المشتق نشرة إلكترونية نصف سنوية تم إطلاقها في تشرين الأول ٢٠٢٠، وذلك في خضم إنهيار سياسي واجتماعي واقتصادي وبيئي غير مسبوق في لبنان، هي محاولة لبناء مفردات وأساليب وممارسات جماعية قادرة على تفكيك الهجوم الممنهج الذي نواجهه وكيفية التعامل معه.

المشتق هي تلميذة إنتفاضة ١٧تشرين اول ٢٠١٩؛ إنها أولاً وقبل كل شيء كائن جذري يكمن حولها تعبئة وتكثيف مجموعة متنوعة من الممارسات العملية. من خلال تجربة نموذج التحرير الجماعي المشترك "مجموعة متنوعة من المحررين الضيوف"، فإن كل عدد هو وقبل كل شيء عذرًا للتفكير والعمل معًا وطريقة لتوسيع وتقوية شبكات الأصدقاء والحلفاء من خلال أنماط مختلفة من الخطاب والفكر والعمل.

في كل عدد جديد من المشتق يتم دعوة ثلاثة محررين ضيوف، ولكل واحد منهن\م محور معين منطلق من كلمة "جذر" مكونة من ثلاثة أحرف. ثم يتعاون كل محرر مع خمسة مساهمات\ين للمساعدة في الكشف عن الجوانب المختلفة لكل موضوع، بالإضافة إلى مساهمة فنية تستجيب لكل نص.

رسالة ثانية ضد اللغة (إلى شون بوني)*

العمل الفني: مكسيم حوراني, لقطة من "هومو فينيس", فيلم, ٢٠٢١

هناك أسماءٌ لا يمكن نطقها، وبالرغم من ذلك لا يمكن أن يحدث تبادل من دونها. كلماتٌ مُخيفةٌ تدور في اقتصاد كاملٍ من الأصوات التي تُسكِتُ نفسها بنفسها. هناك طريقةٌ واحدةٌ لإبطال سحر هذه الكلمات، ألا وهي الصراخ بها وليس نطقها. الصراخ إلى حدّ تمزّق الحناجر. عندها فقط يمكن للآذان أن تنتبه إلى الهمهمات المحيطة بها، والتي لم تكن تسمعها من قبل. إنّها همهمات من ماتوا وهم يقاتلون كلمات السلطة المخيفة. همهماتٌ لا تزال تنبعث من الشروخ التي أحدثها موتهم بين حروفها. ب ش ا ر. ب ش ي ر. كلّ فجوة حياةٌ كاملة أصبحت ممكنة مرّةً أخرى. عالمٌ مشحوذ الحواسّ، يمتدّ من بلاد الموتى إلى بلاد الأحياء، ومن بلاد الأحياء إلى بلاد الموتى.

حرف علّة

أسيرُ بحذاء قناة لاندفير وأنا أردّد جملَتك في الظلام: “when a specific distortion in the vowels is achieved we can hear heaven”. أسيرُ كما سرتَ أنت بحذاء القناة نفسها، وأنت تردّد بصوتك جمل من ماتوا. رامبو، ماركس، انجبورج باخمان، هيجل، بازوليني، شيلي، وليام بليك، أنيتا بيرجر، هوجو بَل، ديانا دي بريما، ارنست بلوخ، إيما جولدمان. تُعيرهم صوتك، أو تستعيره منهم. تظلّ تردّد جملهم حتى يتكسّر صوتك، فتحمل كلّ شظيّةٍ إلى طرفٍ من أطراف المدينة، وتخفيها هناك، كلعنةٍ أو تعويذة. كحرف علّةٍ قد يمكنه أن يُعيد الحياة إلى المدينة الميتة.

“تشكيل الحواسّ الخمس هو عمل تاريخ العالم بأكمله وصولاً إلى اللحظة الحاضرة”. هل كانت هذه هي جملة ماركس التي كنتَ تفكّر فيها، عندما فقدتَ صوتك في شارع سيباستيان ذات يوم وأنت تردّد سطراً قرأته عند الشاعرة موريل روكايزر؟ يقول هذا السطر: “الهزيمة تعيش بيننا، والحرب، والنبوءة”. ظللتَ تصرخ بذلك السطر متجاوزاً كلّ صوتك، وكلّ جسدك، وكلّ حدودك. لكنّك لم تكن تصرخ كنبيٍّ يحمل نبوءة، وإنّما كنت تصرخ وأنت تفكّر فيما يحدث عندما تتزعزع الحواس الخمس. إذا كان تشكيل الحواسّ هو عمل التاريخ، كما قال ماركس، فإن هذا العمل الجماعي للماضي لا يمكن أن يظهر للعيان سوى في اللحظة التي تُشحذ الحواسّ الفرديّة فيها إلى أقصاها، كما فعلت أنت. ففي هذه اللحظة ينحرف الماضي عن مساره، ويدخل مجال الحاضر فجأة، مصطدماً به في النقطة المناسبة لانبعاث شرارة المستقبل. عند هذه النقطة بالضبط قد ينحرف حرف علّة عن صوته المعتاد، محدثاً اهتزازاتٍ غير مسموعة.

العلّة في اللغة هي المرض، وهي السبب، كما تقول المعاجم. علّة الأمر ضعفه، وسبب وجوده في الوقت نفسه. والفعل المعتلّ هو فعلٌ يتغيّر تغيّراً مفاجئاً عندما يُصرّف لغويا. كأن تنقلب ألفه واواً مثلا، أو واوه ياء. الفعل المعتلّ، أي الذي تكمن في علّته إمكانيةُ تعبيره، هو الفعل الذي يمكن التعويل عليه في التغيير والتغيّر، لأنّه يستمدّ قوّته من قلب ضعفه. الثورة بهذا المعنى هي فعل معتل. والشعر أيضاً فعلٌ معتل، يراوغ ويختفي، ويظهر في اللحظة المناسبة، حيث لا يتوقّعه أحد. حروف العلّة التي سمعتَها أنت في شعر رامبو كانت حواساً انحرفت وتجاوزت نفسها بفضل “الزعزعة الطويلة المنظّمة” التي يقوم بها الفعل الشعري. حروف العلّة هذه سمعتَها تقول من الماضي: “أنا آخر”. وعثرتَ فيها على برنامج من أجل “هدم الذاتيّة البرجوازية”. هذا الهدم هو أيضاً فعلٌ معتل، لأنّه بحاجةٍ إلى دهاء حروف العلّة، لا إلى قوّة الحروف الساكنة وحدها. اللغة بحاجة إلى حروف العلّة القادمة من الماضي، لتصبح لغةً متصدّعةً لا تقبل بما يُقال فيها، ولا ترضى بما يُعطى إليها. لغة معتلّةٌ تقاوم لغة الهُلام المهيمنة.

أسيرُ بحذاء قناة لاندفير التي كنتَ تسير بحذائها، بعد أن التحقتَ أنت بركب الموتى. أسيرُ في ساعة من ساعات اليوم المخفيّة، والتي لا يمكن للشيطان أن يعثر عليها، ولا الشرطة، كما قلتَ في رسالتك “We Are The Dead”. أسير وأُفكّر في حروف العلّة. في رواية أوكتافيا بتلر “نَسَب” تعيش بطلة الرواية دانا، وهي كاتبة إفريقيّة أمريكيّة، في سبعينيّات القرن العشرين. تصيبها نوباتٌ غير مفهومة، فتجد نفسها تعود إلى بدايات القرن التاسع عشر في رحلاتٍ متتالية. في كلّ رحلة إلى الماضي البعيد تجد نفسها تنقذ جدّ جدّها، صاحب مزرعة العبيد، والذي اغتصب جدّة جدتها، وباع نسلهما عبيدا. وفي آخر رحلاتها تعرّضت دانا لمحاولة اغتصاب على يد ذلك الجدّ، واستطاعت أن تعود بشقّ الأنفس إلى الحاضر، بعد معركة داميةٍ معه، طعنته فيها وهربت. لكنّها خلّفت ذراعها في الماضي، بعد أن انحشر في جدار غرفتها الذي تخترقه في كلّ رحلةٍ ذهاباً وإيابا. عادت دانا إلى الحاضر مبتورة الذراع، فأصبح لها يدان، يدّ تكتب في الحاضر، وأخرى تعمل في الماضي. يد الماضي تعمل مثل أيدٍ كثيرةٍ غيرها في مزارع تجار العبيد. تعمل في الحقل، أو في المطبخ، أو تعلّم الأطفال الصغار. دانا تقاتل الجدّ تاجر العبيد بيد، وتكتب كتباً في الحاضر بيدٍ أخرى. لعلّ حرف العلّة يشبه دانا. فهي أصبحت جسداً موجوداً في زمنين معاً، لها يدّ تكتب في الحاضر، وأخرى تعمل في الماضي. حضور غير متزامن، يظهر فقط عندما يصطدم مدار الماضي بالحاضر. وبفضل ظهوره يتجلّى عمل الماضي، الذي لم يكفّ يوماً عن العمل في قلب الحاضر. عمل الماضي هو المحاولات المتكرّرة لأصحاب الأيدي المأسورة من أجل الفكاك من الأسر. وحرف العلّة هو هذا الماضي الذي لا يريد أن يترك الحاضر على حاله أبدا.

أحجار

شُقّت قناة لاندفير في القرن التاسع عشر بموازاة نهر شبريه الذي يقطع مدينة برلين من شرقها إلى غربها. الهدف منها كان تسهيل نقل البضائع القادمة إلى المدينة. بضائع كثيرةٌ تدخل المدينة كلّ يوم، موادٌ خام للمصانع، سكّر، تبغ، قهوة. بضائع قادمةٌ من الموانئ. جلبتها السفن عبر البحار من المستعمرات. تتدفّق المياه اليوم بهدوءٍ وسلامٍ عبر مجرى القناة، ويجلس المتنزّهون والمتنزّهات في استرخاء على ضفافه العشبيّة، يحيط بهم البط والبجع. لكنّ المشهد المسالم لهذه القناة يخفي داخله عنفاً سقطت ضحيّته جثثٌ كثيرة. فهذا المجرى المائي لم تصنعه الطبيعة، وإنّما صنعه عمل كثيرين. وأثناء العمل على حفر القناة، وفي خضم ثورة ١٨٤٨، قُتل الكثير من العمال الذين احتجّوا على ظروف عملهم. وبعد أشهرٍ من اشتعال شرارة ثورة ١٩١٨/١٩١٩، قُتلت روزا لوكسمبورج وأُلقي بجثّتها في القناة. هناك أيضاً جثثٌ أخرى كثيرة، لم يسجّلها كتاب التاريخ. جثثٌ التصق كدحها القسري بالبضائع المنقولة، وبقي ذائباً في ماء القناة حتّى اليوم. وجثثٌ أخرى لفظتها حياة المدينة. القناة المائيّة هي مجرى يحمل معه تاريخاً كاملاً من العنف ومقاومته. هذا التاريخ ليس صامتاً كما يبدو. إذ ينجح صوته أحياناً في اختراق الهُلام الذي تسبح فيه حواسنا. سمعتَ أنت ذلك الصوت الذي اخترق كثافة الهلام وأنت تسير على ضفاف القناة ذات يوم، وظللتَ ترقص عليه أياما.

الهلام هو كتلة جيلاتينيّةٌ ضخمةٌ تتكوّن من نتف ونسائر وأيدي وآذان وأعين ممزقة ومنتزعة من أزمنة وأماكن كثيرة، كلّها عملت وكدّت حتى هلكت، ثم عُجنت جيداً حتى أصبحت هلاماً لا يكاد يُبقي لها على أثر. أصبحتْ عملاً ميّتا. في هذا الهلام السامّ تسبح حواسنا دائما، حتّى يحدث أن يخترقه فجأةً صوتٌ أو مشهد. حدث لك ذلك وأنت تكتب قصيدتك “Letter Against The Language”، وحدث لي ذات يوم وأنا أجلس على ضفة قناة لاندفير، يائساً من جدوى الكلام مع البشر. كنت أجلس في النقطة التي تلتقي فيها القناة بالنهر في أقصى الشرق، متذكّراً من يقبعون في السجون بسبب كلامهم، عندما خرجت عليّ يد ابن المقفّع من الماء. لمستُها وتأكّدتُ من وجودها. كانت أصابعها نحيلة، يعلوها لون أزرق، وتتدلّى نسائر اللحم من موضع بترها. لا تعرف ابن المقفّع؟ هو كاتب عاش قبل أكثر من ألف عام. استطاع أن يسمع كلام العجماوات، ثم ترجمه إلى العربية في كتابٍ يُدعى كليلة ودمنة. كتابٌ خفيف الروح، وصل إلى قلوب قرّائه وأضحكهم. وبلبلهم أيضا، إذ جعلهم يعيدون التفكير في حياتهم المشتركة. لكنّ اللغة التي زُعزِعَت للتو، لا ترحم بعد أن تستعيد توازنها. حرف العلّة الذي يُدعى ابن المقفّع، والذي تحدث مع غير البشر، مات ميتةً بشعة. فقد قُطّعت حواسّه: يده، لسانه، أذنه، عينه، وأُلقيت جميعها أمامه في أتّون مستعر. مات ابن المقفّع وظلّت ضحكته وصرخته تسكنان اللغة العربيّة منذ ذلك الحين. أصبحتا الآن بالتأكيد حرف علّة جديد. وعلى من يأتون بعده أن يبحثوا عن ذلك الحرف ويستمعوا إليه.

أيّ أنا هذه التي يمكن أن يتحدّثها من تمزّقت حواسه؟ الشاعرة فرانسيس كروك تقترح ذاتاً تسميها “الأنا المتصدّعة”. تؤدّي هذه الأنا الوظيفة الأساسية للصوت الشعري. فهي ذات متكلّمة وحرف علّة معا. أنا معتلّة. صوتها هو تهشّم الأصوات المتماسكة. والصدوع في هذه الذات هي الفراغات المجازية الضئيلة التي يتسرّب عبرها تاريخٌ كاملٌ من العنف. تاريخٌ ليس كلّه بالضرورة تاريخاً شخصيّاً. هذا التاريخ يُعالَج، ثم يُخفق جيّدا، ثم يُقذف به إلى العالم مرّةً أخرى على شكل قصائد. التاريخ (الميّت) يطلّ عبر عمل الأنا المعتلّة. وعملها هو إعادة الموت إلى اللغة، واستحضار الأشباح فيها، والدفع ضدّ كلمات السلطة المخيفة.

قناة لاندفير مسكونةٌ بالكثير من تلك الأصوات المعتلّة. وصلتَ أنت إليها قادماً من لندن بعد احتجاجات الطلبة هناك. قد تكون قد جئتَ هرباً من الجنون، أو من الإحلال الطبقي في مدينتك. أو هرباً من الهزيمة، أو من السموم التي تُبثّ يومياً في الهواء وتقتل الحواسّ. فهذه هي الأسباب المعتادة لمن يأتي لهذه المدينة. حرف العلّة الذي يُدعى شون أو بوني، أو إيما، أو إرنست، عاش في برلين في العقد الثاني من القرن الواحد والعشرين، ودرس السحر واليوتوبيا وصناعة الأسلحة، ومات قبل أن ينصرم ذلك العقد، تاركاً هذه المدينة كما وصل إليها… مدينة هاربين. يصلون إليها كأمواج، تتشكّل من جديد عند كلّ منعطفٍ تاريخي. موتى لا يريدون دفن موتاهم. برلين هي خريطة للأمل والانكسار. مجموعة نجميّة نشأت بالصدفة، على تخوم ثقبٍ أسودٍ قديم. لكنّها أيضاً مدينةٌ أطبقت فيها لغة الهلام على كل شيء. فهي كذلك خريطةٌ للفاشيّة الجديدة والإحلال الطبقي. في حي نويكولن أحرق الفاشيون الجدد مؤخّراً سيارات المهاجرين، ومحالهم ومقاهيهم. وفي شوارع ليبج وريجا وفايزه شنّت الشرطة حملات دمويّة جديدة لإخلاء منازل ومقرّات الفوضويين، وسحق مقاومتهم. في شارع أدالبيرت يأس موسيقيٌّ عجوزٌ من العثور على غرفة مناسبة يستطيع دفع إيجارها، بعد أن طردته صاحبة البيت، فانتحر. رأس المال أحكم قبضته على بنايات المدينة، وأُلقي بعائلاتٍ بأكملها في الشوارع لأنّهم لم يعودوا يستطيعون دفع الإيجارات. والشوارع الباردة التي تلقّفتهم أصبحت ماكينات لاستنساخ عمل الحواس وليس لزعزعتها.

في هذه المدينة يمكن لحروف العلّة أن تموت. وحروف العلّة إذا ماتت، أو قُتِلَت، أضحت أحجارا. وأنتَ تعرف بالتأكيد من دراستك أنّ الأحجار تصلح أيضاً أن تكون سلاحا. سلاحٌ قد يكون الزمن تخطّاه، لكنّه لا يزال صالحاً لإعطاب القناة الهضميّة الكبيرة التي ابتلعت كلّ شيء. الأحجار يمكن أن تكسر أسنان من يقضمها، ويمكن أن تنشّف ريق من يبلعها، وأن تلبّك أمعاء من يهضمها. الأحجار سوف تهشّم النوافذ، وسوف تضيء الليالي المظلمة عندما تنقطع الكهرباء. الكتل الإسمنتية سوف تقطع الطرقات. الحصى الأملس سوف يتسلّل عبر فتحات أجهزة الـ ATM ويبقى عالقاً هناك. والمذنّبات الساقطة سوف تهتزّ بتردّداتٍ قادمةٍ من نجومٍ ماتت منذ وقت بعيد، وتوقظنا من ظلام غرفنا. نحن؟ من يعيشون في قلب هذه القناة الهضميّة المُهلِكة. من اختُطفت حواسهم، من أعشت أضواء سيّارات الشرطة أبصارهم، من صمّت موسيقى الأيّام آذانهم، من اعتلّ كلامهم بسبب موت حروف العلّة. من يسيرون بحواس منفيّة في سجن بعيد، أو منقوعة في هلام كثيف.

نحن؟

ديوانُك الأخير أسميتَه Our Death. لكي نقول “موتُنا” علينا أولاً أن نتعلّم أن نقول نحن. لكن ما هي هذه النحن التي يمكن أن تجمع أحياءً بأموات؟ بشراً بغير بشر؟ أيّ نحن هذه التي يمكن أن تجمعنا أنا وأنت من دون أن تسحقنا في الهلام من جديد؟ أين هي النحن التي يمكن أن تتّسع لكلّ هؤلاء الغرباء؟ لكلّ هؤلاء المهزومين؟ لكلّ هذه الأشياء؟ لكلّ هذه الحواس؟ ما هو شكل هذه النحن التي لا هي أنا واحدة كبيرة يذوب فيها الجميع، ولا هي نقيض الأنا؟ إذا كانت هناك إمكانيّةٌ لوجود مثل هذه النحن، فإنّ المكان الوحيد الذي يمكن العثور عليها فيه هو اللغة.

كتبتَ ذات مرة: “speak the language of the dead”. ولكي نتعلّم لغة الموتى علينا أن نزعزع آذاننا، لأنّ كلمات هذه اللغة غير مسموعة، أو صاخبة حدّ الجنون. الكلام فيها لا يُقال في كلمات، وإنّما يزحف عبر حطام الكلمات. لكي نتعلّم لغة الموتى علينا أن نتعلّم الكلام بضمير النحن. لكن هذا الضمير ليس كلمة يمكن أن تُوضع على اللسان، بل لا يمكن النطق بهذا الضمير سوى عندما ينقطع اللسان، ويتصدّع ضمير الأنا الذي تتكلّم به لغات الأحياء. فقط عندما أُصبح “أنا” حرفَ علّة، يمكن ساعتها أن أقول نحن. نحن؟ ما ينزّ عبر الشقوق. من حاولوا ولم ينجحوا. من قاوموا ولم ينتصروا. من جاءوا من المستقبل. نحن؟ ١٦٦٢. ١٩٦٨. ١٧٧١. ٢٠٢٠. ١٨٣٠. ٢٠١١. ١٨٥٠. ضمير نحن لا يُحيل إلى جماعةٍ ممكنةٍ، وإنّما إلى أخرى مستحيلة، تطلّ من انهيارات الأولى. فنحن دائماً جماعةٌ من الأحياء والموتى. جماعةٌ ليست حاضرةً أمام حواسنا، بل جماعةٌ مُستبعدةٌ منها، وبحاجة إلى جهد وعمل، وزعزعة طويلة ومُنظمة للحواس حتى تظهر. علينا أن نَخرُجَ من النحن الممنوحة لنا، حتى نتمكّن من رؤية النحن التي نشترك فيها. أو نشكّلها إذا لم تكن موجودةً بعد.

لا يمكننا إذن الكلام بضمير الجمع سوى في لغة الموتى، لأنّ كلمة نحن فيها ليست مجرّد ضمير يتحدّث بلسان جماعة. أن نقول نحن يعني أن نقول نحن الأحياء الذين تخترقهم مطالب الموتى. يعني أن نتعلّم لغةً مستحيلة. والمستحيل هو المستقبل الذي حَلُم به من رحلوا، ولم نتمكّن، نحن من جئنا بعدهم، من أن نحقّقه. هناك ضرورةٌ ملحّة لتعلّم تلك اللغة ومعها النحن التي تسكنها، وإلّا ذهب عمل الموتى سدى. إنّ عملهم الذي بذلوه وهم يقاومون الهلام، قد ابتلعه الهلام. ولا يزال يعمل هناك.

لكنّ عمل الموتى يقاوم تجمّده على شكل عملٍ ميّت، يُدعى رأس المال. ماركس تعلّم ما هو العمل الميّت وهو يصغي إلى لغة غير الحيّ. فإذا كان الاقتصاد السياسي هو لغة الأحياء، كما تحدّثوا مثلا على لسان آدم سميث، فإنّ نقد الاقتصاد السياسي هو تعلّم لغة الموتى. ماركس أصغى لكلام السلع بينها وبين بعضها، وتعلّم منه الفارق بين العمل الحيّ والعمل الميّت. تعلّم منه ماذا تعني القيمة، وماذا يعني فائض القيمة. تعلّم ماركس أن السلع تتوسّط العلاقة بين البشر، مثلما يتوسّط البشر العلاقة بين السلع. يدّ السوق غير المرئيّة عند سميث، والتي تُحضّر العشاء إلى مائدة البرجوازيين بفضل انشغالهم بمصالحهم الفرديّة فحسب، هذه اليد هي عند ماركس يد عاملٍ مُستلب، تظلّ تعمل حتّى وهي ميّتة.

اللغة المستحيلة هي لغةٌ أخرى غير لغة الهلام الذي يسحق كلّ شيء. هي بالضبط لغة ما سُحِق في هذا الهلام من أيدٍ وحواسٍ ولحمٍ وعظم، ولا يزال يعمل هناك. لغةٌ معتلّةٌ بسبب تاريخ العنف، ولذلك قد تصلح أن تكون أقوى سلاحٍ ضده. ليست لغة، وإنّما ل غ ة. لغةٌ ليست موجودة، ولا قواميس لها. تلمع كلماتها فقط عندما تحترق كل لغاتنا الحيّة. لعلّ هذه هي اللغة التي علينا أن نتعلّمها حتى يمكننا أن نعيش سويّا.

لم يتم إرجاع الاقتباسات في هذا النص إلى مصادرها عملا بنصيحة شون بوني الذي كتب في نهاية ديوانه رسائل ضد السماء: “يحتوي العديد من هذه القصائد […] على اقتباسات مُجهّلة المصدر، وذلك وفقا لتقليد في الموسيقى الشعبية يُدعى في بعض المناطق “أغنية الوقواق”، حيث يقوم المغنّون بنثر كلماتهم فوق كلمات أيّ أغنية تعنّ لهم، صانعين بذلك نسيجاً أو كولاجاً تفقد فيه الذات الغنائيّة كيانها المنفصل، وتصبح عوضاً عن ذلك كياناً جماعيّا. كيان جماعة مناهضة، تمتد إلى الأمام وإلى الخلف، عبر أزمنةٍ معروفةٍ وأخرى غير معروفة. ستبقى مصادري مُجهّلة، تماما مثل الأغاني القديمة الُملهمة لعملي. وقارئي المثالي سيعرف بعض هذه المصادر، إن لم يكن معظمها”.

جزيل الشكر لكل من ساهموا في كتابة هذا النص: شون بوني، آرتور رامبو،كيستون ساذرلاند، روزا لوكسمبورج، كارل ماركس، عبد الله ابن المقفع، سيدريك روبنسون، فالتر بنيامين، سيلفيا وينتر، سي إل آر جيمس، اوكتافيا بتلر، إيمي سيزير، ملادن دولار، فريد موتون، كوجو إيشون، اميري باراكه، سويرج.


* عنوان هذا النص يلتقط الخيط من عنوان قصيدة شون بوني “رسالة ضد اللغة”، والمنشورة في ديوانه الأخير “موتُنا” الصادر عام ٢٠١٩. شون بوني Sean Bonney (١٩٦٩ – ٢٠١٩) هو شاعر أناركي، وُلد ونشأ في بريطانيا، ثم “فرّ” منها، وعاش آخر سنين حياته القليلة، في مدينة برلين. يستمع بوني في شعره كثيرا إلى الموتى، ويهتم بإيجاد أشكال أدبية للصراعات الاجتماعية التي أودت بهم. في قصيدته الطويلة “رسالة ضد اللغة” تصل أنا متكلمة إلى مدينة جديدة، لا يمكنها نطق كلماتها، ليس لأنها لا تعرف اللغة الجديدة، وإنما لأن كلمات السلطة بحاجة إلى سحر مضاد لنطقها. وتستحضر القصيدة طيف بازوليني الذي يقول في إحدى مقالاته الأخيرة إن تلك الأشياء التي “لا يمكن التعبير عنها” هي أسماء. “أسماء من قاموا بالمذابح”. هذه المدينة الجديدة التي وصلتها الأنا المتكلمة في القصيدة هي المدينة نفسها التي وصلتها الأنا المتكلمة في هذا النص. أنا متكلمة، وكاتب وكاتبة، وصلوا جميعهم إلى المدينة في أوقات مختلفة، وفي لحظات تاريخية مختلفة، ولأسباب مختلفة. وصلوا إلى مدينة برلين، التي أصبحت بمرور الوقت مأوى للكثير من الفارين من الهزائم واستحالة الحياة. ولم يكن لهذا النص أن يكتب في مدينة أخرى سواها، حيث تعرفت كاتبة النص وكاتبه لأول مرة على شعر شون بوني بعد موته. والكثير مما يرد في هذا النص هو محاولة لالتقاط خيط الكتابة من نصوصه، أملا في الحفاظ على الخيط الضعيف الذي يربط مستقبل الأحياء بماضي الموتى. 

على أرصفة بيروت

العمل الفني: ألين ديشامب, "التحديق في شاطئ الرملة البيضاء للمرة الأولى" مقتطف من سلسلة "أنا لست حيوانك" تصوير فوتوغرافي. 2021

ترجمة: حسين ناصر الدين

أحدّق به ويحدّق بي، أبتسم ثم أعبر بجانبه. أمشي خطواتٍ قليلةً قبل أن أستدير لأرى إن كانت نظراته لا تزال مثبّتةً عليّ. عندها يشير إليّ ولصديقي بالسرّ أن نقترب نحوه، فيما تعلو وجهه ابتسامة عريضة يعلوها شارب مشذّب بعناية – ذاك الشارب الذي كان شائعاً لدى الرجال في سوريا في أواخر التسعينيات، والذي لا يزال يزيّن وجوه بعض الرجال في سوريا والعراق حتى اليوم. كنّا أنا وصديقي نسير على الكورنيش غربا، كانت الساعة الثامنة إلّا ربع، وكنّا لا نزال بالقرب من مسجد عين المريسة. كان علينا أن نسرع في مشينا لكي نلحق موعد العشاء الذي دعينا إليه في المنارة عند الساعة الثامنة، كان علينا أن نسرع الخطى، ولم تكن دعوة ذاك الرجل الوسيم لنا جزءاً من خطّتنا لتلك الليلة.

أكملنا مشينا على الرصيف الواسع، ومررنا قرب العائلات التي تأركل تحت يافطةٍ لبلديّة بيروت كتب عليها “ممنوع الأراكيل”، ثمّ مرّت من قربنا عداءةٌ بلباسٍ وعتادٍ كاملٍ من ماركة lululemon. كانت أسرع منّا، نحن الذين نمشي مسرعين. ننظر إلى الصيّادين الواقفين في أماكنهم المعتادة، قرب ميناء الصيد القديم، متسائلَيْن عمّا (أو عمّن) سيصطادون الليلة. نخفّف من سرعة مشينا قرب الصبية الذين يترامون على رؤوسهم (أو بطونهم) من سياج الكورنيش إلى البحر. كم يبلغ ارتفاع هذه القفزة؟ عشرون متراً ربّما؟ تسألني الصبيّة الجالسة على الأرض ورضيعها في حضنها إن كنت أريد أن أشتري العلكة منها، كما كلّ مرة، لأجيبها “غير مرّة”.

كما أنا، صديقي فلسطينيّ الأصل، لكنّه عاش مثلي أغلب حياته في الخارج، أردت أن أشرح له كيف “يزبّط” الشبان بعضهم البعض على هذا الرصيف الواسع في المدينة، مغتنماً أصوات الموج الهائج، وزحمة السيارات التي حجبت أصواتنا وأعطت حديثنا القليل من الخصوصية.

نقطع أنفاسنا حين نمرّ قرب المجرور الذي يرمي أحماله في الماء مباشرةً، محاولين أن نقنع أنفسنا بأنّ المياه الخارجة منه ليست سوى مياه العاصفة، لكنّ الرائحة لا تترك لنا مجالاً لكيّ نصدّق ما نقول. كنّا في أواخر الشتاء، ولم يكن شاطئ الجامعة الأمريكيّة قد فتح أبوابه رسميّاَ ككلّ عام، لكنّنا عمدنا حين مررنا قربه أن نمعن النظر بالرجال الذين احتلوا الشاطئ، وهم يمارسون رياضاتهم المختلفة على أرضه الاسمنتيّة. رأينا شاباً يختبأ خلف باقةٍ ضخمةٍ من البلاوين الملوّنة التي تشع منها أضواء الـ LED. كان يبيعها للأطفال والعشّاق الذين يخرجون في موعدهم الأول، وكان يشبه شخصيات أفلام ميازاكي. بعدها رأينا شابّاً وشابةً من البشرة السوداء، يميلان على سياج الكورنيش، تارةً ينظران إلى البحر، وتارةً أخرى ينظران إلى بعضهما، ربّما لتجنّب نظرات المارّة الثقيلة. كان الإسمنت تحت أرجلنا يتزينّ بعلامات تحدّد الطريق للدراجات الهوائيّة، لكنّها إشارات لا تعني الكثير للمارّة أو حتّى للدرّاجين على الكورنيش، لكنّني رغم ذلك، استغربت بأنّ الحوادث والتصادمات بين المارّة والدرّاجين لم تحدث قط، لحد الآن.

نمسح بنظرنا الناس على الكورنيش، أفكّر: إن أمسكت يد صديقي، هل سيرانا الناس كسوريين؟ أم أنّهم سيرونا أولًا كهومويات؟ هل كنّا نريد أن نضع أنفسنا في خطرٍ كهذا؟ عمليّا، أنا سوري، لكنّني لا أظن أنّ المارّة على الكورنيش سيفطنون إلى ذلك مباشرة.

صارت الساعة الثامنة، في العادة كنت لأمشي مع صديقي مسافة الـ ٤،٨ كيلومتر من الرصيف، وكنّا لنستقبل اللقاءات التي يتيحها الكورنيش بصدرٍ رحب، لكنّنا فضّلنا أن نصعد في الباص رقم ١٥، والذي سيسرّع من وصولنا إلى المنارة. دفعنا ألف ليرة ثمن تذكرة الباص في تلك الفترة التي تبدو الآن مختلفةً بعيدة، الفترة قبل الانهيار المالي في ٢٠١٩.

***

سرعان ما أتى السابع عشر من تشرين الأوّل، واحتشد الناس في ساحات الاحتجاج وأعادوها إلى كنفهم. فجأة، لم يعد الكورنيش المساحة العامّة الوحيدة في المدينة. عاد الوسط التجاريّ لبيروت ليُسمى باسمه الأصلي، وسط البلد، وتحوّل من شوارع متصلّة إلى شبكةٍ واسعةٍ من الأرصفة. حتّى الرينغ، ذاك الأوتوستراد المكتظ، صار رصيفاً (أو غرفة جلوس، عندما افترشه المحتجّون ووضعوا فيه أثاثاً يليق بصالون حقيقي). صارت حياة الكورنيش تجري هنا أيضاً: الباعة، والاستجمام، وحتّى الرياضة والركض، ذهاباً وإياباً نحو خطوط الشرطة وقنابل الغاز المسيّل للدموع.

“التزبيط” صار يحدث هنا أيضاً، وبشدّة، لأنّنا كنّا متواجدين بكثرةٍ في الخطوط الأماميّة. رُشّ على علبة تحويل الهاتف العام تحت جسر الرينغ، مقابل الكنيسة الأرمنيّة الكاثوليكيّة، عبارة “ثورة قوم لوط”. لم أكن واثقًا إن كان الفنان (أم هل هي فنّانة؟) الذي رش تلك العبارة (لأن من رشّ تلك العبارة لا بد أن يكون فنانًا بالغريزة) يعلن عن جنسانيته، أم إذا كانت عبارةً تسخر من المحتجين، أم الاثنين معاً؟

في كتابه المعنون “زعزعة المدينة” (Unsettling the City)، يستقرئ نيكولاس بلوملي مثل هذه المداخلات العامة وكأنّها نوعٌ من الصلاة والترجّي، فهل كان ذلك حال تلك العبارة؟ هل هي أمنيةٌ بأن تحلّ الاحتجاجات الهائجة محل موكب فخر بيروت الذي فشل مراراً وتكراراً؟ أهي أمنيةٌ لإعادة تشكيل التوازنات الهشّة للعلاقات الاجتماعية التي شكّلت المدينة حتّى يومنا هذا؟

“من الصيفي: ثورة قوم لوط” صورة من حساب Sanaakhouri (Twitter)@

يقع هذا الرجاء، في واحدةٍ من أكثر المناطق ازدحاماً في المدينة، تحت جسر الرينغ المحاط بالأوتوسترادات وفانات رقم ٤ المسرعة، وهي منطقة تكره المشاة بشدّة. طوال أيّام حوّل المحتجون وسط المدينة إلى مكان مخصّصٍ للمشاة، بدلاً من السيارات، مبطئين حركة الناس والأشياء في نسيج المدينة، ومُجبرين الجميع على التمهل، والنظر، وتأمّل ما يحصل في الشارع. حوّل هذا الرجاء منطقة أسفل الجسر إلى مكانٍ للإشتباك البطيء، داعياً إيّانا لرؤيته، وهو يرانا بدوره، و​بطريقةٍ ما يتحوّل إلى إعادة تصوّرٍ للمواطنة الحضريّة، إذ ابتعدت عن مقاصدها الأصلية، لتحلّ محلّها مساحة من الاحتمال.

***

تعتبر الأرصفة مساحات فريدة في المدينة، لأنّها فاصل تمشي بسرعة الأنسان، وتقف بين المباني الثابتة (مع العلم بأنّ المباني في بيروت سُرعان ما تُهدم وتتغيّر)، وبين سرعة سيّارات الشارع (مع أنّ السيّارات قد تتحرّك أبطأ من المشاة في زحمة شوارع بيروت). دُفع بالمشاة، الذين احتلوا -من فترة ليست ببعيدة- الشوارع بأكملها إلى الهوامش، لذا تكون الهوامش المتبقّية ثمينةً جدا، إذ تُمكّننا، نحن البشر -المكوّنين من لحمٍ ودم، والسّائرين بسرعة أقل من متر في الثانية، بأدمغتنا التي تحلّل المعلومات بشكلٍ أبطأ حتّى- من الالتقاء.

على الطرف الآخر من طيف استخدامات الرصيف، تقع مدينةٌ أخرى من مدن البحر الأبيض المتوسط، مدينة على علاقةٍ ملتبسةٍ بالمياه التي أوجدتها، ألا وهي البندقيّة. لا يوجد في البندقيّة سوى أرصفةٌ للمشاة، عندما تمشي على قدميك للتنقل في أنحاء المدينة، تراها تكشف عن نفسها بحميميّةٍ وبألفةٍ فوريّة. يجرّك الرصيف إلى نسيج المدينة، ويحتضنك وأنت تتنقل فيها، فتصبح اللقاءات البشريّة الحال السائد في المدينة، إلى حدٍّ مزعجٍ أحياناً.

لكنّ أرصفة بيروت – حيثما وُجدت- تشتهر بأنّها غير صالحةٍ للاستعمال، لذا لا نستغرب عند رؤية الآباء والأمهات إذ يختارون دفع عربة أطفالهم في الشارع بدلاً من الرصيف، وعندما نرى الناس وهم يساعدون بعضهم البعض، لتسلّق حواجز الأرصفة المرتفعة بشكلٍ هزلي. لكنّني أتساءل أحياناً ما إذا كانت المدينة تتعمّد عرقلة مواطنيها في وظائفهم الأساسية – مثل المشي من مكانٍ إلى آخر- وبأن تحوّل نفسها إلى مساحة لصراعٍ مستمر. هل تريدنا هذه المدينة أن نعاني لكي نثور؟ هل تزدحم الأرصفة بالعقبات كدعوةٍ للتكافل؟ أم أنّها عقوبة مدفوعةٌ بنفس المنطق الذي تحرم المدينة من خلاله العديد من سكّانها الضعفاء – الفلسطينيين واللاجئين والمهاجرين – وكأنّها تجبرهم على حياة بائسة بالقوة؟

وإذا كانت الأرصفة بنى تحتيّة للرعاية، فهل يعني غيابها، تعمّد الإهمال؟

***

تتّصل ساحة الثورة بالكورنيش بعدّة أرصفة تمّت صيانتها بشكلٍ عشوائي.

أخذ طريق الرينغ عائدًا، متّجهًا نحو الغرب، ثم أمشي على الرصيف الذي يحاذي الأوتوستراد من جهة، والمنطقة العسكريّة الشديدة الحراسة من جهة أخرى. أتذكّر هنا، أن تلك المجموعات المشكّلة من مواقف السيارات، والمباني المرمّمة بشكلٍ غريب، والمنازل الفخمة، كانت فيما مضى حيّ اليهود في بيروت. أمشي -كما لم يتجرأ الكثيرون- بمحاذاة مسار فان رقم ٤، وأحسّ بالفجوة التي تركها غياب أولئك الذين عاشوا هنا منذ زمنٍ ليس بعيد جدّاً، أفكّر في اللقاءات التي كانت لتحدث على هذا الرصيف، والتي لن تحدث .

ثمّة غيابٌ ناتجٌ عن إخلاء/طرد اليهود من بيروت، غيابٌ مزّق النسيج العمراني، وحوّل حيّهم إلى مواقف للسيارات، لن نعرف أبداً ماهيّة اللقاءات التي لن نعيشها في هذا الشارع.

***

تمنحنا الأرصفة فرصةً للّقاء، سواءً كانت هذه اللقاءات ثورية أو جنسيّة بالسر (وهي أيضاً فعلٌ ثوريٌ بطريقة ما)، وهكذا، تصبح الأرصفة بنى تحتيّة للرعاية، وفي عالم تسرّع فيه السيارات تباعدنا، حيث يجلس الناس معزولين في علب موتهم الميكانيكيّة المكيّفة والمبنيّة من زجاجٍ ومعدن فوق أربعة دواليب، نحتفظ، نحن المشاة، بالأرصفة بين الأبنية حيث نمشي دون خوف (نسبيّاً). يخبرنا الرصيف بأنّنا لسنا وحدنا، نظريّاً على الأقل، وبأنّ المساحة الهامشيّة بين المباني الثابتة والطريق السريع هي لنا، لكي نتحرك على سجيّتنا، ولكي نلتقي، بالأجساد والعيون، ولكي نمسك بأيدي بعضنا البعض. وأحيانًا، لكي تعاود النظر لتتأكّد من أنّ الرجل صاحب الشارب المشذّب ما زال ينظر نحوك باهتمام.

ضمن محور ح.ر.ق

لا أحد سيعرف يوماً ما معنى أن تكون شبحاً

العمل الفني: مكسيم حوراني, لقطة من "هومو فينيس", فيلم, ٢٠٢١

ترجمة: حسين ناصر الدين

في ليلة 22 كانون الأول 1984، غابت أمّيّ عن وعيها كليّاً بعدما أبلغ طبيبها النسائي، الذي كان مخموراً ليلتها في سهرة الميلاد، توجيهاته للممرّضة عبر الهاتف لإعطاءها مخدّراً عاماً بدل المخدّر الموضعي.
عندما وصل الطبيب في الصباح وقام بعمليّة التوليد، أنجبت أمّيّ طفلاً يُطلق عليه بالمصطلحات الطبيّة تسمية “طفل أزرق”. أوضحوا لأمّيّ أنّ أخي كان أزرق اللون بسبب شذوذٍ في القلب وأنّه سيتحسن بعد وضعه في الحاضنة.
وجّهت عائلتي رسالة شكرٍ للطبيب الذي يمتلك المستشفى عبر جريدة الأهرام. لكن، وبعد أشهرٍ قليلةٍ بدأ المولود يضعف بين ذراعي والدته، ولم يعد باستطاعته أن يبقي رأسه مرتفعاً، وأخذت عظامه بالضمور. خلال وقتٍ قصير، انعدمت قدرته على المشيّ وعلى الكلام وحتّى على التعرّف على أيّ شخص.
جاءت نتائج تشخيص الأطباء في أمستردام، ولندن، ونيويورك، وبوسطن، وإسطنبول مغايرةً لتشخيص الأطباء في القاهرة: كان القلب سليماً فيما تكمن المشكلة في الدماغ المتضرّر بشكلٍ كبير إثر عملية الولادة. بسبب حرمانه من الأكسجين، ماتت الخلايا الحيّة في دماغ المولود الجديد باستثناء قلّة قليلةٍ منها. سيجعله ذلك على مدى الثمانية والثلاثين عاماً التالية يعيش عند الحد الفاصل بين الموت وأن يموت. بعد عدّة سنوات، سمعت حديثاً للفيلسوف جلال توفيق يقول فيه: “أن تموت قبل أن تموت هو أن تدرك ما أنت عليه بالفعل: ميت بينما لا يزال جسدك حيّاً، فان”.
الهالك هو شيءٌ معرّضٌ للموت والموت حيٌّ فيه وهو على قيد الحياة. عندما كنت في الخامسة من عمري، كنت مثل توما في لوحة كارافاجيو “شكوك القديس توماس”، لكن عدم ثقتنا كان مختلفاً. على عكس المشكّك الراسخ، الذي اخترقت سبّابته جرح المسيح لرفضه الإيمان بدون لمس الجروح مباشرةً للتأكّد من حقيقتها، نكأت جرح أمّيّ العميق من أجل تفسيرٍ نظريٍ ومجرّد. سألتها إذا كان أخي يعرف ما هو اللون؟ أو يميّز الرائحة الكريهة؟ هل يعرف ما هو الجبل الذهبيّ؟ هل يمكنه أن يجمع في ذهنه فكرة الذهب وفكرة الجبل؟ أردت أن أسمع عن الإدراك والاعتراف والأسباب والعواقب. هل ينتمي إلى عالم الأشياء – المواد غير العضوية والخام – أم عالم البشر واللغة؟ لماذا أتعرّف عليه ويستطيع هو أن يتعرّف عليّ؟
وكيف لا يتعرّف عليكِ، أنتِ، والدته؟ كانت أمّيّ تنفجر بالبكاء أحياناً، ولكنّها في أغلب الأحيان تردّ بإجاباتٍ مراوغة. لم تتحدّث أبداً عن الإعاقة أو المساءلة المؤسّسيّة. كثيرا ما أحالتني إلى الله، لطالما قالت لي: “اذهبي إلى الله، تحدّثي إلى الله. إن شاء الله سيتحسن”. صلواتٌ وآياتٌ وخيول طروادة. صلّيت وانتظرت ولمّحت إلى الله أنّه الوقت المناسب للتدخّل. كنت أستيقظ بشكلٍ منتظمٍ في منتصف الليل للتحقّق ممّا إذا كان قد استيقظ أخيرا. كلّ ما كنت أهتمّ به هو أن أشهد حدوث ذلك أمام والديّ، لأكون رسول الأخبار السارّة والوسيط الوحيد. تغيّرت المراتب والأغطية، لكنّ جسده ظلّ في نفس الزاوية في غرفة المعيشة طوال ثمانيةٍ وثلاثين عاما.
لم تُدخل والدتي أخي إلى المستشفى يوماً لأنّها لم تثق بالمستشفيات، فتحوّلت إلى مؤسسة، إذ لم يكن بمقدور أيّ مؤسّسة أن تكون أمّاً. لم يكن لدى أخي بطاقة هويّةٍ قط لأنّه لم يقابل شرطيّاً قط. لم تلتقِ عيناه يوماً بعينيّ.
كان يعاني من تقرّحات الفراش كأنّه في التسعين من عمره، وهو ما يزال في الثانية عشرة من عمره. تتحرّك الأعضاء والعظام التي تضغط بشدّة على الجلد لتتحوّل إلى هالةٍ رقيقةٍ من اللون الأبيض الورديّ. تضغط الأعضاء الخاملة والعظام بشدّة على الجلد، فتدمغه بهالاتٍ رقيقةٍ من اللون الأبيض الورديّ.
تقرّحات الفراش علامةٌ على الانفصال تشير إلى أنّ الجسد لم يعد كتلةً واحدة، بل أصبح أجزاءً منفصلة: القلب والعظام والكلى التي تضطهد الجلد تحت وزنها. لو كان وزن عظامنا أقلّ من وزن بشرتنا فلن تكون تقرّحات الفراش ذات قيمة.
أعطاني هذا الوضع من عدم التعارف المتبادل والمعرفة من طرفٍ واحدٍ خلال سنوات مراهقتي شعوراً بالتفوّق الفطري. تكرّرت عبارة “وحش لعين” في صفحات مذكراتي. في المنزل، كنت أرفض الجلوس في غرفة المعيشة، مدّعيةً أنّ رائحة لعابه الذي يسيل من فمه تجعلني أشعر بالغثيان.
في المدرسة، كان صدى صراخه يتردّد في أذني. كنت أرتعد خوفاً من فكرة أن يرى أحد أصدقائي تشوّهاته الخلقيّة، وانحراف حوضه، وقدمه اليمنى التي انقلبت إلى الداخل وإلى الأعلى بشكل ملحوظ، فأخفيته عن كلّ عين وكذبت في كلّ مناسبة: يرتاد أخي مدرسةً مجاورة، وهو لاعب وسط في فريق كرة القدم، يستمع إلى جوي ديفيزيون Joy Division، لديه صديقةٌ لها أصول إنجليزية. في أحد الأيام، قام صديقان بجرّي إلى ملعب كرة القدم خلال زيارةٍ لإحدى المدارس المجاورة للمشاركة في بطولة لكرة القدم، فأشرت إلى صبيٍّ بقصّة شعرٍ عصريّة (سبايكي)، وشعرت بالفخر لأنّ أخي المزيّف كان على هذه الشاكلة[1].
كنت أشغّل الأفلام الإباحيّة على التلفاز وأرفع الصوت، ثمّ أحلّ حفاضاته لأرى ما إذا كان سيحصل لديه انتصاب. الكذب هو افتراض موقفٍ أفقي، لكنّه خداع أيضاً.
اعتقدت في بعض الأحيان أنّه كان يتظاهر، أنّ وجوده بالكامل كان مجرد كذبة. في أحيانٍ أخرى، استلقيت في وضعيّاتٍ ملتويةٍ بجانبه على الأرض، محدّقةً في نفس الجزء من السقف، محاولةً ألّا أحرّك ولو عضلة واحدة في جسمي. حاولت بلا كللٍ أن أقرّب المسافة بين تجربته وتجربتي، لتسطيح عوالمنا المنفصلة في عالمٍ منكمش.ليتني استطيع الخروج من نفسي لأعرف كيف سيكون شعوري لو كنت في جسده. لو كان بإمكاني فقط أن أصير جثّةً حيّة، شبحاً، لأعيش حياةً خاليةً من الحياة، عندها فقط يمكنني أن أفهم تجربته. بدون لغة، أن أكون هو، إنّها الطريقة الوحيدة لفهمه. بعد عقود، علمت أن الدفع باتجاه إلغاء اختلافاتنا سيؤدي مراراً وتكراراً إلى طريق مسدود، وأنّ التجربة المباشرة لا يمكن أن تكون المنطلق الوحيد للمعرفة بأنّ هناك طرقاً يمكننا أن نشعر بها ونتواصل مع بعضنا البعض من دون أن نكون بعضنا البعض، وأن اختلافاتنا ضرورةٌ حتميّة.
لست متأكّدةً ممّا إذا كنت قد فشلت في التحدّث إلى الله لأنّني فشلت في التحدّث مع أخي، أم أنّي قد فشلت في التحدث مع أخي لأنّني فشلت في التحدّث مع الله.
لقد أتقنت فنّ العد وتحليل التكلفة والعائد. مثل الرأسماليين الذين قاموا خلال فترة جائحة كوفيد بفرز كبار السن، واعتبروهم غير جديرين بأجهزة التنفّس الصناعي، قمت باحتساب رعاية والدتي ولم أستطع استيعاب اختلالاتها. عدد مرّات إطعامه: 3 مرّات في اليوم × 30 يوماً في الشهر = 90 × 12 شهراً في السنة = 1080 × 20، و25، و30، والآن 38 عاماً. حتّى اليوم، تكون قد قامت بإطعامه 41040 مرة.
لم أفهم الطريقة التي قطعت بها والدتي المساواة في القيمة عن تكافؤ القدرات، فكيف يجوز أن أحصل على الأقل وأنا أكثر قيمةً منه بكثير؟ بماذا ترتبط اقتصاداتنا ذات القيمة؟ لفترةٍ من الوقت، اعتقدت أنّ أمّيّ وأنا نملك منظورين غير متوافقين للقيمة. كنت أرى أنّ القيمة مرتبطةٌ بالمجالات الاجتماعيّة (الاعتراف المتبادل والمدرسة والحب)، بينما رأت هي أنّها مرتبطةٌ بالعبء الضروري لاستمرار الحياة. بعد عقود، من خلال أعمال ماركس، أدركت أنّ هذه الأمور لم تكن منفصلةً تماماً.
عندما وصلت في الولايات المتحدة إلى مرحلة التخرّج، كانت الفصول الدراسيّة تهيمن عليها نظريةٌ تخجل من الوعي البشريّ والوكالة: هل يمكن أن يتحدّث البعوض؟ هل يمكن لمحار الأسقلوب أن ينتقد؟ هل لدى خطوط الأنابيب وكالة؟[2] وكان الهدف من ذلك هو إيجاد عالمٍ سابق للحداثة ومسبق للفرد يكون فيه البشر وغير البشر مجرّد جهاتٍ فاعلةٍ متساويةٍ في فخٍّ أحاديٍّ عائمٍ وحرّ.
نظريّةٌ لا يمكن تحقيقها إلّا بخطابات ما قبل الحداثة، “نوعٌ من الروحانيّة بدون آلهة”، كما قال سلافوي جيجيك[3]. على الرغم من أنّ معاداة الإنسانيّة لم تكن شيئاً جديداً (أخبرنا هايدجر وفرويد ونيتشه منذ فترةٍ طويلةٍ أنّ البشر مدفوعون أساساً برغباتٍ غير عقلانيّة وغير واعية)، فقد وجدت المناقشات في الفصل دون نتيجة وأكثر كآبة.
ظهر إحباطي بوضوح خلال مكالماتي عبر سكايب مع والدتي، التي لم تكره شيئاً في الحياة أكثر من الفلسفة: “أمّيّ، يريد رفاقي التخلّص من الإنسان. إنّهم يريدون فلسفة العقول الطفوليّة، طفلٌ من اللاتينية في “لا” والخيال من فاري “يتكلّم”، لا يتحدّث ولا يحكم. إنّهم يزعمون أنّ الوعي ينتمي إلى عالم الحداثة. “لكن لا يمكنك التخلّص من شيءٍ لم تملكه من قبل”[4].
لم تفهم والدتي المغزى، لم تكن القضيّة تتعلّق بتخلّي الغرب المتميّز عن الفئات العالميّة التي كان قد أرغم العالم عليها ذات مرة من خلال نشر أصولها التربويّة. في كتابها المذهل “الإنسانيّة القانونيّة”، أعادت سامرة اسمير قراءة فانون لتخبرنا أنّ الإنسان كان حاضراً دائماً على الرغم من ادّعاء الاستعمار غيابه.
تقول اسمير في كتاباتها عن إدخال القانون الحديث في مصر الاستعمارية، إنّ عنف المنطق الاستعماري يكمن في أنّه يفترض “الإنسانيّة” كشيءٍ يمكن مصادرته أو منحه. إنّه يحتكر مفهوم الإنسانيّة. إنّه يعلن عن إضفاء الطابع الإنسانيّ على المستعمَر، وكأنّهم لم يكونوا بشراً من الأساس[5].
تريد اسمير أن توضح لنا أنّ مشروع “الإنسانيّة” هذا قد محى فهم “الإنسان” الذي كان حاضراً في التقليد الصوفيّ الإسلاميّ، والذي لا علاقة له بتعريفنا الضيّق للوعي والفاعليّة. كان الإنسان “العضويّ وغير العضويّ – النجوم والصخور والنباتات”، وكان “الحجر في الجبل”. تريد أن توضح لنا أنّ اللحظة العنيفة في التاريخ الاستعماري لم تكن أن المُسْتَعْمَر قد تم استبعاده من “الإنسانيّة العالميّة” (مثل ما ادّعى الشاعر المناهض للاستعمار إيميه سيزير)، ولكن تمّ تضمينها في الفئات العالميّة على وجه التحديد. في مثل هذه الأدراج، تمّ القضاء على التقاليد الأخرى، فكان المخرج في هذه الحالة القضاء على الكونيّ والتراجع إلى عالم التقاليد.
ولكن أيّ تقليدٍ علينا إنقاذه وأيّ تقليدٍ عالميٍّ نستبعد؟ وهل يكون ما نحتاجه هو وحدةٌ مع العالم من دون أيّ تمايزٍ أو فهمٍ للاستقلاليّة والكرامة، والإفراج عمّا نحتاج إليه؟ هل الإنسانيّة العالميّة مفهومٌ من جانبٍ واحدٍ يجب تطهيره دفعةً واحدة؟
نحتاج في الواقع إلى أمرٍ عالميٍّ للقدرة على التحدّث إلى بعضنا البعض عن نفاق الإطار، لنتمكّن من الإشارة إلى الاستثناء. لاستيعاب الاستثناء يجب أن ندرك ما هو العالميّ. هو: مفهوم متسامي، غير ثابتٍ أبدا، يُتاح لنا جميعاً الطعن به وتعديله وتغييره. لسنا بحاجةٍ إلى الوحدة مع العالم. نحن بحاجة إلى المسؤوليّة. لا يمكن للصخور والنجوم والأنهار أن توقف المكتنزين، ولا أن تفرج عن السجناء، ولا يمكنها بناء مؤسّسات لإيواء ورعاية من يحتاجون إليها.
يعتمد وجود أخي، على عكس الصخور التي يمكن أن تتراكم على الشاطئ، أو الحيوانات التي يمكن أن تجوب الشوارع للحصول على القوت، على عمل والدتي، على قدرتها على خلق الحياة[6].
يتمتّع أولئك الذين يخلقون الحياة وأولئك الذين لا يستطيعون خلق الحياة بالكثير من القواسم المشتركة، وهي أكثر ممّا نتخيّل. في عام 1983، طرح جي سي روميز جدلاً بأنّ الاغتراب الناتج عن الإعاقة لا يختلف عن الاغتراب الناتج عن الاستغلال الرأسمالي[7]. بطريقةٍ ما، يتشارك العمّال المستغَلّين بشدّة والذين يجعلون حياة الآخرين ممكنة، والأفراد المعوّقين غير القادرين على جعل حياتهم ممكنة، عوالم متشابهة: تكمن قيمة الفئة الأولى في قدرتها القابلة للاستخراج، فيما تكمن قيمة الفئة الثانيّة في إعاقتهم غير القابلة للانفصال. قد يكون هذا هو المعنى لجعل إعادة إنتاج الحياة مشتركةً بين الجميع. إنّها فكرةٌ صادفتها أيضاً في أعمال الفيلسوف السوفييتي إيفالد إلينكوف. إلينكوف هو أحد الشخصيّات الرئيسيّة وراء تجربة زاغورسك، وهي حركة سوفيتيّة تركّزت على دراسة الإعاقة في التحليل الماركسيّ في الستينيّات[8]. لم تكن البشريّة الكونيّة، بالنسبة لإلينكوف، صورةً حديثةً للحريّة الخالصة أو شكلاً منفصلاً من التفكير، بل شخصيّة طفلٍ معوّق. وهو ليس الطفل المولود الأصيل الموجود قبل التاريخ وفوقه، ممّا يثبت أنّ الحداثة هي مصدر كلّ الشرور. بدلاً من ذلك، كان الطفل المعوّق في عمل إلينكوف وسيلةً لفتح الطبيعة المرجعية الذاتية لما يعنيه أن تكون قادراً في عالم رأسماليّ. ماذا يعني أن تكون قادراً في عالمٍ رأسماليّ، لفتح ما تعنيه الحياة حقّا[9]. إنّ إبقاء المعوّق على قيد الحياة يعني إدراك ماهيّة الحياة بالفعل: القدرة على منع الموتى من الموت، واستمراريّة الحياة العضويّة.
في العام الماضي، تعرّض أحد أصدقائي المقرّبين في مصر للاعتقال التعسفيّ واحتُجز في الحبس الانفرادي، ثمّ، ولحسن الحظ، أطلق سراحه بعد أسابيع نتيجةً للضغط الدولي على عكس الآلاف من السجناء الآخرين.
أخبرني عندما تحدّثت إليه عبر الهاتف، كيف أبقته المحادثات مع السجناء عبر الردهة سليم العقل، وكيف بنى علاقاتٍ حميمة مع أشخاص سمع أصواتهم من دون أن يراهم قط. كان هناك شيءٌ مذهلٌ في الطريقة التي روى بها تجربته خلال هذه الأسابيع. أخبرني كذلك، كيف مكّنته معرفته السابقة كباحثٍ في العدالة الجنائية من إدراك حقيقة ظروف السجون المصريّة قبل أن يدخلها في الواقع – جعل ذلك تجربته أقلّ عنفاً بطريقةٍ ما. كان يعرف، بطريقة ما، قبل أن يعرف بالفعل.
أن تدرك قبل المعرفة الفعليّة هو أن تصير مدركاً لما هي التجربة حقّاً: مفهومٌ مفتوحٌ لا يمكن فهمه خارج الوساطة واللغة والاختلاف. في محاضراته عن التاريخ والحرية، يروي أدورنو لطلّابه قصّة تفتيش الشرطة لمنزله في ألمانيا النازيّة.
إنّ تجربة مثل هذا الحدث، حيث يمكن للمرء أن يختفي دون أن يبقى له أثر أو أن يركض لينجو بحياته، هي أخطر بكثيرٍ من أيّ تفسيرٍ يمكن أن تقدّمه صحيفة، أو يمكن أن تقدّمه أيّ نظريّة. بعبارةٍ أخرى، عندما نختبر شيئاً ما، يكون لهذه المعرفة المباشرة القدرة على إعطاء معنى أكبر لنا من النظريّة البحتة. المشكلة هي أنّ هذه المعرفة المباشرة، والتي من المهم التمسّك بها، ليست أكثر من ذلك. بعبارةٍ أخرى، عندما نختبر شيئاً ما فإنّ هذه المعرفة المباشرة لديها القدرة على إعطائنا معنى أكبر من النظريّة البحتة.
المشكلة هي أنّ هذه المعرفة المباشرة، والتي من المهم التمسك بها، ليست أكثر من تجربتنا المباشرة، فلا يمكن فهمها إلّا ضمن سياقٍ أكبر يتجلّى بعد ذلك في هذه الحقائق الفرديّة. يقول أدورنو شيئاً مهماً حول ذلك: لم يكن ليختبر تجربة تفتيش منزله بالطريقة التي عاشها لو لم يربطها في ذهنه بالتغييرات في الحكومة وقوانين الطوارئ التي جعلها النازيّون دائمة وإلغاء تدابير السلامة. كان يعرف عنها مسبقاً. يضيف: “لو حدث كلّ ذلك، لو أنّ ضابطين غير مؤذيين من أفراد قوّة الشرطة القديمة قد وصلوا إلى عتبة بابي، وإذا لم يكن لديّ أيّ علمٍ بالتغيير الكامل في النظام السياسي، فإنّ تجربتي كانت لتكون مختلفةً تماماً عما كانت عليه”. وبالمثل، لا يمكن لأحد أن يدرك بشكل كامل أهوال النظام الاستبداديّ إذا لم يكن قد عانى من تلك الطرق المشؤومة على الباب ليجد الشرطة تنتظره في الخارج[10].
بعبارةٍ أخرى، علينا مقاومة تحويل التجربة المباشرة إلى صورةٍ أساسيّةٍ للسياسة. واجهت في الولايات المتحدة، الخطاب السياسيّ أولاً، والمتمثّل في البقاء في مسارك على نطاقٍ واسع إن كان في السياق التنظيميّ أو الأكاديميّ، حيث تستمد الشرعيّة في المقام الأول من “من أنت” و”ما هي مكانتك” إذا جاز التعبير، وليس من قوة خطابك[11][12]. كثيراً ما نسمع عبارات مثل “لا يمكن للرجل أن يعرف ماذا يعني أن تكون امرأة، كما لا يمكن لأبيضٍ أن يفهم كيف يكون الحال عندما تكون أسوداً، لا يمكن لأيّ شخصٍ عاديّ الميول أن يعرف ما حال أن تكون مثليّ”. تنتج هذه الخطابات الانعزاليّة طرقاً سياسيّةً مسدودة. وقد عشت معظم فترات حياتي من دون أن أشعر ما معنى أن تكون شبحاً. علّمني الشبح أنّ الواقع أكثر تعقيداً من تجربة سماع جرس الباب.
الواقع هو الحياة التي يعيشها المعوّق والأنثى وذوي البشرة السوداء، والواقع هو طبيعة النظام ككل، النظام الذي يسمح لرجال الشرطة بخطفنا من منازلنا، وهو العيش في عالمٍ حيث أجساد المعوّقين منعزلة، حيث يصبح العمّال المستغَلّين معوّقين، وحيث تتحوّل الأمّهات إلى مؤسّسات، وحيث تتغلغل العنصريّة والتحيّز الجنسيّ في كلّ علاقاتنا.
لن يعرف أحدٌ أبداً ما معنى أن يكون أيّ شخصٍ آخر. سيكون هناك دائماً من هو أكثر عرضةً للتمييز. يقول أدورنو إنّ “الفوريّة الزائفة تقنعنا بأخذ التجربة وتحويلها إلى مطلقة”. يكمن عملنا في عدم نفيها لصالح الوساطة، ولا المبالغة في الوساطة، أي أن نقول ببساطةٍ أنّه بإمكاننا الحفاظ على التوتّر بين الاثنين.


[1]  توفيق جلال. “إطلاق كتاب في نيويورك: جلال توفيق ، ما الذي كنت أفكر فيه؟ eflux / محاضرة للمؤلف ومحادثة مع وليد رعد.” ، 28 فبراير، 2018. https://www.e-flux.com/live/177299/new-york-book-launch-jalal-toufic-what-was-i-thinking-lecture-by-the-author-and-conversation-with-walid-raad/

[2]  وفقاً لهيجل، فإنّ فشل الاعتراف المتبادل يؤدّي إلى أحاديّة الجانب، والانحياز هو حالة من العظمة والذنب في نفس الوقت. هذا هو ما يحدّد المأساة بالنسبة له. تنشأ المأساة عندما يكون الخلاف بين موقفين، كل منهما مبرر، لكن كلّ منهما مخطئ لدرجة أنّه لا يعترف بصحة الآخر. كما يشرح مارك دبليو روش، “بالنسبة لمأساة هيجل هي تضارب بين موقفين جوهريين، كل منهما مبرر، لكن كل منهما خاطئ لدرجة أنه لا يعترف بصحة الموقف الآخر أو يمنح، إنّها لحظة الحقيقة. لا يمكن حلّ الصراع إلّا بسقوط البطل”. كيف نفهم الأشكال الأخرى للانحياز التي لا تستند بالضرورة إلى علاقات أجيال؟ كيف نفكّر في أحاديّة الجانب عندما لا يكون هناك بطل؟ روش، مارك دبليو “مقدمة لنظرية المأساة لهيجل.” ^ PhaenEx ، 1.2 ، 2006 ، ص 11 – 20.

[3] يعود المرجع إلى تيموثي ميتشل وميشيل كالون وأندرو باري على التوالي.

[4]  جيجك ، سلافوي. الارتداد المطلق: نحو أساس جديد للمادية الجدلية. فيرسو ، 2015 ، ص 9.

[5] يقدم أدورنو شرحاً جيداً عن سبب وصول مثل هذا التفكير (الأنطولوجي أو الهايدجري) إلى طريق مسدود في قسم “سؤال الطفل” في الديالكتيك السلبي، ص. 110. يشرح كيف تنتهي العودة إلى “طفولة النوع” إلى أن تكون في حالة قبل وفوق الوقت. إن سذاجة مثل هذا التفكير هي في الواقع غير ساذجة. لمناقشة كيفية استخدام المادية الجديدة هذه الحجة الطفل أنظر. بنجامين بويسن ، “إحراج أن تكون إنساناً: نقد للمادية الجديدة  يقدم أدورنو شرحًا جيدًا عن سبب وصول مثل هذا التفكير (الأنطولوجي أو الهايدجري) إلى طريق مسدود في قسم “سؤال الطفل” في الديالكتيك السلبي ، ص. 110. يشرح كيف تنتهي العودة إلى “طفولة النوع” إلى أن تكون في حالة قبل وفوق الوقت. إن سذاجة مثل هذا التفكير هي في الواقع غير ساذجة. لمناقشة كيفية استخدام المادية الجديدة هذه الحجة الطفل أنظر. بنجامين بويسن ، “إحراج أن تكون إنسانًا: نقد للمادية الجديدة وعلم الوجود الموجه للكائنات، Orbis Litterarum، المجلد. 73، لا. 3، 2018، ص 225 – 42. كروسريف، https://doi.org/10.1111/oli.12174.

[6]  هذه الفكرة التي تتبنى مفهوم “الإنسانية” كغاية مرغوبة، وليس وسيلة لتحقيق غاية، تأتي من منطق التنوير، وفقًا لإسمير، كما أوضحه إيمانويل كانط الشهير “الإنسانية هي غاية في حد ذاتها”. تكمن مشكلة إسمير في أن مثل هذا المفهوم للإنسانية موجود بين ثنائية (الغاية في حد ذاتها / الوسائل) التي تمنع سيناريو ثالثاً حيث لا يكون الإنسان وسيلة لتحقيق غاية، ولا غاية في حد ذاته، بل وسيلة “لتحقيق لا نهاية”. “وسيلة طاهرة” كما تقول “الإنسانية كوسيلة في حد ذاتها” انظر: إسمير، سميرة. الإنسانية القانونية: تاريخ استعماري. ستانفورد: مطبعة جامعة ستانفورد، 2012، ص. 75.

[7]  للحصول على مناقشة ممتازة لما أسماه ماركس في مخطوطات 1844 “الجسم غير العضوي” للإنسان، انظر بتلر، جوديث. “الجسد غير العضوي في ماركس المبكر: مفهوم محدود لمركزية الإنسان”، الفلسفة الراديكالية، المجلد. 2، رقم. 6 (2019)

[8]  تنتج الرأسمالية الصناعية الإعاقة على جبهتين. أولاً، من خلال التراكم الدائم للثروة، يطيل الرأسمالي يوم العمل ويزيد من استغلال عقل وجسد العامل. وكما قال كارل ماركس، صفحة بعد صفحة، في وصف طبقة الخزافين بأنّهم “أجيال من البشر الذين يعانون من التقزم وقصر العمر وسرعان ما تم استبدالهم بسرعة”، فإنهم قبيحو الشكل وغالباً ما يكونون ذوي شكل سيء عند الصدر؛ إنهم يتقدمون في السن قبل الأوان، وهم بالتأكيد لن يستمروا طويلاً… “هذه الأجيال سيئة التكوين غير قادرة على الحفاظ على هيئة عاملة عادية وعليها الانسحاب من العمل. في هذا الانسحاب، يصبحون معاقين في العمل. من ناحية أخرى، يتم استبعاد غير القادرين على العمل وتسريحهم. كتبت مارتا راسل: “القمع الأساسي للأشخاص ذوي الإعاقة هو استبعادهم من الاستغلال كعمّالٍ بأجر”. انظر راسل، مارتا. “العجز والقمع والاقتصاد السياسي”. مجلة دراسات سياسة الإعاقة، المجلد. 12، لا. 2 (2001)، ص. 88 وروميس، جي سي “الاغتراب كنتيجة للإعاقة: الأدلة المتناقضة وتفسيراتها”. علم اجتماع الصحة والمرض، لا. 5 (1983): ص 25-41.

[9]  رأى إلينكوف في مدرسة زاغورسك – وهي مدرسة داخلية سوفيتية للأطفال الصم و المكفوفين – فرصة للاعتراف بشخصية الطفل المعوق ككائن عالمي. في قراءة غير تقليدية لسبينوزا وهيجل وماركس، جادل في نظرية الجسد المفكر، الجسد الذي يدرك الأجسام الأخرى في الفضاء، كخاصية أساسيّة للوعي.

[10]  يستخدم كارل ماركس كلاً من مصطلح قوة العمل والقدرة على العمل (Arbeitskraft أو Arbeitsvermögen) بالتبادل، ولكن غالباً ما تستخدم الترجمات الإنجليزية مصطلح قوة العمل فقط.

[11]أدورنو ، تيودور. محاضرات عن التاريخ والحرية. كامبريدج ، بوليتي برس ، 2008 ، ص 20.

[12] جاي ، مارتن. “تجربة بدون موضوع: “والتر بنجامين والرواية” في الدلالات الثقافية: كلمات رئيسية في عصرنا. امهيرست ماس، 1998، ص 47-61

الإنسان المتسامي/ الإنسان العاديّ

العمل الفني: ألين ديشامب, "حفلة في الرملة البيضاء" مقتطف من سلسلة "أنا لست حيوانك" تصوير فوتوغرافي. 2021

ترجمة: حسين ناصر الدين

في وقتٍ مبكرٍ من صباح يومي الأخير في بيروت كان الدولار لا يزال يساوي 1500 ليرة لبنانية. مشيت قبيل الفجر باتجاه الكورنيش. كان الظلام مخيّماً، ووقفت أنتظر سيارة أجرة (سرڤيس) تقلّني إلى المطار. في اللغة الفارسية، نسمّي السماء قبل شروق الشمس: “الذئب والأغنام”(گرگ و میش).
إنّها على الأغلب عبارةٌ من صياغة الرعاة الذين كان من الصعب عليهم التمييز وقت الغسق بين الذئاب وأغنامهم. كنت أمرّ بنفس الحالة من عدم القدرة على تمييز الأشياء في ذهني، فيما أكمل سيري في الشوارع الهادئة باتجاه البحر.
لطالما كان وداع بيروت أمراً رومانسيّاً، ولطالما سمحت لي بيروت بأن أبالغ في وداعها.
لقول الوداع لبيروت، شعرت أنّه عليّ التفكير في شوارعها وأحيائها واحداً تلو الآخر واستحضار ذكريات كثافتها. كثافة المنازل والشوارع العريضة، والأسلاك الكهربائيّة المتشابكة، والسيّارات، والشرفات، وازدحام المشاة على الكورنيش.
فكّرت في حيّ الحمرا، أكثر مكان مشيت فيه في بيروت، وبكونه مزيجاً من الكثافات العديدة للمدينة، ونسيانه التام للماضي القريب، ومحافظته، مع ذلك، على ماضٍ بعيدٍ محيّ بالكامل في أيّ مكانٍ آخرٍ من المدينة.
بينما كنت في طريقي إلى الكورنيش في ذلك الصباح، كانت الكثافة الأكثر حيوية تلك التي حملتها معي من الليلة السابقة: صفٌ طويلٌ من راقصي الدبكة يتمايلون تحت مشاعل رياض الصلح الحمراء. كان الثوار يتحرّكون ببطءٍ ذهاباً وإياباً، مثل أمواج البحر، بانسجامٍ مع أغاني الشيخ إمام. كنت بينهم، ورقصت معهم.
كان البحر يظهر ببطءٍ بين المباني في أسفل الشارع. بدا ضوء النهار في صباح اليوم العاشر للثورة اللبنانية كأنّه يشرق من قاع البحر. كيف يبدأ الثوّار اليوم العاشر للثورة؟ من كان ثوار بيروت ذلك الصباح؟ في تلك الكتلة المجهولة التي اجتذبت مغناطيسيّاً المدينةً بأكملها، وأي نوع من البشر تشكّل يومها؟

رسوم توضيحية من كتاب المنصوري “تشريح بدن إنسان”, منصور ابن إلياس، ١٧٠٩، مسترجع من المكتبة الوطنية للطب.

في الأشهر الأولى على بدأ جائحة كورونا، ووسط ارتباكات لا تنتهي لمحاولة فهم العلاقة بين الفرد والجماعة، إضافةً إلى كل التصريحات العلمية المتناقضة التي تظهر في الأخبار، عدت إلى سلسلةٍ من الصور من كتاب تشريح المنصوري.
يعود تاريخ الكتاب ورسومه الإيضاحية المتضمنة إلى ما يقرب 700 عام، في محاولةٍ لوصف جسم الإنسان. تُظهر رسومه التوضيحية جسم الإنسان بأبعادٍ معيّنة: عيونٌ مفتوحة، وأذرعٌ قصيرةٌ وأرجلٌ منحنيةٌ على الجانبين، تنتشر مثل الخريطة لتظهر لنا سرّاً مخفيّاً داخل جسم الإنسان.
تُظهر الرسومات ذات الأبعاد عروقاً وأعصاباً وعظاماً مصغّرة، يرافقها أسلوب خاص في كتابة الشرح. شعرت وأنا أنظر إلى هذه الصور، كمّا لو أنّها المرّة الأولى التي يسعى فيها الإنسان إلى الدخول إلى جسده، كما لو كان يستكشف أسرار كهفٍ داخلي.
في الفترة التي ظهرت فيها الرسوم التوضيحية للمنصوري، راج تقليد الكتابة عن عجائب المخلوقات. استعملت الصور، في هذا التقليد على وجه الخصوص، كحدودٍ خارجيّةٍ للبشريّة، وحيث تختفي أيّ حدود بين الإنسان والحيوان. تمتلئ هذه النصوص بصور مخلوقاتٍ مُتخيَّلةٍ لم تكن موجودة من قبل وتُنسب إلى مناطق جغرافية غير معروفة. يمكن العثور في تصاوير هذه الحيوانات العجيبة على آثار للإنسان: يتم رسم عيون الحيوانات كما لو أنّها تنتمي إلى وجهٍ بشري، والكائنات الوسيطة تتشكلّ من نصف بشر ونصف حيوان.
قيل لنا إنّ الفيروس جاء من سوق ووهان للماشية. كان الأمر كما لو كنّا قد عدنا إلى الحدود غير الواضحة لصور المنصوري، فلم تعد الحيوانات والمخلوقات الأخرى الظاهرة في الخلفيّة غير ذات أهميّة لأحداث الحياة البشرية، بل وصارت فجأةً الشخصيّات الرئيسيّة في هذه القصة. حينها، كان النقاش لا يزال محتدماً حول كيفية انتقال الفيروس من شخص إلى آخر. صار البشر خطرين على البشر الآخرين. كان شعورٌ غريبٌ بداخلي يخبرني أنّنا صرنا ممزّقين إرباً، بينما كانت الحدود تغلق واحدة تلو الأخرى. اخترق الفيروس التاجي جميع فجوات اللامساواة الموجودة، ورفعها إلى مستوياتٍ جديدة من الظلم. كان علينا إعادة التفكير في الأساسيّات – للعودة إلى المساواة. إلى أكثر الناس ضعفاً. كيف؟ ضمن أيّ آفاق؟ مع أيّ رفاق؟ يينما كنت بعيدةً عن أيّ جماعة، يلفّني الخوف وسط العزلة تساءلت: ما الذي تبقّى من الإنسان في أعقاب هذا الوباء؟

أداء “المدينة التي نتخيلها” ، جوليا كريسبياني وكولرخ نافيسي ، Live Works Summit، Centrale Fies – إيطاليا ، 2021. مصدر الصورة: روبيرتا سيغاتا.

***

في عام 2019، وبينما كنت أودّع بيروت، وسط انتفاضة مستمرّة أطلق عليها البعض اسم “ثورة”، عدت بذاكرتي إلى العام 1979. بالنسبة لنا، أطفال الثورة الإيرانية، ممّن ولدوا مباشرةً بعد إعلان النصر، كانت شخصية الإنسان محور تربيتنا الثورية.
في تعليمي الرسميّ وكذلك في تعليمي الأسريّ (الذي كان في كثيرٍ من الأحيان يُعارض المناهج الدراسيّة التي تفرضها الدولة)، كان من المفترض أن ينقذنا “الإنسان”. الرجل الثوري، الرجل المرتفع، الرجل الخلوق، الرجل الملتزم، الرجل الجليل. كلّ الصّفات التي كان من المفترض أن يجسّدها هذا الإنسان. كان أيضاً من المفترض أن تمرّ عبره الطريق إلى مجتمعٍ توحيديٍّ متكافئ، مجتمعٍ حر، ومجتمعٍ مستقلٍّ عن الاستعمار والإمبريالية.
كان هذا الإنسان الخارق واحداً من اثنين: إمّا الإنسان الروحي المتعالي الذي يجب أن يثبت إنسانيّته في التضحية بالنفس من أجل الثورة والدين، وإمّا الرجل العلمانيّ الملتزم الذي يجب أن يثابر تحت الإكراه ويحافظ على المثل الثوريّة حيّة. على اختلاف تمظهراته الأيديولوجية، ظلّت شخصية هذا الإنسان المخلّص (إنسان والا / تعالى الإنسان) هي المحور، الإنسان الذي يمكن أن يتقدّم إلى منصب قائد الثورة، الرجل الذي يقاوم ويضحي بحياته من أجل القضيّة.
في العقد الأوّل بعد الثورة، تحوّل الثناء الجماعي على الرجل المخلّص، الزعيم الذي لم ينكسر قط، تدريجياً إلى أداةٍ للقمع. من أجل إنشاء نظامٍ جديد، كان لا بد من كسر هذا الرجل من قبل الدولة الجديدة، عن طريق التعذيب وانتزاع الاعترافات والإعدام والخوف. في الوقت نفسه، تزايد عدد الشباب الذين كانوا يموتون في الحرب العراقية- الإيرانية، وانتشرت كلمة شهيد في جميع أنحاء المدينة. صار سفك الدماء شرفاً وأداةً لامتلاك الإنسان.
اليوم، لا يعرف الرجل المتعالي، وصيّ أجمل المُثُل الإنسانية، إلّا بالأشياء التي يمكن أن يموت من أجلها. صار مفهوم الإنسان المتسامي الذي كان في قلب ثورة 1979 ثقيلاً جداً إلى حدٍّ لا يمكن تحمله.

***

لشخصٍ نشأ في طهران في العقود التي تلت العام 1979، بدا الأمر كما لو أنّ الإنسان المتسامي قرر تدريجياً أن يثبت فردانيته، فردانيّةً مستقلّة عن الجمهور، غير مبالية، أحادية الجانب، بل ومعارضةً أحياناً للوحدة.
صارت هذه المحاولة للانفصال عن الجماهير المحور الرئيسي لنوع جديدٍ من المجتمع: مجموعاتٌ من الشباب الذين شدّدوا على هويّاتهم الفردية، وكأنّ شكلاً من أشكال الإرادة الجماعية يجري تشكيله للتعرف على الشخص الذي انفصل عن الجماعة. في غضون ذلك، حثّتنا تجربة الإنسان الثوري المنكسر إلى التوصّل إلى اتفاق غير مكتوبٍ فيما بيننا، على أنّه لا ينبغي أن يكون هناك فينا شيءٌ يمكن كسره. نحن ببساطة: لم نعد بحاجة إلى قائد. في السنوات التي سبقت العام 2009، كان هناك قانونٌ غير معلن في كلّ تجمّعٍ سياسي، بغض النظر عن الأفكار التي تم الترويج لها، أنّه يجب علينا الاعتراف بالفردية. الاعتراف بإرادة الإنسان أن يعيش من أجل فكرته / فكرتها، لا أن يموت من أجلها.
لكنّنا وجدنا أنفسنا من جديد في حزيران 2009، وعلى الرغم من كلّ شيء متّحدين في جسدٍ واحدٍ كبير. عظمةٌ هائلةٌ وشاملة، أعادت في مسيرةٍ امتدت من ميدان الثورة إلى ساحة الحرية، بعد ظهر يوم 15 حزيران 2009، تعريف علاقتنا مع الجماعة ومع الناس العاديين ومع أنفسنا. علاقةٌ بجمالٍ لا نهائيٍ يمكن للمرء من دون شك أن يموت من أجلها.
في السنوات اللاحقة، وفي خضمّ التجربة المؤلمة للانقسامات الداخلية وقمع الدولة التي حوَّلتنا، مرّة أخرى، إلى مجموعةٍ منعزلةٍ من الناس، طرح سؤال ما بعد الانتفاضة الكلاسيكيّ نفسه على جيانا من جديد: كيف يمكن أن نكون مخلصين للجسد العظيم الذي رأيناه؟ أين كانت الحدود بين الفرديّة التي أردنا أن نبنيها والثقافة الانتهازية للربح والخسارة التي ابتلعت مدننا الآن؟ وقد صرنا نصف أفراد، ورافضين للقادة، ومهدّدين من قبل الشرطة، وما زلنا ملتزمين بذلك الجسم العظيم الذي تمزق إلى أشلاءٍ أمام أعيننا – أيّ نوعٍ من البشر يمكن أن نصير؟ وأيّ رؤية للبشرية بقيت من أجل شعرنا وإيماننا؟
بالنسبة لي، كانت التجربة النقيّة وغير المتكرّرة للمساواة التي شهدتها داخل حركة العام 2009 هي الإجابة الوحيدة المتبقّية. ألم يتبدّد خوفنا في هذا الأفق الممتد من المنزل إلى الشارع؟ ظلّت المساواة المؤقّتة بين الناس العاديين في الساحات مع الآلاف من تقنيات المقاومة الإبداعية في الحياة اليومية، في ذاكرة جسدي وكأنّها المستحيل المرغوب دوماً. كان بحثي عن نسيج تلك الكثافة في الساحات العربيّة على مدى السنوات العشر الماضية استمراراً لهذه الرغبة وذاكرتها.

***

كانت السماء قد أشرقت تقريباً بحلول الوقت الذي وصلت فيه إلى الكورنيش، فشعرت أنّني يجب أن أودّع البحر. كان عليّ أن أعترف للبحر بأنّ بيروت، بكلّ عجائبها وقلقها خلال العامين الماضيين، قد أنقذتني من العديد من المعضلات. حتّى أنّها سهلت عليّ حياتي في طهران. شاركت مخاوفي مع بيروت وفهمتني. بلدةٌ صغيرةٌ تتصرّف مثل المدن الكبيرة. رفضت أشياءً عن الماضي لكنّها تشبّثت أيضاً بالماضي بهوسٍ غريب. من حيث كنت أقف، لم يرافقني سوى عددٌ قليلٌ من الأبراج البغيضة التي حجبت المدينة عن الشاطئ، وكانت تشاركني التحديق إلى البحر عبر نوافذها المظلمة الفارغة.
كان البحر في ذلك اليوم عاديّاً حقّاً. على بعد خطواتٍ قليلةٍ من الدرابزين الذي كنت أتّكئ عليه، جلس صيّادٌ على كرسيٍ بلاستيكيٍ وجسده يميل ناحية البحر. كان من الواضح أنّ الكرسي صغيرٌ عليه. كان الصيّاد يجلس وهو يميل على جانبه، وقد أنبأت الشقوق الصغيرة في ظهر الكرسي التي تم حياكتها بالأسلاك عن الانكسار المفاجئ للكرسي في المستقبل القريب. لكن يبدو أنّه حتى لو اختفى الكرسي، فإن نفس الجسم الذي له نفس الانحناء إلى اليمين، والعينان اللتان تحدّقان في نهاية البحر، ستظلّ هناك. جعلني وزن ذلك الجسم المستقرّ أتوقّف مؤقّتاً. بينما كنت أفكر في الحركة بين البشر المتعالين والعاديّين كموضوع للتاريخ / الثورة، جلس الصياد بشكلٍ عرضي، وتمكّن بطريقةٍ ما من الحفاظ على استقرار جسده وسط هذا الوضع الهش.
خطر في بالي أنّه في كل هذه الثورات، هناك دائماً تقنيّات حسّاسة وتكتيكات إبداعيّة ومناوراتٌ ذكيةٌ تعتمد على الحياة اليومية تجعلنا نستمر. فالصيّاد، مثله مثل الوجود الأبدي على الحافة الشرقيّة للبحر الأبيض المتوسط​​، قد طمس كلّ هذه الحدود المستحيلة في جانبٍ واحدٍ من كرسيٍّ بلاستيكيٍ ضعيف.
تخيّلت في لحظات الهدوء الأبدي، الأجساد البشريّة نفسها على شاطئ البحر في حيفا وصور وغزّة وطرابلس، وكيف ربطت نظرتهم الآفاق البعيدة لمدن البحر الأبيض المتوسّط ​​فوق حدودها الدمويّة. كانت شمس صباح اليوم العاشر للثورة تشّع ببطء على يديّ الصيّاد الثابتتين. بحلول هذا الوقت، يفترض أن يكون الثوّار الصاعدون الأوائل في طريقهم إلى الجسر حيث أقاموا حاجزاً على الطريق خلال الأيام العشرة الماضية.
عندما ركبت السرفيس، نظرت إلى الوراء للتأكّد من أنّ الصياد لا يزال هناك عند زاوية الكورنيش. كان مكانه المطلّ على البحر محوريّاً ومركّزاً، بحيث أظهر لي كيف أستمر في الجلوس على كرسيٍّ مكسور. حفظت هذه الصورة لاستعادة إيماني المحطم، ولأستعيد معها الاعتقاد بأنّه لا يزال من الممكن الانتماء إلى مجموعةٍ كبيرةٍ من الناس العاديّين الذين بنوا آلاف الطرق الإبداعيّة للبقاء على قيد الحياة، وأنّه لا يزال من الممكن البقاء، والمقاومة، والوقوع في الحب وسط الميدان، وكتابة رسالة حب من السجن، والنفاذ من كل استجواب، وأنّه، وبغضّ النظر عن عدد المرات التي كُسِرنا فيها، لا يزال بإمكاننا الإيمان بإنسانٍ سامٍ يبكي في حبسه الانفرادي في الليل، وفي تفوق نظرة الإنسان العادي فوق حدود البحر، وأنّه من أجل توديع مدننا الحبيبة يجب أن نتذكّر هذا الإنسان.

كولرخ نافيسي
22 شباط 2022

“رغم كلّ هذا، أيّها القلب المتهور،
لا تنسى
أنّنا،
أنت وأنا،
احترمنا قواعد الحب.

لا تنسى
أنّنا،
أنت وأنا،
احترمنا قواعد الإنسان

بغضّ النظر عمّا
إذا كان هو تحفة الله
أم لا”.

أحمد شاملو
(من ثلاثة تراتيل للشمس، 1966)
ترجمته من الفارسية الى الانكليزية كولرخ نافيسي 22 شباط 2022، بالتعاون مع كمران راستگار وبهروز غماري-تبريزي

السيرة الذاتية مال شعلة لهب

العمل الفني: ريم القاضي, ٢٠٢٢

ترجمة: محمد النجّار

عن ما وصلت للي يسموها العهود الزمنيّة المتأخرة، هو آني خو ما ﭽنت ادري وين رايحة. ﭽان صايرلي مدة مختفية – بحيث يمكن فاتت سنين قبل ما أظهر. وبديت أﮔـص المناطق المستبعدة وأدوس على مواطن الغبن بيها. من تباوعون شلون سحـﮔـوها وهمّشوها، إلى أن فقّدوها قيمتها وموّتوها – تخليكم تصرّون بسنونكم إلى أن تنطحن. علمود هذا باوعت على كل شي بتمعن، وضخّمتْ كل جوانب المسألة بعقلي، وتأكدت من وسم كل التفاصيل حيل بعيوني من الداخل. “إلى أن ما بقى شي” – واللي هي الكلمات التي يستعملوها بوصف آثار الكوارث. بس ما ﭽان المعنى هو اللي جردوه من كل شي؛ وإنّما المعنى نفسه تغير. وآني هنا حتى أستخلّص نفسي من السالفة.

أول شي أستفتح بي هو أن أنسى الأسماء. حتّى اسمي راح اخسره. وبالنسبة لذرّات التراب المتجمعة بمنحدرات تزحلـﮒ: فهذي هي موطئ القدم اللي أفترض أنه راح يكون متماسك بحيث يكدر يشيلني. ملمسه رطب على باطن الرِجِلْ. لكن إذا تفركه بين الإبهام والسبابة: فالباقي مو فعلاً رطوبة. وإنما بقايا دهنية، طين بي لزوجة؛ فد شيء عبالك مستنقع قابل للاشتعال، أو أي شي شبّت بي النار مؤخراً. أحاول أﮔص مقطع عرضي بقطعة معدنيّة طويلة ألـﮔيها بجانب الطريق؛ وأمرّر القطِعْ من خلال الصلصال إلى أن أوصل إلى القاع على عمق شبر أو شبرين من الطين. وهذا يذكرني بخبالات أيام زمان: محاولات التجارة الرقمية بالطين الخلاب اللي ينأكل – وتحديداً طين المستنقعات: “طعمه شوية حلو، بس بي مرورة، وية نكهة نفط.”

الجغرافيا جابتلنا الأسماء. لكن ما تـﮔدر تظهر على السطح إلا إذا تنسى الأسماء – بحيث هذا ممكن يكون أي مكان، وهذا هو الأساس. فلمّن أحاول ألفظ الأسماء، بالكوّة أنطق مقاطع: به، بن، باه، بي، بر، بف … فما أﮔدر أتجاوز الأصوات البدائيّة. لأن الوقت، مثل ما تعرفون – لمن “يشتغل” فد مرة زائل – ومن ذاك الوكت صار خربان. لكن بعدين لمن الجغرافيا خفّفت قبضتها على الكوكب، ﮔـعد كل شي بمكانه، بس ما دامت. يعني هسة نـﮔدر نطير: شلون إنجاز هذا! وطبعاً احتجنا ندبر أجهزة – وبأغلب الحالات المستعملات اشتغلت مثل الساعة – لكن بدقيقة ما تتصدﮒ، رفضنا – كلنا – الخطوط اللي نطونياها، ورفضنا الخطوط اللي رسموها داير ما دايرنا.

ريم القاضي, ٢٠٢٢

شظايا الـﮔصب اليابسة تطشرت فوﮒ هاي الجزيرة الزغيرة. ﭽان جمعتهم بكومة واشتريت راحتي لو ما ألسنة اللهب تنط هنا وهناك على غفلة. وهذا بالضبط مثل الأيام الطويلة مال المصايب، أبد ما كان سهل أفرش حتى أنام؛ لأن لازم يكون عندﭺ استعداد بلحظة تلمين وتركضين – يعني تتعودين على هيـﭻ وضع. بس ألسنة اللهب المرعبلة هذي ما تضوجني؛ مو مثل ﮔبل. ﭽنتي تفوتين وانتي سهرانة فوﮒ حقول النفط المهجورة، وما تكبحين أي شي – وتفتحين المجال لشكو أنقاض باللاشعور حتى تطفح. قسم ﮔالوا على هذا خبال: أحلام تستبدلها اندفاعات. أكو جيوش كتلت نفسها علمود هذا “الفردوس”: بحيث الانتفاضات مالتنا تحرر أشكال سلوك ممكن يدمروها أو يسجنوها؛ بس لا، أحنا مجرّد ﭽنا دنرتقي بأخلاقياتنا الجمعية.

مو كل شعلة تحترﮒ بنفس الشكل؛ كل وحدة منها عدها مزاجها الخاص بيها. ألسنة اللهب داير ما دايري – ومن ضمنها الشعلات اللي تنطفي إذا تدوسين عليها بدون انتباه – تجدح بأضعف اهتزاز يوصل من الـﮔـع. احتكاك الجزيئات اللي دتتحرك يتسبب باحتراق ذاتي، شلون حجر الجداحة. آني ارتعبت لمن شفت ألسنة اللهب دتلحـﮔـني أو تـﮔـمّز ﮔـدامي – على الإيقاع مال خطواتي. بعدين قررت أجاريها. فـمن أﮔـمُز، أشوف تلاث ألسنة لهب طويلة تظهر. بعدين أرجع لي ورة: وأشوفها تختفي، بس تطلع غيرها وراية. وما فاتت مدة طويلة قبل ما بديت أحبهم اكثر؛ كل ما أتعرف على طبيعتهم أكثر. ويجوز هذا ﭽان شعور بالوحدة نابع منّي، بس أكو فد قرابة ما احد يـﮔـدر ينكرها تربط بين كل جروحنا اللي جوّة السطح.

آني راح أقاوم تسميتهم طبعاً – حتى لو ﭽنت متعودة هسة على مزاج كل واحد منهم. فَأثبت تماماً، وعيني مثبتتها على التحويل ما بين تدرّجات الثبات والزوال. وأﮔـعد أباوع، وأحاول أتكيّف لمن واحد منهم يستلم التحكم أو يحورن. على الجرف، أكو شعلة لهب وحدة بس دتحترﮒ؛ أغذّي النار شوية ﮔصب يابس وأنقاض طايفة. فـَصارت عندي نار الطبخ مالتي وأخلي حافظة معدنية متروكة على حافتها. فَلمّن أجمع البراعم الزغار اللي تعيش بالمي الـﮔيش، أتحرك بسرعة زايدة وأخوّف شوية طيور صدّاحة – فينتشرون لي فوﮒ بالسما. أرجع للنار، وأشوي جذوع الـﮔصب؛ وأﮔشّر الطبقات الخارجيّة حتى أوصل لداخلها الناعم. أزلطها؛ والأوراق النيّة أعلسها للترطيب.

تاكل النيران كل اللي بطريقها – ومن أبقى وياها أحس كأنّما آني نفسي لهب. ما اﮔدر انتـﭽـي، وتستحوذ عليّة فكرة أنّ اللهب ما يحترﮒ بشكل أفقي. وحتى أحاول وجرب أستوعب هاي الشغلة، أبني ﭽلـﭻ من جذوع الـﮔصب المشدودة سوة بأليافها. وحتى لا تاكله النار، أخليه على الكومة الأكثر تشبع بالمي، مو بعيد عن منطقة الطيور الصدّاحة. أتمدد عليه وأحاول أغفّي، وآني دا أباوع الـﮔـع تزوع ألسنة لهب ترفرف وترجف وتكبر وتتراجع. الهوا الدافي ما يتحرك؛ والضباب يحجب الشمس. الطيور المغردة تفتر وتغني، “ﭽررر إررر توصل ﭽـﭻ رررت تخلينا ننزح من الموطن الهش مالنا وﭽـررر بالكوة خلصنا من آخر خمس كوارث تررر رررت تررر رررر.”

ريم القاضي, ٢٠٢٢

بعد وقت قليل أﮔوم مرة لخ، وأمشي. أقيس المسافة بين الضفاف المتقابلة وأشوفها حوالي ألف وخمسميت خطوة. هذي القارة الزغيرة، بأضيق نقاطها، عرضها بس عشر خطوات. أعثر بألسنة اللهب، وخصوصاً البخارية والشريطية؛ ﭽـعوب رجلي اللي جلدها ثخين ما تتأثر، لكن أقواس رجلي الفلات تحترﮒ مرة لخ. احترﮒ شعر رجلي وتبيّن على الحافة الطويلة لثوبي علامات اشتعال. أدوّر على طريق أنسحب منه، لكن بعدني ما ملـﮔية الثغرة المناسبة بالقصة. ودا أشوف ثورة بكل برعم ناري ينطلق من التراب: حلوﮒ مطينة تحـﭽـي بلغة العناصر الأساسية – لسانات مقندلة دتدرب شلون تتمرد على المعتدين اللي ﮔلبونا كلنا عالبطانة.

جوة الـعباة، ﭽنا مختارين هرموناتنا بكيفنا. والجرعة ضبطوها بدقة عالية بحيث تـﮔدرون تعدلون جنسكم كل يوم شكل، إذا ﭽانت هذي ميولكم. وآني دائماً اختار كوابح الأندروجين؛ جزء من نظام معتقداتي – أن اللي وصلناله من مستوى الدمار كان بسبب المواد التي تغمر دوافع المنافسة، والاختراق، والأسلحة، والحرب، والربح، والموت… أتصور افتهمتوني. كانت الدورة منتظمة عندي، لكن نزف الدم صار شغلة عتيـﮔـة من ﮔبل دهر. فـَهنا، وآني دا أفرغ مثانتي بحفرة محفورة بالطين، شفت ﭽم قطرة دم وحسيت بألم قوي ابطني. كل هذي البتروكيماويات خلّت هذا المي ما ينـﮔاس، وبكل تأكيد ما ينشرب. ماكو شي يقاوم هنا مدة طويلة.

ريم القاضي, ٢٠٢٢

هسّة صرت أعرف أتجنب ألسنة اللهب بمهارة. أتوجّه على باﮔـة الـﮔصب اللي تعشّش بيها الطيور الصدّاحة، وأجر نفسي لي جوة على الـﭽلـﭻ. وأنجطل عليه بشكل جانبي – هذي المرة، بحيث المي ﮔبالي. وأباوع من خلال الـﮔصب على حقول النفط المندثرة من مدة طويلة والمليانة أكوام ضخمة مايلة تبخ أشباح الشعلات. جلي كيمياوي ثخين يسيح ويطلّع فقاعات من الـﮔـع. شلون شغلنا فقد قيمته – الشركات المتعددة الجنسيات أبد ما يقبلون يشغّلون الناس المحليّين – حتى يقتلون نفس الـﮔـع اللي ساكنين بيها؟ مستحيل. معدتي هسة دتوجعني كُلّشْ. أعصر بطني كأنّما دا أفصل جذعي عن الجزء الجواني من جسمي: الألم يندفع بداخلي مثل تشنج كهربائي مطوّل. بهذي الهزة المحمومة، يتزبلط طفل من بين زروري على الـﭽلـﭻ.

فاتت فترات طويلة وآني بس دا أباوع، وأحاوط إيدي داير ما داير الشعلة اللي كبرت بداخلي بفد طريقة. لكن اسمعوا: إذا ﭽانت كل شعلة انتفاضة، فهذي همينة راح تكبر. أبوس التمرد على شفايفها قبل ما أشمرها بالسما، اللي تنضم بيها لصفوف الطيور الصدّاحة المُجنّحة. وبعدين، أدوّر على المكان الذي ظهرت منه أول مرة. لـﮔيته، وخليت حلـﮔـي عالفتحة، وصحت بأعلى صوتي: حتى أﮔـعّد العصبية، وأجعجع الزعزعة من فـُﮔر العبودية ضمن طيات الأرض. شعلة أو اثنين مثلي تماماً برزت على السطح. وصح عددنا قليل، بس نبدي نهيّج العاصفة مالنا. بعدين عشرة يـﮔـعدون، ويصعدون؛ بعدها خمسين، وميّة. نبدي نزحف عبر القارات، ويقوى زخمنا شوية وية كل شعلة تضوّي دربنا.

نتحرّك سوة بخطوات منسقة باتجاه الطرمة المسيّجة: هذي القطعة الأخيرة من الأرض اللي تصلح للسكن واللي ألحقتها الجهة اللي دتستغل ألمنا وتغييبنا – المنتفعين من الحرب والدمار. وهنا، ماكو بوابة أو مدخل، ولا أكو طريق يمتد على طول المحيط المسيّج بلا نهاية. ولا أكو سبب، انتبهوا، لأصحاب الامتياز حتى تدوس رجلهم الحقول اللي موتوها بكسب أرباحهم. هواية من عدنا يتراجعون علمود الركضة اللي تنتهي بـﮔمزة. وبعدين، تندمج كل حشودنا، وتنتج قوة جماعيّة من الضغط الجوي اللي بس يتزايد، ويوصل ذروته بانفجار قوته وسرعته مهولة بحيث الاهتزاز المناخي مالتنا يرسل الكون وهو ديطنطن إلى ﭽم تقسيم فرعي من اللانهاية.

العنف مال طقسنا يمحق كل آثار الانفصال إلى أكوام من التراب. وما ضاع وقت قبل الدخول للحلبة: وهذي المرة وية تقدم النار بالهشيم من خلال الأرض اللي ﭽنا مستبعدين منها لمدة طويلة؛ وهي دتحرﮒ المناطق المحصنة بلا رحمة أو رغبة أنانية بتراكمات هائلة لرأس المال، والتوقف بس للأنهار وخزانات المياه الجوفية – مع الخضوع بتواضع للقدسيّة المطلقة للمي – وما عدا هذا ابتلاع كل شي كأنّما دتحاول تعكس وهج الشمس اللي ما إله نظير. وبعدين، لمن هدأنا، وانتـﭽينا بشكل جمرات متوهجة، استقبلنا العهد الجديد: عهد مقدس بعد ما غطس الكوكب بالنار، وتطهر من شروره.

ش.ب.ح

ملاحظاتٌ نحو تحالفٍ مع العائدين

ترجمة: حسين ناصر الدين

صورة لستارة شهبازي

أن تكتب يعني أن تعمل من أجل الموتى، أن تخلق الظروف الملائمة لعودة الأشباح. في سبيل إنجاح هذه المهمة يجب على الكاتب التخلي عن رغبته في سرد ​​قصة. الموتى لا يروون القصص، بل يعودون لتعطيل الروايات التي تصرّ على البدايات وصلب الموضوع والنهايات. يتحرّك الموتى في دوائر، ويعودون دوماً إلى مكانٍ أو لحظةٍ أو وضعٍ معروف. أن تكتب للشبح يعني أن تتقفّى الآثار، وأن تعيد النظر في حدثٍ قديمٍ لم تتمكن من استيعابه سابقاً ضمن سلسلة أحداثٍ متّصلةٍ وثابتة. يحتاج الشّبح نثراً استطرادياً ومعجميّاً تتّحد فيه النواحي الزمنيّة المتنازعة في لحظةٍ واحدةٍ من الزمن.

ليس الشّبح مجازاً أدبيّاً أو استعارةً شعريّةً نشير بها إلى أكثر الوحوش المكبوتة فينا قسوة. بينما تكثر قصص الأشباح في الحكايات القوطية، والمنازل المسكونة، والمقابر المهجورة، وفي حكايات اضطراب الأرواح عند دفنها في غير أماكنها، أو عودة النفوس المضطربة والمتعثرة للمطالبة بحقوقها، إلخ… ليس الشّبح مسألة إيمان، وليس من نسج مخيّلتنا. إنّه يرفض النقاشات حول حقيقة وجوده ويسخر من طقوس الطرد التي تهدف إلى إخفاءه. الشّبح هو الاختفاء، هو المجهول الذي ينشط حسيّاً، ويتحدّى بذلك قدرتنا على تأطير الظواهر في كلمات، ويرمي على عاتقنا مهمة إيجاد مفردات تصف كيف أنّ العالم المادي دائماً ما يكون نتاج قوى غير مادية.

كنت أودّ الحديث عن أشباحي، لكن ليس هناك شيء كهذا. تأتي الأشباح بأعدادٍ كبيرةٍ وبطريقةٍ مشتركةٍ بشكلٍ أساسي. يعودون لإلغاء التعريفات، وللمطالبة بإعادة صياغة كاملة للشروط التي ترسّخ على أساسها فئات مثل الحياة والموت، العضوي وغير العضوي، الحيّ وغير الحي. تعود الأشباح للاحتجاج على الموت، تلك الصناعة التي يستغلها أولئك الذين يقرّرون من يستحق العيش ومن يعتبر ميّتاً حتّى في حياته. يعود الشّبح لإلغاء شروط هذه الترتيبات الاستخراجية.

العمل من أجل الموتى، عمل. الأشباح متطلّبة، وتتذمّر للفت الانتباه، تماماً مثل الأطفال. تطالب بأن يكون غير المرئي مرئيّاً، وتصرّ على عدم اختزال ما هو غير مرئيٍ من مجال الرؤية، ولا تطيق تحمّل التمثيل، كما لا يمكن معالجة شكاويها أو تصنيفها ضمن المطالبات الفردية. في العمل من أجل الموتى، يسعى الكاتب جاهداً لإيجاد لغة مجرّدةٍ من الذات أو الامتلاك، وجملاً لا تعبّر عن الفاعلية الفردية (لا تتحدث الأشباح أبداً بصيغة المتكلّم).

أكتبُ عن الشّبح من دون أن أعرف ماهيّته. أقتبس اقتراحاتٍ مثل “الأشباح متطلّبون”[1] لكنني لا أعرف مدى حقيقة هذا الأمر. يسكن الشّبح تركيبات نحويّة متناقضةً تتعارض مع تأكيداتٍ مثل “يكون الشّبح” أو “لا يكون الشّبح”. تعريف الشّبح هو الفشل في التقاط طبيعة عدم وجوده. أن نعرّفه يعني أن نفشل في استخلاص طبيعة عدم وجوده، وأن نكتب عن الشّبح يعني أن نفشل في الكتابة عن الشّبح. يعني العمل من أجل الموتى أن نحتجّ على الظروف التي تفصلنا عنهم. لا يمكن للأحياء أن يعيشوا بدون الأموات، ولا يمكن للأموات أن يموتوا إن نُسيوا. عليه، تعني الكتابة عن الشّبح أن نتولّى مهمة العمل المتبادل: “إذاً الأحياء والأموات مترابطون. على الدوام. لم يكسر هذا الترابط سوى نموذجٍ حديثٍ وفريدٍ من الأنانيّة، خَلّف نتائج كارثيةً على الأحياء، الذين يعتقدون حاليّاً أنّ الموتى قد صاروا مُبعَدين”[2]. يمكننا القول إنّ الكتابة عن الشّبح تتمثّل في استجواب بنيتنا الهندسيّة وتباعدنا، وذلك لإنتاج لغةٍ يمكنها التعبير عن ترابطنا الروحي دون إنكار حداثتنا.

أن تكتب مع الشّبح في ظلّ الجائحة العالميّة، وأعداد الموتى الكبيرة، والكساد الاقتصادي غير المسبوق، والخسائر المتتالية، أصعب من الكتابة عن الشّبح في أوقاتٍ تبدو الأمور فيها طبيعية.

أولئك المُعتَبَرون أحياءً غارقون تماماً في البقاء على قيد الحياة، والركض وراء احتياجاتهم، والتعامل مع أمراضهم، والتصارع مع تفسّخ الحياة الاجتماعية، ودفن أحبائهم (كلّما أمكن ذلك)، وإيجاد جيوبٍ من ضوءٍ وأملٍ ومساحاتٍ للتنفس. يتعرّض الترابط بين الحياة والموت في حالة الأزمة الدائمة للخطر. من شدّة تركيزهم على البقاء على قيد الحياة، يحوّل الأحياء حياتهم إلى موت، بوجودٍ طفيليٍ يستنزف نشاطهم وطاقتهم المتضائلة. ينسون أنّهم مرتبطون بحالةٍ مشتركة، وأنّهم يشاركونهم ظروف وفاتهم. علينا أن نسعى للوحدة مع الشّبح “لأننا، مثله، ضحايا نفس الظروف ونفس خيبة الأمل”[3].

تتراكم الأشباح عبر الأجيال، وتشكّل كتلةً عديمة الشكل من النفوس المفكّكة. شيءٌ ما (مثل المظالم التي لم يتم حلها) يدفعهم إلى العودة، حيث يتمسّك كلّ جيلٍ بجراحه التاريخية. تنصب الذاكرة المؤسسيّة كميناً للأشباح، وتهدّئ من مظالمهم من خلال التمثيل. فالاعتناء بجروحهم يعني دعم مصائرنا المترابطة. لا يتحرّر الشّبح من رغبته بالعودة الاضطّرارية إلّا عندما يتم الاعتراف أن هذه الجروح حصلت بإرادتنا.

كيف ستبدو الوحدة مع الشّبح؟ ما هي أنواع التحالفات التي يمكن نسجها مع حالاتٍ أخرى للوجود والعدم؟ كيف لنا أن نتخيّل تحالفاً ينظّم فيه الموتى والأحياء أنفسهم في ائتلافات انتقامية عبر العالم، ائتلافات تقاوم النظام النيوليبرالي الفاسد الذي لا يرحم، والمسؤول عن قتل الموت الذي نستحقه جميعاً والحياة التي يجب أن نعيشها؟

العمل من أجل الأموات عملٌ خاسرٌ، لكنّه ليس فريضةً أو التزاماً. الشّبح لا يردّ الجميل. إنّه يعلم أنّ ما ندين به لبعضنا البعض لا يمكن قياسه. للعمل مع الشّبح يجب أن تكون على استعدادٍ للتخلي عن كلّ شيء. أن تعطي دون مقابلٍ عندما “لا يكون العطاء استثماراً”[4].

تتحوّل لغة الأشباح من المفرد إلى الجمع وبالعكس.

العمل من أجل الموتى يعني فصل الربح عن الموت، وتخريب التوقّع حول عائد الاستثمار. الشّبح ميراثٌ خالٍ من المال، إرثٌ ضد البنوّة (نَرِثُ ما ليس لنا). يعود الشّبح لإلغاء العائدات. تعرّف العائدات بأنّها: “المال أو مبلغٌ من المال، يتم تحقيقه عبر ممارسة مهارةٍ أو مهنةٍ أو من خلال الاستثمار أو التجارة”، وهي أيضاً: “الكَسب أو الربح أو الدخل عبر الوسائل التي يتم إنتاج المال من خلالها”[5]. يتحدّى الشّبح التّعريفات، ويرفض إعادة ما هو متوقّع أو مستحق أو عادل. الشّبح ليس عادلاً، وليس مخلّصاً في الآخرة ولا صوتاً للعدالة الإلهية. الشّبح غير متوقّع، وفوق ذلك متقلّبٌ وهستيري، يقف ضد الحسابات والتكهّنات والتوقّعات المتعلّقة بما نعتقد أنّنا نملكه، أو نَدين به، أو نتوقّع الحصول عليه. يعود الشّبح من دون أن يعيد شيئاً، إلّا ما لم نتمنى قط الحصول عليه في بادئ الأمر.

يعمل جميع الكتّاب في هذا العدد مع الأموات ومن أجلهم. إنّهم ينخرطون، من دون عودة، في الأسى. يجدون أشكالاً (أدبيّة وشعريّة ونقديّة وبصريّة) مناسبةً لتأمّلاتهم حول العائد من الموت. خلال الكتابة، يصيرون أقلّ ممّا كانوا عليه قبلها، يتركون أجزاءً من أنفسهم تنفصل مثلما تنفصل صفيحةٌ جليديةٌ عن نهرٍ جليديٍ في طور الذوبان. يشارك كلٌّ من سلمى شامل، وهيثم الورداني، ولمى الخطيب، وسونيلا موباي، وكريستيان نيامبيتا، وآسيا ودود، ومكسيم حوراني، أبعاداً متنوّعةً عن الشّبح: الجن، والحياة الآخرة للحَيَوات السوداء، والخلايا الدقيقة، والعنف النبوي، والموتى الأحياء.

لا أعرف ما الذي سينتج عن هذه المساهمات، فبينما أكتب هذه السطور، يواصل المساهمون بدورهم العمل على نصوصهم. لكن، وعلى كل حال، أعتقد أنّ هذا الإصدار هو مساحةٌ لتشكيل شاعريّةٍ (غير تمثيليّة وانتقاميّة ومهتمّة) تشمل الأحياء والأموات، شاعريّةٌ تَعِد، حتى في حال فشلها، بإمكانيّة وجود لغةٍ تتناسب مع خسائرنا.


[1] موريسون، توني. محبوبة. فينتج، ٢٠٠٤.

[2] برجر، جون. “١٢ رسالة حول اقتصاد الموتى”. ذا سيلفر بيرد، ٢٠١٥. https://cleansilver2.wordpress.com/2015/06/16/twelve-theses-on-the-economy-of-the-dead-john-berger.

[3] أدورنو، ثيودور وماكس هوركهايمر. جدل التنوير. ترجمة جون كامينغ. فيرسو، ٢٠١٦.

[4] بالدوين، جيمس. صليب الفداء: كتابات غير مجموعة. فينتج، ٢٠١١.

[5] قاموس أوكسفورد الإلكتروني: السّجل الشّامل للّغة الإنجليزية (أونلاين). www.oed.com.

ب.ش.ر

في الدفاع عن الإنسانية

ترجمة: حسين ناصر الدين

صورة لنور صفي الدّين (فايسبوك)، ٢٠١٨.

“منّا إنسان كمان؟”

تكرّرت هذه العبارة مراراً وتكراراً على مسامعي كأنّها لازمة موسيقية، أثناء محادثاتي مع عاملات منازل أجنبيّات يعملن في لبنان كلّما سألتهنّ عن “نظام الكفالة”، إلى درجةٍ حفظتها معها عن ظهر قلب. كأنّها تعبّر عن نظام الكفالة عند طرح سؤالٍ عامٍ حول اندماج الأجانب داخل التّركيبة اللبنانية. توفّر البساطة الوحشيّة لهذه الكلمات الثلاث مدخلاً ينتزع فئة الذّات البشريّة من لغة إخضاع العمال المهاجرين، وذلك من أجل صياغة قواعد اجتماعيةٍ مختلفة. تُشتق كلمة إنسان: من الجذر أ-ن-س، أي أن تكون محبّاً ولطيفاً وودوداً، وهي صفاتٌ مضادةٌ للوحشية. في الحقيقة، لم تعد هذه العبارة سؤالاً بل صارت اتهاماً، وقد تُعزف من قوّة إيقاعها افتتاحيةٌ لخطابنا.

يُنظر إلى إلى تصنيف البشريّ (وما هو بشريّ) بشكلٍ متزايد على أنّه فعلٌ إقصائي. في ظلّ التلوّث ونقص الموارد والفيروسات المتحولة على سبيل المثال لا الحصر، يصرّ الكثيرون على أنّه لا يمكننا تفسير التجربة البشريّة من دون التطرّق إلى ما هو غير بشريّ. نشير من خلال هذه المصطلحات المزدوجة إلى التشابكات بين الذات والآخر، وكذلك إلى ما يمثّله مفهوم الـ”لا بشريّ”، الذي بات يُشكّل تحدّياً تحليليّاً واسعاً للأنماط السائدة في تفسير السياسي وتخيّله. يشير مفهوم الـ”لا بشريّ” ضمن الأنثروبولوجيا (مجال تخصّصي) إلى ما يُرمز إليه بشكلٍ فضفاض باسم “المنعطف الأنطولوجي/ الوجودي”، وهو أساسيٌ ومحوريّ في المسلك السائد على امتداد العقدين الماضيين.

يتحدّى المنعطف الأنطولوجي حدود العلم المتمحور حول الإنسان – العنوان نفسه الذي ينسب إليه الأنثروبولوجيون مشروعنا المعرفي (الأنثروبولوجيا، من أنثروبوس باليونانية، أو “الإنسان”، وكذلك في اللغة العربيّة “العلوم الإنسانيّة”) – للاستجابة بطريقةٍ مناسبةٍ لأزمةٍ بيئيّةٍ عالميّةٍ ناجمةٍ عن ويلات منظورٍ مركزه الإنسان للموارد والأرباح والخيال. يتطلّب ذلك منّا أن نتعامل مع نظمٍ أخرى من أشكال العلاقات، لا يُفترض فيها وجود فجوةٍ بين الطبيعة والثقافة، حيث مواضيع التاريخ ليست بشريّةً فقط، وحيث تكون الكيانات غير البشريّة مشارِكَةً فعّالة في الحياة الاجتماعيّة والثقافيّة، حيث لا يكون التنوّع إطاراً محدوداً لفهم الاختلاف، وحيث تتداخل الأخلاق مع البيئات المختلفة. ترسّخت هذه التحدّيات في التجارب الملموسة للّقاءات الأنثروبولوجية، لا سيما ضمن مجتمعات السكان الأصليين التي لطالما قاومت عوالم حياتها محاولات الأشكال المؤسّساتيّة والخطابيّة الحديثة للاستيلاء عليها. لكنّ الانتقادات وُجهت بالأسماء نفسها، وكان أشدّها قسوةً تلك التي تلفت الانتباه إلى المنح الدراسيّة المُعطاة للسّكان الأصليين، تلك التي تستبق الاستشهادات الشعبية الحالية وتتجاوزها، وتلك التي تشير إلى الفجوة بين تنظيم النّظرة الكونيّة الأصليّة للمشاريع الفكرية والصمت التام حيال الحقائق القائمة للاستعمار الاستيطاني. رغم أن الكلمات التي بدأنا بها لا يفترض أن تُمثل مقدمة لما دوّن، أو لعلم الكون غير البشري، إلّا أنّه قد تناهى إلى مسمعي في مدينة بيروت، بين العامين ٢٠١٤ و ٢٠١٦، عبارةٌ تردّدها نساء إفريقيّات وآسيويّات مراراً وتكراراً: “منّا إنسان كمان؟” .

يوجد في اللغة العربيّة مرادفٌ لكلمة إنسان، وجمعها ناس، أي بشر. يمكن استخدام هذا المصطلح، بالمعنى المفرد للإشارة إلى الإنسان، أو بالجمع بحيث يشير إلى التعدّديّة، بينما كلمة “بشر” بحد ذاتها كلمةٌ مفردة. في الواقع، يوجد استخدامٌ ممتعٌ ومثيرٌ للفضول في اللغة العربية الحديثة لجذر كلمة بشر، حيث تشير مجموعة كلماتٍ في القاموس إلى معاني الفرح، في حين تشير مجموعةٌ أخرى إلى أمور تتعلّق بالجسم. نشتق من ب-ش-ر كلمات مثل بِشر، أو استبشار، للدلالة على الابتهاج والسعادة والترحيب، والأخبار السارّة والبشائر نفسها، ومن هنا أيضاً، دلالات النبوّة (تبشير)، والبِشر، والتوقّع والتّكهن، كما علم التنبؤ. تُشتق من ب-ش-ر أيضاً، كلماتٌ ترتبط بالبشرة وقشورها وتفكّكها، وعن لونها وشكلها العام، وعن اللمس وممارسة الجنس والتواصل المباشر. يمدّنا كِلا الاستخدامين للجذر بمصطلحاتٍ مباشرةٍ وفوريّةٍ تماماً كما تُبَثّ أخبار المساء إلينا على الهواء مباشرة. هكذا، يوجد قصّتان يمكن روايتهما هنا: إحداهما عن الإحساس المزدوج لـ ب ش ر، والأخرى عن الإحساس المزدوج للإنسان، بمعناه البشريّ والإنسانيّ على حد سواء. 

يكفي أن نقول إنّ القواميس الكلاسيكيّة تقدّم نظريّاتٍ متنوعةً عن هذا الأمر، بدءاً من تلك التي توحي بأنّ قدرة الإنسان على أن يكون سعيداً هي ما يميّزه عن الحيوانات، ومن هنا يحصل التّداخل بين الفرح والبشرة، مروراً بتلك التي تشير إلى التغيير الحاصل في بشرة المرء عند تلقّيه الأخبار السارة، وصولاً إلى أولئك الذين يعيدون الأصل إلى آدم، أول إنسان، والذي أُعطي الحُسن في البشرى وفي البَشرة. يرى الفيلسوف الأندلسي ابن عربي أنّ آدم هو الإنسان الأول، والنموذج الأصلي (أبو البشر)، مشيراً إلى شكله البيولوجي والمادي على أنّه مصبوب من الطين، بينما يمثّل أيضاً مهمّة أن يكون إنساناً روحيّاً واجتماعيّاً بالكامل (إنسان)، بما يعني أنّه خليفة الله على الأرض، باعتباره حاملاً للروح الإلهية ومُثقلاً بالإرادة الحرة. كوننا ملتزمين بالعلمانيّة، يهمّنا هنا الإنسان. الإنسان في جلده، وفي المخاض واللون، وفي الألم والعطش، وفي الإرهاق والوحشية، لذا تصبح كلمة “ب ش ر” أساساً لهذه الاعتبارات. لكن امتياز اللغة (كما دأب الفلاسفة الماركسيون على تذكيرنا) يكمن في أنّ المعنى يُستنبط من الحياة وليس من القواميس. وبالتالي، فإنّنا نلعب بآثارٍ متعدّدةٍ للكلمة، من البشرة البشريّة إلى المجتمع البشري، ومن الإنسان إلى الكائنات الأخرى غير البشريّة، ومن الإنسانيّة الفلسفيّة إلى التجريد من الإنسانيّة.

بدأت النصوص في هذا القسم من “المشتق” بسؤالٍ تأمّليٍّ مستفزّ: “ماذا سيكون رأيك إن التقينا في بيروت تسمح لنا بمعاملة بعضنا البعض كبشر؟”. لم تكن الغاية من استخدام كلمة إنسان إضفاء المثاليّة على فئة “الكائن البشري” المعمّمة، بل لاعتبارها مجموعةً احتفظت بمساحةٍ للحريّة، ولأنّها ترفض الإنطلاق من الرّموز السّائدة التّي تنظّم حاليّاً التّسلسلات الهرميّة لإنسانيّتنا، مثل اسم العائلة والجنسيّة والطائفة والعمل ولون البشرة. كيف يمكن للعودة إلى كلمة إنسان بمعناها الكامل أن تقدّم لنا دافعاً للتفكير في التكاتف الجماعي الحقيقي على كامل مساحة المدينة؟ هذه المدينة التي أعطت شيئاً لكلّ واحدٍ منّا؟ إلى جانب ضرورة وحتميّة المحاسبة على الدّمار البيئيّ، هل يمكن أن يكون هناك إقرارٌ جماعيٌ مشترك؟ على الرغم من كلّ المساعي لقمع مشروع “الإنسان المعاصر”، ما زلت أسمع أصوات النساء اللواتي أستطيع تذكّر أسمائهن، يعبّرن بغضبٍ وحزنٍ وتأمّلٍ ويقين، ويحتكمن إلى تجريدٍ يحافظ بطريقةٍ ما على حقيقته، حتى عندما ينتهك أفراده أيّ قاعدةٍ محتملةٍ من قواعد السلوك السائد. هذا من إنسانيتنا.

ح.ر.ق

كتاب الأحلام

ترجمة: حسين ناصر الدين

صورة لريجين سحاكيان

  في صيف عام ٢٠٢٠، بقي سكان  كاليفورنيا، مثلي أنا، محتجزين في منازلهم بسبب الإغلاق القسري في ظل انتشار الوباء والحرائق الغير بعيدة. تغيّر لون السماء، خلال أيام، إلى لون متوهج، خليط بين البرتقالي ولون الوحل، وقد كنت حزينة، كما الكثيرين غيري، على الخسائر في الأرواح والأرض، ومندهشة من التحولات الفيزيائية الهائلة التي أحدثتها ألسنة اللهب.

شارك كاتب مشهور، يقيم في سان فرانسيسكو، وهو ناشط في مجال التغير المناخي على وسائل التواصل الاجتماعي، قصة عن الحرائق وبغداد. اعتقدت للحظة أن الحديث كان عن العلاقة بين التكلفة البيئية الباهظة لشن الحرب وأثرها على الجثث والأرض، وانعكاساتها على المواقع خارج حدود العراق، لكن القصة لم تكن حول حقول النفط المحترقة في العراق، أو الانبعاثات المتصاعدة من  الآليات العسكرية الثقيلة، أو اقتلاع الأشجار وقطعها، أو تعقيدات الأجيال التي يصعب فهمها بسهولة، بل كانت سردًا عن رجل يعيش في الولايات المتحدة وقد شعر بحاجة إلى الخروج على الرغم من ملوثات الهواء الخطرة في الخارج.

لقد شعر هذا الرجل بالحاجة إلى استنشاق الهواء… وما يحصل يشبه تمامًا ما حصل في أيام الغزو المغولي للعراق عندما احترقت مكتبة بغداد العظيمة. قيل إن الحبر السائل وقتها من الكتب صبغ النهر باللون الأسود، وإن السكان شربوا قدر ما استطاعوا من مياهه ليحافظوا على بعض المعرفة. لكن، متى سنشرب نحن من الماء، أو نتنفس الهواء المنبعث  من كل ما احترق في حروبنا الأخيرة في العراق؟ متى سنحتفظ بأي جزء من المعرفة يتساقط أثقل من الرماد المنبعث من حرائق الغابات في حروبنا العالمية؟

أوقف الشتاء الحرائق في كاليفورنيا وسمح لعمتّي الوحيدة أن تأتي لزيارتي. لقد غادرت عمتي العراق بمرارة، عام ٢٠٠٧ بعد أن عايشت الحرب الإيرانية العراقية في مدينة البصرة الحدودية، ونسّقت الزهور في قذائف صاروخية فارغة وزيّنت بها غرفة جلوسها كما قدمت بفخر نبيذّا صنعته من التين.

وقد ذكرت لي ذات صباح أن جدّي احتفظ بكتاب أحلام. كتاب دوّن فيه تفسير وتسجيلات خاصة به بالخط الأرمني وقد حمله معه من يوزغات.

كان جدّي يبلغ الثالثة عشرة من عمره عندما عاد إلى المنزل ليجد أفراد أسرته مقتولين جميعًا، فغادر تركيا سيرًا على الأقدام. وصل أولاً إلى بيروت وبعد فترة وجيزة انتقل إلى بغداد ليقيم في مخيّم للأرمن والآشوريين الناجين. تزوج بعدها، وأنجب أطفالًا، وظلّ يعود من وقت إلى آخر إلى بيروت لتلقي العلاج في مشفىً أقيم أيضًا للناجين، وقد ظل على هذه الحال مدّة  خمسة عشر عامًا، قبل أن أولد في نفس المشفى. التُقطت إحدى هاتين الصورتين اللتين أملكهما له في حديقة المشفى.

أرتني عمتي الصورتين في نفس اليوم الذي أخبرتني فيه عن الكتاب، وعن عناء السفر الذي كانوا يتكبدونه لزيارته، من بغداد، إلى بيروت، وعن الرسائل التي كان يكتبها لهم. رأيت عينيه للمرة الأولى وشعرت في داخلي برهبة. وجهه القاسي وسترته المبطنة الناعمة.

حاولت خلال الفترة القصيرة التي عشتها في بيروت، العثور على ذلك المستشفى. قيل لي أن جدي دفن في مقبرة مجاورة لموقع المستشفى القديم، فطلبت من صديقي الذي شجعني على كتابة هذه القطعة مساعدتي في التنقل في الموقع. لكن جهود بحثنا باءت بالفشل، إذ علمت لاحقًا أني أعطيت اسم المستشفى الخطأ.

لعلّي أجد يومًا المكان الصحيح. ربما سأجده هناك، أو ربما ستكون الرحلة غير مجدية، مثل الثوب الذي ارتديته في رحلتي هذه، فستان أبيض التصق بجسدي جرّاء رطوبة صيف بيروت المزدحم… اختيار أحمق للملابس، تمامًا مثل الرحلة.

ما الذي كنت أفكر به؟ أن أقيم جنازة مرتجلة لرجل لم أعرفه من قبل؟ هل أشار صديقي إلى اسمه، ساحاك، بلغة لم أفهمها؟ وتاريخ عائلي حرم أولاده، مسبقًا، أن يجتمعوا معًا للأبد؟

بعد مائة عام من فرار ساحاك من يوزغات، أشعل حفيده، ابن عمي، بالتعاون مع رجال آخرين حريقًا في سجن تركي كان يُحتجز فيه مهاجرون وفرّوا من المكان.

على عكس ساحاك، لم يكن ابن عمي وحيدًا في ترحاله، فقد هرب من بغداد مع زوجته وابنتيه الصغيرتين ماريا وناتاليا، وهو يحمل ابنه الأصغر على كتفيه في رحلة عكسية الاتجاه، من بغداد إلى يوزغات. وفي السنوات الأولى من القرن الحادي والعشرين، في ظلّ المعاملة  الوحشية في العراق، كانوا هم أيضًا يسيرون على الأقدام عبر تركيا، في محاولة للهروب من ظلم ضباط الدولة.

وبعد أيام من الانهيارات والنوم خلف الصخور، والتحاقهم بمهاجرين آخرين على طول الطريق، تم إلقاء القبض عليهم، ففُصلت النساء عن الرجال. وزجّ بهم في السجون التي أطلق عليها اسم المخيمات. احتجزوا الرجال أربعة عشر يومًا ثم أضرموا النار في المكان. ركضت  ناتاليا، التي كانت بالكاد في أولى سنوات المراهقة في ذلك الوقت، بسرعة نحو والدها عبر ألسنة اللهب.

صارت ناتاليا اليوم امرأة شابة، وهي تعيد سرد الحادثة كذكرى من ذكريات الطفولة. تقول إنها سعيدة، وتحب تورنتو. لقد كوّنت صداقات حميمة. وأنا أكنّ لها الكثير من الحبّ. أريد أن أعانقها وأن أغلق عينيّ على كل تلك السنين. أتساءل إن كانت قد تعثرت بنفس الصخور التي تعثر بها ساحاك. وأتساءل عما كتبه في كتاب الأحلام ذاك، وإذا كانت تفسيراته تتماشى مع الأوصاف الموجودة بالداخل.

أتساءل ما الذي يحويه كتاب جدّي في طياته، وهل هو مثله، يرقد الآن في بيروت، في شقة إحدى حفيداته (واحدة من بنات عمومي) التي تنتظر هنا، مع عائلات أخرى، للسنة الرابعة على التوالي منذ مغادرتهم بغداد، ليس طلبًا للعلاج في بيروت كما فعل جدّي، ولكن للحصول على أوراق قد تصل أو لا تصل.

هل علم بما سيجري؟ هل رآه؟ هل قتلته الرؤى في ذلك المستشفى؟ أم أنّ الأمر كان أكثر بساطة. جسد أنهكه كل ما شهده، ولازمه المرض طوال حياته، حتى فارق الحياة.

لم أر غير الصورة التي ذكرتها سابقًا سوى صورة واحدة أخرى له، مأخوذة من مسافة بعيدة. كان يجلس القرفصاء على تلة منخفضة، بينما يتمدد حيوان قرب قدميه.

هل كان سيؤلمه أن يرى ما حل بأولاده وأولادهم؟ أم أنه سيشعر بالارتياح لعلمه أنهم غادروا؟ هل أحب تلك المدينة كما أحبّها أولاده؟ تلك المدينة التي مات له فيها ولدان رفضا مغادرتها. هل كشفت له أحلامه يوماً أن بغداد ستهتزّ بالنار مراراً وتكراراً في نوبات من التدمير صنعها الإنسان؟ تدمير يعادل سنوات من البراكين المتواصلة.

كانت التلال تهتز تحت قدمي وأنا أجري عندما كنت في الثالثة عشر. كان ذلك  قبل ولادة ناتاليا بوقت طويل، كنت قد وصلت إلى وجهتي، أميركا، منذ فترة طويلة. وكنت، في شتاء سنة ٩١، أنعم بدفء البطانيات وبأوراق الثبوتية القانونية، وقد حلمت حينها بأضواء تتدفق من سماء خضراء. قصصتُ رؤياي على صديقتي المقربة في اليوم التالي، وبعد أيام قليلة بدأت حرب الخليج. رأيت على شاشة التلفاز نفس تلك الأضواء المتدفقة، والسماء الخضراء نفسها.هرعت صديقتي إليّ في المدرسة، وأخبرتني بحماس أنني يجب أن أكون عرّافة. أمضيت الشهر التالي أشاهد الأضواء الخضراء مرارًا وتكرارًا، كانت الأخبار تحدد أماكن تدفقها بالخرائط، وصار وجه صدام يطبع على شرائط المبيعات الصفراء ولفائف ورق الحمّام. كنت أعلم أنهم يروننا جميعنا مثله.

ذهبت برفقة والدتي إلى بغداد بعد سنوات قليلة من انتهاء الحرب الأولى. كنت وأبناء عمومتي نستلقي في الظلام قبل ان ننام، وكنا نتشارك الغرفة سوية، جميع أحفاد ساحاك. همسوا لي يخبرونني عن الليالي التي هزت منازلهم، والانفجارات المتساقطة من السماء. ظنوا أن العالم كله ينهار. لم توقف الأرض اهتزازها أبدًا.

بعد عقد من تلك الليالي، بدأ الغزو الثاني، فلم يعد هناك سرير نستلقي عليه ولم يعد هناك منزل أو أي مكان في الوطن نعود إليه. صار  الوطن كندا أو ألمانيا ونيوزيلندا والسويد. أصبح  شاشة تبث التجمعات، والولادات، وفي كثير من الأحيان ، وفاة شخص ما، بالكاد نتذكره .

كتاب الأحلام مكتوب بلغة لا أستطيع قراءتها. قبل عدة ليال من كتابة هذا النص، حلمت بالجبال والثلج، وأنني وأنا أمشي فوق القمم، صادفت جثة كبيرة لحيوان غريب أمامي. وعندما نظرت عن كثب ، رأيت أنها  لم تكن  الجثة الوحيدة. كانت الجثث  في كل مكان حولي وقد جُمع شعرها وبشرتها وحوافرها الداكنة في حزم متجمدة. رأيت  صديقتي أيضًا، نفس صديقة الطفولة التي أخبرتني قبل ثلاثة عقود أنني يجب أن أكون عرّافة. رأيت الثلج يتساقط ، وأنها تقول لي أننا سنكون على ما يرام، لكننا يجب أن نعود إلى المنزل. واني كنت أعلم أنها كانت مخطئة، وأنها أتت من مكان مختلف. نظرت عبر الليل وأسفل المنحدر العميق، فرأيت  فرو حيوان ضخم، بحجم الجاموس، نصفه مدفون في الجليد المتوهج في عتمة الليل، كان يرقد بلا حراك على بعد أقدام قليلة مني. كأنه كان بحثًا بلا نهاية.  في الأعلى، في السماء، على بعد أميال من الأرض كنا مغمورين بالثلج الرطب، كنا نحترق.

***

يقال إن العراق دولة مبنية فوق محيط من النفط. جفت البحار الضحلة والمخلوقات التي كانت تطفو بداخلها، ودُفنت هناك ثمّ ظهرت على مدى ملايين السنين في السائل الذي سيتحكم  بالمستقبل في نهاية المطاف. حولتها  حرارة الأرض المرتفعة إلى موارد طبيعية، بعد ملايين السنين، أصبحت الكائنات الحية على تلك الأرض أيضًا موردًا لما يسمى التقدم. إن التضحية بالحياة العراقية، التي تم عرضها على الشاشات في جميع أنحاء العالم في عام 1991 وأطلقت عليها الجيوش التي شنّتها  اسم حرب الفضاء الأولى، ستُستخدم لتسجيل جلسات المحاكمة، ولفرض التكنولوجيا التي تتحكم في هذا العصر بالحركة العالمية للمعاملات والتبادل، ونظام تحديد المواقع العالمي (GPS) ، الحروب على الإرهاب ،المعلومات المضللة، وتراكم الثروة الناتج عن محاولة إبادة الناس والتجربة البشرية على حدٍ سواء.

يقال إنك إن رميت حجرًا في أغنى آبار النفط في العراق، يمكنك أن ترى الدخان يتصاعد.  يتسرب السائل اللزج، من وقت لآخر، من طبقات الأرض المسامية، مكونًا بركًا سوداء وينابيع على سطحه. ظلّت الآبار تحترق، في ظل الاحتلال، عند دخول قوات التحالف الأمريكي حتى مجيء داعش،  وظل الغاز يلتهب، ويتسرب النفط إلى المنازل، وإلى حناجر الأحياء والأجيال التي لم تولد بعد… ومع ذلك ، هناك طرق أخرى لتوليد الحرارة وعواقبها تعيد تشكيل الحياة.

يكتب إلينا الفنان سجاد عباس من بغداد حيث شهد احتراق السيارات والأجساد والفرص.  يوثق عمله المقاومة المستمرة للطمع واللامبالاة التي تقف وراء الجشع المسبب لحرق بغداد.

استشهد الناشط والشاعر صفاء السراي في بدايات الانتفاضة العراقية الشعبية عام ٢٠١٩، إثر تصويب عبوة غاز مسيل للدموع على رأسه مباشرة.

يواصل الروائي والشاعر والاستاذ غزير الإنتاج سنان أنطون عمله في إلقاء الضوء على شعراء العراق كشكل آخر من أشكال المقاومة في ترجمته للعديد من أعمال الراحل صفاء السراي. يقوم  أنطون بهذا العمل من أجلنا نحن فقط،  لمن عرفه منا كرمز، كواحد من بين كثيرين لن تتاح لهم الفرصة أبدًا لمشاركة كلماتهم مع عالم تم اجتزازهم منه.

في رؤىً واسعة ومؤثرة، وعناية بأدق تفاصيل المشاهد الشخصية والمادية، تأخذ الفنانة جنان العاني التكاثف العنيف للإعلام في العراق وتعكس مساراته عبر تجارب دلالية، في تأثيره على الأرض والحياة. تستحضر صورها، والبحث الطويل الذي يغذيها، التاريخ وبصماته الجسدية، بتوجه واثق ومحب يطرحه استفزاز آسر. 

أمضت الفنانة ريم القاضي سنوات عدة  في عملها البحثي ” حقل مجنون ” ، أحد أكبر حقول النفط المعروفة ، والذي سمي “مجنون” لغزارة إنتاجه.في جنوب العراق ، تلجأ  القاضي إلى استخدام  أسلوب تحويلي حميمي للفهرسة لبناء روايات بديلة عن طبيعة غزارته وسبب تسميته. في تجربة للصورة واللغة، تأخذ من أكثر الوجود ثباتًا في هذا المجال، الشعلة، لتكشف عن موقع ينتج أكثر بكثير من مجرد بدائية مذهلة. تُبرز ريم، في تجربة ترتكز على الصورة واللغة، أكثر سبب لاستمرارية وجوده، الشعلة، للكشف عن موقع ينتج أكثر بكثير من النفط الخام الهائل..

قدم عالم الأنثروبولوجيا الطبية والموسيقي الدكتور عمر ديواشي بحثًا شاملاً وأصليًا حول الآثار المعقدة والواسعة النطاق لحروب العراق على جسم الإنسان وعلاقتها بأنظمة الرعاية الطبية التي تهدف إلى معالجتها. بدءًا من الجرح البسيط  وصولًا إلى الهجرة العميقة، يركز عمل ديواشي  على المواد الأكثر هشاشة والأكثر أهمية في الحرب، ألا وهي لحمنا.

في هذا السياق، يتخذ المساهمون في العمل ثبات اللهب والرغبة في الاحتراق، وما تحتّمه علينا، والتركيبات الجديدة التي تتركها وراءها. في ما يخص العراق، يعيد كل فرد تشكيل هذه القوة، في السياق الثابت للاستخراج من خلال النار ومقاومتها المقابلة في الشكل المادي والمكتوب والمتخيل.

العدد: 03 03/22_08/22

ش.ب.ح 

تحرير: ميران أرسانيوس

مساهمات نصية من هيثم الورداني ولمى الخطيب، سونيلا موباي، كريستيان نيامبيتا، سلمى شامل، وآسيا ودود

مساهمات فنية من ماكسيم حوراني

ب.ش.ر

تحرير: سمية قاسم علي

مساهمات نصية من مجد الشهابي، أليكساندرا شريتح، كولرخ نفيسي ، هشام صفي الدين ، وهنا سليمان

مساهمات فنية من ألين ديشامب

ح.ر.ق

تحرير: ريجين ساهاكيان

مساهمات نصية من سجاد عباس، جنان العاني، ريم القاضي، سينان أنطون، وعمر الدواشي

مساهمات فنية من سجاد عباس، جنان العاني، ريم القاضي، وعمر الدواشي

أي سحر هذا؟

ترجمة: حسين ناصر الدين

يلعب جوني دِب في فيلم تيم بورتن “ظلال داكنة” (Dark Shadows)، المقتبس عن مسلسل كوميديّ قوطيّ بُثّ في أميركا في الستينيات والسبعينيات، دور برنابس كولينز، الميّت الحي، الذي يوقظه عمّال البناء من دون قصد، بعد سبات دام لقرون. في إحالةٍ كلاسيكيّةٍ لأفلام السّفر عبر الزمن، يرى برناباس (هو، الذي لم يكن مسافراً عبر الزمن بقدر ما كان مسافراً فيه) الأخوين The Carpenters يؤدّيان أغنيتهما المشهورة “على قمّة العالم” (On Top of the World) على التلفزيون. يهرع برناباس بغضبٍ وانزعاجٍ نحو جهاز التلفزيون الخشبيّ المزخرف (تجري أحداث الفيلم ويحاكي ديكوره فترة السبعينيات)، ويبدأ باقتلاع الأشرطة الكهربائيّة من أحشائه. “أيّ سحرٍ هذا؟” يسأل برناباس نفسه، ثمّ يوجّه كلامه إلى المغنية صارخاً: “اكشفي عن نفسك، أيتها المغنواتيّة الصغيرة!”.

انتشرت عبارة “أيّ سحرٍ هذا؟” في العديد من الميمز، التي تسخر بشكل عام من اللاضيين وقليلي العقل الذين يتعوّذون من السحر والشعوذة في كلّ مرّة يرون فيها ما يفوق إدراكهم المنطقي أو الحسّيّ.

هذه الصور مضحكةٌ فعلاً، لكنّ التساؤل عند رؤيتها، يعود دائماً إلى الجوهر الإبادي للحداثة وأخطائها التي رسمها المشروع التنويري بالدّم. كان التقدّم لدى الحداثيّين مرتبطاً بدوافع عديدة، لكنّه كان متّصلاً بشكلٍ أساسيٍّ بالرّغبة في ترتيب العالم في تصنيفاتٍ وخاناتٍ وأطرٍ محدّدة. لذا، ليس من المفاجئ أن نجد أنّ الشعوب والمجتمعات التي لم تقدر على تطبيق هذه التصنيفات أو على التمييز بين الرمز والواقع، قد صُنّفت تلقائيّاً على أنّها مجتمعاتٌ بدائية، أو مُستعمَرة، أو مجنونة أو هستيرية أو طفولية، أو كلّ ما هو ليس بشري.

من ذا الذي يقدر أن يميّز الفرق بين الكائنات الحية الفاعلة وبين المفعولات الجامدة؟ بين البشر وغير البشر؟ بين المتحضّرين والمتخلّفين؟ ومن هم أولئك الذين يركضون نحو الهضاب ويتعوّذون بالسحر عندما تنقصهم المعرفة العلميّة الكافيّة لتفسير ظواهر قد تكون بديهيّةً لغيرهم؟ بالنسبة لفرويد، وكثيرين من البيض في تلك الفترة، كان جواب ذلك السؤال واضحاً: “الهمجيّ”. يؤمن الهمجيّ بأنّ الرموز تستمدّ قوّة مراجعها، وأنّها تتشارك معها بطاقةٍ مشتركةٍ (الطلاسم مثلاً)، وهو إيمانٌ يخلط بين الرمز وبين الواقع[1]. دأب علماء الأنثروبولوجيا على تسمية هذا النوع من الإيمان أو المعتقدات بالروحانيّات، وهو نظام عقائديٌّ لم يُبنَ على مبدأ الـ”طبيعة الموضوعيّة المؤلّفة من حقائق مطلقة” من جهة، والإنسان المفكّر المنفصل عنها من جهةٍ أخرى، الإنسان المنشق الذي ما هو إلّا الرّجل الدّيكارتي الحديث[2].

رغم كلّ ذلك، لم يلتزم الحداثيّون أنفسهم بالأطر والخانات التي تعبوا في تسطيرها وترتيبها بعنايةٍ وإتقان، يكفي أن نلمّح إلى الدوافع والغرائز الذاتيّة والجنسيّة، والقلق والمخاوف غير المنطقية التي لازمت الدوافع الحداثيّة. كشفت المسائل شديدة الإلحاح التي تواجه الكوكب اليوم عن القيود المعرفيّة للفكر الديكارتيّ[3]، وصارت النظرة إلى الرّجل الحداثيّ كحاملٍ ومسبّبٍ لتراكماتٍ من الأحداث البيئيّة الكارثيّة- من اكتشاف ما عُرف باسمِ العالم الجديد إلى الاحتباس الحراري- تكتسب اقتناعاً واقبالاً متزايدين في الأوساط الأكاديميّة وبين الناشطين على الأقل.

إضافةً إلى ذلك، أدّت قدرات الحوسبة المتزايدة بشكلٍ مستمر، إلى ما يمكن إحصائه، وما يمكن التنبّؤ به ونمذجته، إلى تصدّعٍ في المفاهيم المتعارف عليها عن الزمن التسلسليّ، والذاتيّة والفرديّة والفاعليّة بطرقٍ غير مسبوقة. في بيئة الأسواق الحرّة، تُحوّل مفاهيم البيئات الحضريّة التي تشمل البشر -وشبكاتهم الكهربائية ومنازلهم وحافلاتهم وغيرها- المدن إلى أنظمةٍ شديدة التعقيد وذاتيّة التنظيم. الأمر الذي يحرّك عناصر متباينةٍ في تدفّقٍ واحدٍ فعّال، وهو ما يصير واضحاً عندما نفكر في السبرانيات، وإنترنت الأشياء (IoT)، والمدن الذكية، إلخ…[4]

تتآكل تصنيفات الواعي وغير الواعي بشكلٍ مطّرد ضمن هذه الترتيبات[5]، حيث يستمر كلٌّ من البشر والأشياء بتشكيل واحدهم للآخر باستمرار، وتجاوزه وتحريكه. تتآكل أيضاً فكرة الإدراك أو الفكر العقلاني كنظام مهيّأ لمعالجة تعقيدات العالم. في الوقت الذي تتآكل فيه هذه المفاهيم، يظهر بدلاً عنها اقتناعٌ بكينونةٍ لعالمٍ مبنيٍّ على متغيّراتٍ واسعةٍ ومعقّدةٍ، حيث لا يمكن إلّا للذكاء الحسابي أن يفهمها وأن يستمر في العمل ضمن معطياتها.

تندلع عن تفوق هذا النوع من الحوكمة الخوارزمية، باعتباره منطقاً تنظيميّاً معمّماً -من خلايانا العصبيّة إلى العالم بأسره- أشكالًا جديدةً من الروحانيات، تقلب الانقسامات الميتافيزيقيّة الأخرى والأكثر جوهريةً، رأساً على عقب: انقسامات مثل القدرة، من خلال التمثيل الرمزيّ -أيّ اللغة بشكلٍ أساسيّ- على تقييم العالم من ناحية، وقدرة أخرى تتبع تاريخياً للأولى، تتيح العمل في العالم من خلال التقنيّة، أي إنتاج أدواتٍ من صنع الإنسان لتشكيل البيئة[6]. تؤمن هذه الروحانيّات الجديدة بأنّ المقاييس التي تنتجها الأدوات الحسابيّة ملاءمةٌ أكثر من التفكير والتحليل لإعطاء صورة عن العالم[7].

وبالفعل، كان انتزاع بروميثيوس النار من زيوس يهدف أيضاً إلى علاج عجز الجنس البشريّ في عالمٍ تسيطر عليه الآلهة. جاء مصطلح البروميثيوسية (Prometheanism) للدلالة على الاعتقاد بأنّه لا يمكننا أن نضع حدّاً لمرونتنا أو لمرونة العالم من خلال الوسائل الاصطناعية. تنبع هذه الفكرة أيضاً من الاعتقاد بأنّنا لا نستطيع إلّا أن نعرف تماماً ما نصنعه. الطريقة الوحيدة لمعرفة العالم الذي نعيش فيه هي في صنع بديلٍ تركيبيٍ للعالم العضوي، الذي لا يعرفه إلّا “الله”، خالقه[8].

يجب التنبّه مع مثل هذه التحوّلات الجذريّة في نسيج التجربة الحياتيّة، إلى عدم الوقوع في قصر النظر التاريخيّ الذي ينطوي على الكثير من التنظير من حافّة الأوقات الاستثنائية (“العالم لم يكن هكذا من قبل” ، “نحن نعيش في زمن”…). من بين موضوعات البيانات التي تتدفّق بلا احتكاك، تنبثق أشباح الماضي الوحشيّ الثقيلة، والتي لا تزال موجودة في الحاضر وقد شكّلت المستقبل بالفعل. أشباح أولئك الذين تعرّض وضعهم كبشر للهجوم الدائم، وأولئك الذين تم اختطافهم والاتجار بهم كممتلكاتٍ بشريّة، والذين تم استخراجهم مثل الكربون، أو تدجينهم كأنّهم حيوانات، أشباحٌ تعيش في أنقاض عالمٍ وتحترق من خلاله وعبره.

نقترح في هذا العدد من “المشتق” ثلاث كلماتٍ لثلاثةِ محرّرين ضيوف جدد. كلماتٌ تستحضر ميرين أرسانيوس في طيّاتها الشبح، المنتقم المزعج الذي يسعى بإصرار إلى التكفير عن المظالم المنهجيّة العميقة التي ترتكبها البشرية، بينما تخاطب سميّة قاسم علي الإنسان وملامح وكالته والآداب التي تبلور الشخصيّة وتفكّكها من خلال القواعد القانونية والاجتماعية، وتلعب ريجين ساحاكيان بالنار، للوقوف في وجه التطوّر الهندسيّ لآلات القتل الجماعي، كقوّةٍ لإعادة ضبط التاريخ ومحو الحضارات، ولكن كذلك كاستعارةٍ عن إرادةٍ لا هوادة فيها ومعديةٍ للنضال.


[1]براكن، كريستوفر: Magical Criticism: The Recourse of Savage Philosophy. مطبعة جامعة شيكاغو، ٢٠٠٧، ص.٢

[2]فرانك، انسلم. “Introduction.” Animism (Volume 1) تحرير أنسلم فرانك. مطبعت سترنبرغ، ٢٠١٠. ص. ١٢

[3]لاتور، برونو. We Have Never Been Modern ترجمه كاثرين بورتر. مطبعة جامعة هارفرد، ١٩٩٣.

[4]سبنسر، دوغلاس. The Architecture of Neoliberalism: How Contemporary Architecture Became an Instrument of Control and Compliance. Bloomsbury Academic ٢٠١٦، ص. ١٧-٤٦.

[5]مبيمبي، جوزف-أشيلي. Brutalisme. La Découverte ٢٠٢٠ ص. ٢٦.

[6] المصدر نفسه ص. ٣٣

[7] المصدر نفسه ص. ٨٣

[8] براسير، راي. Prometheanism and its Critics ، تحرير روبن ماكاي وأرمن أفانيسيان. مطبعة MIT، ٢٠١٤، ص ٤٧٧.