ شيئًا مروعاً على وشك الحدوث. بعد الترقب طوال هذه المدّة أصبحنا منهكين، انتفخ فضولنا من اللهفة والغضب. فقدت مخيلتنا كلّ الضوابط في حين كانت عقولنا تعيدنا إلى القصص المشؤومة التي رُويت لنا.
كصحافيّين، أصبحنا مهووسين بمهمّتنا، وكنّا، وحتّى تلك اللحظة، قد عجزنا عن القيّام بها.
الكبت والغضب كانا يهدران في نفوسنا، نحتاج إلى نهاية! أصبح واضحاً في تلك المرحلة، أنّ ما جرى نبشه لن يرتقي إلى مستوى التكهنات التي كانت تحيكها مخيّلاتنا.
والتي نودّ أن نظهرها إلى العالم!

الخبير الجنائي

الأمر الأخير الذي أودّ الإشارة إليه، علمًا أنني لم أعد أحسّ بالارتياح تجاه ذلك، فمن السهل جدًّا على المرء أن يكون جالسًا على كرسيّ خلف الحاسوب، كمّا أفعل الآن، ولكنّي سأذكره في كل الأحوال. لا تقتصر مشكلة عمليّة النبش هذه على غياب بحث مسبق، بل تمتدّ أيضًا إلى الطريقة التي تمّ استخدامها للقيام بذلك. لا تُستخدم الجرّافات في حال كانت النيّة الحفاظ على دلائل أو في حال كنت ترغب     في انتشال جثث كاملة. هذه الآليات عنيفة، ولا تتمتّع بالدقة المطلوبة للقيام بهذا العمل، بل هي تلحق الضرر أكثر ممّا تساعد على كشف أي شيء.
أستخدمُ مع زملائي الرفش والفرشاة، وربّما جرّافة صغيرة من أجل جرف الطبقة العليا من التربة (وهو أمر غير ممكن في منطقة صخريّة). كما أنّ عمليّة النبش تأخذ وقتًا يفوق بأشواط الفترة المذكورة في المقالات، وهو وقتٌ ضروريٌّ لتفادي مزج العظام وفصل الجثث (إلّا إذا وُضعت في المقبرة وهي مفصولة، وهو أمر غير شائع).
غسّان، تلك هي انطباعاتي الأولى، ولكن، بصراحة، لا أعلم ما إذا كانت تجيب عن تساؤلاتك. لا تتردّد في الاتّصال بي مجدّدًا. أعي أنّ ما أرسلته إليك لتوّي هو تقنيّ بحت ولا يمتّ بصلة إلى اللغة الواجب اعتمادها للتواصل.

غسان حلواني, المنحدر – سهل البقاع, . 2014

المدعي العام

التنوع في جنس أصحاب الرفات والتفاوت في أعمارهم يدل على أنهم دفنوا في محلة تلّة النبي العزيز بعد اعتماد تلك المنطقة كمدفن قبل ٣٥٠ سنة، وأن آخر واقعة دفن حصلت قبل ٥٠ سنة.
وحيث يضاف إلى ذلك أن أحداً من أهل المفقودين في لبنان منذ بداية الأحداث الأليمة عام ١٩٧٥ لم يدَّعِ بفقدان امرأة حامل أو نساء أو أطفال.
وحيث إن ما يؤكد صواب ما انتهت إليه التحاليل المخبرية والعلمية بأن تاريخ دفن الرفات يعود بحد أدنى إلى ٥٠ سنة ويمتد إلى ٣٥٠ سنة وأكثر، هو العثور على ظرف نحاسي لرصاص عائد لمسدس فرنسي صنع ١٨٩٢ والعثور على قطع قماش من الألبسة لا علاقة لها بالرفات، لأن الجثامين دفنت في أكفان أصحابها مسلمون، ولم تدفن مع ألبستها.
وحـیث إن الـشاھـد السـید قـاسـم عـبد الـغني الخـطیب، وھـو مـن مـوالـید 1928 مـن أھـالـي مجـدل عنجـر ومـقیم فـیھا، أدلـى بـأن والـده كـان خـادمـاً لـمقام الـنبي الـعزیـر وقـد ورثـھا عـن جـده، وأن أفـراد عـائـلته دفـنوا فـي تـلة الـنبي الـعزیـر، وأن الـحاكـم الـتركـي رشـدي بـك كان یملك منزلاً في المنطقة ودفن فیھا ثم نقلت رفاته لاحقاً إلى تركیا. 
وحيث إن الشاهد محمد علي حمود وهو من مواليد ١٩٢٥ من أهالي مجدل عنجر ويقيم فيها، أدلى بأن تلة النبي العزيز كانت تستعمل لمدفن الجنود الأتراك، وأن معالم قبورهم بقيت ظاهرة لحين قدوم الأرمن إلى بلدة عنجر، وبأن بعض الأهالي كانوا يدفنون موتاهم في المكان نفسه ومنهم والد زوجته وهو تركي.
وحيث إن الشاهد يوسف محمد حمزة من مواليد ١٩٤٣ من أهالي مجدل عنجر يقيم فيها أدلى بأنه بعد أن حضر بعض الفلسطينيين عام ١٩٤٨وأقاموا في المنازل التي شيدها الفرنسيون أثناء الانتداب دفنوا موتاهم في تلة النبي العزيز إلى أن غادروا المنطقة عام ١٩٥٦.
وحيث يُبنى على جميع ما تقدم، إن الرفات التي عثر عليها في تلة مقام النبي العزيز في بلدة مجدل عنجر في البقاع عائدة لمقبرة عادية  اعتمدها من  توالى على  الإقامة في البلدة من المسلمين لدفن موتاهم من الأجنّة والرضّع والحوامل والفتيان والفتيات والشبان والنساء والكهول والشيوخ والمسنين منذ بداية القرن السابع عشر وحتى أوساط القرن العشرين، وأن ليس بين الرفات من يعود تاريخ وفاته إلى ما بعد عام ١٩٥٠، وأن لا دليل على وجود مقبرة جماعية لرفات توفي أصحابها بعد هذا التاريخ، مما يستتبع القول بوجوب حفظ الأوراق لعدم دليل على وجود جرم جزائي.
لذلك، نقرر حفظ الأوراق لعدم الدليل على وجود جرم جزائي»

بيروت في ٦/٢٠٠٦ 
النائب العام لدى محكمة التمييز
سعيد ميرزا

الصحافي

فجأةً، ذهب الجميع وأصبح الموقع خالياً تمامًا! تُركت الحفرتان لنا من دون حسيب أو رقيب! في البدء كنّا مضطربين، فلم يحرّك أحدنا ساكنًا، إلّا أننا أخيرًا، وكما الكلاب التي تُركت من دون طعام لمدّة ثلاثة أيّام كاملة، هرعنا وغزونا الموقع. وأصبحنا المشهد.
من وصل منّا أوّلًا قفز داخل حفرة، وداس على كلّ شبر فيها. كان في الحفرة فضلات. عظامٌ! بدأنا بجمعها. حفرنا بأيدينا، لننتشل عددًا أكبر منها. هيجان وفوضى. البعض أخذ يكسر العظام بيديه ليتأكد من أنها عظام… وعثرنا على فكّ، ما زال يحمل سنًّا واحدة. لسبب ما، جعلنا هذا الفكّ نعي فجأة أنّنا كنّا نعبث ببقايا بشريّة داخل مقبرة جماعيّة.
جمعنا العظام التي وجدناها في كيس أبيض، ورجونا أحد سكّان القرية بتسليمها إلى السلطات إن عادت إلى هنا.
استاء عدد من زملائنا من الذين وصلوا متأخرين من تصرّفنا الأخير، إذ لم يتمكّنوا من أخذ أيّ صورة للموقع. قفزوا داخل الحفرة، نبشوا بعض العظام، ونسّقوها على التربة السوداء، والتقطوا الصور التي كانوا بحاجة إليها، ومن ثم غادروا.
بقيت العظام مكانها كما نسّقها الصحافيّون.


ترجمة: برونو برمكي 

وحشة

Ali Cherri, from the "Dead Inside" series, watercolor. 2021

clubhouse

جوليان كريستوفر يدعوك : منذ ٣ دقائق

عليك المشاركة في هذه الغرفة. نتحدث أنا، وكورا نيرفال، وجيرارد لابروني، و٦ أشخاص آخرين، عن “تقنيات إزالة صوت النفس من الكلام الإذاعي”

أنا ميّت، عزيزي المستمع. هذا ليس تسجيل مسبق، ولا مجاز . هذه ليست أكذوبة. أنا ميّت، عزيزي المستمع، ونحن في ما يتعدى الحاضر.

رحيل

حصل الأمر عند نقطة التفتيش على الحدود. لا بد أن يكون حصل عندها، إلا إذا كان قد بدأ قبل أن أغادر حتى. ربمّا كانوا قد وضعوا شيئًا في الطعام  عندما كنت في الداخل، شيء بطيء المفعول ؟ لعله كذلك. ربما لا يسري المفعول إلا عندما نكون في الجو، وربما يمكن إبطاله.

أعتقد أنه لربما في الوقت الراهن، لا فرق. لا يهم كيف حصل الأمر، أو متى، المهم أنه حصل، إلا إذا كنت لست بوعي الآن. لا، لا يمكن. لا يهم.

حسنًا، فلأعد بخطواتي. يتوقف سائق التاكسي أمام مطار بيروت التذكاري. أخرج من السيارة واخرج  حقيبتي، وعندما أعود لأدفع للسائق، يبصق شخص في وجهي. أرفع رأسي فأراه يمشي مع رجلين آخرين، يسألني “ع شو عم تنتاكي تطّلعي؟” مشددًا على حروف التأنيث التي يفترض أنها تهينني . يتوقف الرجل وينظر إليّ، كمن يتوقع إجابة. لا يهم، أقول لنفسي، سأخرج من هنا، رغم أن جزءًا مني كان يدفعني لأن أقتلع فمه، وأن أتحسس حنجرته بين أصابعي، أن أخلعها بقبضة مطليّة الأظافر، وأن أغنّي عبر عنقه المعكوف. لكنني تعلمت ألا أبدأ أي شيء من هذا القبيل، لن يأتي أحد لإغاثتي على أية حال، ولا يستأهل الأمر كل هذا. لا شيء يستأهل كل  هذا. لا شيء يعني شيئًا. أشيح بوجهي، ثم أجر حقيبتي بإتجاه  الحمامات كي أغسل وجهي. 

أعتقد أن تلك هي آخر ذكرى لدي عن رؤية نفسي، رأيتني، من مرآة الحمام أحدق في نفسي. وأقول، أنظر لا أحد في المرآة غيرك. لم تستطع عيناي أن تركزان، بدوت أكبر في السن، أو ربما أبهت. رغم ذلك، كان من في المرآة أنا، أنا متأكد من ذلك، أعتقد. أراني أشبهها، ما كان إسمها، أمي؟ الحمامات تطوف.

“أهلا بكم في مطار بيروت التذكاري”

كورا:

كانت مرهقة، عندما وصلَت إلى مقعدها في الطائرة. فتحات الهواء الصغيرة في السقف همست: شششش، دون انقطاع، كأمٍ تهدئ إبنها المحموم.

المحرك التوربيني كبخار حليبي سميك،  يتكاثف بهدوء تحتها، فيشكلّ بساطًا من الدخان  يحملها ويحتضنها. الصوت ينتقل عبر جسدها، يثقل جفونها بصوت عميق، ويداعبها  خلف شحمة أذنيها واصلًا إلى حبالها الصوتية. أغنية تضعها في بطن نجمة، كوكبة كبيرة، تتخطى الشكليات. “في تلك القبلة الطويلة كادت أن تفقد أنفاسها.”

صحيت بينما كان القبطان يتحدث عبر مكبرات الصوت الخشنة، طالبًا من الناس النظر من النوافذ، إلى الجانب الأيمن من الطائرة، لكي يروا بيروت من الجو.

أنا ميت، عزيزي المستمع، ونحن في ما وراء الحاضر.

وحش

شيء ما لم يكن على ما يرام. كان صف المقاعد بجانبي كلّه يحدق بي. قلت لنفسي أن هذه ليست إلا عوارض البارانويا. لم يكن من لبنانيين على الطائرة. فكّرت بأنني أجلس قرب النافذة، ولا بدّ أنهم ينظرون عبر النافذة ولا ينظرون لي بالضرورة. لكنني بعد ذلك نظرت إلى يساري، فأشاح الرجلان الجالسين قربي بنظرهما عني. لم أعرف إن كانت تلك الإشاحة التي يُقصد منها ازالة الخزي، كما عندما يُشيح الناس بنظرهم على الشاطئ، عندما يغيّر أحدهم ملابسه، مع العلم بأنهم سيقضون النهار كلهّم، نصف عراة، سويًا. لم أعرف إن كانت تلك النظرة كذلك، أو إن كان المقصود منها كسر الخوف، مثلما فعلت قبل ذلك على باب المطار لكي أتجنب اعتداءًا ممكنًا. ربما كان الأمر ما بين بين، كما يشيح سكان نيويورك المخضرمون بأنظارهم في محطة المترو بعيدًا عن نظرة المتسوّلة عندما تحدّق فيهم. أفكر بأن النيويوركيين يُبعدون نظرهم مرتين بحركة واحدة، مرة لتجنب الخزي، والحرج الناتج عن نجاتهم، التي يعرفون بأنها أتت على حساب هذه المتسوّلة. ذلك الخزي الذي ينبع من أن يكونوا خيبة أمل، ليس للمتسولة عندما تطلب منهم المال فقط، بل لرؤية هذه المتسولة الذاتية التي تُحدد عبرها الصواب.

أما المرة الثانية فهي لتجنب النظر في عين الباسيلسك، وخطر التقاط الفقر المدقع عبر النظر إليه ومحاولة تجنبه، الموضوع، في النهاية، موضوع منطق. أفترض، ربما، ولعل ذلك سيكون غير ذي صلة. يصبح التمييز هنا اعتباطيًا، إذا كان الخوف مجرد عار طويل الأمد. “تصبح الطبقة العاملة غير مرئية في ظل الرأسمالية المتأخرة” أو شيء من هذا القبيل. هل كان هابرماس من كتب ذلك؟ بغض النظر،  أين يكن العرص الذي قال ذلك، فإنه مخطئ، العالم يرى، لكن الناس لا ينظرون إليهم لفترة كافية لكي يتحولوا ويصبحوا مثلهم. أدخل هنا استعارة حول ارتداء قناع الأكسجين الخاص بك قبل خنق والدتك. الرؤية والإقرار ليسا سيّان.

:Le sausage en procès

شعرت، بعد ثوانٍ، بحرارة ملتهبة لنظرات أحدهم عليّ مجددًا، واستدرت، لأرى بأن الشخص الجالس على يساري، يحدّق في منشعبي  بزاوية عينه. نظرت في عينيه، منتظرًا أن يلاحظني، لكنه لم ينتبه، إلا عندما حرّكت رجليّ، منتبهًا إلى ثقل غريب في حوضي. نظر الشخص للأعلى عندها، والتقت نظراتنا لجزء من الثانية. أعلم أن ما سأقوله سيبدو وكأنه ضرب من الخيال، لكنني أقسم أنني في هذه البرهة، أصبحت داخل جسده، أنظر إلى جسدي. عندها، أدركت ما يحصل، كان جلد يداي أغمق قليلًا، وكانت لها عروق أكثر، وكانت مُشعرة. قلّبت راحتي يدي لكي أفحصهما عن قرب، فرأيت فيها نتوء كتلك التي تنشأ عندما يقوم المرء بالكثير من الأعمال اليدوية.  قلّبت يديّ مجددًا، فتحسَستْ يدي اليمنى شيئًا لم أعهده قبلًا، كان لي لحية.

بمجرّد ما أشحت بنظري، وجدتني جالسًا مجددًا في مقعدي قرب النافذة، أحدّق في منشعبي.

أنا في جلدي مرّة أخرى، أنظر للأسفل

لماذا أحسّ بأير في بنطالي؟

أنا في جلد الشخص الآخر أنظر لمنشعبي

كيف يحصل كل ذلك ؟

أنا المضيفة، أقدم المرطبات للركاب

أريد أن أسأل ” قهوة أو شاي” لكنني نسيت الكلمات

سأكون الفتاة الجالسة في المقعد ٢٤ د، التي تحدّق بالمضيفة وقد تثبّتت مذهولة في منتصف الممر، بفهما المفتوح قليلًا، وهي تنظر في النافذة على يسارها إلى الشمس السوداء، ويداها ممتدّتان إلى أباريق القهوة والشاي لكي تسكب للمسافرين.

كنت جالسا في مقعد مجددًا، أردت أن أتنفس الصعداء، لكن الشاي السخن كان يتدفّق في حضني، أردت أن أصرخ من ألمي، وأردت المزيد من الألم. حاولت أن أصرخ، لكن صوتي، وفي كل مرة كنت أفتح فمي، كان يعود لي عبر قمرة الطائرة: صوت محرّك توربيني يمّزق الهواء.

أنا عربة البار التي تدور في الممر على الجانب الأيمن من الطائرة، فيما تصطدم بالحائط الذي يفصل الدرجة الإقتصادية عن الدرجة الأولى.

هو، أنا يراني  في حمام الدرجة الأولى، الحمامات تطوف، ثمة غريب ينيكني.

ما كان إسمها، أمي؟

أقف في الممر بسكين بلاستيكي في يدي، وأنزل بنطالي مستعدًّا للقطع، هل هناك من اعتراض؟ هناك وليس هناك، وحيث كان هناك، لم يعد، واستُبدل ما كان لا يمكن امتلاكه، بالحركة المتكررة للنيك.

أنا محرّك الطائرة، أُحرق نفسي، وفيّ الوفرة.

كيف لكلّ ذلك أن يحصل؟

هي، أنا في حمام الدرجة الأولى أنيك غريبًا، أختفي داخله، فيما نحاول أن نعود. ليس هناك سوى الحركة المتكررّة للنيك. نحن في C major.

ينبت الشعر من المقاعد الجلديّة. يقشعرّ البدن، يقشعّر البدن.

سأيتّم نفسي لكي أنظف.

أنا الطفل في ممر الخروج الذي يصرخ من سريره الصغير مناديًا على أمه لكي تأخذه معها. أفتح فمي لكي أصرخ لكن صوتي يعود إليّ من مكبرات الصوت. لا داعي للصراخ بعد الآن، فلتتبرؤوا منّي كما تريدون.

سأتعلم أسمائكم عندما أهجركم.

سأخراكم قريبًا، لن يعود عندها من داعٍ للمجاز.

يحترق المحرّك. هي كل ركاب الرحلة، نفتح فمنا لنغني صوت المحرك. ليس هناك إلا الصوت، بالكاد.

هذه ليست بأكذوبة، عزيزي المستمع، هذا يحصل في البث المباشر. إتصل الآن وأخبرنا برأيك. هذا ليس تسجيل. إتّصل الآن وأخبر ماما أن كل شيء على ما يرام. بلى. لقد متّ، سوف أموت. هل تسمعون ضحكتي عندما أقول كل هذا؟ أم أنني أبكي. سأموت، هل أنتم قربي؟

تدور الطائرة في الهواء. الطائرة هي السماء، لا سماء هنا، ولا هواء، ولا نفس. سينتهي كل ذلك قريبًا. نحن في ما يتعدى الحاضر، تطوف الحمامات من صوتي، ولا كلمات تبقى، ليس إلا الصوت.

هو الطائرة تدور دون هوادة. أنا الجاذبية تشّد الطائرة نحو مرفأ يعج بالمتفجرات. هي، ستيتّم نفسي لكي تكتمل. سأيتّم نفسي لكي أكتمل. هو أنا مات.

هو                     ستارة يصنع

شعر شعر شعر شعر مستعار شعر مستعار شعر مستعار شعر شعر

٩٦١٧٠١٤٣٥١٢ نغمة الإنتظار

اطعن  المنشعب. اطعن المنشعب وصلّح الأمور. أعمل:

واحد إثنان

واحد إثنان

تريتون من ٥

ثم اهبط على ٤ major ٧

عودًا إلى ١ major ٧ ثم اعزف النمط المهيمن.

الحمامات طافت. شدّ أحد ما أوتار البيانو لدرجة جعلتها تنفتق كلّما لمست مفاتيحي. سأيتم جيل بكامله، لكي لا يعرفوا ما الذي فعلتوه بهم.

بابا، هلّا أعدتني إلى جسدك؟ هلا تدعني أغني عبر عنقك ؟ هل ستغسل جسدي وتحملني أرضًا؟ هل ستجعلني نظيفًا. سأنسى إسمك يا ثكلى حين أيتّم نفسي. هي سمعتي الطائرات يا ثكلى قبل الإنفجار؟ هل سمعتيني؟ أنا ميّت، وهذا ليس مجاز .

أهلًا بك في نيويورك.

ترجمة: حسين ناصر الدين

عن الردم والمعنى المردوم

عماد قعفراني، وين عايشة؟ رسم رقمي، ٢٠٢١.

خَفّفِ الوَطْء ما أظُنّ أدِيمَ الـ       أرْضِ إلاّ مِنْ هَذِهِ الأجْسادِ

وقَبيحٌ بنَا وإنْ قَدُمَ العَهْـ             ـدُ هَوَانُ الآبَاءِ والأجْدادِ

أبو العلاء المعري

ليس هناك سياق تاريخيّ واضح وموثّق للأسباب التي دفعت أبا العلاء المعرّي لكتابة تلك الأبيات. إلّا أنه وفي سياق هذا النصّ يبدو لنا “أديم” المعرّي[1] جزءًا أساسياً من فكرة الردم الإنساني. والأديم هو الجِلد الذي يغلّف جسم الإنسان والحيوان. لا نستطيع أن نؤكد إن كان الأديم الذي يتحدث عنه المعرّي هنا جماداً أم أديماً غير ملموس. ربما هو الإثنان معاً. بالتالي، لا نعرف إن كان المعرّي يريد أن يخفّف وطأته على أجساد أجداده أم على موروثاته منهم. ربما الإثنان معاً أيضاً. يبدو تخصيص المعرّي لوجوده الإنساني وخلوده بعد الفناء مرتبطاً بالأديم والردم. فهو لا يطأ أجداده فقط، بل يطأ نفسه بعد موته. تظهر الفواصل الزمنية ضيقة هنا، لأن الشاعر يرى أجداده من خلال الردم المتراكم، لكنه يرى أيضاً نفسه ويرى موته المنتظر في الردم المتراكم ذاته. وكأن الردم أو الأديم ينسف معنى الوقت، كأنه موجود دائماً حاضراً وماضياً ومستقبلاً. بالتالي، إن الردم ينتقل من موقع إلى آخر، من جسم إلى جسم آخر لكنه لا يزول. 

يرتكز هذا النص على مقاربة الردم البشري والردم المعماري والمديني. ويناقش كيفية توظيف هذا الردم متعدّد الأوجه عند تقاطع الملموس وغير الملموس. يتم ذلك عبر محاولات لاستخدام الردم كأداة لاسترداد الحق في المدينة،[2] والحق في الذاكرة عبر العمل السياسي والاحتجاج، أو حتى كتابة الأدب وقراءته. لأن الكلمة، كالردم، تبني وتُهدَم. لا يمكن مقاربة ردم العمران وردم الذاكرة من دون التطرّق إلى اللغة والكلمة. ويشمل استرداد الحق في المدينة الشعور بالهويّة والقدرة على تغيير المدينة. 

أناقش مراحل الردم كالآتي: تتمثّل المرحلة الأولى بتعرّفنا إليه في مضامير اللاوعي الفردي والجماعي. أُقارب أولاً مفهوم الردم كمحرّك أساسي للوعي الجماعي، بهدف ربطه بموقف سياسي يقوم على تفعيل المقدرة الفكرية والحسّية في عمليات الخلق المُنتجة للمعنى. ترتكز هذه المقدرة على التواصل مع الحقائق التاريخية للمدينة ضمن إطار اللغة، في سعيها نحو انكشاف الذات. بالتالي، تُمسي هذه العمليات ولّادة للتمرّد على الواقع المديني والسياسي والاجتماعي والفكري المُعاش. تتمثّل المرحلة الثانية بالتعرّف إليه عبر الانغماس به حسيًّا أي عبر رؤيته ولمسه حتى. وتتمثّل المرحلة الثالثة بتوظيفه في إنتاج المعنى والمعرفة عبر اللغة في البدء، لكي نستطيع الكلام به، وبالتالي نسج خطاب نظري وتطبيقي واضح تمهيداً لمواجهته. أناقش مراحل الردم إذاً تحت عناوين “الردم المردوم – الردم المكشوف – الردم الوظيفي”. 

رمزية الردم: الخلود المعمِّر واللاوعي الجماعي

المقابر بعيدة، وأحياناً قريبة، وفي المقابر نطأ الأقدمين، وفوق الأموات يجلس حجر يحمل اسم الميّت، في المقابر نبكي الميت ونبكي اسمه على الحجر، في المقابر نبكي الحجر أيضاً، والحجر يخاوي العظام الميتة حتى الالتحام. الحجر امتدادنا ونحن امتداده.

 “حين نحلم بالبيت الذي وُلدنا فيه، وبينما نحن في أعماق الاسترخاء القصوى، ننخرط في ذلك الدفء الأصلي، في تلك المادة لفردوسنا المادّي”.[3] يعرّف غاستون باشلار في كتابه “جماليّات المكان” المادة الحسّية الأولى على أنّها مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بالمادة غير الحسّية الأولى، “الدفء الأصلي”. من هنا يمكن الاستنتاج أن الردم الأول (العمران) هو محور أساس للردم الثاني (الذاكرة)، والعكس. أي أن هناك علاقة تكافليّة بين الردمين، بحيث إن انعدام وجود أيّ منهما يؤثر على الثاني ويعدّل في أسس وجوده.

تنعكس حقيقة الردم الذي باغت المعرّي على الردم المديني والعمراني، بحيث لا مكان للفصل بين الردم غير الملموس للسرديات، وبين الردم الملموس للأبنية والعمران. وعلى الرغم من كون العلاقة تكافليّة بين الاثنين، إلّا أن الردم غير الملموس، يبقى مردوماً إلى حين مواجهته بالردم الملموس. أي أن السرديات تبقى مردومة في الذاكرة إلى أن تنبعث في الحواس. تتمّ عملية المواجهة عبر رؤية أو لمس الردم الناتج عن أمكنة ألفناها وعشنا فيها، كبيت نصف مهدوم أو كبقايا عناصر معمارية. 

للردم، عموماً، حقيقتان. الأولى أن الردم موجود، ووجوده عنيد، والتخلص منه يكون عادة أصعب من صناعته. والثانية أن الردم صناعتنا وامتدادنا، وهو وليد التدخّل البشري. تصبّ الحقيقة الأولى في مفهوم الوجود الحتميّ للردم. كيف لنا أن نتخلص من ذاكرة مردومة من بيت مردوم؟ تقع هذه الفكرة في عمق مفهوم الخلود. يبدو الردم أداةً متحوّلة دائماً. صحيح أنه ينبّهنا إلى أن العمران فانٍ، إلّا أنه يؤكد أنه موجود في حالات أخرى رغم فنائه ظاهرياً كعمارة. لذلك، للردم دائماً مسارات متحوّلة ممتدة على سنين طويلة. الردم موجود بعدّة أوجه بشكل مستمرّ. سوف أركّز هنا على الردم الطالع من العصر الحديث، لأنه ينتمي إلى طبيعة مغايرة، ولديه خاصّيته ودلائله. وهو مرتبط بالثورة الصناعية كمحطة أساسية جعلت من الردم عنصراً أساسياً وموجوداً في عالمنا المعاصر. ولسردية الردم تاريخ مواز فلسفيّ إلى حدّ ما، مرتبط بـ”آدم” الإنسان الأول والذي خُلق من التراب، الردم الأصيل، ومن أديم الأرض، وبالتالي اسمه آدم. ولسردية الردم أيضاً القبور الأولى، والتي فيها تُدفن الأجساد والجلود والعظام. أطرح هذه المقاربة هنا لأن مخلّفاتنا الصناعية كالخرسانة والزجاج والنفايات لا تقلّ امتداداً عن مخلّفات الإنسان من العظام والأجساد. بالتالي فكرة التغوّط، أو إنتاج النفايات البشرية، وتوزيعها على أماكن مجهولة، خُلقت مع النفس البشرية منذ الصغر. يرى الطفل ردمه، أي تغوّطه، كنُفاية طالعة منه، لكنه ما إن تطلع حتى تختفي عن بصره. إذاً فكرة غموض الردم ومصيره تدخل اللاوعي الفردي وبالتالي اللاوعي الجماعي. وفكرة الردم الذي نراه أمامنا دون معرفة مصيره، شبيهة بعدم معرفة مصير التغوّط البشري الذي ما إن يخرج منّا حتى يغيب مساره عن بصرنا، ومن هنا أسمّيه: الردم المردوم.

لهذا الردم بالذات سردية زمنية خاصّة: هل هذا الردم زائل تماماً بكل أبعاده إن غاب عن بصرنا؟ هل زواله السريع الذي يغيّبه عن النظر يؤكّد أن مخلفاته فانية بالكامل؟ إن أردنا طرح هذه الأسئلة على مستوى العمارة والمدينة، كيف نفسّر خلود الذاكرة المرتبطة بالردم المعماري؟ عادة ما يتم العكس: أي أن سرعة زوال الردم المعماري تزيد من قيمة خلود الذاكرة. لذلك، نحن بحاجة هنا إلى الردم المكشوف لكشف المردوم.

توظيف الردم كأداة سياسية

مع بزوغ الثورة الصناعية باتت عملية فناء العمارات أسرع، وبالتالي لا يمكننا مقارنة ردم العمارات الحديثة بردم العمارات التي لا تنتمي إلى العمارة الحديثة.[4] لأن خاصّية الردم التاريخية جزء لا ينفصل عن طبيعته. يقول دين شارﭗ واصفاً بيروت ومدن الشرق الأوسط: “إن نظرتم اليوم إلى خطوط أفق وسط المدن في أنحاء الشرق الأوسط، ترون أن الشركات المساهمة قد حوّلت المشهد الحضري بالكامل”.[5] انطلاقاً من هذه الحقيقة الموجعة ومن حقيقة أن الشركات المساهمة تنتقي المدن الأقدم، وبالتالي المعمّرة والخالدة لتحويلها، يمكننا الجزم بأن عمليات الهدم والإعمار في تلك المدن تساهم في تسليع الردم. مع العلم أن الردم المنتمي إلى العصر الحديث خاصّ بما فيه الكفاية، إلا أن تسليعه بهذا الشكل يضعه في قالب بحت رأسماليّ. وهنا، تبرز أهمية الحق في استرداد المدينة وذاكرتها. نعود هنا إلى مراحل الردم: الردم المردوم – الردم المكشوف – الردم الوظيفي، لفهم سياسات السلطات والشركات الخاصة في تحويل مسارات الردم، وأحيانا بترها. تنتقي السلطات الفضاءات المدينية التي تفيض تاريخاً وتراثاً ثقافياً ومعمارياً لنسفها والتي هي فرصة لتحقيق اقصى قدر من المساحة المبنية الحديثة بهدف تحقيق أعلى قدر من الربح المالي . بالتالي، يمسي تحوّل الردم المردوم إلى ردم مكشوف شبه مستحيل، فتبقى الذاكرة مردومة بلا أثر حسّي مكشوف لها في المدينة بعد نسفها، في انتظار دلالة اعتراضية سياسية، أو تغيير ما، لتعود هذه فتكشف الذاكرة إلى الواجهة في محاولة كشفها ولمس المردوم. 

محاربة هذه القولبة الرأسمالية تتمّ عبر تحويل الردم الناتج عن الدمار الممنهج إلى ردمٍ جديد ذي وظيفة جديدة من قبل العامّة، أي رفض تسليع الردم. الجزء الأول من المعادلة يتلخّص بالاعتراف بأن الردم الناتج عن عمليات الهدم والإعمار هو جزء من أدواتنا وأسلحتنا في استرداد المدينة. شهدت بيروت ليلة أحداث 17 تشرين الأول 2019[6] إحتجاجات واسعة، ولعلّ أكبرها كان في وسط المدينة. وأحد أسباب التجمّع في وسط المدينة يتلخّص بكونها مشروع السلطة الأساسي في الردم وإعادة الإعمار، فيه مؤسسات الدولة المراد استعادتها، وهذا الوسط وبفعل الردم هذا أصبح غريباً عن الذاكرة الحديثة لأبناء المدينة، وهو فضاءٌ خلّاقٌ للمواجهات والتظاهرات، ففيه ساحات واسعة ومفتوحة، وفيه تاريخ مردوم، أي ذاكرة مردومة، بحيث يُعدّ الوضوح العمراني لهذه الفضاءات بين ردم وبناء نقطة انطلاق واضحة للفعل التمرّدي. 

كما أن وسط المدينة يُعتبر أحد رموز الردم الجسديّ والمعنويّ المتراكم. فهي المدينة القديمة المخبأة خلف الأسوار والتي دمّرت بالكامل، وهي طبقات هذه المدينة القديمة المتراكمة فوق بعضها، وهي الحاضرة في الكثير من الروايات اللبنانية، وهي في الحقيقة، مدينة الردم المعاصر الشاهدة على أكبر عملية هدم وإعمار في تاريخ لبنان الحديث.[7]

لاقت الاحتجاجات دعماً لافتاً وانتقاداً لاذعاً، خاصة تجاه أعمال الشغب والتخريب. كانت الاحتجاجات والمواجهات تتصاعد تدريجيًّا بين الناس والقوى الأمنية، وتخلّلتها أعمال تكسير للواجهات التجارية والتي هي واجهات الأبنية العصرية. كان اللافت أن المتظاهرات\ين لم يقوموا بأعمال الشغب تجاه الأبنية الأثرية، المردومة عن قصد من قبل الدولة، أي المهملة عمداً. لم تُسلّع الدولة تلك المباني نصف الميّتة فقط، بل سلّعت ردمها. فوقفت هذه المباني على نصف أعمدتها، ونصفها الآخر شبه مردوم يتهاوى على نفسه. إثر أحداث 17 تشرين، دخل الناس التياترو الكبير الممنوع على العامة من دخوله لسنين، ومبنى البيضة/السيتي سنتر المهمل المتروك من قِبل الدولة. وكأن المتظاهرات\ين كانوا على دراية دقيقة بالذاكرة الجماعية، فكانت محاولة تكسير الأبنية الحديثة التابعة لسوليدير وتحويلها إلى حطام، ولو بسيط، كفيلةً بتهشيم أعمال الردم الممنهجة من قبل الدولة. ظهرت المعادلة كالآتي: استعمال أدوات بدائية لتحويل أبنية سوليدير إلى ردم، وعدم المسّ بالأبنية الأثرية في الموقع، كجزء من استرداد المدينة وهدم ردم الدولة بتحويل المباني “العنيفة”[8] إلى ردمٍ جديدٍ. لم تكن كتابة الجملة الشهيرة “سوف يكون خراباً” على جدران المدينة عبثية . جاء استرداد المدينة عبر الردم، بعدة أشكال، ولعل أبرزها تمثّل في تهشيم حجارة المباني العنيفة الحديثة لاستعمالها لاحقاً كأداة دفاع أمام القوة الأمنية. في عدة مواجهات، يأتي استرداد الحق في المدينة هنا على عدة مستويات، أهمّها: اتّخاذ قرار بتحويل العمارة العنيفة إلى ردم، من ثم اتّخاذ قرار بتوظيف هذا الردم ومن خلال هذه العملية يتمّ الكشف عن الردم الممنهج من قبل السلطة للمدينة فيتمّ استرداده عبر توظيفه سياسياً ولو بشكل بسيط. يصف ميشال دو سيرتو واقعنا على أنه تصادم بين نمط الإدارات الجماعية للفضاءات ونمط عمليات الاستملاك الفردية.[9] في هذه الحالة بالذات، أي تفعيل الخراب بهدف استعمال الردم المسلّع كوسيلة دفاع وتعبير، هو أبرز مثال على أن هذه الأفعال هي من أنماط عمليات الاستملاك الجماعية في وجه الإدارات السلطوية الجماعية للفضاءات.

تبليط البحر – تبليط اللغة

عام 2011 كتب الروائي رشيد الضعيف[10] رواية تحت عنوان تبليط البحر

وهكذا اختلفت درب فارس هاشم عن درب رفيق العمر جرجي زيدان. لكنهما قررا السفر معاً برفقة زميلهما أمين فليحان في اليوم ذاته، وفي الباخرة ذاتها إلى الإسكندرية…كانوا ثلاثة من الجامعة الأميركية. لم يكن أحد منهم ركب البحر مرة في حياته…بل كانوا في غالبيتهم الساحقة يرون البحر لأول مرة، فراحوا لذلك ينكّتون على طريقتهم: فواحد تمنّاه سهلاً ليزرعه بطاطا… وجد هؤلاء الجبليون البحر هائلاً ممتداً، ورأوا أن ما من أحد في الكون يمكن أن “يبلّطه”، ومن هنا جاءت عبارة “بلّط البحر” بمعنى أنك عاجز عن التحدي. الآتون من الأرياف استنبطوا إذاً عبارة “بلّط البحر” هذا ممّا استنتجه جرجي زيدان. وقادتهم هذه الملاحظة إلى نقاش معمّق عن حاضر اللغة العربية ومستقبلها.[11]

هذا الردم الذي يتكلّم عنه الضعيف هنا يصبّ في مفهوم وحشيّة فكرة ردم البحر. فـ “تبليط البحر” الذي بدا حينها كتحدٍ كبير، عليه أن يبقى فعلاً مستحيلاً، لأنه لا يصبّ في مسار الطبيعة البشرية، ومسار نموّ المدن. ما إن أصبح “تبليط البحر” فعلاً غير مستحيل، وبات التحدي حقيقة، بدأت الوحشية. يربط الضعيف الأفكار المستحيلة بالتركيبات اللغوية المستحيلة، أي، “تبليط البحر”، الذي قاد أبطال الرواية إلى نقاش معمّق عن واقع اللغة العربية. ربطاً بثلاثية الردم التي يقترحها النص: الردم المردوم – الردم المكشوف – الردم الوظيفي، يبدو تبليط البحر عملاً وحشياً يردم كل ما في هذه الثلاثية، وصولاً إلى ردم اللغة ذاتها. هناك إذاً أنواع وحشيةٌ من الردم تأتي كعائق أمام الإبداع اللغوي، وبالتالي تبتر مسار الحؤول إلى المعنى، فيبقى المعنى مردوماً تحت تبليط البحر.
البحر أحياناً هو من يبلّط المدينة ويبلعها. قد تبدو هذه الصورة وحشيّة ولكنها تعيد الردم إلى مكانه الطبيعي والبشريّ المعتاد. فـ”تبليط البحر” كفعل وحشي وغير طبيعي يشكّل صدمة لاواعية. 

في روايته “بيريتوس: مدينة تحت الأرض”، يسرد ربيع جابر[12] قصة حارس مبنى بيروت بالاس/السيتي سنتر/مبنى البيضة الذي نزل إلى عالم تحت الأرض، فأمسى لبيروت بيروت أخرى تحتها. يحاول الحارس رسم خريطة لبيروت كي لا يفقد ذاكرته عن المدينة. تتمثّل هنا أهمية كشف المدينة المردومة عبر رسم الخرائط والسرد الروائي معاً. لا يخطر للحارس أن يحدّث أبناء بيروت المردومة عن المدينة عبر السرد الشفهيّ، أو التواصل معهم كي يسرد تاريخ مدينته، وكأن اللغة أيضاً معدومة في بيروت المردومة تحت الأرض. هنا، مرة أخرى، تبرز علاقة الردم العمراني باللغة، وكأن الردم يبتر خيط اللغة، فيبتر حينها العلاقة بين المعاني كلها. 

أدب المدينة

“كأن البحر غمر الوسط التجاري كلّه في هذه العاصفة الفظيعة، وحاصرني أنا وحدي في سينما “سيتي بالاس” الباقية وحدها بلا ترميم ها هنا، من أزمنة الخراب”.[13]

يأتي تبليط البحر موازياً للصدمة. يعرف الأطفال عند قدومهم إلى الشاطئ أنهم إن رموا الرمل في البحار تبقى البحار سيّدة الفضاء، وإن بنوا بيوتاً رملية على الشاطئ يأتي الموج ليبتلعها. يعرف الطفل أن البحر لا يُردم، لذلك، يبدو تبليط البحر جزءًا أساسياً من تكوين الصدمة الفردية والجماعية المتّصلة بعلاقاتنا الفضائية مع المدن. تأتي عملية ردم البحر الممنهجة أيضاً كجزء أساسي من هذه الصدمات المتتالية عبر تحويل المدينة إلى ردم مردوم كي تبقى الصدمة حبيسة أصحابها. وهذا ما حصل لبيروت خلال عملية إعادة الإعمار في منتصف التسعينيات من ردم فعلي للبحر وصدمة أبنائها. يأتي خيار ربيع جابر الزمكاني كتلاقٍ بين مدينة مردومة تاريخياً وسياسياً، أي الوسط التجاري ما بعد الحرب وسياسات الإعمار التي فُرضت على المدينة وبين مبنى السيتي سنتر، وبين البحر المنتقم ردمه عبر قدرته على ردم المدينة.  تبدو الروايتان في هذا السياق كترجمة ممكنة للفعل السياسي الذي يمارس حقّه في استرداد الردم المديني والذي يقدّم نموذجاً جديداً لأرشفة المدينة وحقّنا في الحفاظ على الذاكرة. بذلك نتبيّن مثالاً عن إمكانيّة الربط بين الردمين اللغوي والمدينيّ، الحسيّ وغير الحسّي في سردية تلِج حقائق الهوية والمكان على أرضية الخيال العمراني والأدبي كجزء من الواقع المعاش. نعود للكلمة. كما ذكرنا في بدء هذا النص، الكلمة تبني وتُهدَم، لذلك، فاستعمال اللغة لاسترجاع المعنى هو من أهمّ أوجه محاربة الردم والمعاني المردومة. ويبدو أن استرجاع اللغة ضمن الإطارين الفردي والجماعي، هو الخطوة الأولى نحو كسر ثلاثية الردم: “الردم المردوم – الردم المكشوف – الردم الوظيفي”.


 [1] أحمد بن عبد الله بن سليمان القضاعي التنوخي المعرّي، 973 ـــــ 1057 ميلادي. هو مفكر وشاعر من عصر الدولة العباسية.

[2] لا يقتصر هذا المفهوم على حريّة الفرد في الوصول إلى الموارد المدينيّة، بل “يُعطي الحقّ في تغيير أنفسنا من خلال تغيير المدينة وفقًا لرغباتنا… فحريّتنا في إنتاج مُدننا وإعادة إنتاجها تُعتبر أحد حقوقنا الإنسانيّة الأهمّ، لا بل أكثرها تعرّضًا للإهمال”.

David, Harvey. “The right to the city.” New Left Review 53 (2008): 23-40.

[3] باشلار، غاستون. جماليات المكان. ترجمة غالب هلسا. المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع. الطبعة الثانية، 1984. ص 38.

[4] أعني العمارة الحديثة (modern architecture) التي ظهرت في أواخر القرن التاسع عشر كردّة فعل على الأساليب المعمارية السابقة. تأثرت العمارة الحديثة بالثّورة الصناعية على مستوى طرق البناء والأدوات الجديدة المستخدمة كالخرسانة والزجاج. تتبنّى العمارة الحديثة مفاهيم العمارة كوظيفة، وعدّة مفاهيم أخرى، أدّت إلى جعل الأبنية المنتمية إلى العصر الحديث أكثر عرضة للزوال السريع من الأبنية التي تنتمي إلى أساليب معمارية أخرى.

[5] مترجم عن الإنكليزية:
“If you look today at the skyline of downtowns throughout the Middle East and beyond, the jointstock corporation has transformed the urban landscape”
Sharp, Deen Shariff. Corporate Urbanization: Between the Future and Survival in Lebanon. A dissertation submitted to the Graduate Faculty in Earth and Environmental Sciences in partial fulfillment of the requirements for the degree of Doctor of Philosophy, The City University of New York. 2018. p.5

[6] أحداثُ 17 تشرينَ الأول 2019 هي سلسلة من التظاهراتِ وشملت مواجهاتِ عدّة بين المحتجّين والقوى الأمنيّةِ اللبنانية. امتدت هذه الأحداث بين عامي 2019 و2020.

[7] أعني هنا مشروع سوليدير، الشركة الخاصة-العامة التي تولّت إعادة إعمار وسط المدينة بعد الحرب الأهلية اللبنانية 1975-1990.

[8] أعرّف المباني “العنيفة” التي بُنيت على مواقع أثرية، أو مبانٍ هدمت عمداً.

[9] مترجم عن الإنكليزية:
“In the present conjuncture, which is marked by a contradiction between the collective mode of administration and an individual mode of reappropriation”
De Certau, Michel. The practice of everyday life. Translated by Steven Rendall from French to English. University of California Press, Berkeley. 1984. P97

[10] رشيد الضعيف، روائي وشاعر وأكاديمي لبناني، ولد في العام 1945

[11] الضعيف، رشيد. تبليط البحر. رياض الريس للكتب والنشر. 2011. ص97.

[12] ربيع جابر، روائي وصحافي لبناني، ولد في العام 1972.

[13] جابر، ربيع. بيريتوس مدينة تحت الأرض. ص 20.

ترقيم القلق

صهيب أيوب, غير معنون, ألوان مائية. ٢٠١٩

بداية، لا بدّ من الاعتراف بما يأتي: لقد وَلَّدَتْ آليّةُ كتابةِ السطور هذه، كما أغلب آليّات الكتابة، عاصفة قلق صغيرة خاصّة بها. أقلّه لأنّه، كما يبرز من تحليلي لموضوع القلق، لا أستطيع إلّا أن أتساءل عن جدوى الكتابة عن القلق التاريخي الثقافي في لحظة يبدو فيها الحاضر نفسه غارقًا في القلق.  

أنا أكاديميّة أدبيّة. أقرأ، وأَمحَص ما أقرأه، ومن ثمّ أكتب عمّا قرأت. حاليًّا، أكتب مؤلّفًا عن… القلق. بشكل خاص، أكتب عن قلق ثقافيّ محدّد مرتبط بالهجرة التي ساكنت الثقافةَ الوطنيّة اللبنانيّة وتغلغلت فيها – بغضّ النظر عن الحالة والمعنى – منذ بداية القرن التاسع عشر. يبرز القلق هذا في كلّ مكان، ساكنًا الروايات والأشعار والنصوص، يشبّعها بالزخرفات والكلام المنمّق حول أمّهاتٍ يندبن أبناءً غائبين، وأبناءٍ ينتحبون في المهجر، وقرى مفجوعة لغياب شبابها (أليس الأمر مألوفًا لدرجة تثير الرعب؟). قبل بضع سنوات، في معرض التحقّق من فرضيّتي التي تقول إنّ الهجرة متغلغلة في النصوص الثقافيّة اللبنانيّة، قرّرتُ أن أستكشف أرشيف المجلّة الكاريكاتوريّة الساخرة الدبّور، التي أسّسها يوسف مكرزل سنة 1922 والتي لا تزال قائمة حتّى يومنا هذا على الموقع الإلكتروني addabbour.net. كنت مهتمّة بأنواع الصور التي استخدمها رجال عشرينيّات القرن الماضي، وهو العقد الذي انطلقت فيه المجلّة، من أجل وصف الهجرة من لبنان وتجسيدها. لم تتناسبِ الصورُ التي أتناولها هنا تمامًا مع ما كنت أبحث عنه حينها، ولكنّني وثّقتها واحتفظت بها لكونها أثارت اهتمامي.   

قرأت مرّةً، أنّ من مؤشّرات القلق غياب القدرة على تخيّل المستقبل؛ وبتأمّلي في هذه الرسوم الكاريكاتوريّة القديمة، أطرح على نفسي المسألة الآتية: هل أنا قلقة، نظرًا لاهتمامي بدوّامات تتناول الحاضر على أنّه ليس سوى التكرار اللامتناهي للماضي، ومعاودة أزليّة للشيء عينه؟ أم أنّ القلق هو قلق هذه النصوص ومبدعيها؟ بالطبع، قد يكون الجواب في الطرحين – ومن المرجّح أن يكون الأمر كذلك – غير أنّ أحدنا فقط على قيد الحياة ومستعدّ للاعتراف بهذا القلق.

يُطلعني القاموس على أنّ اختبار القلق بالعربيّة يعني الاضطراب والانزعاج وعدم القدرة على الاستقرار في مكان واحد. أتعمّق بالهجرة وبالاضطراب الذي تتركه حرفيًّا بعد حصولها، أي مع انتقال الأشخاص من مكان إلى آخر. أفكّر في وضعي الخاص، أنا المعلّقة كما كثيرين من قبلي (ولكنّي أحظى بتكنولوجيا أكثر تطوّرًا) بين لبنان ومشاكله المتزايدة التي تحوم في الأفق، وبين الولايات المتّحدة الأميركيّة حيث لم أعتبرها منفىً دائمًا أصلًا. ما هي ملامح مستقبلي، مستقبلنا؟ هل سأكمل العمل على هذا المشروع الذي يستنبط خلاصات مبكرة لظواهر اجتماعيّة ما زلنا نختبرها اليوم؟ وفي حين تُحبَكُ خبراتي المهنيّة والحياتيّة وتتلاصق أكثر من أيّ وقت مضى، أنجذب إلى مستقبل مُتَخَيًّلٍ سابقًا وأنفر منه في آن: مستقبَل رَسَمَهُ بصعوبةٍ القيّمون على المجلّة الساخرة الدبّور. لربّما لم يكن خوفهم ناتجًا عن غياب القدرة على تخيّل المستقبل، بل عن غياب القدرة على تخيّل مستقبل سخيّ وإيجابي؛ وهذا لا يعود الى نقص في المخيّلة، بل سببه نقص في الثقة بما سيحصل. في كآبة الإدراك هذا أعي قلقي أنا، حتّى ولو أنّني أنفر من تبعات هذا الإدراك وأرفضه. لربّما كان هذا الأمر كلّ ما علينا التعامل معه في ظلّ الأوضاع القائمة، أعني المعرفة والرغبة في عدم إعادة إنتاج ردّات فعل أسلافنا المريعة، حتّى ولو كُتب لنا بشكل من الأشكال خوض تجارب تاريخيّة مماثلة.  

كما هو معلوم عند الأشخاص الذين يعانون القلق بشكل دوري، يُنتِجُ القلقُ قواعدَ خاصّة به. فهو مليء بالبدايات البلاغيّة ويفتقر إلى استراحات؛ يطرح أسئلةً لا أجوبة عنها، واضعًا المجهول في المستقبل اللامعلوم. هو يفتقر إلى علامات الترقيم، ويستبدل علامات الاستفهام بالاختزال، وجمل لم تلقَ أيّ جواب، ولا يمكن الإجابة عنها، معلّقة في الزمان وعلى مساحة الصفحة من دون خواتيم. لا خواتيم مع القلق.

سنة 1927، كما في أيّامنا هذه، وكما في مراحل متعدّدة منذ ذلك الوقت، كانت وسائل الإعلام اللبنانيّة السائدة منشغلة بمسألة الهويّة اللبنانيّة: ماذا كانت تعني هذه الهوية؟ أكان الأمر مهمًّا أصلًا، في ظلّ واقع اقتصادي وسياسيّ متزعزع وفي دولة لم ترقَ بعدُ إلى مرتبة الوطن بُعيد الحرب؟ من أمكَنَ ووَجَبَ إدماجه، ومن وجب إقصاؤه؟ في ما يأتي غلاف للدبّور:

جنسية المهاجرين, ٦ حزيران ١٩٢٧, ص ١. من مجلة الدبور

تستوقفني أشياء عديدة أجدها مثيرة للفضول وللغضب في آن في هذا الرسم والنصّ المرافق. هو حوار بين مندوب المفوّضيّة العليا الفرنسي لدى الجمهوريّة اللبنانيّة الموسيو سُلومياك والشيخ يوسف (على الأرجح يوسف اسطفان) . يُظهرهما رسم الكاريكاتور وهما واقفان أمام باب غرفة تحمل تسمية الوطن. لكن يبدو وكأنّ هذه التسمية تلائم تطلّعات سُلومياك، والشيخ يوسف، وتطلّعاتنا نحن الموجودين داخل الغرفة، لا المسافرين الذين يحملون صُرَرًا على أكتافهم محاولين الدخول. لمَ يقوم المرء بوضع تسمية كهذه داخل منزله/وطنه المجازي، لا خارجه؟ ألا يعلم أين يسكن؟ تستحضر هذه الأسئلةُ المُربِكة أسئلةً إضافيّة. يتّسم الحوار بين الرجلين بالحدّة فيما يُحاول الشيخ يوسف فتح “باب الجنسيّة”. يترجّى المسيو سُلومياك بلباسه الغربيّ إغلاق الباب على مسألة الجنسيّة. أمّا يوسف، وقد رسمه رسّام الكاريكاتور “طبّارة” بتأنّ، فينظر إلى سُلومياك بسخط طارحًا أحقّيّة المهاجرين “بلبنان من آل يان”. 

تُشعرني العنصريّة العاديّة للنكتة ضد اللاجئين الأرمن بالخجل في كلّ مرّة أقرأها. عند قراءتي لها للمرّة الأولى وبكل صراحة، لم أكن أعرف حتّى إنّ إعطاء الجنسيّة للاجئين الأرمن قد شكّل مسألة شائكة (شأني شأن أطفال اليوم الذين قد لا يعرفون أنّه قبل عقود من الزمن، أي قبل أن يشكّل السوري البُعبُع المهاجر الأمثل للطبقة السياسيّة المقيتة في لبنان، احتلّ الفلسطينيّون هذا الموقع المأسوي لعقود، وما زالوا محرومين من حقوقهم المدنيّة في مخيّمات لبنان). يدفع الرسم الكاريكاتوري والحوار بالتماهي مع الشيخ يوسف، خاصّة بسبب اسمه وطربوشه الرائجَين. هو، كما حسابات السياسيّين المعاصرين على شبكة تويتر، يحمل صوت السلطة الأخلاقيّة في وجه العميل الأجنبي الذي سمح لهؤلاء الأرمن الوضيعين بالدخول، وترك المواطنين المستحقّين للجنسيّة خارجًا. يصدّ جسدا الرجلَين بعضهما بعضًا باحتراس، وقلق، وينبثق عن الأسئلة البلاغيّة – رغم افتقادها لعلامات الاستفهام – للحوار العنصري البغيض القلقَ عينه، أسئلة أُلقيت في صدع بقيت فيه لتسعين سنة. هل من أسلوب بلاغي مثير للقلق أكثر من سؤال لا يأتي جوابه أبدًا؟  

تلوّن تعابير البلاغة “روح الفكاهة” في الدبّور، ويكمن الاستفزاز في السؤال الذي لا ينتظر أي جواب، واللغة البلاغيّة هنا هي أنّه بالطبع سيعرف الجمهور المعني بالنكتة كيفيّة الإجابة بالشكل المناسب، بطريقة متناغمة. إنّه أسلوب جبان يَرْشح على الصفحة، كما في الرسم الذي يُظهر امرأة أوروبيّة تسأل أخرى لبنانيّة عن تطلّعاتها لأطفالها (مرّة جديدة، المستقبل يومئ لنا!). 

مطامع الأمهات, ٢٩ تشرين الأول ١٩٢٨, ص ١٦. من مجلة الدبور

يوحي العنوان، “مطامع الأمّهات”، بغايات هذا الرمز المحلّي الطامح المرتبط بالخصوبة. لا يوفّر طمعُها أولادَها، فتأمل أن يصبح أحدهم محاميًا، والثاني مهندسًا، والثالث طبيبًا، والرابع صحافيًّا… عندما تسأل المرأة الأوروبّيّة (بشكل ضمني غير المثقلة بهذا العدد من الأولاد؟) منتقدةً، أي من أولادها سيصبح مزارعًا، تردّ الأم: “والأرمن شو عم يعملوا عنّا…”. يحلّ الاختزال البلاغي مكان علامة استفهام، ولكن، كما حال سؤال الشيخ آنفًا، يظهر الهدف بوضوح: الأرمن، دخلاء يجب أن يكونوا ممنونين لقدرتهم على القيام بوظائف وضيعة لصالح أولاد المدام.  

مشكل هذه اللأيام, عدد غير معروف. من مجلة الدبور
المرأة المسترجلة, ٢٣ اّيار ١٩٢٧, ص ٢٠. من مجلة الدبور

تمامًا كما عدد كبير من الأشخاص المتعصّبين والمُغالين في الوطنيّة ومن منشوراتهم، لم يتوقّف الدبّور أبدًا عن التهجّم على الضعيف أو المختلف. تخصّ المجلّة المرأة العصريّة بحنق وغيظ حادّ. في رسم كاريكاتوريّ آخر يخبرنا عن “مشكل هذه الأيّام”، نفهم أنّه لو لم يكشف الكلب غطاء المائدة، لم نكن لنعرف الفرفور من الفرفورة. تظهر “امرأة مسترجلة” أخرى وهي ترضّع في ثياب رجّاليّة، محاطة بعصا وقفّازين قبل – أيُعقل هذا؟ – أن تتوجّه إلى العمل صباحًا. ما من ضرورة للتعبير عن الحنق وعدم الفهم – فالصورة أبلغ من ألف كلام. تكفي الصورة والعنوان من أجل فهم السخط في وجه الأزمان والأنماط المتغيّرة (على الرغم من أنّ بعض الأشياء، طبعًا، لم تتغيّر وعلى سبيل المثال لا الحصر: هذه المرأة وبناتها ما زلن مواطنات من الدرجة الثانية في نظر الدولة الذكوريّة حتّى يومنا هذا).

أستذكر الرسوم الكاريكاتوريّة هذه عندما أفكّر بالقلق الثقافي، لأنّها مثال على الطريقة التي يُنتج فيها هذا النمط من الفكاهة مجتمعات مزيّفة ومغرورة وهشّة من خلال حرف النظر وتوجيهه نحو أجساد المستضعفين. تقول لنا هذه الصور شيئًا عن كيفيّة تعامل مجموعة محافظة من الرجال مع مشاعرهم المتعلّقة بتفلّت عالمهم من بين أيديهم من خلال التهكّم على الفقير، والمهمّش، والمستضعف: اللاجئ، والمرأة، والمرأة اللاجئة. لسوء الحظّ، ما زال أمثالهم موجودًا اليوم بيننا، متسلّحين بمنصّات وسائل التواصل الاجتماعي، وبالنفاذ إلى محطّات التلفزة، وبمتابعين يصغون إليهم ويشجّعون خطابهم المقيت.

الأزمة الاقتصادية, ١٧ أيلول ١٩٢٨, ص ١. من مجلة الدبور

إليكم رسم غلاف يتناول الأزمة الاقتصاديّة، صدر هذا أيضًا في أواخر عشرينيّات القرن الماضي. بسبب احتوائه على رسم للمرفأ، ونظرًا لكون الأغلبيّة الساحقة ممّن أعرفهم قد غادرت أو تفكّر في المغادرة، في حال كان لديها القدرة على ذلك، يتبادر لنا اختزالان اثنان. لربّما كان هذا الرسمُ النموذجَ الوحيد الذي استحقّ أن أحتفظ به من الحقبة تلك من بين الرسوم التي لا تعتمد أسلوب التهكّم المعهود؛ ولكنّه لا يخلو من القلق، إذ بالكاد يستطيع احتواء قلقه البلاغي. ففي حين يتوجّه رجال منحنون يعتمرون الطربوش نحو سفينة تنتظر نقلهم بعيدًا، يعمل رجال منحنون آخرون على حمل براميل وقود على ظهورهم بُعيد تفريغ مركب. يحمل الغلاف عنوان “الأزمة الاقتصاديّة…”، هنا أيضًا من دون أيّ إشارة إلى احتواء بلاغي في الاختزال الذي يُنهي الجملة. أمّا التعليق المضحك المبكي، فيحمل أيضًا اختزالًا وقلقًا وطابعًا لانهائيًّا: “نصدّر رجالًا ونستورد سيّارات والجمرك يقبض الكانيوت…”

…ومن ثمّ أفكّر في حال الأمور في ما لو كانت الاختزالات نقاط تعجّب، فينحرف الشعور بالقلق والعجز وعدم المعرفة نحو غضب مشروعٍ رقّم اللحظة ورفض الانزلاق بنعومة نحو مستقبل يُستجوَب بقلق من دون أن يُساءل حقًّا. أفكّر في شعارات المقاومة والثورة التي صدحنا بها وأطلقناها بأعلى صوت خلال سنة 2019 وقبلها وكيف أنّها انتهت جميعها بالشعور بالارتقاء والإلحاح. ولربّما – لربّما – كلّ ما يمكننا أن نقوم به الآن هو العمل على سبل من أجل تغيير نقاط الاستفهام والاختزالات لقلقنا المعاصر إلى علامات التعجّب تعبيرًا عن سخطٍ ورفضٍ مشروعَين.

صوت صارخ في البريّة - إلى طارق العريس

علي شري, من مجموعة "الموت من الداخل", ألوان مائية. ٢٠٢١

أبعد من وحشة البراري

لا أحد يعلم من قصد أشعيا في نبوءته. قال أشعيا إنّه آتٍ، ذلك الصوت الصارخ في البريّة “أعدّوا طريق الربّ. قوّموا في القفر سبيلًا لإلهنا”. لكنّ أشعيا، ككل أنبياء العهد القديم لم يذكر إسمًا.

وتشير بعض الأناجيل الأبوكرافيّة، تلك التي أعدمتها الكنيسة، إلى أن يوحنّا – يحيى المعمداني – الذي كان شرّيد القفار، يلبس وبر الإبل ويقتات الجراد والعسل البرّي، ويقوّم سبل الربّ الإله ويُعدّ صارخًا في الناس طريقه، تشير هذه الأناجيل إلى أن يوحنا فوجئ حين رأى يسوع الناصري في رهط من أتباعه على ضفّة النهر يطلب المعموديّة، إذ كان يعتقد أنّه هو نفسه المسيح المنتظر. وإذ كان يوحنا يعمّد الناس لأجل توبتهم والتكفير عن خطاياهم، إلاّ أنّه عمّد الناصري دون اعتراض أو تحفّظ. ولو كان يعتقد أنّ الناصري هو المسيح، لما وجد له خطايا تستوجب المعموديّة أو التوبة…

الصوت (الصارخ نفسه) والذي حبلت به أمّه العجوز وحيث ظهر الملاك جبريل يبشّر الأب زكريا بذلك الحمل النوراني، ما يشابه كثيرًا تلك البشارة التي جاءت لمريم من جبرائيل نفسه عن حمل نوراني آخر عجائبي حيث سيهدي الطفلُ الخلاص للعالم… فارق العمر بين الولادتين لم يتجاوز ستة أشهر. وإذن كان في طيّ الحكايتين ما يقرّب يوحنا من علامات تخوّله أن يكون هو المسيح… ولمّا طالت إقامته في السجن أرسل إلى الناصري يسأله إن كان نسيه في غياهب سجن هيرودس، بل إنّ يوحنا حمّل تلميذين من تلاميذه رسالة تقول ليسوع: “مهلًا، هل أنت حقًّا المسيح؟ إن كنت ترفع الظلم عن الناس جميعهم فلماذا لا ترفعه عني؟ ألست قريبك إبن صابات؟ بل أقرب الناس إليك وكنتَ تكرز بذلك؟”.

لا ندري ما كان الجواب عن السؤال الذي حمله التلميذان. لكن في إنجيل لوقا ردّ غير واضح البتّة، ويقول بالمختصر إن المسيح يجيب بالأفعال والعجائب وليس بالأقوال !!! 

وستنتهي سيرة يوحنا برأسه مقطوعة مقدّمة على طبق ثمنًا لرقصة غواية شهيرة من ردفي المراهقة سالومي. أمّا جثمانه الذي رُمي في الفلاة فقد عمد تلامذته إلى رفعه ودفنه. هم التلامذة أنفسهم الذين سيعمدون إلى إعلانهم يسوع الناصري مسيحًا لليهود، وسيتبعونه مؤمنين ومبشّرين. لكن بعد سنوات قليلة سيعلن “المعمدانيون” أن يوحنا كان هو المسيح، ولأنّه قُتل قبل الأخير، فقد استغلّ الناصري موته ليبشر بملكوت الرب “أبيه” كما كان يقول. وفئة من هؤلاء، عُرفوا بالـ”مندائيين” ذهبت إلى اعتبار الناصري عدوًّا للمعمدان…

رسامو الكنائس والكاتدرائيات الأوروبيّة أحبوا المعمدان، لكن أيًّا منهم لم يجعله أشقر مثلما فعلوا مع الناصري لتقريبه من الانتماء إلى جنسهم، ورغم معرفتهم بسحنات الناس في فلسطين. أعني لم يجعله أحد منهم في منزلة النسب. بقي أقرب إلى حيث ولد وعاش… أبوه زكريا كان يُصوّر بملابس تركية وهو يتلقّى البشارة السماوية. وحده – من مشاهير المعلّمين – ليونار دافنشي أعطاه تلك الملامح الرائقة والشعر المجعّد لكن المشذّب. كان مبتسمًا بهناء وغواية، مشيرًا بيد أنثوية إلى السماء، لا صارخًا، ومن دون برارٍ تحيط بالبورتريه، من دون شخوص الحكاية، وبالرأس المستقر بنعومة على الرقبة عاري الكتف. فيما كارافاجيو يترك الرأس المقطوع بفم نصف مفتوح عن كلام، عن صراخ كأنّه انقطع، وبعينين مسبلتي الجفنين كأنهما أشاحتا عن الضوء استسلامًا للقوي وقد استتبت قوّتُه…

ويبقى مكان دفن يوحنا غير مؤكّد. أفي يهودا أم في السامرة. لا يعرف أحد له قبرًا لينصت إن كان صراخه ما زال يعلو ليشقَّ أستار الليل. 

في أصل الحكاية التي ينبغي أن تكون هداية للعالمين، وأمثولة للعدالة في الأرض، هناك إذن التباس. ربما تكون اليصابات العجوز قد توفيت قبل قتل ابنها، ولو كانت ما زالت حيّة لذهبت ربّما إلى مريم نسيبتها وأم الآخر، وربما لم تفعل وقعدت في بيتها تتفكّر وتقول لنفسها إنّها لم تحذّره بما يكفي من وحشة الأنبياء، إنّه ربّما ما كان على ابنها أن يصرخ هكذا في البراري حتى صار ذلك “الصوت الصارخ في البريّة”.

ليست البراري منتهى الوحشة يا يحيى.

***

 في بئر يوسف

يوسف كما موسى من أبناء يعقوب. لهما بين الصحراء والماء حكايتان.

استوحش موسى من قومه وانفرد عنهم حين وجدهم في الصحراء وقد انفضّوا عنه وعن رسالته إلى عبادة عجل الذهب. وشكا موسى أمر قومه إلى الربّ صارخًا إليه أنهم لا يريدون السير وراءه أو معه إلى أرض الميعاد. وهم قالوا إنّهم لا يريدون القتال مع سكّان تلك البقاع الخضراء. قالوا لموسى إذهب وقاتلهم لوحدك. نحن سنبقى هنا. وسأل موسى الرب كيف أفعل وأنا لوحدي؟ فجاء القضاء بالحكم بأربعين سنة من التيه في صحراء سيناء، حيث مات موسى دون أن يرى الوعد… ربما لم يفهم موسى كيف أن من شقّ له الماء ليهرب وقومه من الفرعون لم يلتفت إلى استغاثته، كيف من حمله ماء النهر رضيعًا في قصعة من قش إلى بيت الفرعون سيتخلّى عنه تاركا إيّاه في وحشه الفلاة وأمام عينيه قصاص العجل. ليعيد حكم الربّ موسى، من غير ذنب ارتكبه، إلى الصحراء التي هي القصاص المبرم.

يوسف سار به إخوته في الصحراء. وفي الصحراء واتتهم أفكار الحسد اللعين. وفيها تآمروا عليه وألقوه في بئر. لم يقتل الإخوة يوسف، ولا وحشة البئر قتلته. ربما تكون رطوبة أو مياه في قعر تلك البئر ما كسر وحش العطش فأنساه كره إخوته له. إذ كره الإخوة هو الصحراء لا رملها الحارق. وفي هذا القعر قد يكون يوسف رأى مجدّدًا أحد عشر كوكبًا والشمس والقمر ساجدين له، فنسي إخوته. ونسيان الأذية رحمة، لكنّها رحمة لا تدوم، بل إنها قد تنقلب سمًّا قاتلًا. من يستطيع أن ينسى؟ القادر أم الضعيف؟

في تشابه السحنات، سحنات الشر، واستقرارها على الوسط العادي منها، ألفة وحرارة الاندماج والخلط وميوعة الحدود الفاصلة. نوع من بركة الكثرة. لكن يوسف كان جميلًا، أي شاذًّا عن تلك الكثرة. مرتفعًا عنها ومكشوفًا للأذية. كان لا بدّ متشاوفًا بجماله، عنجهيًّا ومتكبّرًا. حتّى إنّ أباه كان يفضّله عنوة وعلنًا على إخوته جميعهم. والنفس تعرف أنّ اكتمال الجمال هو قتل صريح لكلّ ما ومَن عداه. فهل صفن يوسف وتفكّر في تلك البئر، حيث الوحشة حبل الحكمة؟ هل فهم حسد الإخوة ليرتّب عفوه المقبل عنهم؟ هل كان يوسف يكبر في بئره حتى سامح إخوته؟ أم أنّه كان من بطش قوّته أن أعطاهم ما كانوا يطلبونه من عزيز مصر كي  يتخلّص من إخوته بنفيهم إلى النسيان؟ 

أولا يكون النسيان بحدّ ذاته أملًا في الخروج من البريّة؟ لم نسمع عن محاسبة للإخوة المجرمين على ذنبهم العظيم. هل سامحهم يوسف من أجلهم، حبًّا بهم ومقدرة من كِبَر نفسه؟ أم أنّه سامحهم لينساهم، ليطوي صفحة تلك الرابطة، وليخرج من البئر ومن البريّة؟

***

في توحّش الصوت

قد ينسى الرجل البالغ موت صوت الطفل فيه. قد يودّعه إلى غير رجعة. أحيانًا بشيء من الشجن، وأحيانًا أخرى من دونه.

يشبه خروج ذلك الصوت من الطبقات العالية، بفعل استبداد هورمونات الذكورة، إلى القفر، أي إلى عالم البالغين الموحش. إلى القفر. وعليه إذّاك أن يتغوّل في بلاد الغيلان، وأن يتوحّش في بلاد الوحوش، كما تعلّم استعدادًا لعمره المقبل، لكن، وفي الوقت نفسه، وكما تعلّم أيضًا، عليه أن يشيع فكرة العدالة، والرحمة والدفاع عن الحقّ وعن الضعيف…

عليه أن ينسى نصف عمره الأوّل. عليه أن يقبل وداع الطفل ليكون من القوّة الذئبيّة بحيث لا تأكله الذئاب وأن يحمل الرحمة وأفكار الحق والعدالة التي لا تعرفها الذئاب. أي أن الذئب الذي سيعوي جوعه في الليل وحيدًا عليه أن يخترع في عوائه ثغاء النعجة.

يتغير زئير اللبوة وينزل في نوطات منخفضة وهي تطرد الشبل الغرير وتبعده عنها، عن ثدييها وعن حمايتها. فهو وقد اشتدّ عوده لم يعد بحاجة إلى أمّ… وهي تفعل ذلك أيضًا لو رأت شبلها جريحًا، وشمّت منه رائحة موته القريب. تفعل اللبوة القوية ذلك خوفًا على أشبالها الأصحّاء ولن يشفع به مواؤه الضعيف. وهي لن تلحس جروحه ولن تقترب لإرضاعه مهما اشتكى.

كيف نعترف بصعوبة اقتناء الحنجرة الملائمة للمواء والزئير معًا؟

نحن، السلالات العاطفيّة التي لا تحبّ فجاجة الواقع وتفضّل خرافات الندب والبكاء على الأطلال، لا تشبه حكاياتُنا حكايات السلالات الأخرى. في حكايات الأطفال، من السلالة الجرمانيّة أو السلتية مثلًا، تبدأ الحكاية بتخلّي الأهل عن الأولاد، بطردهم إلى الغابة. إمّا بسبب الفقر(“الإصبع الصغير”، “هانسل وغريتيل”)، وإمّا في نزوع الأب – أو الخالة – إلى التعدّي على الطفل حدّ النشاز أو ارتكاب المعصية – الأب الذي يريد الزواج من ابنته في “جلد الحمار” مثلًا إلخ… في هذه الحكايات تشكّل عيوب الأهل من البالغين توطئة لاحتمالات عالم القسوة، كأنّها تمهيد لضربات محتملة، أو أكيدة، مقبلة. هكذا يسير أطفال الحكاية في الغابة وحيدين، معرّضين للوحش المتربّص، قبل مواجهته صراحة. شيء يشبه التمرين لا أعتقد أن لدينا ما يشبهه في القصص المأخوذة من عوالم ألف ليلة وليلة والسيرة الهلاليّة، وهي أصلًا قصص للكبار والبالغين.

***

كيف نخرج من البئر إلى إخوتنا، من رأس يحيى إلى الأناجيل المعتمدة؟ من الطريدة إلى الوحش الكاسر؟ من القفار إلى الواحات الإنسانيّة التي تموج بالخضرة؟

بالنسيان؟

لا يكفي النسيان. ينبغي الذهاب إلى ما بعد النسيان، إلى التأليف. التأليف للموالفة، وللتوليف وللتآلف أيضًا. ينبغي لنا أن نؤلّف، أي أن نخترع ونجعل من الإنشاء عالمًا ناجزًا. ثمّ نُعمل كافة أدوات العقل لنصدّق، ولنكون سويّة، مع بعضنا، بعيدًا عن وحشة التفرّد، مستأنسين في تقارب أجسادنا وفي أوهامنا، لننجو من وحشة القفر…

كأن يلحّ أب القاتل على المطالبة بالعدالة، ويلحّ أب القتيل على المطالبة بالعدالة إيّاها، جنبًا إلى جنب وبصوت واحد، وعلى منصّة الكراهيّة الواحدة.  ونكون من أجل ذلك معًا، في لحمة وطنية قويّة أبديّة. جبلًا وساحلًا، برًّا وبحرًا.

والبر، هو اليباب وهو البريّة، ذلك الذي ينتهي عند حدّ الماء، ذلك الذي يستحضر البحر بقوة. كبحر بيروت الذي انفجر وغدا قفرًا. بحر قفر. لكنّه ممنوع من الموت رغم تكدّس الجثث في لججه. إذ يبقى الأمل في الإرادة. أنظر في اخضرار القمح النابت على أكياس النترات.

كأن ترسل مصانع الشعراء والمغنّين الأنشودة نفسها في أنّ حب الوطن هو برفض موته. مشكوك في ذلك الموت مهما تكرّر. ذلك الرفض لموت المدينة سيخلّص ضمائرنا من مسؤولية الضلوع في القتل. بين المسلسل التركي وعجائب القدّيسين تلزمنا البراءة لنكون معًا في احتمال قسوة الحياة. وصكّ البراءة هو في ارتفاع العويل على القتيل وأيضًا في المطالبة بالحق وبالعدالة من قاتله. تلزمنا البراءة ويلزمنا إنشاء الفجيعة من أجل قتل الموت الذي يقتلنا، من جديد.

ممنوع الموت، لأنّنا إن تركنا البلاد تموت فسيتوجّب علينا أن ننظر وأن نفكّر في ما يتطلبه الانبعاث إلى الحياة من جديد. ولا طاقة لنا على ذلك. ممنوع اليأس ومفروض علينا الأمل. يسمّون ذلك في المستشفيات ربط الميت إلى الحياة بالقوّة. منعه من الركون إلى استحضار ملاك الموت. منتهى القسوة.

كان القتلى ما زالوا تحت الركام في اللحظات القليلة التي تتيح الوعي المضمحل. كانوا يسمعون الصراخ على رؤوسهم بأن انهضوا. انهضوا. وكأنّ باستطاعتهم ذلك. وكأنّهم في موتهم مذنبون ويقتلون أنفسهم. مذنبون بتركنا في الشقاء لوحدنا. مذنبون في خسارتنا التي لا تُحتمل. هكذا يبدو الأمل قصاصًا ونفيًا. 

في ساحات الحروب، حين تنتهي المعارك، كان هناك جندي البوق. لا يهم إن كان من الرابحين أو الخاسرين، الغالبين أو المغلوبين، كان يبقى في ساحة المشهد الأخير ليرسل من بوقه لحنًا حزينًا، حدادًا على القتلى من الطرفين، وأيضًا وداعًا للجرحى المتروكين إلى موتهم القريب. ليعلموا ربما بهذا الموت ويستعدّوا له. وكانت النادبات ينتظرن أن يُسجّى الميت على سرير أو محفّة الموت بعد مراسم تهيئة الجثمان ليبدأن البكاء والعويل والأناشيد الجنائزية… نحن لم نفعل ذلك. نحن لا جنديَّ ولا لحنَ جنائزيًّا لنا. لا برزخَ لعبورنا. نحن نردم الفراغات كلّها من أجل ما نسمّيه الأمل، الأمل بالأمل، من أجل أن يكون لنا أمل. أمل بالسراب، أمل بقوة السراب. ماء الصحارى البديع.

نحن هربنا إلى التأليف. نحن أقوى شعوب الأرض في التأليف. تأليف فوري من الفراغ وبالفراغ، من نفسه وبنفسه. وها نحن نوكل أنفسنا رغم ظروفنا الصعبة بتجديد وتحديث مزامير داوود واحدًا واحدًا، بإعادة تأليفها، شعرًا ونثرًا وأغاني وفنونًا، على أساس داتا جديدة بالكامل… انهضوا. انهضوا لئلا نعيد النظر. انهضوا لنستعيد الكراهية والحروب. فورًا.

قال المذيع الألمعي، العاطفي والمفجوع، قال للمرأة التي قتلوا إبنها “لكنّ déjà ينبغي القول، الاعتراف، بأنّ العدالة فكرة مجرّدة، قيمة مطلقة. إنّها كالحقيقة، من لدن الآلهة. ونحن لسنا سوى بشر. So هذه ورقة بيضاء. لا تموت قضيّة وراؤها مُطالب. اكتبي، ارفعي مطلبك المحقّ إلى السماء… So اطلبي من السماء. اصرخي في البريّة تسمعك السماء. هل لك سوى السماء؟”.

يا لتلك السماء التي صارت منفانا القسري. أقسى الصحارى وأقصى البراري. هذه مقصلة القداسة  والقدر معًا. سقف لمن لا بيت له، جواب “نهائي” لكافة أنواع الأسئلة… 

تبقى بيروت قفرًا ببرّها وبحرها، وفي الهواء الفاسد الرومنطيقي. هي التي ابتُليت بكارثة السجع والاستسهال الفظيع. بيروت ما بتموت. بيروت البيوت إلخ إلخ مما يتناسب مع “وووت”… لا نحتمل الصمت ولو رمزيًّا، ذلك الذي أفردوا له من الوقت دقيقة. فالصمت هو العراء. والعراء يستدعي التفكير. لنا مثال في أسفار الأنبياء وارتحالهم وعزلتهم في الصحراء.

والأنبياء، شفعاؤنا، رأوا من صحارى الغيب أن الربّ حين يغضب يرسل الكوارث والأوبئة لنتّعظ. صارت المخلوقات تصرخ في الزحمة الخانقة. لا تلمسني. لا تلمسني، أنت تلمسني باستمرار. قال الذئب اتركوا لي فضاء صغيرًا مربّعًا بمساحة دفتر لأعوي قليلًا قبالة القمر. لكنّنا لا نتّعظ. نزل الذئب إلى المدن الفارغة بفعل الوباء، وراح يمشي في ساحات المخازن الكبرى وتحت نيون الإعلانات التي فاتت تواريخها. لكننا لم نتّعظ. رحنا ننوح نواحَ الثكالى ونقول المسني. أرجوك أن تلمسني… فأنا وحيد وبريء ولا طاقة لي على التوحّش كمستذئب. لم أشرب منقوع المخالب، ولم أنم تحت نور القمر البدر، وفعلت بما أوصى به قدامى الكهنة. أشفق عليّ أيّها الذئب، يا أخي…

 الآن، وفي ما عدا ذلك رحنا إلى الفيسبوك. صار لنا ضد وحشتنا آلاف الأصدقاء. 

خذني إلى صفحتك. عدّدني إلى ما لانهاية. أنت لا تعرفني. أنا لا أعرفك لكننا سنتعاضد. خلّصني من صحرائي اللامتناهية، وتعالَ نصرخ في البريّة. معًا…

أدركنا يا أشعيا!

فيما يتعلق بفهمنا لحفرة شعبنا

عماد قعفراني، شو هالعزيمة الحلوة، رسم رقمي. ٢٠٢١

قد نختلف حول أسباب ومدى وسبل التحرر من الظلم في لبنان. لكن، من الصعب علينا أن ننكر وجوده. هذا لا يعني أننا نفهم هذا الظلم، أو أننا ندرك بنيته وكيفيّة قمعِه قدرتنا على التفكير والتصرّف. منذ بداية الحرب الأهلية (١٩٧٥)، على الأقل، والناس في لبنان يعانون على أصعدة متعددة. لكن المعاناة بحدِّ ذاتها ليست ظلماً. معاناة الشعب، مثلاً، في الدفاع عن هويته قد تكون شيئاً موجعاً جدّاً، لكن ليس بالضرورة أن تكون ظلماً. فهم الناس لمعاناتهم مرتبط بشكل مباشر بما إذا كانت هذه المعاناة تشكّل ظلماً لهم كشعب.[1] في ما يأتي، ومن خلال التعقيب على فكرة “ردم حُفرة شعب”، أودُّ إيضاح بُعدٍ من أبعاد الظلم في لبنان.[2] سأتكلم عن الحرب الأهلية كحُفرة في تاريخ الشعب في لبنان. ومع أن جذور المعاناة قد تمتد عميقاً في تاريخ المنطقة، ولكن الحرب هذه هي مرحلة مفصلية وجامعة، يمكن أن يكون من السهل للجميع ـ نسبيّاً – الارتباط بها واستخدامها كنقطة انطلاق في عملية فهم معاناتنا كشعب.

مرّت معاناة الناس في لبنان بفترات تُعتبر أفضل من غيرها، لكنّنا لم نشعر يوماً (مع إمكانية استثناء المرحلة الأولى في “انتفاضة/ثورة ١٧ تشرين”) بأنّنا أسياد في تقرير مصيرنا الجماعي. وبيد أن الفئات الاجتماعية المختلفة قد تعلم لماذا تعاني، بمعنى أنّها قادرة على تحديد، مثلاً، بعض المحسوبيّات التي تقف وراء معاناتها، إلا أن هناك معنىً آخر لسؤال “لماذا نعاني؟” أو “في سبيل ماذا نعاني؟” وفقط من خلال الإجابة عن هذا السؤال يستطيع الناس فهم معاناتهم كشعب. هذه الإجابة تتطلب، من ناحية أولى، شمل وإشراك كل الفئات الاجتماعية، ومن ناحية ثانية، التواصل العادل والمتساوي بين هذه الفئات في عملية الفهم الجماعي لمعاناتهم. وبما أنّ لا يحق لأيّ فئة أن تحتكر المعنى، فهذه العملية تتطلّب أيضاً من كل الفئات أن تفهم معاناتها في ما يتعلّق بتقرير المصير الجماعي. هنا تبرُز القدرة الكامنة في المعاناة المشتركة بين الناس على توحيدهم ودفعهم إلى التعاون البنّاء، بهدف تجاوز العوائق في مسيرة تحررهم. معاناة الناس، كقاسم مشترك بينهم، قد تكون الأساس في إمكانيّة حصولهم على فرصة جدّية لتخطِّ ما، والتخلّص مِمّن يقمعهم، كما أنّها يمكن أن تلعب دور المرجعية في الحوار والتداول العام.

قد يعترض الكثيرون، وبسبب الفروقات (طائفية أو طبقية الخ) بين الفئات الاجتماعية، أنّ الخوض في هذه العملية الجماعية سيزيد من الخلافات والانقسامات بين الناس. في ما يأتي سأواجه هذا الاعتراض في سياق إيضاح كيف يعيق تعاملنا مع الحرب الأهلية قدرتنا المعرفيّة في ما يتعلّق بتقرير مصيرنا الجماعي. وهذا ظلم بحق الشعب ككل. سأشرح كيف أن هذا الاعتراض، ورغم أنّه يهزم نفسه على الصعيد العملي، إلا أن له تأثيراً سلبياً قادراً على الاستمرار نتيجة استمداد قوّة من ثباته على الصعيد النظري. سأذكّر بعاملين أساسيّين يظهران كيف أن ردمنا الحرب يشكل ظلماً معرفياً[3]، أيّ ظلماً يقمع قدرة المتحدث/ة بصفته/ا عالِم/ة أو عارِف/ة، ولذلك فهو يهدّد أحد الشروط الذاتية لقدرتنا على البدء في حل خلافاتنا حول تقييم ردم الحرب الأهلية. تكمن الأهمية النقدية هنا في تبيان أن ردمنا هذا فاشل وسيّئ، بغض النظر عن إمكانية حل خلافاتنا، وسأختم مع اقتراح لمواجهة هذا الظلم المعرفي.

الحُفرة

نحن نردم حفرة ما في الطريق أو ثقباً في الثوب كي نستمر في استخدام الطريق أو الثوب. هذا لا يعني أنَّ كل أشكال الاستخدام والاستمرار متساوية. هناك ردم أفضل من ردم، وهناك ردم سيّئ لا ينفع أو هو حتّى مُضرٌّ ومُهلِك. حفرة الطريق تُردم بالتراب، ومن ردمها بالذهب أو بعظام الموتى فقد أهدر وأخطأ، هذا إن لم يرتكب جرماً. في حين أنّه من السهل نسبياً تقييم ردمنا لحُفر الطريق، فهناك حُفر من نوع آخر، مثل حُفرة لا تراها أعيننا في حياة الفرد أو المجموعة، وإن أبصرناها قد لا نتمكن من الاعتراف بها، وإن اعترفنا بها قد نعجز عن معالجتها وسدِّ خللها. فمن تعرض/ت للتنمّر والبلطجة والتحرش

سيجد/تجد عوائق مختلفة في علاقته/ها مع جسده/ها ونفسه/ها والآخَر. هناك أيضاً حُفر في أجيال ومجتمعات بأكملها، مراحل في تاريخ شعب ذات تأثير سلبي على قدرته على تقبّل ماضيه والتعامل مع واقعه والتطلّع إلى مستقبله. الهولوكوست-المحرقة في حالة ألمانيا، والعبودية والاستعمار في حالة الولايات المتّحدة الأميركية وأوروبا، مثلاً، هي بصمات عار في مخيلة هذه الشعوب وذاكرتها الجماعية وفهمها لنفسها.

في حالة لبنان، تُعتبَر الحرب الأهلية حُفرةً في التاريخ الشعبي الحديث. عدا عن الدّمار والتهجير والضحايا، زعزعت الحرب العديد من الممارسات الاجتماعية والأفكار المعيارية وأعادت تعريفها على المستوى الفردي والجماعي؛ كإعادة تعريفها معنى الاستقرار السياسي والاجتماعي والنفسي، ومفهوم “المقبول” و”المشروع” سياسياً واجتماعياً ونفسياً ومكانياً. كما أنّها عمّقت الانقسامات القائمة منذ ما قبل الحرب وخلقت شقوقاً جديدة وأنتجت انعداماً في المصداقية والشفافية بين الفئات الاجتماعية، ما أحدث خللاً مؤذياً جدّاً على مستوى الثقة بين هذه الفئات المختلفة وبين هؤلاء والدولة. هذا وما زال غياب الدولة ومؤسّساتها والفساد البنيوي والاستغلال يساهم في تفاقم الأضرار والعوائق الّتي تسبّبها هذه الحُفر المتراكمة والمركّبة في قدرة الشعب على تحقيق أبسط حقوقه.

على عكس حُفر الطريق، تلاحقنا الحُفر في حياتنا كأفراد ومجموعات وتتفاعل فينا ومن خلالنا وتستمر بالتحوّل مع مرور الزمن وبحسب كيفيّة تعاملنا معها وردمنا لها. ومن أجل معرفة ما إذا سُدَّ خلل الحُفرة، أين نجحنا، أين أخفقنا ولماذا وكيف وصلنا إلى ما نحن عليه؟ علينا أن نقيّم هذا الردم. تكمن أهمية هذا التقييم في العلاقة بين نوعية ردمنا الحرب ونوعية استمرارنا كشعب. يدفعنا هذا التقييم إلى التفكير سويّاً بكيفيّة تعاملنا مع ماضينا الحديث في سياق واقعنا الحالي بخلفيّة التطلّع إلى مستقبلنا الجماعي.

الخلاف والانقسام كتحدٍّ

مهمّة من هذا النوع – وهنا قد يعترض الكثيرون – صعبة إن لم تكن مستحيلة، بحيث إنها تتطلب الحدّ الأدنى من الحوار البنّاء والتوافق بين توجّهات الناس وانتماءاتهم التي تتعارض في فهمهم الحرب وتحليلهم الوضع الحالي وتطلّعهم إلى المستقبل. تقييمنا لردم حُفرة الحرب الأهلية سيتناول، بشكل مباشر أو غير مباشر، تقييم فهمنا لأنفسنا ومبادئنا وممارساتنا السياسية والاجتماعيّة. “هل يسمح اختلاف الانتماءات والآراء والمواقف في لبنان لهذا النوع من المصارحة والمواجهة بأن يحصل وبأن يكون حقيقيّاً؟” ي/تسأل المعارض/ة.

هذا الاعتراض الذي يعتمد على الاختلافات الاجتماعية لصد مهمة تقييم ردم حفرة الحرب الأهلية، هو واحد من سلسلة من الاعتراضات التي تشير إلى التعددية أو الانقسامات في لبنان. تتميّز المجتمعات في عصرنا الحديث بالتعددية والتنوّع في الآراء المتناقضة. لكن هذه المجموعة من الاعتراضات تستخدم التعددية والتنوع والتناقض كحجّة ضد تقييم ردمنا الحرب الأهلية الذي يشكّل في هذا السياق عنصراً محورياً في بناء دولة تضم جميع الفئات الاجتماعية وتقدّم الخدمات لكل الناس. بغضّ النظر عن دقّة هذه الاعتراضات أو صحّتها، هي مهمّة كونها تعمل خفيةً وبشكل أحادي الجانب في خلفيّة الكثير من المواقف المنحازة والانحياز والأحادية لا يقيّمان حرباً أهلية ولا يبنيان وطناً لكل سكّانه. لذلك فإن أهمية هذا التقييم تكمن في أنه يمكن أن يُستخدم كنقطة انطلاق ومرجعيّة في عملية فهم معاناتنا كشعب.

تقييم ردم الحُفرة

على الصعيد العملي، تهزم هذه الاعتراضات نفسها. إذا قلنا إنّنا لا نريد مضاعفة الانقسامات الطائفية، مثلاً، فنحن نعترف ضمنيّاً بأنّ الانقسامات الطائفية أمرٌ سيّئ. وبدلاً من محاولة تخطّي  هذه الانقسامات عبر فتح النقاش العام والمناظرات في تقييم الحرب وما بعد الحرب وعبر المحاسبة وليس عبر قانون عفو عام كما حدث،  تؤدّي هذه السلسلة من الاعتراضات، عمداً أم بغير عمد، إلى مواقف وسياسات تكرّسها وتطبّع معها وتفاقمها حتّى. فالانقسام الطائفي والتوتّر موجودان في كل ما يتعلّق بنا، وعندما لا نتكلّم عنهما يصبحان مع الوقت أمراً واقعاً، ويُدرجان تحت شعارات مثل “لبنان هيك”. كما أنّ هذه الاعتراضات تقف وراء التبريرات لعدم إنشاء وتشجيع مساحات آمنة للنقاش الموضوعي والصريح حول المشاكل المشتركة للناس عامةً والانقسامات الطائفية خاصةً. والحالة الأكثر وضوحاً في هذا الصدد، هي غياب الحرب الأهلية من المناهج التعليميّة، ما يلغي دور المدرسة كمساحة آمنة للأجيال القادمة لفهم ماذا حصل، وأين نقف نحن اليوم، والأسباب الكامنة وراء كل ذلك. وفي معظم الأحيان، يكون البديل هو أن تُطرح هذه الأسئلة في مساحات خاصة تميل في طبيعتها نحو أحادية الجانب والانحياز. هناك حاجة ماسة للمساحات العامة الآمنة للنقاش، وهو ما يفسّر النشأة العضوية لحلقات النقاش وانتشارها خلال انتفاضة/ثورة ١٧ تشرين.     

أمّا على الصعيد النظري فقد تكون هذه الاعتراضات أكثر ثباتاً. أيّ عملية تقييم تتطلّب الاعتماد على أساس معياري. فالتحدّي النظري الذي تطرحه هذه الاعتراضات هو أنّه لا يمكن تأمين مشروعيّة الأسس المعياريّة في ظلِّ التعددية أو الانقسامات في لبنان. ورغم أنّ هزيمتها لنفسها على الصعيد العملي قد تتفوّق على المدى الطويل على ثباتها النظري، فإنّ الثبات النظري قادر على إنعاش قدرة قبضتها المعيارية على عقولنا وتصرفاتنا، ما يطيل بعمر التأثيرات السلبيّة لهذه الاعتراضات وإمكانية استخدامها (فيما يتناسب مع مصالح السلطة) في صدّ محاولات التغيير الجدّي وإبقاء الحال على ما هو عليه. هناك فكرتان يجدر ذكرهما في مواجهة هذا الثبات النظري. 

أوّلاً، وبينما قد لا يكون هناك إجماع على ما يُفترض أن يكون عليه لبنان (هوية جامعة لكل الفئات والأفراد)، هناك مصالح وعوامل مادية تجعل السكان شعباً واحداً، شاؤوا أم أبوا. وترتبط هذه المصالح والعوامل مباشرةً بالمعاناة المشتركة بين الناس فيه، وهي متعددة ومتنوّعة، تشمل الظروف المعيشية التي يعانيها معظم الناس مثل سعر صرف الدولار وغياب الخدمات من كهرباء ومياه وطبابة، كما أنّها تشمل العيش مع النفايات ومع تدمير المدينة بأقل من دقيقة (إنفجار مرفأ بيروت في الرابع من آب) ومن ثم التعامل مع الموضوع وكأن شيئاً لم يكن. على المرء أن يعترف بأنّه من المثير للإعجاب مدى اتساع وطول هذه القائمة. على كلّ حال، هذه النقطة تساعدنا على ترجمة الفكرة المذكورة أعلاه وتحديدها بدقة أكثر، ما يعني أن المعاناة المشتركة قد تكون نقطة انطلاق في مسيرة التحرّر الجماعي. فالمصالح والعوامل المادية هي خزّان تجارب موحِّد للناس، وعن طريق مواجهتها سويّاً وفهم أسبابها وإمكانيّة معالجتها تدخل الفئات الاجتماعية المختلفة في عملية تقييم نقدي لنفسها للآخر ومعه، بحيث تجد كل فئة نفسها على طريق فهم معاناتها في ما يتعلّق بتقرير المصير الجماعي.

ثانياً، وبدون الغوص في الاستراتيجيات النظرية للإجابة عن التحدّي للفكر النقدي، تكفي الإشارة إلى أنّ أيّ معيارٍ نقديٍ مشروع، عليه أن يتميّز ببعد “داخلي” -، بمعنى أنّه عليه أن يعتمد على معايير معترف بها، علنياً أو ضمنيًّا، من قبل أعضاء المجتمع المَعني. في غياب البعد الداخلي، يُنظر للنقد، من زاوية هؤلاء، على أنّه يَفرض عليهم كيف يجب أن يعيشوا حياتهم وأن يديروا أمورهم، فهم لا يفهمون أو لا يتواصلون أو لا ينتسبون إلى الأرضية التي يتم على أساسها انتقادهم-. بالإضافة إلى ذلك، في الواقع وعلى الأرجح، قد يؤدّي ذلك إلى نتائج عكسية حيث أنّه يبرر للأفراد المَعنيين تبَنّي موقف دفاعي يتمثّل في التمسك بشكل دغمائي بأساليب حياتهم التقليدية. مع البعد الداخلي، لا يتمّ استبعاد النقد لكونه أبويًّا أو إمبرياليًّا أو مفروضاً، ما يسمح للتفاعل الحقيقي والبنّاء معه. النتيجة قد تكون اعتراف المنتقَدين بوجود خلل في طرقهم التقليدية، ما يحفزّهم على تغيير نظرتهم وبالتالي ممارساتهم.

ضرورة وجود بعد داخلي للنقد تُبرز أهمية أخذ وجهة نظر الجهة المُنتقَدة بالاعتبار. تشكّل الخلافات والانقسامات في لبنان جزءاً مركزياً من العنصر الداخلي في عملية تقييم ردم الحرب الأهلية، وهو جزء لا يجوز تجاهله. هنا، من الضروري جداً عدم الخلط بين الصعوبات لحل هذه الخلافات، من جهة، والشروط لقدرتنا على الشروع في حل هذه الخلافات، من جهة أخرى.  ولأن هناك ادعاءً دائماً بأن محاولة حل خلافاتنا لن تنجح، أي أنها ستؤدي إلى الفشل، يجب دحض صحّة هذا الادّعاء عملياً من خلال التجربة. فالإصرار والتمسّك الدوغمائي بهذا الادّعاء وقبل التجربة، يعبّران عن مخاوف أو يهدفان إلى التخويف، والحالتان لا تبرران تجاهل وجهة نظر الجهة المُنتقَدة من خلال تفادي الحوار والنقاش العام حول كيفيّة التعامل مع حُفرة الحرب.

من جهة أخرى، فإن النقطة الأعمق والأهم تخصّ شروط قدرتنا على الشروع في حل هذه الخلافات. وبيد أنّ هناك شروط نظميّة لقدرتنا على الخوض في الميكانيزمات اللازمة لحل خلافاتنا، تركيزي هنا هو على تظهير أن ردمنا الحرب الأهلية يهدّد أحد الشروط الذاتية لقدرتنا على البدء في لعب دورنا كمواطنين/ات وسكّان في تقييم هذه الحُفرة، وبالتالي لقدرتنا على تقرير مصيرنا الجماعي. تكمن الأهمية النقدية لإظهار هذه الشروط الذاتية في تخطّي الصعوبات لحل هذه الخلافات كمرحلة أولى قبل أن نباشر في مرحلة ثانية لتقييم ردم الحرب الأهلية. بمعنى آخر، إذا كان ردمنا الحرب الأهلية يهدّد أحد شروط البدء في حلّ الخلافات، وبالتالي في تقييمنا لردم الحرب، فإن ردمنا هذا سيكون فاشلاً إذاً وسيّئاً بغض النظر عن إمكانية حل خلافاتنا.

الظلم المعرفي

الخلل الأساسي في ردمنا الحُفرة هذه، يكمن في تقويض قدرة الشعب على أداء دوره، حتّى واجبه، في عملية استيعاب وهضم ماضيه (النظر إلى الوراء) كي يتمكن من الدفع نحو مستقبل يمتلكه (النظر إلى الأمام). قد تكون بعض الأعمال الأخيرة في مجال المعرفة الاجتماعية النقدية وبالأخص ما يسمّى بنظرية الظلم المعرفي الأكثر إفادة في تبيان كيف أن ردمنا الحرب الأهلية يهدّد أحد الشروط الذاتية لقدرتنا على البدء في لعب دورنا في تقييم هذه الحُفرة. [4]

الفكرة الأساسية لهذه النظرية هي أن بعض أنواع التمييز تشكّل ظلماً للمتحدث/ة بصفته/ا عالِم/ة أو عارِف/ة. تركّز نظرية الظلم المعرفي على القضايا المتعلقة بقدرة الأفراد على صنع المعنى في ممارساتهم التواصلية، وتشير، في هذا السياق، إلى الأشكال المتعددة للممارسات والهيكليات القمعية وغير العادلة، المرتبطة بالمعرفة والفهم والمشاركة مثل الإسكات، والتشويه المنهجي، وتحريف المعاني، والاستهتار أو التقليل من القيمة المعرفية لمساهمات بعض الأفراد على أساس الجنس أو الطبقة الاجتماعية أو العرق. وبيد أن هذه النظرية قد ركّزت في بدايتها على الأفراد، هناك محاولات جدّية لتطبيق هذه الأفكار على صعيد المجموعات.[5] فبأيّ معنى يشكّل ردمنا الحرب ظلماً معرفياً؟

يتميّز تعاملنا مع الحُفرة التي تشكّلها الحرب الأهلية في تاريخنا الشعبي والرسمي، بالإنكار والإخفاء والتنصّل. دون إطالة، يمكن ذكر كيف تم التعامل مع وسط المدينة المدمّر ذي الرمزية الكبيرة لمعاناة الناس، كأنه موقع للاستثمار التجاري دون أيّ نقاش جدّي يشمل الشعب ويأخذ بالاعتبار الرأي العام في هذا الموضوع. هذا الإغفال والاستهتار طال البشر أيضاً، إذ هناك ما يقارب الـ١٧٠٠٠ مفقود جرّاء الحرب الأهلية الذين تم التغاضي عنهم ولم يتم الإقرار بهم حتى سنة [6]٢٠٢٠. والحالة ذاتها تنطبق على الصعيد السياسي والاجتماعي، فما زال أمراء الحرب يتحكّمون بكل مفاصل الحياة السياسية. على مستوى آخذي القرار، نحن انتقلنا إلى مرحلة ما بعد الحرب دون فتح أي ملف من ملفات هذه الحرب أو الحديث عن المرحلة السابقة في سبيل فهم جماعي لما حصل ولسبب المعاناة أو، على الأقل، “هضم” معنى تجربتنا للحياة الـ “طبيعية” في الـ “لا طبيعي”. لا اعتذار ولا مصالحة عداك عن المحاسبة. وأودّ ذكر عاملين أساسيّين (قد يكون هناك أكثر) لإظهار كيف يشكّل ردمنا الحرب ظلماً معرفياً.

العامل الأول: استراتيجية عدم الكلام عن الحرب، إنكار تأثيرها على حياتنا اليومية حتى الآن، وعدم احترام أو الاعتراف بالضرر الهائل والجروح التي تركته هذه الحرب، هي فعليّاً عملية إنكار لمعاناة الشعب من مخيّلته الجماعية. بدوره، يؤدّي هذا إلى استبعاد ما تسلّل إلى داخل وعينا الجماعي نتيجة الحرب، ما يفصلنا عن جزء من ذاتنا الجماعية. هذا الفصل يمنعنا من مواجهة ومعالجة آثار الصدمات والمعاناة التي تعيش معنا من خلال وعينا الجماعي، كما أنّه يعيق قدرتنا على فهم أنفسنا. إحدى نتائج هكذا فصل هي إسكات النفس عن تجاربها. تُذكر الحرب في الخطاب العام، وفي الكثير من الأوقات ضمنياً، للتخويف والترهيب فقط. وبينما تنطبق مقولة “تنذكر وما تنعاد” على حربنا الأهلية، هذا لا يعني ألّا نفهمها، من ظروف اندلاعها وصولاً الى تقييم كيفية ردمها، خصوصاً أنّه من الطبيعي أن نعيد تكرار ما لا نفهم.

العامل الثاني: عمّقت الحرب الانقسامات القائمة منذ المرحلة التي سبقتها وخلقت شقوقاً جديدة. صنّفت الحرب وسياسات ما بعد الحرب الناس في لبنان إلى فئات ذات صفات مختلفة وغذّت التحيّز السلبي لهوياتها. ويؤدّي التحيّز السلبي على أساس الهوية أو المنطقة أو الطائفة إلى فشل مستمر ومتكرر بالتعبير عن أنفسنا والتحاور مع الآخر  بسبب سوء فهم الآخر لنا. ويؤثّر هذا بدوره سلباً على قدرة الآخر على الاعتراف المعرفي بقدرتنا على التعبير والفهم والمشاركة الـ “لا أحادية” والبنّاءة في الحقل العام. تؤثّر نظرة الآخر إلينا، ونوعية تواصله معنا، على فهمنا لأنفسنا وعلى قدرتنا على التفكير.

يهزّ هذان العاملان علاقات ثقة الفئات بأنفسهم وبين بعضها البعض وبين أفرادها ويهدّدانها. وعلاقات الثقة هذه أساسية في قدرتنا على التعبير عن تجاربنا بصدق وبصراحة وبدون خوف أو دفاعية، وبدون قدرة من هذا النوع هناك عجز جماعي في المصداقية. باختصار، يعيد ردمنا الحرب صناعة سردية الماضي في الحاضر ويكرّسها، ما يغذّي عجزاً منهجياً في المصداقية وفي قدرتنا على التعبير. في ظلّ هكذا عجز، نعيش في حالة جهل جماعي للحرب وأنفسنا وفئات المجتمع المتعدّدة. كما أننا، ومن خلال هكذا جهل وعبر ممارساتنا السياسية والاجتماعية والشخصية، نساهم في ترسيخ جهلنا الجماعي والمحافظة عليه.

بالإضافة إلى ذلك، يرتبط هذان العاملان بمنظومة ذات نهج يستفيد من انتشار هذا الجهل حول حقيقتنا وفئاتنا الاجتماعية المختلفة، وقضايا مصيرية في بلدنا مثل قضية المفقودين أو تفجير المرفأ. يخدم جهلنا الجماعي السلطة والطبقة الحاكمة ويغذيها، ولقد أثبتت التجربة أنّنا طالما بقينا تحت رحمة هذه السلطة، سنظل نعيش تحت قمع المحسوبيّات واللامبالاة وعدم الكفاءة والاستغلال.

ماذا الآن؟

فلنكن واقعيين\ات ونضع جانباً فكرة المنقذ القومي أو الصحوة المفاجئة لآخذي القرار في لبنان. بعبارة أخرى، لا محال إلا في العمل المباشر والمبادرات الشعبية. وبيد أن غياب الدولة أجبر الناس على أن “يدبّروا راسن”، فإن النتيجة لم ولن تكون ناجحة طالما تعمل هذه الجهود من داخل، ومن خلال، جهلنا الجماعي. قبل أيّ شيء علينا خرق حواجز هذا الجهل. بعض الاقتراحات هنا قد تشمل العمل في الأحياء، والمدارس، وعبر وسائل التواصل الاجتماعي لخلق مساحات آمنة، حيث يمكن بذل مجهود واعٍ ومركّز لمحاربة الجهل، وذلك بإعادة تثقيف أنفسنا حول ماضينا وواقعنا. من خلال هذه المساحات، هناك فرصة أن يتحوّل الاعتماد الفردي على النفس إلى اعتماد جماعي على النفس. تتاح هذه الفرصة من خلال طرق متعددة للنشاط والتنظيم الاجتماعي الهادف إلى تحديد ومن ثمّ التشكيك والتحقيق في الميكانيزمات وأنماط التفكير و”ردّات الفعل” التي يتغذّى منها جهلنا الجماعي وينتشر من خلالها، مثل الشعارات والادّعاءات التي نردّدها عن أنفسنا والآخرين بدون تفكير، والأسئلة التي طالما اعتبرنا إجاباتها أمراً مسلّماً به. الطريق طويل وصعب. المهم أن نكون على الطريق الصحيح. وبرأيي، فإن هذا الطريق يبدأ بالاعتراف بالجهل الجماعي وبمراقبته الواعية كي نعرف كيف، أين، ومتى يمكن أن نُحدِث فيه ثقباً على مستوى الأفراد والمجموعات. ثقب على ثقب، يُخرق الجهل الجماعي ونصبح أكثر فأكثر استعداداً وقدرةً على التواصل والحوار العادل والمتساوي مع الآخر، ومن هنا “تدبير راسنا” يمكن أن يكون ناجحاً على صعيد تقرير مصيرنا الجماعي. هكذا ثقب لا يجوز ردمه، بل إنّ ردمه هو ظلم بحق الشعب ككلّ.


[1] مفهوم “الشعب” هو بناء أو تركيب اجتماعي. في هذا النص، أفترض أن أحد المكوّنات الأساسية لاعتبار مجموعة من الناس شعباً، يكمن في فهم هذه المجموعة لنفسها كمجموعة. قد تلعب عناصر عدّة دوراً في هذا الفهم الجماعي، منها القواسم المشتركة على الصعيد الفكري أو المادي، والعادات والتقاليد، ونوعيّة علاقات أفراد المجموعة مع بعضها وكيفيّة تواصلهم مع بعضهم عبر الزمن. مضمون مفهوم الشعب إذاً وحدوده غير ثابتين، بل متحرّكان ويتغيّران بحسب تحرّك وتغيّر أفراد المجموعة مع السياقات التاريخيّة والاجتماعية والسياسية.

[2] استمعت مؤخراً إلى مقابلة مع كلوي قطّار وساعدتني تلك المقابلة في ربط بعض النقاط التي أوردها في هذا النص https://www.youtube.com/watch?v=pt_aVKvZfwU

[3] Fricker, Miranda. Epistemic Injustice: Power and the Ethics of Knowing. Oxford: Oxford University Press, 2007

في هذا الكتاب ميّزت فريكر بين نوعين من الظلم المعرفي، “ظلم الشهادة” و”الظلم التأويلي”. ومن ثمّ طوّر البعض هذين النوعين وزادوا عليهما (Kidd et al. 2017).

[4] Fricker, Miranda. Epistemic Injustice: Power and the Ethics of Knowing. Oxford: Oxford University Press, 2007.

Dotson, Kristie. “Tracking Epistemic Violence, Tracking Practices of Silencing.” Hypatia, vol. 26, no. 2, 2011, pp. 236–257.

Medina, José. The Epistemology of Resistance: Gender and Racial Oppression, Epistemic Injustice, and Resistant Imaginations. Oxford: Oxford University Press, 2013.

Jenkins, Kathatine. “Rape Myths and Domestic Abuse Myths as Hermeneutical Injustices.” Journal of Applied Philosophy, vol. 34, no. 2, 2017, pp. 191–205.

Kidd, Ian James, Medina José, and Pohlhaus Gail, eds. The Routledge Handbook of Epistemic Injustice. London and New York: Routledge, 2017.

[5] وبيد أن هذه النظرية قد ركّزت في بدايتها على الأفراد، هناك محاولات جدّية لتطبيق هذه الأفكار على صعيد المجموعات. كمثال على هذا

Altanian, Melanie, and Nadja El Kassar. “Epistemic Injustice and Collective Wrongdoing: Introduction to Special Issue.” Social Epistemology 35.2 (2021): 99-108.

[6] على الرغم من إقرار القانون رقم 105 للمفقودين والمخفيين قسراً سنة 2018، إلّا أن مجلس الوزراء اللبناني لم يقرّ مرسوم قانون إنشاء الهيئة الوطنية للمفقودين والمخفيين قسرياً إلّا عام 2020.

أيوب، لور. “خطوة متقدمة لتكريس حق الأهالي معرفة مصير ذويهم : تشكيل الهيئة الوطنيّة للمفقودين والمخفيين قسراً”. المفكرة القانونية، 23 حزيران\يونيو 2020، https://legal-agenda.com/%D8%AE%D8%B7%D9%88%D8%A9-%D9%85%D8%AA%D9%82%D8%AF%D9%85%D8%A9-%D9%84%D8%AA%D9%83%D8%B1%D9%8A%D8%B3-%D8%AD%D9%82-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%87%D8%A7%D9%84%D9%8A-%D9%85%D8%B9%D8%B1%D9%81%D8%A9-%D9%85%D8%B5/، تمّ دخول الصفحة في 28 نيسان\أبريل 2021.

قلق

صهيب أيوب, غير معنون, ألوان مائية. ٢٠١٩

مع بلوغ موعد رفع هذه السطور، ستكون لندن، حيث أقطن، قد بدأت شيئًا فشيئًا الخروج من سنة شهدت كمًّا كبيرًا من القيود والإغلاقات العامّة، وذلك تزامنًا مع الوعد ببرنامجِ تلقيحٍ طموح للمملكة المتّحدة، وتعهّدِ بوريس جونسون الطنّان بمتابعة “خريطة الطريق نحو الحرّيّة”. ها نحن نجلس في تخبّطِ ما بعد الخروج من الاتّحاد الأوروبي، نراقب – في موقف لا يخلو، وبكلّ صراحة، من شيءٍ من الشماتة – إحصاءات كوفيد المتذبذبة في القارة العجوز- متمسّكين بتفاؤل أعرج ببلوغنا آخر النفق في المملكة المتّحدة بعد طول انتظار. وقَّتَ نذير الشؤم في السنة الماضية وبشير الحرّية في الوقت الحالي قدومهما بحلول النوروز – رأس السنة الإيرانيّة المحتفل بها من قبل عدد كبير من الشعوب والدول في المنطقة الإسلاميّة الشرقيّة. هي سنة جديدة، وبداية جديدة، ولكن أهي مليئة بالأمل؟ 

لقد تعلّمنا الكثير خلال سنةٍ، منها القدرة على التمسّك بالأمل، فنحن مبرمجون كي يغمرنا الأمل عند دخولنا حقبة جديدة، لدرجة يشكّل عدم الشعور بهذا الدفء الداخلي مصدرَ زعزعة. بدأ الأمر بخططٍ مؤجّلة. فمع زملاء جامعيّين إيرانيّين، تحسّرنا على إلغاء الاحتفال بالنوروز، ولكنّنا حافظنا على فرحنا، على أمل إقامة جمع خلال الصيف بمناسبة نهاية العام الدراسي قُبيل تيرغان، واثقين بأنّ الجائحة لن تكون سوى مشكلة ظرفيّة. مع مرور الوقت، بدا لي ولمحيطي بشكل جليّ أنّه من الأفضل الرهان على عودة الأمور إلى طبيعتها خلال الفصلين الباردين. لكن، عند حلولهما، بات واضحًا أنّه من الأفضل عدم التفكير أبدًا “بالمستقبل القريب”. 

حَثّ انتظارنا “بكيتيا” أي انتظارنا لغودو لمدّة سنة، عددًا كبيرًا منّا على تحسين الذات. سريعًا ما تبع الإغلاق العام العالمي سيلًا من الحصص الدراسيّة بأسعار “مخصومة” على شبكة الإنترنت حول مروحة واسعة من المواضيع تبدأ بالورق البردى المصري ولا تنتهي بالتأمّل الفيدي. خلال هذا البحث عن حلولٍ للحيوات المحرَّفة، ظهرتْ جليًّا المقاومةُ الإنسانيّة للقدر، والتي غالبًا ما كانت موضع استهزاءٍ في التراجيديا اليونانيّة القديمة. ومهما كان الدافع وراء اتّخاذ القرار، أكان الاستفادة من الفرصة النادرة للاهتمام بمشاريع مؤجّلة أو الرغبة في تفادي هدر الوقت، كَمَنَ قلقٌ عميق ومكتوم خلف النشاطات التي لاحظنا فجأةً أنّه يمكن أو يجب القيام بها خلال عزلتنا الجبريّة.

عادة ما تشكّل كلمة “قلق” إحدى أولى المفردات التي يتعلّمها طالب اللغة العربيّة في الكتب التمهيديّة. أتذكّر بوضوح متى التقيت للمرّة الأولى بهذا الجذر الثلاثي، وأين، وبأيّ كتاب. تألّق – أقّله بالنسبة لي – وسط الجذور الثلاثيّة الأخرى المقترحة والتي تشكّلُ ركنًا من أركان نسيج اللغة العربيّة. إذ، من أجل لفظ كلمة “قلق”، كان على اللسان أن يبدأ في أسفل حنجرتي، وأن يمضيَ قدمًا ليلمس سقف حلقي، ليعود أدراجه إلى نقطة الانطلاق. ذُهلتُ لروعة الحركة وللتماثل الذي تقدّمه داخل الجوف الفموي البشري. بَدتْ لي القافُ دائمًا واثقة، وثابتة العزم، وبالأخصّ منطقيّة، في حين يظهر على اللام التردّد واللين والعاطفة. وعلى الرغم من كوني مبتدئًا، لم أكن بحاجة إلى اللجوء إلى الترجمة كي أفهم الكلمة، حتّى وأنّي شعرت تلقائيًّا أن الترجمة المعتمدة بالإنكليزيّة، “worry”، لم تكن تعكس القوّة الصادرة عن لفظ الكلمة باللغة العربيّة. لاحقًا، تعلّمتُ أن كلمة “قلق” كانت من بين الجذور العربيّة القليلة التي تكون فيها فاء الكلمة ولامها متماثلتين، وقد تكون مشتقّةً من جذر سابق ثنائي يضمّ فقط قافًا ولامًا.

تشكّلُ اللغة العربيّة لغةً غنيّة تكثر فيها المرادفات (أو لربّما يجدر بي القول المرادفات المتقاربة). تتوفّر كلمات عديدة أخرى تعبّر عن حالة “القلق”، مثل “تشويش”، و”اضطراب”، و”بلبلة”. لكنْ، أيٌّ منها لا يشبه “قلق” في المقام الأوّل، لأنّ هذه الكلمات إمّا مشتقّة من جذر آخر، أو تذكّرنا بجذر آخر. تشكّل كلمتَا “اضطراب” و”تشويش” مصدرين لأفعال مشتقّة من جذر آخر، وهي بذلك “مثقلة شكلًا”، في حين أن “بلبلة” تذكّرك بالعاشق المتيَّم، الذي يُرمَز إليه بالبلبل، في قسم كبير من الأدب الإسلامي. أمّا “قلق”، فهو جذر لا يشير إلّا لنفسه. يذكّرني الطابع اللغوي “المطْلَق” بأسباب تفضيل الشاعر البرتغالي فيرناندو بيسوا النهر في قريته على مجرى نهر تاجة الكبير.

O rio da minha aldeia não faz pensar em nada.

Quem está ao pé dele está só ao pé dele.

“لا يدفعك النهر في قريتي إلى التفكير بأيّ شيء.

من كان بالقرب منه، كان فقط بالقرب منه”.

كما تختلف كلمة “قلق” عن الكلمات الأخرى بقدرتها على تكوين نعت، “قلقان”، في اللغة المحكيّة، على وزن “جوعان” و”عطشان” – وهي نعوت تشير إلى حالات جسديّة ونتائجها النفسيّة. بذلك، يُشكّل “القلق” الحالة الوجوديّة والصميميّة مستقلّة عن المداخلات اللغويّة الأخرى والشاملة لمجموعة من الارتباطات المفرديّة في آن: الاضطراب، وعدم الاستقرار، والهلع، والخوف، والفزع…، والمكوّن ببراعة وبالحدّ الأدنى من خلال رقصة اللسان البشري. قادني فضولي اللغوي إلى البحث عن كلمات متشابهة لـ”قلق” في لغات ساميّة أخرى، غير أن جهودي لم تفلح، إذ تبيّن أن كلمة “قلق” بالعربية، على ما يبدو، فريدة اصطلاحيًّا في بحر اللغات الساميّة، مع غموض يلفّ أصلها. قد يكون للكلمة اشتقاق في اللغة العربيّة – وهو فعل “قَلْقَلَ”، والذي يصف عمليّة “الخضّ” و”الاضطراب”، في ترداد للأصوات يُشبه الـ”قلق”. وفي حين يلفّ الغموض العلاقة بين “قلقلَ” و”قلق”، تُعجبني فكرة أن الكلمة التي تدلّ على الاضطراب النفسي هي التي أفرزت الكلمة التي تُعبّر عن الاضطراب الجسدي من خلال التشديد اللفظي. يمنح اللبسُ في أصل كلمة “قلق” نوعًا من أنواع الشموليّة الاصطلاحيّة، ما يصنع منها وجودًا دلاليًّا فريدًا في اللغة العربيّة.

نحن البشرُ في بحثٍ دائم عن الاستقرار. يندرج التوق لمكان يُشعرنا بالأمان والراحة في الشيفرة الأساسية لحمضنا النووي، ويعود إلى بدايات وجودنا قبل عشرات آلاف الأعوام. يعتقد الزردشتيّون أن الإله الأبدي، الواحد والأحد، أهورا مزدا، أو “الرب الحكيم”، قد أنشأ العالم من خلال ضبط كلّ شيء – النجوم، والنبات، والحيوانات، والإنسانيّة… – بنظام صحيح تغيب عنه الحركة تقريبًا. إن “دا” في اسم الرب الحكيم يأتي فعليًّا من جذرٍ هندو ـــ أوروبي قديم يعني “ضبط، وضع”، مع معنى آخر هو “الخلق”. ليست حركة الكون، المسؤولة عن فوضى البشريّة وبؤسها، سوى النتيجة المباشرة لمحاولات الشيطان أهريمان الدائمة لزعزعة النظام الصحيح الذي خلقه أهورا مزدا.

في العالم الذي يحوم في الفلك الفارسي، أي المنطقة الإسلاميّة الشرقيّة التي تسيطر عليها الحضارة الفارسيّة الإسلاميّة وتؤثّر فيها، يجري التعبير عن مفهوم الاستقرار على المستوى الشاعري من خلال كلمة “قرار” شائعة الاستخدام، والمستعملة أيضًا بشكل واسع في اللغة العربيّة الحديثة بمعنى “الرأي” كما عند قولنا “اتّخاذ القرار”. حافظتْ ألفاظ دخيلة عديدة من اللغة العربيّة إلى اللغة الفارسيّة ومنها إلى لغات أخرى متأثّرة باللغة الفارسيّة، على معناها الأصلي في هذه اللغات، في حين أنّه باللغة العربيّة الحديثة، اكتسبت معاني أخرى باتت أكثر شيوعًا. “قرار” هو إحدى هذه الكلمات. يمثّل الجذر “قرر” كلّ ما لا يمثّله “قلق” – الثبات والثقة والشعور بالاستقرار الكبير في وضع معيّن، أي بتعبير آخر، النظام الكوني المثالي الذي خلقه الرب الحكيم الزردشتي، أو الوجود الفردوسي الابراهيمي للبشريّة قبل التدخّل الإبليسي. في الشعر الصوفي الفارسي، يُقارَن وجود الإنسان بعيدًا عن الله بعاشق متلهّف واهن بسبب الانفصال الدائم عن حبيبه. ما يُثير الاهتمام هو أن كلمة “قرار” تبدأ هي أيضًا بحرف القاف الذي يدلّ على الثقة، تمامًا كما هو الأمر بالنسبة إلى “قلق”؛ وينتقل اللسان في الحالة هذه إلى مقدّمة الفم، ولكن، عوضًا عن الانسحاب، يُكرّر فعلتَه – حرف الراء – كما لو يُشير إلى مدى تصميمه، والإعلان عن استقراره، فيستقرّ بثقة في “مقرّه” – أو “قرارگاه” بالفارسيّة وباللغات الإسلاميّة الشرقيّة الأخرى.

بالطبع، إن الإيحاء بوجود علاقة جوهريّة بين الصوت والمعنى ليس سوى هرطقة لغويّة، غير أن هناك البعض من الشاعريّة في تأمّلات كهذه. هنا، تخطر كلمة sossego البرتغاليّة على البال، وهي تدلّ على حالة من الطمأنينة والسلام الداخلي والخارجي – وهو الأمر الذي يصعب على كثيرين الحصول عليه خلال هذه الأوقات العصيبة. تأتي كلمة sossego من الكلمة اللاتينيّة sessus أي الجالس وهي بذلك دلالة على ربط اصطلاحي بين الوضعيّة الثابتة وراحة البال، ما يردّنا إلى معنى “قرار”. يذكّر تكرار حرف الـ”s” بانسياب جدول ماء تجلس بالقرب منه متأمّلًا، أو حفيف أوراق شجرة في ليلة دافئة تشهد رياحًا خفيفة: الطمأنينة – كلمة هجرت وجودنا منذ زمن. 

في الطمأنينة (quietude بالإنكليزية) سعادة لا توصَف. تختلف السعادة عن الفرح، الذي يُشار إليه في أحيان كثيرة بالصوت والحركة، وهو بذلك آني. أمّا السعادة فهي ثابتة. لربّما يفسِّر ذلك كون السعادة هدفًا يمكن السعي وراءه “إلى أبد الآبدين”. فعليًّا، اشتقّت الكلمة الانكليزيّة quiet من اللاتينيّة quietus، من الجذر الهندو ـــ أوروبي عينه للكلمة الفارسيّة shād  (سعيد). وبذلك، ليس مستغربًا أن نقول، باللغة الفارسيّة، “روحشان شاد”، “لتكن روحه/ـها سعيدة” عند وفاة الشخص. باللغة الفارسيّة القديمة، كان معنى كلمة shād “مرتاح” قبل التطوّر نحو المعنى الحديث: “سعيد”. في الغرب، يعني ذلك requiescat in pace “ارقد بسلام” (اشتقاقًا من الجذر quie-، وهو أيضًا جذر كلمة quiet الانكليزيّة)، في الوجود السماوي غير المدنّس والذي فقدته الإنسانيّة على الأرض هذه.

ܥܠܘܟܘܢ ܫܠܡܐ، שלום עליכם، – السلام عليكم. يُشير هذا التعبير الشائع في اللغات الساميّة، والذي يهدف إلى الترحيب، إلى قلق البشريّة العميق حول اللااستقرار. يتضمّن الجذر الثلاثي “سلم” معنى الخلو من الإصابة، والأمان، والحفاظ على السلامة، وشكَّلَ اسمَ إله يُدعى سلام، كان يعبده الأشوريّون والعرب ما قبل الإسلام. مثَّلَ الالهُ سلام كلّ الأمور الجميلة والجيّدة، مذكّرًا بالعالم المثالي ما قبل الحركة الذي صمّمه الرب الحكيم الزردشتي الذي يتناقض نوره كلّ التناقض مع ظلمة الشيطان أهريمان. بعد بروز الإسلام، أُسند إلى الله الأوحد والأحد أيضًا هذا الاسم من ضمن أسماء الله الحسنى.

Πάντα ῥεῖ pánta rheî “كلّ شيء ينساب”: هذا ما قاله لنا هِرَقْليطُس قبل أكثر من ألفيّتين. في ثقافات عديدة، يُقارَن الكون الذي يحتوي على العالم بعجلة تدور يُطلِق عليها الفُرس اسم “چرخ فلک” (charkh-i falak)، حيث تُشكّل الحركات المفرطة مصدر قلق دائمٍ. ليست هذه الصورة غامضةً بالقدر الذي نعتقده، إذ إن توالي الليل والنهار، بالإضافة إلى تغيّر الفصول، لا بدّ أن لاحظه أجدادنا الذين أقرّوا به. من حسنات النقص الدائم في “القرار” هو أنّه ما من حقيقة تستمرّ إلى الأبد – من يعرف ما إذا كان في الدوران المقبل للعجلة، سيصبح الوضع السيّئ الذي تواجهه مؤاتيًا؟ على عكس ذلك، من يمكن أن يضمن أن الفرح العارم القائم حاضرًا لن يتحوّل إلى بؤس مستقبلًا؟ من يعرف؟ – سؤال وجيه. نرغب في المعرفة، لا سيّما في ما يتعلّق بالمستقبل، فكلّما حصلنا على معلومات موثوقة، كلّما زادت الطمأنينة، وكلّما خفّ منسوب القلق في حياتنا. نخشى المجهول لأنّنا نخشى بالتحديد البلبلة الناتجة عنه. فمع ذلك لا يمكننا أن نعرف. فنحن بشرٌ والله أعلم. يكمن الملاذ الأخير لنا من أجل إيجاد الأمن والسلام، الخلاص الأخير لوجودنا من القلق، في الاجتماع بالعليم والسلام، وهّاب الطمأنينة عند نهاية أيّامنا، وفي الحصول على البقاء.  

يتوق الصوفيّون منذ الأزل إلى العودة للوجود المطمئن للخالق بعدما نُفيت البشريّة إلى هذا العالم البربري الفوضوي… غالبًا ما يملك الشعر الصوفي نبرة حزن من شأنها أن تؤدّي إلى راحة البال، أو ألّا تؤدّي إليه، وفقًا لتفضيلاتك. ولكن، ما هو متوافَق عليه هو التعليم القائل بأنّ علينا الانصراف عن الروابط الدنيويّة من أجل الاجتماع مجدّدًا بالمُطْلَق، الحقّ. ينصح مولانا البلخي، المعروف بالرومي، كّل من يرغب باعتماد الطريق الروحيّة الصحيحة:

هم خویش را بیگانه کن هم خانه را ویرانه کن

ham khēsh rā bēgāna kun ham khāna rā vayrāna kun

“اجعل من ذاتك غريبًا ومن بيتك ركامًا”.

تتجانس الكلمات هذه مع ما ينصح به كريشنا، الأفاتار الأوّل للإله الأكبر في الهندوسيّة، أرجونا، رمز جميع الفانين، في بهاغافات غيتا:

भव​… 

निर्द्वन्द्वो नित्यसत्त्वस्थो

निर्योगक्षेम आत्मवान्

bhava…

nirdvandvo nityasattvastho

niryogakṣema ātmavān

“كن… حرًّا من الثنائيّات، واثبت في التناغم، من دون مقتنيات أو ممتلكات، وكن مستقرًّا في الذات”.

يشكّل القلق حالة الأسر بين الثنائيّات: المعروف والمجهول، المقتنى وغير المقتنى، الحاضر والغائب، الماضي والمستقبل… نشعر بالعجز فيما تتنقّل أذهاننا وأجسادنا بين الندم والأمل، بين الحنين إلى الماضي والترقّب، بين التعويض والعزم. في هذا السياق، يحمل الزردشتيّون من إيران ما قبل الإسلام نصيحة لنا، مقتضبة ولكنّها عميقة، في كتاب Handarz ī Āturpāt Mahrspandān  “نصائح حكيمة لآذرباد، ابن مَهرسبَند”:

ān uzīd framōš kun ud ān nē mad ēstēd rāy tēmār bēš ma bar.

“انسَ ما قد فات، ولا تقلق بشأن ما لم يأتِ”.

بعد مرور قرون، كرّر عمر الخيّام مثاليّة الوجود العابر للأزمان في عدد كبير من رباعيّاته، على غرار:

هرگز غم دو روز را نباید خوردن
روزی که نیامده و روزی که گذشت

Hargiz gham-i dū rōz rā nabāyad khurdan
Rōz-ē ki nayāmada u rōz-ē ki guzašt

“لا يجب أبدًا القلق على يومين:

اليوم الذي لم يأتِ واليوم الذي فات”

لربّما يشكّل ذلك أساس الرزانة التي تُحرّرُنا من قيود الماضي والمستقبل، وتعيدُ قدرتنا على ما يمكن القيام به وما يمكن معرفته – الحاضر؛ يذكّرنا هذا بشكل دائم بأنّ قرارنا (بمعنى سلامنا) الداخلي يعتمد على قرارنا (بالمعنى الرائج للكلمة في اللغة العربيّة) في مواجهة الظروف الخارجيّة. لا تعتمد كيفيّة النظر إلى أنفسنا وإلى حياتنا فقط على تفاعلنا مع العالم الخارجي، بل أيضًا على تفاعلنا مع أنفسنا. نجد أن هذا أفضل مصدر للاستقرار الذي نبحث عنه كبشر ونخلقه في أنفسنا. إنّه النوع الوحيد من الاستقرار الذي لا يقبل الزعزعة من أي قوّة خارجيّة وهو النوع الوحيد من الاستقرار الذي يتأقلم مع الظروف الخارجيّة ويحافظ على ثبات معرفتنا وذاتنا، وسلامتهما، وسعادتهما – “شاد، مقرّر، سالم، أو بالسنسكريتية आत्मवान ātmavān.

ترجمة: برونو برمكي

و.ح.ش

“ماذا نعرف عن بشر عاشوا حروباً أهليّة؟ عنفاً ودماراً وخساراتٍ وخيباتٍ؟ وخوفاً مريعاً، بلا شك؟ كيف يتحوّلون، وما الذي يتغيّر فيهم ويقسو؟ في المربّع الأخير من الحياة، ذلك الذي يغدو الموت فيه قريباً ومحتملاً بشدّة، لا يعود القلب سوى مضخّة للاستعمال المفيد. دم ساخن يدفق بقوّة في الأعضاء من أجل الهرب؛ لا من أجل أي شيء آخر سوى الهرب.”

–هُدى بركات، بريدالليل[1].

في رواية «بريد الليل»، تشكّكُ هدى بركات في قدرة الأدب على بناء قصّةٍ متماسكة وعلى سَرد الرّواية وعلى الإلمام بالتجربة التاريخية. مؤلّفة من ستة رسائل لا تصل أبداً إلى اصحابها، تتجلّى رواية بركات عبر مناظرٍ مُهشَّمة وذواتٍ مكسورة. مع ذلك، تجد المؤلّفة طريقة لإنقاذ هذا الانكسار وتزويده بملاذٍ من الوحشيّة والقسوة والعمليات الداخلية التي تغيّر الإنسان وتكبح  حاجاته بهدف إبقائه على قيد الحياة. ان ما تبقّى من أولئك الذين عانوا من الحروب والعنف آنذاك، ما هو إلا «مضخّة للاستعمال المفيد» قد تتوقّف عن العمل في أي لحظة.

الحالة الميكانيكية للحصانة ضد الألم والجنون، التي تصفها بركات على نحوٍ بارعٍ في روايتها، قد سَمَحَت للبنانيين على وجه التحديد بالصّمود والعيش، على الرغم من الدمار المادي والانهيار الداخلي. يعيش هؤلاء الناجون من الحرب في مساحاتٍ عَتَبيّة في لبنان وخارجه، وقد تغيّروا وتصلّبوا بعد أن تنازلوا عن حقهم في الماضي من أجل الولوج إلى مستقبل لمّاعٍ وهّاجٍ يومضُ كعلامة مسيحانيّة. هكذا، تمكّن هؤلاء من احتواء انكسارهم عن طريق الحفاظ على الوظيفة الأساسية للآلة، أي ضخ السوائل وتوزيعها على كافّة الأعضاء. إلّا أنه، وفي ضوء الأحداث الأخيرة التي حلّت بلبنان وغيره من دول المنطقة من انهيارات سياسية واقتصادية إلى حروب وأوبئة وانفجارات، فإن عمل هذه الآلة يتعرّض مرّة أخرى للخطر.

عندما انفجر مرفأ بيروت في الرابع من آب/أغسطس العام ٢٠٢٠، كانت صُوَر الدّخان الأسود المتصاعد من موقع الحادث تشبه صورة «الوَحْشْ» الذي يستعد لالتهام المدينة وابتلاعها إلى الأبد. بعد فترة وجيزة، ظهرت مطالبات بالانتقام تمّ التعبير عنها بشعار: « لن نحاسبكم، سوف ننتقم!». يمثل هذا الشعار ابتعاداً مهماً عن دعوات المطالبة بالديمقراطية والشفافية التي أطلقها اللبنانيون عندما نزلوا إلى الشارع  في شهر تشرين الأول/أكتوبر من العام ٢٠١٩، لإسقاط الطبقة الحاكمة. عبَّرَت الدعوة للانتقام عن ظهور مواطنٍ التقى بالوحش وجهاً لوجه، ولم تعد تخدعه الومضات الليبرالية للإصلاح الحكومي. شكّلت الدعوة إلى الانتقام صدى لمواجهة وحشيّة قد أنهت حقبة ما بعد الحرب التي تم خلالها احتواء الهمجيّة. فالدعوة للثأر إذن هي دعوة إلى التهام ما التهم الناس ومدينتهم، وجرّدهم من آليات الدفاع وأدوات النجاة. كَفعلٍ يتوّج ملحمة وحشية، افتتح الانفجار مرحلة جديدة ستؤثر على الحالة البشرية وستتطلّب أنماطاً مختلفة من المواجهة. لهذا، نحن بحاجة إلى الرجوع إلى التاريخ واللغة، والتنقيب عن أنساب وتصنيفات الوحش المُجبَرين على مصارعته.

في اللغة العربية، يقدم المُشتَقّ «وَ. حـ . ش» مدخلاً خصباً للتّفكّر في الحالة الراهنة للتحول الاجتماعي والسياسي في لبنان والمنطقة. تُشتَقُّ كلمة «وَحْشْ» من «الوِحْشَة» التي تدل على حالة الغُربة أو الضّياع أو الاغتراب أو الوحدة، كما الوحشيّة والبهيميّة، وهي حالةٌ تتّسمُ بتقهقر وانسحاب ما هو بشريّ[2]. ترتبط الوحشة أيضاً بالفضاءات المقفرة مثل مواقع الخراب أو البرية أو القَفر، وهي أماكن تسهل عملية «التَّوَحُّشْ»، أي التحوّل من إنسانٍ إلى وحش، والتسبب بالهمجيّة والشّراسة والعزلة والبربريّة. إذن، «المُتَوَحِّشْ» (أي الشَّرِس والضّاري والهمجيّ) هو من انفصل عن المجتمع البشري كمنشأ الهوية ومنبتها ليصبح شيئاً آخر مُحَوَّل ومُشوَّه بشكلٍ دائمِ. وضع مفكّرون مثل جيل دولوز وفيليكس غوتاري وأشيل مبيمبي[3]نظريات عن التَّوَحُّشْ باعتباره صيرورة وقوّة كامنة قادرة على قلب المفاهيم الإنسانية للمنظومة أو الجماعة. من رواية «فرانكنشتاين» للكاتبة ماري شيلي إلى «فرانكشتاين في بغداد» للعراقي أحمد السعداوي، أصبح التَّوَحُّشْ أيضاً تقليداً أدبياً ونموذجاً للمواجهة يتحدى الإنسان ككيان اجتماعي ونفسي.

هذا وقد زوّدتنا الثقافة العربية بلمحات متعدّدة عن التَّوَحُّشْ. من هيئة «المجنون» الذي يظهر في المنمنمات مُحاطاً بالحيوانات، إلى حالة الصعاليك الذين ماتوا جوعاً في بوادي شبه الجزيرة العربية قبل الإسلام. يشير التَّوَحُّشْ هنا إلى حالٍ ونمط عيشٍ محدّد هو مزيج من الغضب والألم الذي يرغب في تدمير كل شيء، ومن ضمن ذلك تدمير الذات. غالباً ما يكون المُتَوَحِّش هو الشرير الذي يصرخ مُطالباً بالانتقام، أو آكل لحوم البشر الذي يريد أن يأكل من أكله. بعد طرده من القبيلة ونفيه إلى البادية، يُقسِمُ الشاعر الجاهلي «الشنفرى» على الانتقام بقتل مئة من قبيلته. يعبّر الشنفرى عن توحشّه في قصيدة  «لامية العرب»، إذ يستحوذ عليه تحوّلٌ جسديّ يؤول به في النهاية إلى نقطة التفكّك والانحلال. في اللاميات، تحصل عمليّة التَّوَحُّش في الجسد وفي داخل الأحشاء، إذ تلتفُّ حوايا بطنه وتتقّلب وتلتوي. يؤطر الجوع والإقصاء من المجتمع والعنف القبلي توحّشه وعودته الانتقاميّة كقاتلٍ وكشاعرٍ يندّد بالعنف والظلم الذي تعرّض له. ينبثق من هذه السيرورة الشعر والموت والوعي الجديد الذي يبشّر بمشروع سياسي وشعري يجرّد الإنسان من قلبه ودمه، دون إمكانية للخلاص والانعتاق. هي صفحةٌ بيضاء أو لوحٌ فارغ مُبهِجٌ ومُرعِبٌ في نفس الوقت.

دفعت الحرب الأهلية اللبنانية بعنفها ومنفاها القسري الكُتّاب والفنانين مثل هدى بركات إلى مساحات من «الوِحشَة» أو القَفر الوحشي مشابه للذي عاشه الشنفرى[4]. تنبثق هذه الوِحشة الأدبية من حالة السُّكنى مع الذات والعيش في النص والانفصال عن القبيلة. وبينما يكتبون ويبدعون، يضطر هؤلاء الكُتّاب والفنانون إلى تحمّل هذا العنف والتّصالح مع حقيقة أنه حوّلهم إلى لاجئين في الخارج كما في أوطانهم وفي أجسادهم. في حالة الوِحشة هذه، تصبح الكتابة هي المسرح الذي يستحضر الوحش، والذي يشرع في نحره مراراً وتكراراً، لكن من دون جدوى. فالوحش يحمل مرآة الذات أيضاً؛ يدخلها ويشكّل وعيها تماماً مثل «غريغور سامسا» الذي يتحوّل إلى حشرة عملاقة ويفكّر مثلها في رواية «المِسخ» لـ فرانز كافكا. كيف نتغلّب على الوحوش والمسوخ التي تحولنا إليها؟

مع اشتداد الحروب والصراعات في منطقتنا، صار التَّوَحُّش منهج لحالة الوجود. ليس من المبالغة أن نقول إننا دخلنا مرحلة التَّوَحُّش الذي، ومهما كانت درجة طواعيته، يتخطّى عنف ووحشية أي مشروع متعطش للدماء[5]. إنتقل الوحش من الخارج إلى الداخل ليعيش إلى الأبد في الأحشاء، يسكنها ويطاردها ولا يفارقها أبداً. إستولى هذا الوحش أيضاً على مساحاتنا الحميمة، فقد دخل أسرّتنا وأصبح بمكانة حبيبٍ لنا. يتّخذ الوَحش شكل الألواح والشاشات الإلكترونيّة التي تربطنا بصورة الآخر وبصوته وبالشعور بالانتماء إلى عائلة ووطن، هي صورة قريبة جداً ولكنها بعيدة المنال تماماً. كعاملة في خدمة الكارثة، أدت عمليات الإغلاق التام والحَجر إلى تعاظم كرنفال التَّوَحُّش وإلى حشرنا أكثر فأكثر داخل الكهوف المنعزلة وقاعات المرايا.

ككائناتٍ بشريّة مُحَوَّلة ومُشوَّهة، أصبح علينا مواجهة الوحش من الداخل والخارج معاً من خلال التعلّم من الصعاليك وغيرهم من المحتالين والمكّارين. علينا مواجهة الوحش الذي انتقل من وسط بيروت في فترة الحرب الأهلية وغيره من مسارح الحروب في منطقتنا، ليعيش في أعماقنا وأحشائنا ويقحمنا نحن ومدننا داخل القَفر ووراء البحر. كان الصعاليك متمرسين  في هذه اللعبة، إذ قاموا بتمثيل وأداء وحوش شبه الجزيرة العربية قبل الإسلام، منها شخصية «الغول». قمتُ بدعوة هؤلاء الكُتّاب والفنانين المحكومين بالوِحشة، والذين عاشوا طويلاً مع الوحش وفهموا لغته، إلى فضح عنفه وآثار هذا العنف على الجسد وعلى الوعي. كما قمتُ بمناشدتهم لمواجهته، إذ أننا لم نعد قادرين على أن نحذو حذو شهرزاد ونؤجّل نَصل سيف الجلّاد عند الفجر. المشاركون/ات الذين دعوتهم هم شُعراء-صعاليك ومخترقون وخارجون عن القانون، كلٌّ  بطريقته/ها الخاصة. هم أيضاً انفصلوا عن القبيلة وشوّهوا سمعتها منذ زمن بعيد. لقد صعدوا على خشبة المسرح وأدّوا أدوارهم وواجهوا الوحشية مراراً وتكراراً، من بيروت والقاهرة إلى باريس وبرلين. لقد دعوتهم إلى سرد رواية الوحش والكشف عنه من خلال أعمالهم، وإلى جعل الوحش يتكلم بإسمه لننتقم منه جميعاً.

طلبتُ من هدى بركات أن تتحدث عن توحُّشِها مرة أخرى. في قَفر الإيمان والدهشة، سوف تستعرض بركات نقطة انكسار اللغة في لحظة تكوّنها الأوليّة. بينما سيمثّل حامد سنو ذلك التَّوَحُّشْ الجسدي الذي يخرج من بطنه ومن أحشائه ليستحوذ على  وجهه وصوته، ويجعله غير معروف إذ يصل بأمان إلى أرض اللاميعاد. يظهرأحمد ناجي في بثٍّ مباشر من بطن الوحش ومن مصنع الوحوش ليروي التاريخ ويحلّل أحلام الآلة الوحشية. وتتعقّب إيمان مرسال خطى الطهطاوي في مرسيليا، في سعيٍ منها إلى فهم انكساره بعد زهاء مئتي عام. حَوَّلَ انهيار الطهطاوي، الذي افتتح الحداثة العربية، الجسد إلى كومة من العظام التي يجب تدبيرها.  أما ربيع مروّة، فسوف يقوم  بالتّنقيب في هذه العظام وبنبش الموتى في جسده الذي أصبح الآن قبراً مجهولاً. يسعى مروّة إلى فضح هذا الانمحاء المطلق الذي يحصل عندما تفقد الحياة البشرية كلّ اتجاه. يستحضر هؤلاء المشاركون الخمسة «الوَحْش» في نصوصهم ويواجهون عنفه بكل أشكاله.

ترجمة: زياد شكرون


[1]هدى بركات، «بريد الليل»، بيروت: دار الآداب، 2018 ، ص. 107.

[2]إبن منظور، «و حـ ش»، في لسان العرب، تحرير علي شري ، 18 مجلدا. (بيروت: دار إحياء التراث العربي، 1988)، 15-16؛ 168-170.

[3]جيل دولوز وفيليكس غوتاري، «مكافحة أوديب: الرأسمالية وانفصام الشخصية» (باريس: منشورات مينوي، 1972) وأشيل مبيمبي، «الوحشيّة» (باريس: منشورات لا ديكوڤيرت، 2020)

[4]طارق العريس، «عودة الوحش: من قصيدة ما قبل الإسلام إلى الرواية المعاصرة». مجلة الأدب العربي (2016)، 47.1-2: 62-90.

[5]المرجع هنا هو بيان  «إدارة التَّوَحُّش» لأبو بكر ناجي الجهادي في العام 2004.

ر.د.م.

ردم المكان كعملية إعادة كتابة التاريخ

[قبرــ دفن ــ إخفاء ــ طمس – محو ــ تعمية ــ إسكات – ردم]

روى لي أحد الفلاحين يوماً، أن كلمة “كفر” الموجودة في عدد من أسامي القرى (كفركلا، كفرنبرخ، الخ) تأتي من فكرة تقول إن الفلاح “يكفر” بالآلهة حينما يزرع، لأنه “يردم/يقبر/يدفن” الحبة تحت التراب. وعلى الرغم من أنّها عملية من عمليات صنع الحياة ــ إذ إن الحبة تنتج حبات أخرى ــ لكن الفعل الأول ــ دفن الحبة ــ تعبير عن ردم للحبة الأولى بذاتها، وهو فعل قتل لها قبل أن تعطي الحياة لحبات أخرى. لعلّ قصّة هذا الفلاح غير حقيقية، خصوصًا أن المراجع اللغوية تتّفق على أن كلمة “كفر” تعود إلى الآرامية ومعناها “مزرعة”، إلّا أن الفكرة تأخذنا إلى قلب النقاش اليوم: الردم، لا كفعل خلق بل كعملية للقتل والإخفاء والدفن والنسيان.

ما هو الردم، كفعل وكتورية؟ لماذا نردم شيئاً ما ونترك غيره؟ وما الذي يحصل عندما نردم؟ نطرح من خلال هذا النص والنصوص الخمسة المقبلة، ثلاثة أسئلة، تبني هيكل البحث الذي نريد: ماذا نردم، بماذا نردمه، ولماذا؟ سنتناول هنا مفهوم الردم كعملية لاغية للآخر/الأخرى، كشخص وتاريخ وسردية ومكان. 

في كلامنا عن عملية الردم، نعالج في صميم مقاربتنا فعلاً تاريخياً. بمعنى أنها عملية تهدف بشكلها الأساسي إلى تغيير سردية تاريخية، تتخطّى قيمتها الآنية، لتصبح جزءًا من عملية التأريخ ــ (historiography) ــ في الذاكرة الجماعية كما في التخطيط المديني وبالتالي التغيير المكاني.

إذ نبدأ بالأسئلة الثلاثة، فما نردمه في الواقع اللبناني، يبدأ من مدننا وقرانا وودياننا وبحرنا، حتى تاريخنا وذاكرتنا الجماعية وحيوات الناس، لنخلق مساحات خاصة، وملكية فردية وسوقًا عقاريًّا ينافس المدن الكبرى في المنطقة. نردم مفقودي الحرب، والنساء واللاجئات والعاملات المهاجرات. ثم نردم الوجع والصدمة التي تأتي من الكوارث التي نمرّ بها. نردم جرائم الحرب، وتاريخها وذاكرتها، أمكنتها ولغتها، والدمار الناتج منها. نردم أحياء الفقراء وتاريخهم وحياتهم اليومية. نردم كل ما نعتبره غير منتج، غير مجدٍ، لأنّنا نرى الحياة عجلة إنتاج، فندفن من فقد رجلاً أو يداً أو عيناً. نردم الصفقات والاتفاقات السياسية. نردم حق الناس في تقرير مصير مدنهم ومناطقهم وتاريخها، بأن يقرروا ماذا يريدون أن يردموا وما يريدون الإبقاء عليه. 

نردمما لا نريد أن يسمعه أو يراه أو يعرف أو يشعر به أحد. والردم من هذا الموقع هو عكس عملية الأرشفة، هو تأريخ زائف. نردم ما يمكن أن يؤذينا من ذكريات، جرائم، ضحايا الجرائم، إثبات الجريمة: نردم كي نحمي أنفسنا. نردم ما نراه عاراً، لكي نحتفظ بالسلطة. ونردم ما هو إثبات على حقيقة مختلفة عمّا نريده أن يكون حقيقة، فنرويه كحقيقة.

من ضمن أفعال وأسباب الردم هذه كلّها، سنعالج ثلاث أفكار: ردم السردية، والعار كسبب للردم، والردم كميكانيزم للتآمر الجماعي، إذ نرى أن هذه الأفكار الثلاث تصبّ في علاقة المدينة والناس مع الردم كعملية سياسية اقتصادية اجتماعية ومكانية. 

ردم السردية والمكان

تردم السلطة المهيمنة الناس ومدينتهم، لتخفي تاريخها وأفعالها. وفيما لا نرى الردم طريقة وحيدة لإخفاء الماضي، أو لإسكات الناس، أو لتغيير الرواية، لكنه بالتأكيد أحد الأدوات المستخدمة، خصوصًا على المستوى المكاني ــ المديني من خلال التخطيط ومشاريع إعادة الإعمار. 

يمكننا أن نميّز ثلاث عمليات ردم حصلت ومازالت تحصل منذ بداية الحرب الأهلية إلى الآن: عملية ردم النفايات والمواد السامّة[1] التي كدّس أمراء الحرب من خلالها أموالاً طائلة جرّاء دفنها في الجبال والوديان، وعملية ردم البحر ببقايا المدينة المدمرة المحروقة[2]. وهذا يتعلّق بشكل مباشر برأس المال، حيث إن الطبقة المهيمنة وجدت ضالّتها في مصدر متجدّد للربح من جهة، ومن حيث إنّها استطاعت إنتاج العقارات الخاصة من دون الحاجة إلى شرائها من جهة أخرى[3]. تتلاقى هاتان العمليتان مع الردم المعنوي لمفقودي الحرب[4] وجرحاها وضحاياها، والردم السياسي الاجتماعي لذكرياتها ورواياتها. 

ويكون الردم هنا إسكاتاً بهدف النسيان وإخفاءً للجماعات المهمّشة في الزوايا المظلمة للتاريخ الجماعي، من أجل إنتاج سردية تاريخية واحدة ومحددة. في المقابل، تبقى السرديات غير المحكية مقموعة وصامتة، مردومة خلف طبقات من الصمت والخوف والترهيب، تماماً كمقابر جماعية. ما لم يتمّ سرده، لا يختفي، بل ينتفخ داخل الحفرة التي رُدم فيها، ليأتي يوم ويخرج فيه منها. إن ردم الذاكرة الجماعية[5] بأشكالها المتنوعة، هو طمس لسرديات متنوعة لتجارب مختلفة، للنساء واللاجئات/ين، لفقراء المدن أو سكّان القرى، لمهجّرين عاشوا عمراً في بيروت ولكن الدولة مافتئت تراهم “جلب”، لطفيليين قادمين من الأطراف [6]، كل هذا يعمل أيضاً على مستوى تغيير اللغة ومدلولاتها.

وهنا يمكننا أن نقرأ السلطة/الطبقة المهيمنة كالآخر الكبير عند جاك لاكان. هي، الآخر الكبير الذي يكتب التاريخ ويعطينا اللغة التي نمنطق بها هذا التاريخ ونحكيه ونخفي ما نخفي منه. هي، ما يقول لنا ماذا نردم من هذا التاريخ وما نُبقي عليه. كأن يقول لنا مثلاً إن الحرب الأهلية هي “أحداث”، وإنّنا يجب ألّا نتكلم عنها، وإنّ علينا أن نكمل حياتنا وكأنها لم تحصل، وإن المفقودين اختفوا ولن نبحث عنهم، وإن المدينة التي أمامنا هي أفضل ما يمكننا الحصول عليه. 

بعيداً من اللغة والسردية، نحن نردم البحر أيضاً وسكة الحديد، والمدينة القديمة، والآثار، نردم مخيمات اللاجئين وأحياء فقراء المدن ومواقع المجازر، فنردم بالتالي الهوية الجماعية التي يحملها المكان[7]. وتصبح الذاكرة إذّاك، مذ ردمناها، أثقل علينا من الفعل الذي أردنا طمسه.[8] عبر الردم، تصبح المشاعر ظاهرات مكانية: ينعكس الحزن والعار والذنب والقهر والظلم على المكان، ويصبح جزءًا منه. “تأخذ المشاعر، كالعار والذنب شكلاً في المكان، تُدمَج فيه، يتمّ ترميزها وتشفيرها فيه، وتتمّ تجربتها فيه أيضًا، تنحت شكل العلاقات التي تحصل في المكان، كما تتمّ مواجهتها وتخيّلها وتمثيلها في المكان.”[9] بهذا المعنى، فإن الأماكن المردومة هذه، هي جزء من جغرافيا الذنب والعار، نتيجة لما أردنا – كسلطة مهيمنة وكشعب، مغلوب على أمره أم لا ــ إزالته تماماً من ذاكرتنا.

ردم العار

هناك إذاً عار ما يُخلق في مرحلة من مراحل الردم، وهو بشكل من الأشكال أحد مسبّبات الردم هذا: نحن نردم ما يأتي علينا بالعار. في نصه حول نظرية الجنسانية، يربط سيغموند فرويد العار بالفعل الذي يتطلّب الكبت: ما كان يوماً مصدر متعة، أصبح الآن مصدر العار، ويجب بالتالي كبته. الحرب بذاتها ومعاركها ومجازرها التي كانت يوماً مصدر متعة وفخر واعتزاز لزعماء الأحزاب، أصبحت بعد الحرب مصدر عار. في مقابلة تلفزيونية، يعترف وليد جنبلاط بالمجازر التي ارتكبتها الأحزاب يومها وبأنهم “غزوا ونحن غزونا” (في كلامه عن القوات اللبنانية)[10]، بلهجة تحاكي شعوراً بالعار ممّا فعل، ثم يعود ليقول: “من قال إن هناك حروبًا نظيفة وحروبًا غير نظيفة؟”، رافضاً أي خضوع أو اعتراف بالعار. هناك نوع من الهشاشة والضعف في العار، وهذه السلطة لا تقبل لحظة ضعف.

يحمل تاريخنا، من الحرب الأهلية كذاكرة حتى المدينة كواقع مبني، مدلول الجريمة والمشاريع التي قامت بها الطبقة المهيمنة، لذا يصبح ردمها ضرورياً، لا لإخفاء الجريمة فقط، بل لأن الردم هنا يصبح ميكانيزما لحماية الذات. من منطلق لاكاني (جاك لاكان) الذي يقارن الردم برواية الطوطم، ولتستمرّ الطبقة المهيمنة في السلطة بعد جريمتها، ولكي  تتمكّن من الاحتفاظ بالموقع والسيطرة الدائمة عليه، عليها إخفاء فعلتها هذه. والردم/إخفاء الحقيقة هنا مهمّ جداً، بحيث لا جدوى للجريمة من دونه. فالكشف عن هذه الجريمة يؤدي إلى إخصائها وتجريدها من السلطة. الردم في هذه الحالة إذاً، مرتبط بشكل عضوي بحفاظ الطبقة المهيمنة على السلطة. 

من مشروع لينور شمال بيروت، حتى “مكبّ” النفايات شمال برج حمّود، مروراً بمكبّ بيروت الذي أصبح مشروع “بيال”، ومكبّ الكوستا برافا، والناعمة وصيدا، وغيرها من المشاريع التي بدأت كحلول سيئة لمشكلة طويلة الأمد، أصبحت حلولاً جيدة جداً كمشاريع الطبقة المهيمنة، تدرّ عليها المال،[11]  لهذا فإن إخفاء هذه المشاريع وتاريخها، أساسي وضروري لتمكين زعماء الحرب من تمديد سلطتهم وتأبيدها. والإخفاء هذا واضح مثلاً في الإعلام اللبناني[12]، خصوصاً في برامج النقاشات السياسية ــ التوك شوزــ التي ساهمت وتساهم في بناء الفقدان الجماعي للذاكرة وخلق واقع موازٍ يتناسى الحرب الأهلية ونتائجها. 

في بحثه عن عمليات الردم في بيروت، يقدّم إيريك فيرداي قراءة لدور الردم كمصدر لتمويل الطبقة المهيمنة وتأبيد سلطتها ومدّ جسور جديدة بهدف بناء علاقاتها. يعرض فيرداي في نصّه[13] هذا، العلاقة بين المال والسلطة، موضّحاً كيف يكون الاقتصاد السياسي نقطة دخول أساسية لفهم واقع الردميات في لبنان. من اللافت في ما يذكره فيرداي مثلاً، في إطار ردميات منطقة “بيال”، أن كلفة تدعيم المنطقة (لمقاومة التسونامي ولتثبيت الأرض)، بلغت مئات ملايين الدولارات، دفعتها الدولة اللبنانية واستفادت منها شركة سوليدير، بما أن المنطقة (بيال) أصبحت ملكاً لها من دون أي تكلفة. 

الردم كتآمر جماعي

سنة ١٩٧٣، كتبت أورسولا لوغوين قصة قصيرة من أربع صفحات عن مدينة خيالية إسمها “أوميلاز”[14]. تبدأ القصة بوصف دقيق لمهرجان بداية الصيف. المدينة جميلة وساحاتها العامة الكثيرة ملوّنة ومنبسطة، مفتوحة وواسعة، تستقبل أفواج النساء والرجال من كل الأعمار والحرف، حتى الجبال المكسوّة بالثلج التي أحاطت بالمدينة كانت مرئية في ذلك الصباح المبهر. شيئاً فشيئاً، ترتسم علائم المدينة المثالية لنا، فنجد أنفسنا ونحن نقرأ القصة، نتمنّى العيش فيها. وبعد صفحتين مزدحمتين بوصف دقيق ومبهر للعواطف والمواقف وما يمكن أو لا يمكن أن نجده في أوميلاز، وبعد أن تأكدت لوغوين من أنّنا على وشك أن نحزم أمتعتنا للذهاب إليها، تخبرنا بأن تحت أجمل مبنى في هذه المدينة الكاملة، وفي غرفة من دون شبابيك، يقبع طفل. فتاة أو صبي، في السادسة أو العاشرة من العمر، يعيش في غرفة صغيرة مليئة بوسخه، لا يزوره أحد غير من يمرّر له الطعام، وهناك عدد من الأطفال يمرّون كل فترة لينظروا إليه ويعاينوه بحشرية وقرف. 

“جميعهم يعرفون أنه هنا. كل أهل أوميلاز. الكل يعلمون بأن عليه أن يكون هنا. كلّهم يعلمون بأن سعادتهم، جمال مدينتهم، حنان صداقاتهم، صحة أطفالهم، حكمة مثقّفيهم، إبداع حرفييهم، حتى خير أرضهم ورقّة الطقس في سمائهم تعتمد كلياً على البؤس الكامل لهذا الطفل”.يشرح أهل أوميلاز هذا الموضوع لأطفالهم منذ عمر الثامنة. يمرّ الأطفال حينها بصدمة، يرفضون الوضع، ويسعون إلى مساعدته. لكن خروج الطفل إلى الشمس، تنظيفه وإعطاءه ثياباً دافئة، إطعامه والتربيت على كتفه، كفيل بتدمير حياة أهل المدينة وسعادتهم. “إن الشرط هنا صارم ومطلق: لن تَنطق كلمة حنونة مع الطفل”.

ثم يأتي حدث جلل، تكمل أورسولا لوغوين، بحيث تختفي فتاة أو صبي كل فترة، بعد زيارة الطفل. لا يعودان إلى بيتيهما، يخرجان من المدينة ولا يعودان. “هذا المكان الذي يذهبان إليه صعب التصور على كثيرين منّا، وهو أصعب حتى من مدينة السعادة هذه. لا يمكنني أن أصفه. يمكن ألّا يكون موجوداً حتى. لكن يبدو وكأنهم يعلمون إلى أين هم ذاهبون، أولئك الذين يمشون من أوميلاز”.

ما تتكلّم عنه لوغوين في نصّها هذا يشابه العار الجماعي الذي نحمله إزاء الحرب الأهلية، والقتل وردم البحر والدمار الناتج منها. وكأنه تآمر جماعي، هذا الذي يحصل منذ نهاية الحرب، فيشبه ما تقصّه لوغوين علينا من حيث إنه نسيان معاناة الأقلية (المفقودون والضحايا وأهلهم، وكل من عانى من الحرب الأهلية أو من فقدان حقوقه/ا وأرضه/ا ومدينته/ا نتيجة لها) بهدف سعادة الأكثرية. تعيدنا هذه الفكرة إلى حرب مخيّم نهر البارد. فبعد أربع عشرة سنة من معارك دامت خمسة عشر أسبوعاً، ومقتل ٤٧ مدنيًّا من أهالي المخيم، والتدمير شبه الكامل له وتهجير أكثر من ٣٠ ألف من سكّانه، ومن ثم تعقيدات عودتهم لعدم اكتمال مشروع إعادة الإعمار، جرى طمس جرائم مخيم نهر البارد ونسيان معاناة أهله التي لم نعد نراها أو نسمع عنها في الإعلام أو النقاشات السياسية. في نصّه عن حصار مخيّم نهر البارد[15]، يعالج سامر عبّود تجربة الاقتلاع التي عانى منها أهل المخيم، كما التأثير الطويل الأمد للحرب عليهم…اقتلاعٌ وفقدان المسكن والحارة والجيران والمخيم، تجارب لا نسمع عنها شيئاً في سردية مآسي ومعاناة شعوب المنطقة ككلّ. 

لقد عملنا في هذا العدد على مقاربة الردم من زوايا مختلفة ومتنوعة، نراها تصبّ في فهمنا للردم كعملية سياسية اقتصادية اجتماعية مكانية، وكأداة تأريخية، للمحو والإسكات والتعمية والإخفاء والطمس، للتضحية بجماعات مقابل سعادة جماعة أخرى، لتكديس ربح القلة على حساب الأكثرية كما يقول الشرع الرأسمالي. في خمس مقالات، يكتب كريم صادق عن الردم من منطلق فلسفي، بحثًا عن طريقة لوقفه. ثمّ تحكي ليلى السيد حسين عن ردم طبقات المدينة، ويقدّم إيريك فيرداي بحثًا عن عمل الأحزاب السياسية في ردم الجبال والمدن، فيما تشاركنا داليا الخميسي تجاربها كمصورة مع عائلات المفقودات والمفقودين في لبنان، وأخيراً تقدّم ثريا زريق قراءة أنتروبولوجية نفسية للردم بين الجماعات الأكثر تهميشاً. 

في بلادنا حيث يموت الناس، مردومون يوماً بعد يوم، تحت طبقات خفيفة أحياناً وثقيلة أحياناً أخرى، من الإفقار والحرمان والنسيان والصمت، لا مفرّ من أن نرى الردم محو لذواتنا الممتدّة عبر المكان والسردية والتاريخ واللغة. بين لحظة الحدث والآن، بين البحر والمدينة، مساحات يحقّ لنا أن نكتشفها ونعرفها، ولا يعمل ردمها إلّا باتّجاه حرمان الجماعات من معرفتها واستخدامها. وفي ذلك، بعضٌ من الكذب، وكثير من ظلم. 

جنى نخال من أشغال عامة 


[1]Boutros, Joelle. “بدايات قضية النفايات السامة في لبنان 1987 – 1989.” The Legal Agenda, no. 55, June 2018, pp. 6–8, https://legal-agenda.com/%D9%82%D8%B6%D9%8A%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%86%D9%81%D8%A7%D9%8A%D8%A7%D8%AA-%D8%A7%D9%84%D8%B3%D8%A7%D9%85%D8%A9-%D9%81%D9%8A-%D9%84%D8%A8%D9%86%D8%A7%D9%86-%D9%80-%D8%A7%D9%84%D8%AC%D8%B2%D8%A1-%D8%A7/

[2]Haugbolle, Sune. “The Historiography and the Memory of the Lebanese Civil War.” Online Encyclopedia of Mass Violence, vol. 5, 2011, www.lahlebanon.org/wp-content/uploads/2015/12/The-historiography-and-the-memory-of-the-Lebanese-civil-war.pdf.

[3]Verdeil, Eric. “Des Déchets Aux Remblais: Imaginaire Aménageur, Corruption et Dérèglements Métaboliques à Beyrouth.” Jadaliyya, 2017, www.jadaliyya.com/Details/34432/Des-d%C3%A9chets-aux-remblais-imaginaire-am%C3%A9nageur,-corruption-et-d%C3%A9r%C3%A8glements-m%C3%A9taboliques-%C3%A0-Beyrouth.

[4]Jaquemet, Iolanda. “Fighting Amnesia: Ways to Uncover the Truth about Lebanon’s missing.” The International Journal of Transitional Justice, vol. 3, no. 1, 2009, pp. 69–90, www.actforthedisappeared.com/sites/default/files/Resource%20Documents/Fighting%20Amnesia.pdf.

[5]وتعريف الذاكرة الجماعية، بمفهومها الاجتماعي النفسي، “يقترب من الهوية أو الثقافة حتى يتماهى معهما”، أي كما يقول هيرست ومانييه يتّصل بمفهوم الهوية الجماعية، بكيفية تشكيلها ونسيانها، وبسلطة الجماعات\المجتمع على إعادة تشكيلها. والذاكرة الجماعية بوصفها كذاكرة ثقافية، “تحفَظ مخزن المعرفة الذي تستقي منه المجموعة وعياً بوحدتها واختلافها، أي هويتها”، وهي بالتالي التي تُرسي هوية الجماعة.

[6]Larkin, Craig. “BEYOND THE WAR? THE LEBANESE POSTMEMORY EXPERIENCE.” International Journal of Middle East Studies, vol. 42, no. 4, 2010, pp. 615–635. JSTOR, www.jstor.org/stable/41308712

[7]Haugbolle, Sune. “Public and Private Memory of the Lebanese Civil War.” Comparative Studies of South Asia, Africa and the Middle East, vol. 25, no. 1, 2005, pp. 191–203. Project MUSE, www.muse.jhu.edu/article/185344.

[8]Vanolo, Alberto. “Shame, Guilt, and the Production of Urban Space.” Progress in Human Geography, 2020, doi:10.1177/0309132520942304.

[9]Vanolo, A. (2020). Shame, guilt, and the production of urban space. Progress in Human Geography, 0309132520942304.

[10]“مجازر وليد جنبلاط واعترافاته الوقحة.”YouTube, uploaded by Secular Lebanon, 20 Jan. 2018, www.youtube.com/watch?v=9x2LjKYKKEE.

[11]  لمزيد من التفاصيل عن مشاريع النفايات في لبنان: Abu-Rish, Ziad. “Garbage Politics.” Middle East Report 277, 2015, www.merip.org/2016/03/garbage-politics/

[12]Dib, Amal. “The Un (Civil) War: Media Framing and Memory Construction in Wartime and Postwar Lebanon.” Freie Universität Berlin, 2019.

[13]Verdeil, Eric. “Des Déchets Aux Remblais: Imaginaire Aménageur, Corruption et Dérèglements Métaboliques à Beyrouth.” Jadaliyya, 2017, www.jadaliyya.com/Details/34432/Des-d%C3%A9chets-aux-remblais-imaginaire-am%C3%A9nageur,-corruption-et-d%C3%A9r%C3%A8glements-m%C3%A9taboliques-%C3%A0-Beyrouth.

[14]Le Guin, Ursula K. “The Ones Who Walk Away From Omelas (Variations on a Theme by William James).” Utopian Studies, vol. 2, no. 1/2, 1991, pp. 1–5. JSTORwww.jstor.org/stable/20719019.

[15]Abboud, Samer. “The Seige of Nahr Al-Bared and the Palestinian Refugees in Lebanon.” Arab Studies Quarterly, vol. 31, no. 1/2, 2009, pp. 31–48. JSTORwww.jstor.org/stable/41858573

ق.ل.ق

فكّ الغموض: الفصل الأوّل (توزيع المشاهد)

[شاشة سوداء: تعليق صوتي]

لا لُبس في فرادة دعوة المساهمة، أو في الحماسة التي شعرت بها لدعوتي؛ ولكن، عندما تلقّيتُ البريد الإلكترونيّ الموجّه إليّ من قبل أحمد وهايغ، والذي حدّد كلمة “قلق” موضوعًا لمساهمتي، كدت أستشيط غضبًا.

وصلتني الرسالة الإلكترونيّة خلال الإغلاق الثاني. في إطار هذا الحاضر المُمَدّ له المتداعي في زمنيّةٍ دائريّة مربكة، بدا   من المستحيل التفكير بشكل سويّ ونقديّ وشاعريّ بمفهوم أو شعور اجتاح وعيي ووعيي الباطني، ونهش في الساعات وأفسدها وغمّها. كان من المستحيل التنبّؤ بما كانت تُخبّئه الأشهر القليلة المقبلة، أكان إغلاقًا ثالثًا، أم الخلاص الناتج من تلقيح عالمي. كما لو أنّ الصديقين العزيزين طلبا منّي تفكيك الوحش وهو يُمسك بي بين براثنه ويهمّ بافتراسي.  

عجزت عن ردّ الدعوة. ففي نهاية المطاف، شكّل الأمر ملهاة، أو لربّما هروبًا، من قبضة العزلة القاتمة.

أغرتني فكرة مصارعة الوحش شيئًا فشيئًا. بدأت الكلمات والصور والرموز توضِّح وتحدِّد وتروِّض… الفاتورةَ المزدوجة المثيرة للقلق الشديد الناتجة من جائحة فيروس كوفيد ١٩ العالميّة، ومن انهيار الميثاق اللبناني ما بعد الحرب.

لم يكن الترويض بالأمر السهل – لم تخنّي الكلمات، بل خانتني قدرتي على صياغة الجمل والفقرات. كنت أسيرة فاتورة القلق المزدوجة، أتحدّث بلغات غير مفهومة ومجرّدة من أي معنى لغير المطّلعين على حقائق الانهيار اللبناني وعلى الخطاب الكارثي للمنظّرين الأوروبيّين الذين كانت أصواتهم تصدح في وسائل الإعلام اليساريّة التقليديّة. 

قرّرت التمثّل بأحد أشهر المنجّمين في الإعلام اللبناني. وكما تصله رؤى يجسّدها بمشاهد، نظّمتُ أنا نصّي أدناه وفقًا لمشاهد سيناريو غير مكتمل. تتمازج المشاهد بين “الماقبل” و”المابعد”، في محاولة يائسة لسرد الانحلال المزدوج الذي أشهده، وأعانيه، وأواجهه.  

[المشهد ٢٤: بيروت. داخلي (صباح)، توضيب الأمتعة]

في زمن القلق المتمادي، وزمن الاضطراب المكثّف، وغياب الاستقرار الزاحف، يُصبح كلّ شيء معظّمًا في ميدان اللامنطق. طقطقة المفروشات تذكّر بشكل مثير للريبة بمحاولة دخول سارق إلى منزل؛ ويُشبه هدير سيّارة يخرق صمت الليل المخيف المغلق بسبب كوفيد صوت مُسيّرة إسرائيليّة تطير على علوّ منخفض أكثر من المعتاد، سابرة الليل عن كثب، قبل اللقاء المعهود بعد منتصف الليل. في زمن القلق المتمادي، يكتسي أيّ حدث تافه رمزيّةً ما. ينذر احتراق لمبة وتحوّلها إلى شظايا بكارثة وشيكة، ويصبح هبوط طائر طنّان على غصن جهنّميّة دليلًا على نعيم قريب. توسّع التعابير المجازيّة والرموز مدى المهارات والتدفقات الموحى بها بوتيرة أكبر عند تفسير الأحداث، في تعاملنا مع الواقع، وردّنا على الاتّصالات الهاتفيّة، وكتابتنا الرسائل الإلكترونيّة، وتحليل الأخبار – بين وقائع وأكاذيب وأضاليل.  

[المشهد ٣: برلين. خارجي، تقاطع طرقات، الانتظار في الصف لدخول المتجر]

كُتب هذا السيناريو وفُكّك مرارًا وتكرارًا بين بيروت وبرلين. على مستوى الحدس، يرتبط القلق المستشري بالعيش في بيروت، ولكنّي أحمله معي في خبايا ساعات حياتي اليوميّة في برلين. متى تحوّلت الحياة في بيروت من مستوى القلق المنخفض إلى القلق المستشري؟ السؤال ليس بضروري، إذ لا يهمّ حقًّا متى بدأ الانحطاط. الفكرة هي أنّ هذا الزمن بدأ مسيرة على شكل رمز اللانهاية، أو كعك البريتزيل. لا أنفكّ أقول لنفسي (وللآخرين) إنّها مجرّد مرحلة ستمرّ، كغيرها من المراحل المرعبة الكثيرة التي عصفت بالبلاد، ولكنّ مجرّد ذكر تلك المراحل الأخرى يعيد إحياء طيفها. لا يُشبه تدهور الليرة اللبنانيّة في ثمانينيّات القرن الماضي تمامًا، ما يحدث منذ بداية العام ٢٠٢٠، إذ إنّ الآليّات مختلفة، شأنها شأن الرهانات السياسيّة؛ كما أنّ القعر الذي وصل إليه البلد بات أعمق. أو أنّ الأمر يبدو كذلك لأنّها المرّة الثانية التي أختبر فيها الظرف في حياتي. ما زال بعض الفاعلين السياسيّين من أرباب التفكيك الممنهج للبلد خلال الثمانينيات، وغيرها من الأحداث الدمويّة، موجودًا، مع أنّه يقوم بأدوار مختلفة – ولو إسميًّا. إلّا أنّ الفرق الأساسي هو في من تولّى المسؤوليّة على رأس المصرف المركزي. ففي حين اتّخذ إدمون نعيم تدابير صارمة من أجل حماية ما بدا أنّه الدعامة الوحيدة المتبقّية للدولة اللبنانيّة (ومعها المليارات الخمسة من الاحتياطي سنة ١٩٨٧)، تندرج إجراءات رياض سلامة أكثر في إطار الفساد. فقد تضمّنت دراية رياض سلامة النيوليبيراليّة تسخيرَ الخزينة العامّة لصالح أمراء الحرب الطائفيّين ومصرفيّين ماكرين، وتسهيل الطريق نحو غياب المحاسبة بفضل ملاذات ضريبيّة خارجيّة. ما لم يتغيّر هو كيف أنّ المجتمع أو مختلف الطوائف التي تكوّن شعب الجمهوريّة هذه، كان، ولا يزال، يدفع ثمن هذه الممارسات. هل يمكن لدافع ثمن هذه الممارسات أن يتحوّل إلى فئة سياسيّة؟ كم هو مقدار جهلنا، ماضيًا، وحاضرًا؟

[المشهد ١: بيروت. داخلي، شقّة. (بعدالظهر)]

٩ أو ١٠ آب/أغسطس ٢٠٢٠ (لا أذكر التاريخ بالتحديد). بعد أيّام قليلة على الانفجار المدمّر في مرفأ بيروت، يغطّي تقرير تلفزيوني إخباري تشييد مستشفى عسكري ميداني سيؤمّن العلاج المباشر لضحايا الانفجار. شكّل المستشفى هبة من المملكة المغربيّة، واتّخذ من منطقة واقعة بين برج حمّود والنبعة مقرًّا له. الموقع بحسب شريط الأخبار في أسفل الشاشة هو تلّ الزعتر، وهي منطقة جرى محوها من جغرافيا المدينة سنة ١٩٧٧. لم يكن الصحافي الممسك بالميكروفون قد أبصر النور بعد، عندما جرت محاصرة مخيّم اللاجئين وتسويته بالأرض، ولكنّ الأطياف التي أعيد إحياؤها بمجرّد ظهور الاسم قطعت أنفاسي.

[المشهد ١٨: بيروت. داخلي، شقّة، شرفة.]

يحمل الشتاء هذه السنة جميع علامات الاحترار المناخي. نحن في كانون الثاني/ يناير، والشمس ساطعة في السماء، ودرجات الحرارة معتدلة، والنباتات على شرفتي تزهر كما لو حلّ فصل الربيع. منذ بضعة أيّام، بين التاسعة والتاسعة والربع صباحًا، يحطّ طير صغير بمنقار طويل معكوف وريش أسود يعكس تدرّجات اللون الأزرق في أشعّة الشمس على أحد الأغصان الملتفّة على بعضها لشجرة الجهنّميّة ويستطرد بالزقزقة. كنت جالسة على طاولة غرفة الطعام، التي تحوّلت إلى مكتبي المؤقّت، فحدّقت به من دون أن أحرّك ساكنًا، تفاديًا لإخافته بحركة مفاجئة منّي. في غضون دقائق، حطّ طير آخر من الفصيلة عينها، وشرع الاثنان بما يشبه في نقاش دام لدقائق ومن ثمّ طارا. من الرفرفة السريعة لأجنحتهما الصغيرة، وبعد القيام ببعض الأبحاث، اكتشفت أنّ زائريّ كانا من فصيلة الطير الطنّان. لم أرَ أبدًا طير طنّان في بيروت. طوال هذا الشهر، باستثناء أيّام المطر القليلة، زارني الطائران كلّ صباح في الساعة عينها، كما لو ضربا موعدًا. بدأت النهوض باكرًا كي لا أفوّت على نفسي زيارتهما.

انتهى بي الأمر بالاعتقاد أنّهما لم يكونا يزوران الزهور، بل يزورانني أنا. بتُّ أعتقد أنّهما تقمُّصٌ لأصدقاء فقدتهم بسبب تمزّق شراييني، أو سرطان قاتل، أو انفجار سيّارة. بتُّ أعتقد أنّهما كانا سمير (قصير)، وعمر (أميرلاي)، وييتي (ينسن)، وإقبال (أحمد). 

[المشهد ١٤: برلين. داخلي، شقّة، نور فجر شتائي يدخل من النافذة]

خلال النور الصباحي الشتائي في برلين، على طاولة غرفة الطعام، (مكتبي المؤقّت)، يرقد “كتاب اللاطمأنينة” لفرناندو بيسوا بانتظار أن يُعاد فتحه، يَعِدُ بانفراج لبصيرة عميقة – إمكانيّة أن أكتشف أنّ اللاطمأنينة التي جسّدها بيسوا (التي تضخّمت لتصبح همًّا في عملي “هنا والآن”) هي ميزة القرن العشرين، إرث قد يكون في طور الانتهاء الآن. الحداثة والتحديث – النظريّة، والعقيدة، والأيديولوجيّة، والسياسات – متحابكة وجوديًّا باللاطمأنينة. باتت اللاطمأنينة – الخاصّة ببيسوا، ومونش، وحكمت، وغيرهم – والتي كانت في بداية القرن الماضي حكرًا على نباهة الشعراء – مفهومًا مبتذلًا كثير التداول بعد الحرب العالميّة الثانية. فإذا ما استُخدم هذا المفهوم بالمقادير الصحيحة، أنتج جمالًا؛ أمّا إذا استُخدم بإفراط، ولّد فظاعات – رهاب الأجانب، ومخيّمات الاعتقال، وسياسات مبنيّة على التمييز. 

[المشهد ١٨: بيروت، خارجي، شارع عبدالعزيز]

أمشي غارقة في أحلام اليقظة. نحن اللبنانيّين، نستحقّ الأمر. كنّا نعلم بوقوع الانفجار العظيم، وبعدم قدرة النظام على الاستمرار، وأنّ الطبقة السياسيّة لم تكن أبديّةً، مع أنّها تمهّد الطريق أمام الأبناء والأصهار. هل كنت شريكة في استمراريّة النظام؟ من دون أدنى شك.

نحن، سكّان الأرض أجمعين، نستحقّ الجائحة. لا تعزّز ثقافة اللامبالاة النرسيسيّة التي تروّج لها الأيديولوجيّة النيوليبيراليّة استمراريّة الحياة. كان علينا أن نأخذ على محمل الجدّ التفشّي السابق لسارس، وميرس، وإيبولا؛ وكان علينا اعتبار الجنود الأطفال المجنّدين في حروب الميليشيات في الكونغو، وجمهوريّة إفريقيا الوسطى، وغيرهما من المناطق، بمثابة أطفالنا؛ كما كان علينا مقاربة القضاء على غابات الأمازون، كما لو كان الأمر يحدث في أرضنا. كلّها أثّرت فينا، وغيّرت حياتنا تغييرًا جذريًّا، وزادت من الكوارث التي تعانيها البشريّة والكرة الأرضيّة. ومن خلال الإبقاء على عجلات التجارة العالميّة قائمةً، كنت أنا أيضًا شريكةً، من دون أدنى شكّ.

[المشهد ٢٥: بيروت. داخلي، بنك بيبلوس، جالسة على مقعد بانتظار موظّف المصرف]

قبل رواج بطاقات السحب المصرفيّة، وانتقال الممارسة شيئًا فشيئًا إلى الطبقة الوسطى، كنت أنظّم رحلات إلى المصرف خلال أيّام الأسبوع خارج ساعات الذروة تفاديًا لمناقشة وضعي المالي غير المنتظم (مداخيل عاملة مستقلّة) على مسمع آخرين. لم يتردّد الموظّفون المصرفيّون، وبشكل خاص أولئك الذين بتُّ على معرفة بهم، والذين كانوا مؤهّلين نفسيًّا للقيام بتوبيخ “أخوي” لعوب، عن التعليق على كون حساباتي مكشوفة، أو على كونها أصبحت مليئة بسبب تحويل مالي ذي شأن. بعد تدهور الليرة اللبنانيّة وانتشار فيروس كوفيد، اختلفت تجربة الذهاب إلى المصرف اختلافًا جذريًّا. وُضع موظّفو المصارف في الخطوط الأماميّة للخيانة. اختفت جميع مظاهر الودّ والألفة والتعاطف. حرص المدراء المتنقّلون على كبح أيّ مشاعر. وأصبح العملاء مصدر خطر محتمل، قادرين على نوبات غضب لا يمكن التحكّم بها بسبب الكبت الناتج من التدابير العقابيّة المتجدّدة ضدّ المودعين. نُشر الحرّاس داخل المبنى، متسلّحين بميزان حرارة وبتجهّم دائم حمايةً لموظّفي المصرف من العملاء.  

تتحكّم أشكال إنتاج رأسماليّة وعلاقات اجتماعيّة رأسماليّة بالقلق. بالنسبة إلى الماركسيّين والمنظّرين من مختلف أطياف اليسار، إنّ العائد الحيوي والديناميكي هو الذي يكفل تماسك الانتظام الاجتماعي، ويرسم الذات، ويحدّد المكانة، ويفرض الانصياع. من العامل في خطّ إنتاج وفقًا للنموذج الفوردي، أسير السلعة أو الشيء الذي يصنعه، إلى الطبقات العاملة والمتوسّطة رهينة الاستدانة الإضافيّة، أو الخائفة من فقدان المكانة الاجتماعيّة، يشكّل القلق المخدّر الذي يتغلغل في تفاصيل الحياة الاجتماعية والسياسيّة، مهجّرًا الزمن. 

[المشهد ٢٧: برلين. داخلي، نهار (نور الربيع)، غرفة الطعام]

أنتمي إلى مجموعة أشخاص على هذا الكوكب يعتقدون أنّ جائحة كوفيد ١٩ هي نتيجة خندقة مختلف مراحل الرأسماليّة النيوليبيراليّة حول العالم، بالتوازي مع انتصار أيديولوجيّة الأنثروبوسين التي تطلقها. تتأتّى معضلتنا الحاليّة من عولمة الإنتاج في ظلّ سوق غير منظّمة ونظام قيم قرّرت كلّ حكومات العالم الدفاع عنه على ما يبدو. إنّها نتيجة الازدراء النظامي المستدام القائم لرفاهيّة أشكال الحياة والمنظومات غير البشريّة، وسحب الاستثمارات من الخدمات العامّة (مثل الرعاية الصحّية)، والتغاضي عن الضرر البيئي، وعدم الاكتراث للتفاوت الاجتماعي والاقتصادي الصاعق، والاحتقار للأسس التي تشجّع على التعاضد والتكافل. على مستوى الحسنات، أعطت الجائحة صورةً عمّا يمكن أن يحدث في حال تراجع الإنتاج الاقتصادي والتجارة والاكتفاء بتأمين الأساسيّات – أي النقيض الكلّي للرأسماليّة النيوليبراليّة.

ينتج التباين السائد ما بعد حالة الطوارئ من اختلاف في المقاربة: إذ يرى معسكرٌ في الجائحة خللًا، في حين يرى المعسكر الآخر فيها فشلًا ذريعًا للنظام الذي لم يعد صالحًا. يسعى مناصرو “الخلل” إلى العودة إلى ما يُسمّى “بالحياة الطبيعيّة” بعد إنجاز مناعة القطيع بواسطة التلقيح. يعترف أصحاب هذا المعسكر بأنّ بعض التدابير التصحيحيّة قد يكون مفيدًا إلى حينه. فبهدف التخفيف من التدهور في جميع المؤشّرات الاقتصاديّة (الإنتاجيّة، إجمالي الناتج المحلّي، النمو)، لجأت غالبيّة الحكومات إلى تحفيزات ماليّة كينيزيّة زائفة واسعة النطاق. ولكنّ هذه السياسات لا تبشّر أبدًا بالعودة إلى ما يُدعى بالدولة الراعية، بل تهدف إلى إنقاذ الرأسماليّة النيوليبراليّة من مأزق أوجدته هي في المقام الأوّل. على مشارف نظام يتهاوى، يفتقر المدافعون عنه إلى أفكار، وحلول، وطاقة. بالنسبة إليهم، تشكّل الجائحة ديستوبيا، ولكن ما يطلقون عليه اسم التطوّر، والنمو، والازدهار قد أنهك الناس وأضرّ بالبيئة الطبيعيّة التي يتقاسمونها مع أنواع أخرى.   

أنتمي إلى المعسكر المقابل وأرى في تجارب الجائحة فرصة نادرة للانتقال من فلسفة اقتصاديّة مبنيّة على النمو إلى فلسفة تقليص النمو، والتوزيع العادل للثروات، وإصلاح الضرر اللاحق بالبيئة وعكسه (إذا أمكن)، والأهم، تعزيز قدرات الشعوب وإعادة رسم الجسم السياسي. يجب صقل ذوات جديدة، وهو فعليًّا الميدان الذي يمكن للفنّ، والشعر، والأداء، والموسيقى، والأفلام، أن تساهم فيه. وفي حين جرى محو إرث الانفلونزا الإسبانيّة وذاكرتها، يمكننا ببساطة العودة إلى جائحة فيروس نقص المناعة البشريّة من أجل تقييم الدور الرائد للفنون في نزع الوصم عن المقاربات الاجتماعيّة والسياسيّة والنفسيّة التي همّشت حاملي الفيروس.

[المشهد ٣٢: برلين. داخلي، الفجر (شتاء)، غرفة الطعام]

هل أجرؤ على التفكير بأنّ دورنا قد حان؟ نحن؟ نعم، نحن العائشين مع خدمات عامّة منهوبة؛ المفتقدون ضمانًا صحّيًّا أو راتبًا تقاعديًّا؛ المثقلين بالديون؛ المهدّدين بالبطالة، والطرد، والإفلاس، والتمييز؛ المعرّضين باستمرار للأمراض بسبب التلوّث وأغذية معدّلة جينيًّا وأطعمة فائقة المعالجة؛ المتعطّشين إلى مياه نظيفة وخالية من المواد البلاستيكيّة. في استعانة بمفهوم من علم النفس السريري، بدت الجائحة ومعها الإغلاقات العامّة المتعدّدة، على الرغم من ثقلها المقلق ووقعها الضخم على معظم العاملين والعاطلين من العمل، “كفترة صحو”، سقوط مؤقّت لغياب المنطق، ومواجهة مع واقع الرأسماليّة النيوليبراليّة. متى سيتجسّد الإقدام على الفعل وكيف؟ 

ترجمة: برونو برمكي 

أن "نقصّر بنطلوننا": عن الإبداع والممارسة (أو بين الپويسيس والپراكسيس)

نقل الناقد البريطاني آل آلڤارِز في توطئة مؤلّفه «الإله المتوحّش: دراسة في الانتحار» حواراً دار بينه وبين سيلڤيا پلاث تناول فيه نسخة مبكّرة من قصيدتها «السيدة لعازر» التي كتبتها الشاعرة قبيل انتحارها في العام 1963. “لقد هالني الأمر”، هكذا عبّر عما ساوره حينما أنصت لإلقائها. “للوهلة الأولى، لم يبدُ لي ما وقع على مسمعي شعراً، بقدر ما كان هجوماً ضارياً.”[1] يقتبس من القصيدة “سيداتي سادتي / ها هما يداي / ركبتاي / جلد وعظام فحسب، وكأنني يابانية”[2] يهيل آلڤارِز المقطع الأخير، فيسأل الشاعرة “لماذا يابانية؟ أبحكم القافية؟ أم أنك وراء مغزى رخيص من استحضار ضحايا القنبلة الذرية؟”، قبل أن يشير على پلاث بأن “تلعبها بخفة” إن كان من الضروري أن “تستعين بهذه المادة القاسية…”

لن ترى هذه القصيدة النور إلا بعد وفاة الشاعرة، وبعد أن حُذف منها ذِكر اليابان المسيء. لقد أسف آلڤارِز من بعد لهذا الحذف، إذ أتى في كتاباته أنه حين أعاد النظر وجد أن پلاث “كانت حقاً بحاجة لأن تلتزم بهذه القافية، فالنغم محكم بما يجيز كناية قد تبدو بعيدة”.قبل أن يقرّ بأنه بالغ في ثورته “أمام ما بدا من ضراوة البيت من دون إدراك ما فيه من غريب الطلاوة.”[3]

بعد مرور أكثر من خمسين عاماً، وفي حوار جمع بين فرِد موتِن وسعيدية هارتمَن تناولا فيه تأصّل ممارستيهما في إرث أدبي مديد، وتقليد “ثقافي راديكالي عابر للمجالات” يستند إلى تاريخ وحشية يعجز عنها الوصف، ألمحت هارتمَن إلى “عدم تكافؤ ما بين أيدينا من مفردات نقدية من جهة، وما نسعى إلى التعبير عنه من جهة أخرى.” “إنك تتفوهين بهذا مستعينة بلغة معينة”، يجيبها موتِن، “بينما أعلم أن مقصدك غير ذلك، وأن ذلك المقصد موطنه لغة ما أخرى.”[4]

إن ما يصل ما بين هاتين المحاورتين هو مُلال لغوي: هاجس يقول إننا نضع الكلمات والأحرف والأصوات وضمائر الخطاب والمفاهيم والتواريخ والصور والخرافات تحت التصرّف، عالمين تمام العلم أنها “لاغية” بحسب تعبير موتِن. يقول فوكو إن وجود هذا “الاجتهاد الأبدي” هو من وجود اللغة نفسها، ومن اجتماعها الأصيل بالموت. فعلى شفير الموت – هكذا يقول – ترتد اللغة على نفسها “فتعكس نفسها إلى ما لا نهاية”. وفي استحداثه نموذجاً بصرياً لذاته “يكتشف الخطاب في صورته إرباً لا ينفذ”.[5] لربما اتّخذ الشعر لنفسه موضع امتياز من نوع ما، على مشارف ذلك الإرب، وحقاً يرى آلڤارِز أن في البيت الحسن ما يجيز لنا أن نختبر أموراً “على شفير التهافت والتداعي.”[6]

ولكن، هل ثمة نفع في لغة تهرع إلى شفير المعنى، أو خير يرجى من إعراب يبيّن عالماً متهافتاً؟ يقول أشيل مبيمبي في مؤلفه «توحش» أن السلطة تُخضع المادة الخام الحيّة والجامدة لإجراءات “استحالية” مرادها “القسر والسحق”، ومرادها “التهشيم والشرخ” .[7] إن مغزى السلطة – بحسب الكاتب – هو “الاستيلاء على ما لا يستولى عليه”، واستخراج ما كان من المعتقد أن من المحال استخراجه، ومن ثم فكفكة واستنزاف “جميع أنماط الحياة” .[8] لقد جعل هذا النوع من سلطة استنزاف الموارد من “الأحياء فريسة صيرورة الكربَنة”، كما “أحال الإنسانية واحدة من القوى الجيولوجية”.[9] ويخلص مبيمبي إلى أن “مجمل التاريخ – اصطلاحاً – هو تاريخ جيولوجي، بما في ذلك تاريخ السلطة”.[10]

إن تجاوزنا قسوة استحضار شبح الأجساد المتفحّمة، فإن هاجس كربَنة الحياة – شأنه شأن البيت المشطوب من قصيدة پلاث – يحرز إحاطة مقتضبة بقدر ما هي مُنتِجة، تعكس حقيقة عميقة، كشقّ عمودي يخترق طبقات اللغة والزمن الخطّي المتراصة. إن بدعاً مفاهيمية كهذه، أو “أفكار- صور” كما يدعوها مبيمبي، تضع بين أيدينا حصيلة دلالية تتيح لنا “أن نجرؤ على قصّ تاريخ العالم في جملة واحدة، أو على الأقل في مقال قصير.[11]، بحسب تعبير آنا تسينغ. لقد طرحت لينا عطاالله في مقال تناولت فيه تركة ثورة 25 يناير المصرية في ذكراها العاشرة تساؤلاً: “كيف يمكننا التعاطي مع الماضي بشكل سياسي وليس فقط تاريخي؟”، وهو السؤال الذي يعرب عن نفسه في محاولة للتملّص من “لولبة خطابية لا تنتهي عن النجاح في مقابل الفشل” هوت فيها جميع النقاشات التي تتناول سياسة الثورة.[12] إنها النقاشات ذاتها التي اعتادها كل من شارك في الحراك المنظّم منذ 17 تشرين الأول 2019 هنا في لبنان. 

تتعدد أشكال هذه اللولبة التي لا تنتهي، وإن جمعت بينها مسألة نمط المخاطبة أو السجية العامة: مسألة كيفية حشد قطاعات من المجتمع نأت بنفسها عن الانضمام إلى صفوفنا، وكيفية مخاطبة الموالين للأحزاب بيننا وصرافي المصارف والإعلام… تساؤلات أفضت بدورها إلى معضلات تعبوية أخرى: هل نختار قطع الطرقات أم الاستيلاء على مؤسسات الدولة؟ هل نولي مصرف لبنان اهتمامنا أم الطبقة السياسية الفاسدة؟ أنحتجّ سلمياً أم نلجأ إلى العنف الثوري؟ هل الأولوية للحراك المباشر أم للتنظيم السياسي؟ كل هذه اعتبارات تشتبك معها جميع الثورات. بيد أنه من العسير التخلص من شعور بأن صروح السلطة المتهالكة التي نجابهها قد نجحت في أن تدفعنا إلى اللهاث في حلقة مفرغة، إذ نجتهد قدر المستطاع في أن نبلغ بياناً وجلاءً يقف بالصدارة أمام فوضاها الشاملة. 

جواباً عن استنطاق إحدى مراسلات الإعلام عن الرسالة التي يرغب أحد المتظاهرين في إبلاغها وزير الاتصالات اللبناني محمد شقير، انتشر قول أحد المحتجّين “آني بدّيش وصّلو رسالة. آني وين ما شوفو نايك الإخت تبعولو”.[13] محتج آخر بصدد انتزاع السلك الشائك المحيط بمبنى “سراي” الحكومة، فاجأته مراسلة بسؤالها حول ما يفعله فأجابها “شو عم بعمل؟ عم قصّر بنطلون.[14]” إن دلالة هذه الردود لا تكمن في طرافتها ولا في حذاقتها ولا في بذاءتها، بل على العكس: إن دلالتها في التزامها الصارم بالممارسة بدلاً من الانشغال بالمخاطبة، وانشغالها بالصيرورة لا بالنتيجة. إن فحوى الرسالة – إن كان ثمة فحوى – هو “اتركينا لحالنا، ورانا أشغال”.

والأشغال التي هي وراؤنا ليست المفاضلة بين السجيات المذكورة آنفاً، ولا استحداث براديغم نظرياً جديداً، وإنما هي كتابة مقال قصير يعرض للمعالم التي تحدّد ذلك النطاق الواسع لما ينبغي الدفاع عنه، ومتى يجب هذا الدفاع ومع من نصطف. أو بحسب موتِن “إنها حقاً مسألة عدد من السجيات الأخلاقية والأدبية (من التأدب، لا الآداب) الجديدة عن كيفية تعاملنا مع… ومخاطبتنا بعضنا البعض الآخر.”[15] إنها مسألة تأليف “مِزوَد” من مفردات نافذة، وتوليد كل ما يلزم من الـ”أفكار- صور” للإحاطة بالهجوم الضاري والشامل الذي نتعرّض له.[16] صحيح أن قسماً من هذه الترسانة منوط به مخاطبة الآخر، إذ يُترجَم إلى جهود ضغط ومعارك قانونية وأجندات سياسية ومطالبات بالعدالة الاجتماعية. ولكنني أعتقد أن مربط الفرس هو شأن أكثر عمقاً بل هو بعينه ما لا يجوز ترجمته، ما لا يؤخذ في الاعتبار، ما لا يوثق بأمره، ما لا يستساغ.  

أمام هذه الوحشية التي يغذيها خراب كل شيء، والتي تستعمر أعصابنا وأمعاءنا وأنفاسنا، وكذا بحارنا وجبالنا وسماواتنا، والتي تريد لنا أن نبقى سجناء فقرنا وظلماتنا وجوعنا وخوفنا… أمام ذلك كله وغيره الكثير، لابد لنا أن نفتش عن مستوى يتجاوز حصر حصاد الجرائم التي ارتكبت ضدنا، ولغة قادرة على أن تصف – في جملة واحدة – كيف لشعب متفجّر أن يعيش. إننا بحاجة إلى هذه اللغة المتململة التي تهرع إلى شفير المعنى، وتخيّل للزمن يجيز لنا أن نجاور أشباحاً في المستقبل الآتي. إننا بحاجة إلى نوع من المادية ينقض صيرورة الكربنة بينما يحفظ لنا سياقنا الجيولوجي، وبحاجة إلى تشكيلة من الممارسات التحتانية تحفر أنفاقاً تفضي إلى بعضها البعض. 

لقد جاء «المشتق» نابعاً من مجمل تلك الحاجات، كما كان – بحسب كلمات عطاالله – نابعاً من “احتياج لا يشبع لمساحات للممارسة، بغية المضي في ما نقوم به وإضفاء شيئاً من المعنى عليه.”[17] لقد كان نابعاً من احتياج لتجاوز الاعتراف بالهزيمة “ليس بدافع أمل أعمى أو براءة سياسية، وإنما غشاوة فكرية معيّنة تنزّلت على المحاورة بأسرها.”[18] لأنه، وبحسب موتِن من جديد “ذلك النوع المحدّد من الإرهاب و… ذلك التاريخ المعيّن الذي نخوض فيه بكل تلك السبل المتباينة ليس… أمراً بالإمكان الحديث عنه من زاوية إحصاء الانتصارات والهزائم.”[19]

انتقينا ثلاثة جذور جديدة بمناسبة صدور العدد الثاني، وزعناها على ثلاثة محررين/ات، وأملنا هو أن تلعب هذه الجذور – وإن لم تكن حقاً “أفكار- صور” – دوراً مولّداً بما يتيح انفراجاً على شبكة تحتانية من الممارسة. لقد وقع اختيارنا على هذه الجذور انطلاقاً من زوايا معينّة، ومن ثم وضعناها بين أيدي رفاق قدامى وجدد، بغية أخذها في الاعتبار ومشاركتنا وآخرين في تأمّل ونبش ربما غابت وجهته عن أعيننا. سوف يشتبك طارق العريس مع الجذر و.ح.ش.، ومع الوحوش التي تستنفذ آدميتنا. أما «استوديو أشغال عامّة» فسوف تتناول الجذر ر.د.م.، وركام حال الخراب التي نعيشها حتى قبل انفجار الرابع من آب. سوف تتأمل رشا سلطي الجذر ق.ل.ق.، وضباب الحيرة والاضطراب الذي يغشي أبصارنا. لم نمس هيكل النشرة بتغيير: إذ وجّه/ت كل من المحررات/ين الدعوة لخمسة مشاركين/ات لتناول رافد مختلف من روافد كل من المفاهيم الثلاثة بالتحليل، إلى جانب مداخلة فنّية مصاحبة لكل من الاستكتابات. 

ترجمة: محمد عبد الله


[1]The Savage God: A Study of Suicide, by A. Alvarez, 1971, pp. 32. 

[2]«السيدة لعازر» سيلڤيا پلاث، تعريب محمد عيد إبراهيم.

[3]The Savage God: A Study of Suicide, by A. Alvarez, 1971, pp. 32.

[4]Duke Franklin Humanities Institute. “Moten, F & Saidiya Hartman at Duke University | The Black Outdoor.” Youtube, uploaded byDuke Franklin Humanities Institute,Oct 5, 2016,https://www.youtube.com/watch?v=t_tUZ6dybrc&t=1924s.

[5]Bouchard, Donald F., editor. “Language to Infinity.” Language, Counter-Memory, Practice: Selected Essays and Interviews, by Michel Foucault, Cornell University Press, 1977, pp. 54–55. 

[6]“A. Alvarez Dies at 90; Poet Elevated Both Sylvia Plath and Poker.” New York Times. Web. <https://www.nytimes.com/2019/09/23/arts/a-alvarez-died.html>. 

[7]Mbembe, Achille. “Brutalisme.” Paris: La Découverte, 2020. 8. Print.

[8]المرجع نفسه، ص. ٣٢

[9]المرجع نفسه، ص. ٩

[10]المرجع نفسه

[11]Unruly Edges: Mushrooms as Companion Species. Environmental Humanities. 1. 141-154. 10.1215/22011919-3610012. 2012. p. 142

[12]عطاالله، لينا. “بعض الأشياء التي تعلمتها عن كيف لا نتذكر الثور”. مدى مصر. 25 كانون الثاني 2021. من الإنترنت في 13 آذار 2021. <https://www.madamasr.com/ar/2021/01/24/opinion/u/%d8%a8%d8%b9%d8%b6-%d8%a7%d9%84%d8%a3%d8%b4%d9%8a%d8%a7%d8%a1-%d8%a7%d9%84%d8%aa%d9%8a-%d8%aa%d8%b9%d9%84%d9%85%d8%aa%d9%87%d8%a7-%d8%b9%d9%86-%d9%83%d9%8a%d9%81-%d9%84%d8%a7-%d9%86%d8%aa%d8%b0%d9%83/>.   

[13]قناة العشوائية. “الثورة في لبنان #ثورة )” موقع يوتيوب، قناة العشوائية. 18تشرين الأول، 2019. https://www.youtube.com/watch?v=QJVUeGK-t9k

[14]بابا، م. “عم قصر بنطلون” موقع يوتيوب، مقطع رفعه مازن بابا. 27 كانون الثاني، 2020. https://www.youtube.com/watch?v=6utCuv3kghc

[15]موتِن، فرِد. 

[16]“ليست هذه الحكاية التي أرويها. لقد سمعناها من قبل، لقد سمعنا كلنا عن كل هذه العصي والرماح والسيوف، أشياء تلطم وتنكز وتضرب، أشياء طويلة منتصبة، ولكننا لم نسمع عن الشيء الذي توضع الأشياء فيه، حاوية ما يلزم احتواؤه. هذه حكاية جديدة. هذا هو الخبر”.

“نظرية المِزوَد في السرد الأدبي” «الرقص على شفير العالم»، أورسولا ك. لي غوين، غروڤ پرس، 1989، ص. 4. https://otherfutures.nl/uploads/documents/le-guin-the-carrier-bag-theory-of-fiction.pdf

[17]عطاالله، لينا. “بعض الأشياء التي تعلمتها عن كيف لا نتذكر الثورة”.مدى مصر. 25 كانون الثاني 2021. (معرّباً عن النص الإنكليزي الأصلي)

[18]المصدر السابق.

[19]موتِن، فرِد.

مادة لزجة سوداء تعشعش في أحشاء مدينة منكوبة

يقال إن صورتك عن نفسك مغايرة لصورة الآخرين عنك. ويقال أيضاً إن كلّما ابتعد الواقع عن المثال، يزداد القلق الوجودي وتزداد الصورة تغبيشاً، فيستيقظ التوحش في انفصال النفس عن السياق العام المعاش، فتظن أن ردم القديم هو حل للمستقبل، لأنك غير قادر وعاجز عن أن تعيش في اللحظة. 

نفتتح العدد الجديد من نشرة “المشتق”، وهو العدد الثاني، مع ثلاثة ضيوف محررين جدد هم: رشا السلطي عن محور “قلق”، طارق العريس عن محور “وحش” و”استديو أشغال عامة”مع جنى نخال، وعبير سقسوق عن محور “ردم”.

 ثلاث كلمات “جذر” جدد اخترناها بالتنسيق مع المحررين الضيوف لارتباطها اللصيق مع كل الظروف المحيطة بنا، والتي نعيشها ونعانيها ونطرح أسئلة عن كيفية معالجتها وقراءتها من زوايا مختلفة. جذر “كلمة” سينطلق منها المحررون إلى تكليف كتاب وفنانين مختلفين وأوراق متنوعة.   

على أعتاب المجهول التام في لبنان، من الناحية السياسية أو الاقتصادية أو الأمنية، ورغم تعوّد الناس هذا التعطيل الذي يراد منه فقدان الأمل بظهور خطاب وممارسة مغايرين عن هذا النظام، الذي أصبح عاجزاً عن تجديد نفسه، هو الذي كان يجدد نفسه من ضمن أزماته كما تعوّد من قبل، وبسبب فايروس كورونا والإغلاق الذي أجبر الناس على مراوحة مكانهم، طاف القلق على الوجوه.  ما بين جريمة انفجار المرفأ في ٤آب إلى اليوم، تستطيع أن تلاحظ شحوب الوجوه وزوغان العيون، في لبنان البلد المعتاد على المصائب والنكبات، يبدو أن فرز الأدرينالين المتأهب لرد الخطر، لم يتوقف حتى بعد زوال الخطر المباشر. نفرز أدرينالين الوهم بأن الآتي أعظم. من هنا منبع نوبات الهلع. 

أن تمشي في شوارع بيروت، هو أن ترى عيوناً ترتحل من دون تركيز. هنا رجل واقف في الشمس وحده يدخّن سيجارة تلو الأخرى، وعينه على الأرض يكلّم نفسه. وهنا فتاة تركض، تتنفس بصعوبة، تحاول الركض ليس كرياضة فقط، بل بدافع طرد القلق، لكنها تتوقف بعد دقائق، تنحني، أشعر بالوجع في معدتها، تكمشها وتشد عليها، في محاولة للركض مجدداً بعد أخذ نفس عميق. قلق، نوبات هلع، كأن هناك مادة سوداء في المدينة تنتقل من جسم إلى آخر، تعشعش في أحشائه، تارة في الصدر، وتارة أخرى في الرأس، وطوراً في شهقة كبيرة من رجل عجوز، عجز عن التقاط الهواء، تحسه يريد أن يبتلع العالم. 

والقلق آت من عدم قدرتنا على التعبير، أو بالأحرى من عدم فهم كيف لنا أن نعبّر عن الغضب – ينصح الأطباء النفسيون بأن تجد طريقة معينة للتعبير والتنفيس عن غضبك – في بلد دُمّرت عاصمته، أصبحت مألوفة رؤية امرأة على ناصية الطريق تجهش بالبكاء. إنه فائض الأدرينالين الذي يرفض لسبب سياسي نعرفه، أن يتحول إلى غضب عامر. تفجير بيروت، أزمة اقتصادية حادة، فساد تحوّل إلى وقاحة مفرطة إلى حد السخرية، إغلاق لم تعد الطبقات الفقيرة قادرة على أن تتحمله، بعد أن سرق البنك آخر ما تملك. كل هذا، وبسبب غياب أي أفق سياسي، نردم غضبنا كما ردموا مدينتنا. وإلى أن يستيقظ الوحش الذي لا تخمد عواقب استيقاظه، سيظل القلق ونوبات الهلع تطوف على وجوه الناس. 

هذه البلاد لن تعود كما كانت من قبل – جملة أستهجنها مراراً – لا يعني أنها كانت أفضل. أشعر أن المقصود هنا بالقبل ربما، أنها كانت مشروعاً لدولة أفضل، نحلم بها جميعاً، أي أنها الآن لم تعد حتى مشروع حلم بدولة.  فلبنان لم يمرَّ في مرحلة وضوح لمشروع الدولة الحريصة على عيش مواطنيها في كافة المجالات. لم تمرَّ هذه الجمهورية إلا بأزمات حكم وهوية وحروب. حتى مشروع إعادة الإعمار بعد الحرب الأهلية، لم يكن إلا تمهيداً لهذا الانفجار الذي نشهده الآن. إذاً، مخنوقة هذه البلاد بنظامها الطائفي الرأسمالي، حتى تخالَ أن أبناءها لا يعرفون منطقاً سواه، أزماتٍ متلاحقة، ومثقفين يجهدون بتحليل كل مرحلة من مراحله، بخطاب يسعى إلى فهم هذه المنظومة ونقدها، من دون تسجيل أدنى انتصار عليها.

وهذه البلاد لم تعُد كما كانت من قبل، قبل هذه الأزمة والانتفاضة وفشل جمهورية الطائف. هي غربة نعيشها نحن المهزومة أحلامنا، ومن لم يتحمل غربته عن نفسه وعن البلد، اغترب إلى بلاد بعيدة.  

لم نعرف كيف نترجم غضبنا عنفاً، لم نعرف كيف نغضب حتى في ساحات افترشناها وقت الانتفاضة. ساحات سوليدير لم تكن لنا. نحن نعلم هذا، والشرطي الذي أطلق رصاصاً من بندقيته علينا يعلم هذا. لم نترجم غضبنا عنفاً، خوفاً أو حماية لمصالحنا. ولأننا رفضنا عنف السلطة وقابلناه بالطرق السلمية، أتى تفجير المرفأ ليُكتب على حيطان بيروت، “سنعلّق المشانق”، بدأ الوحش بالظهور. 

والوحش، وقبل أن نتكلم عنه كمادة تنمو داخل كل واحد فينا، أوعن الوحش في اللغة والأدب والشعر، هنالك الوحش الأكبر الجاثم على صدورنا، وحش بأذرع طويلة متمددة إلى كافة تفاصيل حياتنا، هو وحش السلطة، جشع هذا الوحش، ينهش من لحمنا ولا يشبع، وله أشكال مختلفة، مطاط ويأخذ أحجاماً عدة، ليس ثابتاً على حال. تراه يفتش عن حبة دواء ليلتهمها ويزوّرها “ملف أدوية السرطان المزورة”، ويرميك في العتمة ثم يخرج عليك وقحاً قائلاً: إن من لا يعجبه الحال فليهاجر. يتسلل في عباءة طائفية ليبرر فساداً، وبعباءة قانونية ليعفو عن سياسي. يتضخم إن أزعجته فيطلق عليك الرصاص، يفجّر مدينة، وقد يغتال من لا يتوافق معه. جشِعٌ هذا الوحش، يفجر حروباً، فيزرع داخل كل واحد منا وحشاً صغيراً “كم مقاتلاً في حرب تحول وحشاً،”يريد أن ينهش ما تصل إليه يداه، ونحن الخائفين أمام جشعه، نحاول الهرب منه هجرة أو قلقاً، ونردم ما استطعنا من ذاكرة وبحر ومدينة. 

والردم هو فعل سياسي متمرسة فيه هذه السلطة، تعتاش عليه، تمارسه لضمان بقائها، من ردم لطمس معالم جريمة كما حدث مع مجازر الحرب الأهلية، إلى ردم المدينة الخارجة من الحرب الأهلية لمشاريع نهب ومال، ردم الذاكرة كي لا نناقش ونتصالح مع تاريخنا كما حدث في ملف المخطوفين. والردم عند السلطة يحدث بسرعة وبشكل ممنهج، حتى تسارُع الأحداث السياسية وعنفُها ينطويان على قدرة هذه السلطة أن تنسيك تبعات هذا العنف، ونحن حين نقول كي لا ننسى، أو حين نحاول أن يكون هناك استمرارية ما للنضال اليومي السياسي، هو موقف ضد ردم ومحاولة هذه السلطة أن تنسينا فسادها وعجزها. 

أمام هول القلق من تفكك أواصر الدولة والمجتمع وانحلالهما، وهو قلق عند جميع أطياف هذا المجتمع بطوائفه ومجتمعه المدني وملحديه، قلق عن وعي عند البعض، وعن عجز واستسلام وانتظار الزعيم السياسي عند البعض الآخر، ناهيك عن قلق الطوائف من بعضها البعض ومن غلبة واحدة على أخرى. قلق من أن هذه الجمهورية كما هي الآن انتهت وفي طور التحلل. قلق من أن الآتي أسوأ مما هو عليه الحال الآن. قلق من أن هذا التحلل ينتج وحوشاً هائمة على وجهها، تنهش ما تطاله بعنف. قلق من معرفتنا أننا نردم غضبنا، نردم عجزنا عن بلورة مشروع مجتمعي ينطوي على عقد اجتماعي جديد. أمام هول هذا القلق، نقف نحن القلة الخارجة عن طوائفها، الحالمة بمجتمع العدالة، أمام وحش السلطة الأخطبوطي بعجز، نراهن على مأزق السلطة نفسها، آملين بسقوطها، أو آملين بعجزها، وننتظر انفجاراً ما من داخلها. 

تتوارد الأخبار عن قطع طرقات هنا وهناك. مجدداً هي ردة فعل على كل الأوضاع المزرية اقتصادياً وسياسياً. أتوجه إلى ساحة الشهداء، أعلم أن قلة تتظاهر، وقلة تقطع الطرقات وتحرق الإطارات. أنظر حولي، لا وجوه أعرفها منذ أيام انتفاضة تشرين، لا مجموعات سياسية، بضعة فتية غاضبين، يشعلون النار على طريق تكسَّر زفته من كثرة حرق إطارات السيارات مراراً وتكراراً على مدى كل هذه الأشهر. يقترب شاب يسكب المازوت أكثر على دولاب لم يشتعل بعد، ترتفع تلك السحابة السوداء بسرعة، أراقبها ترتفع وتغطي المشهد كله. في خلفية ساحة الشهداء آثار الدمار الناتج عن جريمة المرفأ ما زالت هناك. ترتفع تلك المادة السوداء. أراها تغطي المدينة، تتحول إلى مادة لزجة متحركة سريعة، نتنشقها نحن سكان المدينة المنكوبة. تتحرك داخلنا وتنتقل تارة إلى الرأس وتارة في ارتفاع دقات القلب معلنة عن نوبة هلع، ومجدداً في شهقة رجل عجوز يقف وحيداً في الشارع، وامرأة تعصر معدتها لعلها تردم هذا القلق المرعب قبل أن يتحول إلى وحش. 

وجوه هائمة على وجهها، عيون زائغة في مدينة مفجَّرة. ولا أمل في التخلص من هذه المادة اللزجة إلا تجميعها مجدداً، وقذفها في وجه هذه السلطة القذرة بكل أركانها. ما زال هذا الفتى يقطع الطريق احتجاجاً، يسكب الزيت على دولاب، بانتظار المجموعات السياسية المعارضة أن تثور. لا أحد يملك الحل لهذا البلد المنكوب، والانكسارات والهزائم متتالية، ولم يعد طرح الأسئلة مجدياً. وحتى لا يكون الكلام سوداوياً، لا أمل إلا في الالتحاق مجدداً بهذا الفتى المنتظر هناك في الساحة وحيداً. لا خيار إلا في خوض الصراع وتكراره. وقبل أن يتحول هذا الفتى الساكب للزيت على دولاب محترق إلى وحش، لعل التحاقنا نحن اليتامى، الأفراد المنهكين به، لنقذف غضباً تلك المادة السوداء في وجوههم، طاردين هذا القلق من ردم حاضرنا، لعل الشارع مجدداً هو الأمل الباقي، قبل أن نغترب جميعاً في وطن يهوى ردم ضحاياه.