إذا سمحت الأحوال الجوية…

العدد الأول من «المُشتَق»

نطلق اليوم العدد الأول من «المُشتَق» والذي من المُخطط له – إذا سمحت الأحوال الجوية – أن يغدو إصداراً نصف سنوياً، ينبع من احتياجنا للاشتراك في التفكير بل وفي الشعور أيضاً. لقد وجّهنا الدعوة لثلاث محرّرات/ين اقترحنا على كل منهن/م جذراً ثلاثياً، نستشرف فيها مفاتيحَ مقبوضة، عسى أن تفُضَّ لنا اشتقاقاتها ما أحاط بنا من عُقدٍ. نتأمل في مَجمع تلك الانفراجات معالمَ دربٍ ما، قد يُفضي إلى حل سلسلة من أعسر المعضلات وأكثرها إلحاحاً. ما معنى مثلاً أن تتردد على لسان طفلة عمرها سبع سنوات أصداء كلمات عمرها 400 عاماً؟ ما هي معالم ذواتنا وقتما ننتظم في أشكال جمعيّة مغايرة، حتى لا يجوز فصل الواحد منا عن الآخر، وما هي أشكال القانون والمراقبة الجديدة التي سوف نخضع لسطوتها؟ كيف نرى أجسادنا، حينما لا يعني العناية بصحّتنا إلا ضمان حماية المستضعفين منا؟

1 – اعتقل 1……. واجه 100

“ما تخلّوهن يستفردوا فينا.” هكذا يحذّر المتظاهرون بعضهم البعض، كي لا يتأخّر أحدهم عن الحشد وحتى يرتصّ الجميع، تجنّباً للتعرّض للاختطاف من قِبل الدرك أو الجيش أو الزعران.

يوم 16 تشرين الثاني 2019، يقف سامر بين حشد من الناس على جسر فؤاد شهاب المعروف باسم “الرينغ”. وكما اقتضت العادة، قطع المعتصمات/ون السير على الجسر، وصرن/صاروا يهتفن/ون رفضاً لإخلاء الطريق إلى أن تتحقّق مطالبهن/م بالعيش الكريم والتحرّر من عقودٍ من الفساد والنهب الممنهج. وكما اقتضت العادة أيضاً، تندسّ عناصر مخابرات الأمن والجيش في ثيابهم المدنية بين المتظاهرات/ين، ن محاولين غرس البلبلة بين صفوف الحراك.

يقرّر سامر ورفيقه علي، وقد ساورتهما المخاوف حول تردّي الوضع، أن ينفصلا عن الحشد وأن يعودا أدراجهما إلى منزليهما. وبعد أمتار قليلة وعلى الطريق المؤديّة إلى حيّ الجميزة، يعترض طريقهما رجال مخابرات الجيش في ملابسهم المدنية، وسرعان ما يغيبان عن أبصار رفاقهما على جسر الرينغ. سرعان ما أصيب علي بكسر في ظهره من جراء ركلة استهدفت عموده الفقري، بينما اصطفق وجه سامر بأسفلت الطريق. هكذا بدأت وقائع الشدّة التي تعرضا لها على مدار يومين اثنين، إذ عصبت عيونهما قبل أن يتم اختطافهما وضربهما وإهانتهما وتهديدهما بالسلاح مراراً وتكراراً. درس عسير تعلّمه سامر وعلي وغيرهما الكثيرون، عن المعنى الحقيقي للعُصبة وقوة العدد. وحقاً، أدرك الحراك سريعاً أنه طالما هو كتلة يتعذّر تمييزها، فإن العزة لها، وبمجرد انفصال المتظاهرات/ين عن الحشد، أفراداً أو زرافات، صرن/صاروا ضعفاء يسهل استهدافهن/م.  

لا يسع كلاب السلطة إلا استهداف مَن يعتقدون في زعامتهن/م: أي أولئك ممن تتبادلن/يتبادلون دور ترديد الهتافات في قلب الحشد. ولما كانت قوة ما تتلفظ به الجماعة هو أصلاً سبب تمييز هؤلاء الأفراد، فإن المتظاهرات/ين تضخّمن/يضخمون صوت الجماعة عند كل حادثة توقيف أو خطف أو استدعاء أو تحقيق. وبمجرد إطلاق سراحهن/م تعدّن/يعودون إلى صفوف الحشد وتذكرن/يذكرون كيف كان صوت الجماعة يخترق جدران المخفر أو المحكمة فيصل إليهن/م. كم كانت تبث في أنفسهن/م الطمأنينة، وكم كانت تخل بتوازن السلطات تلك الهتافات التي تذكّرهم بأن من اجتُثَّت من وسط الجماعة تنتمي لجسد أكبر: “اعتقلوا واحد، بينزل مية” يهتفن/ون، و”مش خايفين مش خايفين اعتقلوا كل المعتصمين.”

2 – هتاف… رَجْع

ثم نتابع أخبار النضال القاصي والداني، نضال يعيد تأجيج قلوبنا في اللحظة التي نشعر فيها بانطفاء جذوتها.نضال قديم، نابع من تاريخ أكثر ظلماً وظلاماً وقهراً. لا تبث تلك الأخبار في نفوسنا أملاً وصموداً فحسب، وإنما تجعلنا نمعن النظر في أنفسنا، وفي إخفاقاتنا وفيما جهلناه. نتواصل مع رفاق يفصلنا عنهم المحيط، ونتعلّم منهم دروساً ثمينة. لا يكون التضامن بالعبارات الفارغة، بل إن ثمة الكثير مما ينبغي عمله. ثمة حياة سود مهمة هنا أيضاً، ثمة حياة فلسطينية، ثمة حياة سورية، حياة عراقية…

في الرابع من حزيران 2020 انطلقت مسيرة في بروكلين احتجاجاً على مقتل جمال فلويد، وهو رجل أسود في الخامسة والثلاثين من عمره مات مختنقاً بعد أن رشّه السجانون في مركز احتجاز متروپوليتان برذاذ الفلفل في زنزانته. تقف وينتا-أمور ذات الأعوام السبعة أمام مركز الاحتجاز، صوتها الرنان ينضح من جسدها الضئيل: “ردّدوا اسمه” فيأتيها رد الحشد الهادر. في داخل مركز الاحتجاز، يبدأ الموقوفون في الطَرقِ على قضبان زنازينهم. تسمع وينتا طرقهم: “هل تسمعون الطارقين؟” يصدح سؤالها، “إنهم ينشدون الحرية.”

“ردّدوا اسمه” هتافٌ يرفض أن تذهب أرواح ما لا يُحصى من السود الذين قُتلوا بأيدي الشرطة، من دون أن تتجاوز كونها إحصاءات مجهولة. ولكن، كيف لنا أن نوَفّق بين ضرورة التفرّد هذه – أي تسمية كل فرد قُتِل من جراء وحشية الشرطة، ورد آدميتهم إليهم بعد أن ذبحوا كالبهائم، وإحصاءهم على نحو لا يخلو من الهوس – وبين حقيقة أن كل من هذه الوفيات تمثّل حياةً اجُتُثَّت من أسرة وجماعة، حياةً كتبت نهايتها يد تفرقة عنصرية ممنهجة، ودمرتها ماكينة تقمع حياة السود منذ قرون؟

يقول عضو سابق في حركة «الفهود السود» أطلق سراحه حديثاً بعد أن أمضى قرابة الخمسين عاماً في السجن، وقد أثارت مشاعره مشاهدة مقطع الڤيديو الذي تظهر فيه وينتا-أمور: “إنه ألمٌ عمره 400 عاماً، وها هو يعبُر من خلال هذه الطفلة الصغيرة.”

3- شو بدنا نحكي لنحكي؟

يظل تبادل الحديث مع سائقي السرڤيس أسرع وسيلة لتحميل الأخبار، فهو من دون شك أسرع من أي إنترنت في هذه المدينة. وفي هذه الأيام، يحقق أي تعاطي مع آدمي آخر الغرض نفسه. على سبيل المثال، فإن المشي من بائع القهوة إلى الحلاق على بعد شارع واحد يوفر لي العناوين الرئيسية: سعر صرف الدولار وعدد حالات كوڤيد-19 الجديدة وما نقِصَ من قائمة الدعم الحكومية ومعدّل انقطاع الكهرباء المثير للجنون والغلاء المستحيل…

إن نطاق البطش المتاح تحت تصرف النظام لهو واسعٌ وِسعَ الجحيمِ نفسه. من الروتين المضجر وصولاً إلى الدموية، يستنفذ وقتنا الثمين في ازدحام المرور وبيروقراطية الدولة، بينما يرتكب مجازر جماعية. يعجز عن تأمين مياه الشرب، بينما يُغرِق منظومات بيئية بأسرها من أجل أن يضع يده على المزيد من الأراضي. يحبسنا في مدن ملوثة لا نَفَس فيها، بينما يشوّه سلاسل جبلية عتيقة من أجل استخراج الأسمنت. يفضي بنا إما للانتحار أو للإصابة بالسرطان، ويردينا قتلى على الطرقات إن تجرأنا على المطالبة بعيش أفضل.

كيف لنا أن نخاطب هذه الحملة الشعواء على كرامة الإنسان وغير الإنسان؟ كيف لنا أن نتناول عواقبها، بعيداً عن رصد الحال قهراً اليوم تلو الآخر، وبعيداً عن إحصاء سائق السرڤيس لحقائق مؤلمة صارت عاجزة عن التعبير عن عمق البطش؟ كيف لنا الوقوف على هذا كله، بعيداً عن اللجوء للحقائق والإحصاءات؟ وكيف لنا أن نقوم بكل هذا من زاوية خصوصية السياق، ونحن قادرون على العبور للتضامن مع نضال شقيق؟

هكذا يأتي «المُشتَق» سلسلة من التجارب في أنماط خطاب تشتبك وهذه المُعضلات. وجّهنا الدعوة لكل من إدوين نصر وريّا بدران وهشام عوض لتحرير العدد الأول، ومن ثم أطلقنا صيرورة قوامها تشكيلة من القراءات المشتركة والنقاشات الجمعيّة تتناول ثلاثة اشتقاقات: فرد وصدى ورقم. استكتبَت/استكتب كل من المحررات/ين خمس مساهمات/ين، فأتين/وا بنصوص تباينت أجناسها. وجهن/وجهوا الدعوة أيضاً لفنانة/فنان (أو خمس دي جيه في حالة إدوين) لتناول الثيمة في أشغال فنيّة تصاحب الكتابات المنشورة. وضع أيمن حسن (ستوديو زُمرة) واجهة تعكس هذا الاشتباك والفضّ، كما تقدم بمقترح لكيفية القراءة، يتيح تراكما وحراكاً متدرجا للنصوص الأسبوعية، وذلك من خلال عدة مفاهيم محورية. 

لابد لنا من أن نهشّم وأن نهدم المرّة تلو الأخرى. ثمة الكثير الذي ينبغي المحاربة من أجله والدفاع عنه، على الرغم من كل ما سلبوه منا. لكننا إن لم نُعمّر ملاجئ تؤوينا على درب طويل، طويل كدربنا، إن لم نخلق مساحات نشترك فيها في التفكير وفي الوجود ونستلهم فيها بعضنا البعض، بل ونستمتع فيها مع بعضنا البعض، فقد خسرنا نصف معركة النضال بالفعل. وما هذه إلا محاولة متواضعة لوضع حجر الزاوية لجماعة في اتّساع مطرد، حضورها الروحي مقرون راهناً بالشبكة العنكبوتية، بانتظار أن نلتقي وجهاً لوجه مجدداً.

ترجمة: محمد عبد الله

المشتق: نشرة جديدة لا مناسبة لها

المُشتَق: هي نشرة الكترونية فكرية ثقافية، لا مناسبة لها في ظل هذا الوضع الراهن المنهار في لبنان سوى أنها جزء طبيعي من عملنا في مركز بيروت للفن، ولأننا نردد دائما وخاصة في الأشهر الأخيرة أننا نعيش في ظروف استثنائية طارئة، أصبح الطارئ هو الميزة الطبيعية لعملنا في هذا البلد. تأتي هذه النشرة الدورية كمساهمة في إنتاج معرفي وفكري يتمعن بالقضايا الثقافية لمنظومة اجتماعية سياسية، وقضايا تأزم الإنسان في ظل المحاولة الدائمة من النظام الرأسمالي أن يحدد طرق حياتنا ومصائرها من جهة، وفي ظل محاولة التّوق الى السعادة أو حياة أفضل للفرد أو للجموع المنتفضة من جهة أخرى.

المشتق في اللغة العربية اسم أُخذ من فعله، ومن غيره، وله أصل يرجع اليه، أي له جامد لكي يُشتقّ عنه ويتفرع منه. والتفرعات أو المشتقّات لها قواعدها ومساراتها وأنواعها، من تفضيل وتشبيه وصفي وغير وصفي وما دلَّ على معنى وانشق عنه. لهذا أردنا لهذه النشرة الدورية منهجية واضحة تنطلق من جذر الكلمة الاسم الى مشتقّاته وتفّرعاته.

في كل دورة من هذه النشرة سيكون هناك ثلاثة محاور؛ أي ثلاث كلمات ننطلق منها لنناقش ونساءِل كل ما يشتق عن هذه الكلمة من مواضيع وسجالات فكرية ثقافية. والمشتقّ عن الجذر يعني الزيادة على المعنى وتفرعه في اتجاهات تحاول ان تساءل وتطال المعنى الفكري النقدي الاشمل لهذا الجذر، أي لهذه الكلمة المؤلفة من ثلاثة أحرف. كلمات نسمعها مرارا وتكرارا ونكررها بشكل يومي في أدبياتنا ونقاشاتنا، هدر، قلق، هدم، عمل …

تتطرق هذه النشرة الدورية، النصف سنوية ، الى مواضيع لها علاقة بالممارسة المجتمعية من زوايا تفكيك خطاب السلطة وفهم جوانب وسياقات واقعنا بعد إنتفاضة، وانهيار إقتصادي، ووباء وعزلة جسدية، وما أدّت إليه هذه المتغيرات الحادة من علاقات شائكة محلية وعامة، إن كانت على صعيد علاقة الفرد بالدولة وشرعيتها وقوانينها، أي الدعوة الى عقد اجتماعي جديد، أو من علاقات الفرد بالانتفاضة وصوتها، وعلاقته بجسده خلال فترة الحجر، وصولا الى طرح مواضيع مثل الأرقام والبيانات التي أصبحت الشغل الشاغل بعد انهيار اقتصادي ووباء بتنا نلاحقه ايضا بالأرقام والاحصائيات.

نفتتح نشرتنا هذه بمحاور ثلاثة لكلمات ثلاث “ر. ق. م” “ص. د. ى” ” ف. ر. د”. ثلاثة محررون سيناقشون هذه المحاور هم هشام عوض “رقم”، وريا بدران “صدى”، وإدوين نصر “فرد”، ليقوم كل منهم بتكليف خمسة كتاب من أكاديميين ومنظّرين وعاملين في الحقل الثقافي لنشر أوراق تتمحور حول هذه الكلمات الثلاث ومشتقاتها، وتكليف عدد من الفنانين لتقديم أعمال تتفاعل مع هذه المحاور ومع الأوراق المنشورة ايضا. ثلاثة محاور في العدد الأول يتوزع كل محور على خمسة كتاب من اختيار المحررين، أي أننا سنستقبل خمس عشرة ورقة بحثية. سنقوم بنشر هذه “الأوراق والتكليفات الفنية ” أسبوعيا على المنصة، وتباعا خلال مدة تمتد لأربعة أشهر، أي في كل أسبوع حلقة من محور مختلف.

عن الرقم وبياناته في الاقتصاد ما بين القيمة والسعر، عن التاريخ السياسي للإحصائيات وتأثيره على مفاهيم مثل العنصرية والهوية والانتخابات طبعا، عن الجموع والترقيم، وعن محورية الرقم في الاقتصاد اللبناني المنهار، اذ ان الازمة المالية والاقتصادية التي أدت الى أزمة في المنظومة الاجتماعية والعكس بالعكس، وخسارة المودعين ودائعهم في البنوك، إلى المفاوضات مع صندوق النقد الدولي والازمة المعيشية الحادة التي جعلت من حكايات الرقم وترقب سعر صرف الدولار والحديث عن أرقام الفوائد وشكل الاقتصاد ما بين تحكم الدولة وهبوطه الحر الحاد، وضعت هذه الأحاديث الرقم في صلب يوميات المواطنين، أصبح وكأنه كائن حاضر في كل تشعبات هذه الأزمة لا بل من أساسياتها وحلولها.

عن الصدى، الصوت مقابل الصمت مقابل السكون مقابل الفراغ، اللا-إمكانية في السمع، اللا-صوت الذي نشعر به في الفضاء العام، صوت الاحتقان برهة قبل الانفجار، صوت العجز. الصوت حماسة الجموع، انتفاضة الحناجر، إعلاء الصوت في الانتفاضة كوسيلة للتعبير عن الفشل، عن التغير وعن فعل الاعتراض، ضرب على حائط حديدي وعلى درابزين الجسور وقت الاشتباك مع الشرطة كحركة احتجاجية اعتراضية، وتكثيف لصوت الرنين. نقاش عن تجديد الموسيقى وعن أسباب عدم التجديد فيها في زمن الاحتجاجات في لبنان، عن إشكاليات التعبير السمعية الموسيقية في زمن الثورات. وعندما نقول عدم التجديد لا نركن هنا الى نوع معين بل الى حالة اعتراضية رافقت الموسيقى المنبعثة من الساحات، وكان الاعتراض عن عدم قدرة هذه الموسيقى على مجاراة الصوت الجديد للمنتفضين، مع بعض الاستثناءات طبعا، وظهر هذا واضحاً في الراب. نقاش في الصوت الطبقي؛ أي السمع على اختلافه في البيئة الشعبية مقابل البيئة البرجوازية، أي الصوت والصدى في العمارة والأحياء. نقاش في الصوت والسمع وتهذيبهما من قبل الرأسمالية، أي الفراغ الصوتي الذي أرسته هذه السلطة كوسيلة أخرى للقمع.

عن الفرد في دوامة الحدثين الأساسيين في لبنان والعالم، وباء وأزمة اقتصادية، فتحتا الأسئلة على مصراعيها عن مصير الفرد في ظل سيطرة الدولة المركزية ومعنى الانظمة الديمقراطية في ظل الوباء وتقييد حرية الفرد. وقد شهدنا نقاشات على مدى الأشهر الماضية عن نماذج مختلفة لهيمنة الدولة وتضخم دور أنظمة المراقبة ما جعل الفرد في عزلة جسدية ومنتهَك الخصوصية في الوقت عينه، نقاشات حول تغيّر مفاهيم العيش ما بعد الوباء. في لبنان وبعد انتفاضة وأزمة اقتصادية حادة، صارت كلمات مثل الجموع والثوار تختزل أفرادا في كيانات اجتماعية محددة ككتلة متحركة في وقت الهبّات، كشعب بمواجهة السلطة. إختزالية إعادة الفرد الى الدائرة الأولى عند انتهاء المظاهرات واشتداد الأزمة، ليصبح المواطن فردا متروكا لمصيره في تأمين عيشه وفي قلقه وفي انتحاره.

الفرد المتحوّل الى رقم في هذه المنظومة يحاول رفع صوته ولا جواب سوى صداه. لعل الرابط بين هذه الكلمات/ المحاور “فرد”، “رقم”، “صدى”، هو الأنا. إذ يبدو أن كل فعل نأتي به بعد انتفاضة تشرين في لبنان، كل فكرة او كل ممارسة، لا ينفصل عن سؤال “أين أقف الآن”. للوهلة الاولى كنت أريد أن أكتب السؤال كالتالي: “إلى أين نتجه، وماذا علينا أن نفعل لوقف هذا الانهيار على كافة المستويات في لبنان، ومن يدفع ثمن خراب هذا البلد”، ولكنني تنبهت الى أن مثل هذه الأسئلة لا أهمية لها، طالما أن القلق تعدى كونه خوف من شيء واضح طارئ سينتهي مع انتهاء الأزمة، وتحوّل الى أزمة وجود، القلق الذي يفتك بنا جميعا. هذا ليس احباطاً، ولكن في زمن إنهيار الدولة يصبح الفرد وتفتيشه عن خلاصه صدىً لهذا الانهيار ورقم فيه، فرداً يحاول النجاة عبر الهجرة أو الانخراط في الجموع لعل الفعل السياسي الاجتماعي يلهيه عن قدره المحتوم.

أجسادنا تتظاهر، أجسادنا محبوسة في الحجر الصحي. قبل ذلك كانت اجسادنا تسهر، ترقص على إيقاع الفوائد المرتفعة، تيك تاك تيك تاك، صوت ماكينة عد الاموال في البنوك التي لا تخطئ، نرقص على إيقاعها، على وضع اقتصادي موهوم بفكرة الاستهلاك، مديرة البنك تبتسم، لقد استفدتم من كل هذا النظام المصرفي أليس كذلك؟ يتراجع جسدي الى الوراء كمذنب، بسبب ما آل إليه البلد، أنا المسؤول! انا الرقم بين أرقام المسروقين، أنا الصدى المرَجِّع لصوت الفساد.

الشكر لكل من ساهم، وسيساهم في هذه النشرة من محررين وكتاب وفنانين ومصممين ومترجمين.

ف.ر.د

بحلول موعد نشر هذه المقدّمة، سيكون العالم قد تهيّأ للنفاذ بجلده للمرّة العاشرة. أشارت تغريدة على موقع تويتر، حصدت مشاهدات كثيرة، بشكل مازح إلى أحداث الانقراض المتكررة التي تجلّت العام الماضي وما زالت آثارها ملموسة أن «المؤرّخين في المستقبل سيُسألون في أيّ ربع من عام ٢٠٢٠ قد تخصصوا»[1]. أينما وضعنا رؤوسنا، تتابع أحداث تحمل في طيّاتها إمكانية تعطيل التاريخ، الواحدة تلو الأخرى وبسرعة الضوء. كيفما أصغينا يمكننا سماع كل المجتمعات وهي تتعامل مع الأزمات المتلاحقة بارتباك كبير وأسى لا يوصف. في تأويلها لأوّل مجلّدين من كتاب «رأس المال» لكارل ماركس، تحذّر آيمي وندلنج أنّ «الرأسمالية محرّك بخاري فيه عيب في التصميم سوف يعجّل حدوث انفجار بمعزل عن ما يفعله أو يظنّه أي شخص»[2]. ولكن ماذا لو اتضح أن «الانفجار» المتوقّع حدوثه ليس انفجاراً وإنما تراكم لأزمات متتالية لا تترك مجالاً ليلتقط الفرد أنفاسه، بالمعنى الحرفيّ والمجازيّ[3]؟ وماذا يحدث عندما يستحيل فهم هذا التغيير الهائل، أو حينما تتغيّر آليات الحياة اليومية التي أمتثلنا لها يوماً بصورة ليس بوسعنا فهمها؟

تكمن مهمّة كتابة وتحرير قسم من المنشور الخاصّ بـ «مركز بيروت للفنّ» بإنتاج تأمّلات في الحاضر المباشر، على الرغم من جنوح الحاضر للإفلات منّا بفعل جريانه وتشظّيه المفاجئَين. تسعى المساهمات المكلَّفة لهذه المناسبة بمحاولة فهم سيرورة تشكّل الذوات حينما يضطرب نمط الحياة المعتاد بشدّة. تنطلق من افتراض أن «نظام تشكّل الذّات» الذي يكوّن الوعي الجماعي، والذي هو «مجموعة طرق الحياة التي تمثّل وتعيش اللحظة وبنفس الوقت تدوّن التجربة بعقلية وقت تاريخيّ وبفهمه وبلغته»[4] يُزَجّ به الآن في حالة من الفوضى ويُعاد النظر فيه بشكل آنيّ. لتتأصّل هذه المهمّة إذاً، عليها أن تندرج أوّلا في الزمكان، أي المناخ العام المنبثقة منه.

يمكن اعتبار انتفاضة ١٧ تشرين الأول / أكتوبر عام ٢٠١٩ نقطة انطلاق مناسبة للتفكير في الكيفية التي يتحدّد بها تاريخ الحاضر في لبنان. لا شكّ أن الانتفاضة كانت ولا تزال حدثًا مُزلزلا ذو أهميّة لا يمكن قياسها. على الرغم من إخفاقها في تسبيب التحوّل الاجتماعي وفصل قَدَرِنا الجماعي عن بربريّة الحوكمة النيوليبرالية، تجاوزت الانتفاضة تعبيرها الأوليّ وجسّدت أشكال متفرّقة وجريئة من المعارضة غير المنظّمة، التي راحت تنتشر في الأماكن التي دنّستها يوماً شبكات الفساد ورأس المال الوهمي. لم يهمّ ما إذا كانت الظروف المادية أللازمة لتحفيز الزخم الثوريّ موجودة أم لا. في الحقيقة، كانت انتفاضة تشرين بادرة صناعة عالم جديد، ومشروع لنبذ عقود من خداع جثّة الطائفية اللبنانية العفنة للعامّة، وتفكيك البُنى والأجهزة التي أضفت طابعاً منهجيّاً على سنوات من عنفٍ نفسيٍّ واقتصاديٍّ لا يطاق. ولكن بحلول آذار مارس ٢٠٢٠، وصلت الانتفاضة إلى مرحلة حرجة: بدأ الدعم الجماهيريّ يتضاءل، وحلّت خيبة الأمل. ثم جاءت جائحة كوفيد-١٩ والأزمة الصحيّة العالميّة التي تسبّبت بها مزعزعتاً الانتفاضة وجاعلتاً الحقّ في التجمّع والوجود الجماعيّ غير ممكناً. فرضت الدول الأحكام العسكرية وأغلقت الطرقات العامّة والمطارات والحدود؛ أُمِر الملايين بعزل أنفسهم في حين لقي العمّال الذين اعتُبروا «ضروريّين» للاقتصاد حتفهم في أروقة المتاجر والحافلات المكتظّة. انهارت أنظمة الرعاية الصحيّة تحت وطأة تدفّق المرضى الذين لم تَحسب لهم حساباً، ولم تتمكّن من تشخيص طرق عمل فيروس جديد لا يزال فهمه بعيد المنال عن الإطار المعرفيّ للطبّ الحديث. في مقالة رصينة ظهرت في مجلة «فيو بوينت» – ((Viewpoint، يجادل سالار مهندسي بأنّ «الماثل أمامنا ليس مجرّد جائحة، بل العديد من الأزمات المتداخلة»[5]. معتمداً المنطق العكسيّ لدمية ماتريوشكا الروسية ـ حيث تكشف إزالة كلّ دمية عن أخرى أكبر وأكثر شمولاً منها ـ يعزّز حجّته بالقول: «كان لهذه الأزمة آثار كارثية، تحديدا لأنها فجّرت أزمة عضوية نيوليبرالية كمنت وراءها. والأخطر من ذلك، أنّ هذه الأزمة مرتبطة بدورها بأزمة هيكلية للتكاثر الاجتماعيّ الرأسماليّ طويلة الأجل. وتتجلّى هذه الأزمة الهيكلية بدورها، في أزمة تاريخية أعمق للحياة على الكوكب»[6].

إلى أين يقودنا ذلك إذاً؟ يمرّ لبنان اليوم بأسوأ أزماته الماليّة والاقتصاديّة في الذاكرة الحديثة. كنّا على علمٍ بأنّ هذا البلد سينهار في النهاية؛ فقد تمّ بناؤه في نهاية المطاف بصورة وحشِيّة ليتواجد مع الخراب والنفايات. ومع ذلك تميل الأزمة، والظروف والأعراض غير المحدّدة الناتجة عن تجسّدها، إلى رمي ما عرفناه خارج نفوسنا. بينما يستمرّ انهيار قيمة الليرة اللبنانية لتصبح عملة مُجازة فاشلة، وبينما يلوح التهديد المروّع للتقلقل الذي لا يمكن التغلّب عليه، نجد أنفسنا متروكين للتمسّك بالمعنى. لا تجيز لنا الأزمات الحالية وتعليقها المشلّ للمعرفة «ابتكار إمكانيات للتحرك عبر الزمن أو الى الأمام»[7]، وتقضي على احتمالات «مواجهة الماضي والتكهّن بالمستقبل وتفسير الزَمنين بطرق تتعارض مع المنطق السليم للزمن الحالي»[8]. تحقيقاً لهذه الغاية، ومن أجل التفكير عبر إطار تأسيسي يوجّه المساهمات الخمس التي قمت بتكليفها لمنشور «مركز بيروت للفن»، فقد حدّدتُ خمسة «أعراض مرضيّة» مختلفة، سواء كان أصلها مرضيّ أو أيديولوجيّ ماديّ، والتي أشعر أنّها وليدة الأزمات المتداخلة هذه ومن الملحّ معالجتها، وهي:

العدوى: لأنه في ظلّ الجائحة، فإن تلاقي الأفراد وشكل تنظيم المجتمع يتنظّمان بناء على اعتبارات مناعيّة[9]؛ المحروميّة: فحيث تشكّل البطالة الواسعة النطاق الوضع الطبيعي الجديد، لا مناص للمحرومين من اختلاق ذاتيّة ثوريّة جديدة؛ البارانويا: حيثما يتكاثر الارتباك المعرفيّ، فإن الارتياب والمُريَة تثريان قواعد المعيشة وأساليب التعبير السياسي؛ الكبح: لأنّه مع استئصال «الفائض الليبيدي»[10] من الاقتصاد،  تشكّل الحاجة الأساسية عاداتنا ورغباتنا الجماعية؛ و أخيرا الإبْهام: لأنه عندما تهندس السلطة السيادية وسائل  حديثة للسيطرة، تهمّش مصادر المعلومات والأشياء المعرفية الواضحة أو تصبح أكثر غموضاً.[11]

ترجمة: صفا حمزه


[1] حزيران ٩ تغريدة @DBGerrard ـ مستخلصة من: https://twitter.com/DBGerrard/status/1270134800519700481

[2] Amy Wendling, Karl Marx on Technology and Alienation (Palgrave Macmillan, 2009)

[3]   Achille Mbembe, “The Universal Right to Breathe” (trans. Carolyn Shread), Critical Inquiry (April 13, 2020)

[4] Achille Mbembe and Janet Roitman, “Figures of the Subject in Times of Crisis” in Public Culture, Volume 7, Issue 2 (1995, Duke University Press)

[5]  Salar Mohandesi, “Crisis of a New Type”, Viewpoint Magazine (May 13, 2020).

[6] المصدر نفسه.

[7] Elizabeth Freeman, Time Binds: Queer Temporalities, Queer Histories (Duke University Press, 2010)

[8] المصدر نفسه.

[9] انظر Liane Tanguay, “Imagined Immunities: Abjection, Contagion,and the Neoliberal Debt Economy” in Lateral Journal of the Cultural Studies Association, Issue 7.1 (Spring 2018)

[10] Keti Chukhrov, “Letter Against Separation – Keti Chukhrov in Moscow: Five Inexplicabilities of the Pandemic”  in e-flux conversations (May 1, 2020)

[11]  انظر Jane Caplan, “Illegibility: Reading and Insecurity in History, Law and Government” in History Workshop Journal Issue 68 (2009, Oxford University Press)

ص.د.ى

“أخبروهم بأننا كنا نطير، إذا ما سألوا. تكمن معارف الحرية في ابتكار المهرب، في استراق فاصل من الحدود والهياكل. هذه هي الحقيقة التي تهمسها أغنيات أولئك الذين من المفترض أن يبقوا صامتين.”

من: Undercommons: Fugitive Planning and Black Study لفريد موتين وستيفانو هارني.

بدأت أتأمل، بعد شهرين أو ثلاثة أشهر من بدء الحجر الصحي الذي أتى مع انتشار فيروس كوفيد-١٩، التعليقات التي راحت تنتشر على مواقع التواصل الإجتماعي، غالبًا على شكل نكتة أو طرفة. لا أتذكر هذه التعليقات بالحرف، إلا أن موضوعها كان زقزقة العصافير وأصواتها، هذه الأصوات التي طرب لها الناس في بداية الحجر، أصبحت فيما بعد صاخبة ومزعجة. شكلت تلك الزقزقات في البداية، مناخًا صوتيًا مُرَحّبًا، يخرق الصمت المزعج والسكون المريب للعالم، إلا أنها ما لبثت أن أصبحت صاخبة ومزعجة إلى حد لا يحتمل. لم تزقزق الطيور بصوت أعلى من المعتاد، بل أنها كانت أكثر هدوءًا من ذي قبل، لكنها ذكرتنا، بأننا طالما قدرنا على سماعها، علينا أن نبقى في العزلة، وفي الحجر، وفي الثبات. كان العالم ساكنًا، إلا أنه لم يصمت يومًا.

عندما غابت الأصوات المعتادة، ظُن بأن ذلك هو الصمت، إلا أن هذا الغياب، سمح لأصوات أخرى بأن تظهر وأن تتعظم. سُمعت، عندما كانت تدابير الحجر في أوجها في لبنان، أصوات المروحيات تطوف فوق العاصمة، وأصوات مذيعي الأخبار وهي ترتجي من الناس البقاء في البيوت، وأصوات سيارات الإسعاف وهي تجوب الشوارع الفارغة، وأصوات القدّاس الأسبوعي التي بدأت تُبَثُ من سيارات وشاحنات تدور في المناطق، وهمهمات موتورات الكهرباء، التي تعوّض عن شبكة الدولة الكثيرة الإنقطاع في وقتها، والغائبة تمامًا حاليًا. يلعب المنطق المعماري والمدني للمدينة دورًا هامًا لجهة توزيع الأصوات التي نسمعها، كاشفًا عن علاقة ثلاثية معقدّة، بين المباني، والسياسة، والظواهر السمعية.

تزامن انتشار فيروس كوفيد-١٩ في لبنان، مع حدث معلمي آخر، بدأ قبل بضعة أشهر، في تشرين من العام ٢٠١٩. انتشرت الجموع الغفيرة في المدن والبلدات والقرى اللبنانية خلال الأشهر الأربعة الأولى من الثورة، ناشرة معها صرخات من أعماق الغضب والوجع والقهر المزمن، الذي سببته الطبقة السياسية الحاكمة المجرمة. شَغَلْنَا الفضاء العام في هذه الشهور ليلًا نهارًا، مالئين الساحات والشوارع بأصواتنا وهي تهتف وتغني، وبالطناجر وهي تقرع في الليل، وبأغاني الثورات القديمة والجديدة وهي تصدح من مكبرات الصوت العملاقة، وبالحفلات في الهواء الطلق، والرقص العفوي، وحلقات النقاش والخطابات المباشرة. واجهت الثورة في هذه الأيام مقاومة عنيفة، بأسلحة متعددة منها الرصاص والقنابل المسيلة للدموع ورشاشات المياه وغيرها من معدات الشرطة والعسكر التي هدفت، كما أصواتها العالية، للسحق والبتر والأذى. غمرت الساحات أصوات متباينة ظلت تتردد في آذاننا وقتًا طويلًا، وظلت توقد حماسنا للرفض، وكل تجلياته الصوتية.

كان لفيروس كوفيد-١٩ في لبنان أثر مضاعف، إذ تزامن وصوله مع إحدى أبرز الثورات الشعبية في لبنان، ليخرج على إثره الآلاف من الشوارع والساحات، عائدين إلى منازلهم، في وقت مفصلي من الثورة.  قد يبدو هذان الحدثان متناقضان لجهة درجات الصوت في كلّ منهما، إلا أن التضاريس الصوتية التي صدرت عنهما، تتصارع تباعًا، لإرساء الحكم والتحكم، سواء عبر الإسكات، أو بث الرعب، أو التخويف، أو عبر محاولة السيطرة على الفضاء العام من خلال الذبذبات الصوتية والموسيقية.

ينطلق المشاركون الخمسة في هذه السلسة من نقاط بحث تُسائل انتشارات الموسيقى والصوت، وتخصيصها، وتردداتها. يصبح الفضاء المعماري، أو الفضاء المحسوس والمبني بيتًا للذبذبات. يشرح الكاتب والمؤلف الموسيقي محمد صفا ذلك في أولى نصوص السلسلة، باحثًا في كيفية تشكيل الترددات إدراكنا ووعينا للفضاء المدني، وهذا الفضاء المادي لا يقتصر على ما هو مبني فقط، بل يتمدد ليبلغ الإشعاعات الكهرومغناطيسية لموجات الراديو. يحرك الراديو، وغيره من الأدوات اللامادية المذكورة في نصوص هذه السلسلة، مميزات الثقافة السمعية المحلية وخصائصها الفريدة، في المنطقة والعالم.

بدأ الراديو في لبنان، كما في فلسطين مع الإستعمار. يشرح الفنان أرجونا نيومان، والفنانة لور دي سيليس، والقيمة ريتشيل ديدمان، في حوار معنون [1]“The Colonial voice” أو “الصوت الإستعماري”، على راديو  Earth Hold، كيف بث الإنتداب البريطاني صوته الإستعماري عبر الراديو، والطرق التي استخدم عبرها الفلسطينيون الراديو كأداة مقاومة، وكيف قمعت الجهات المستعمرة محاولات المقاومة تلك. شهدنا في فترة الحجر المنصرمة، طفرة في محطات الراديو الرقمية في العالم العربي، في مدن مثل بيروت وعمان وبيت لحم وتونس. أصبحت هذه المحطات، في ظل الحدود التي تتحكم بالناس وتصعّب التواصل بينهم، متنفسًا مهمًا للسمع والتبادل الصوتي في المنطقة، إذ تحررت من قيود إذاعات الراديو التقليدية وضوابط الدول والشركات الخاصة التي تتحكم بفضاء الـFM. راديو الحارة، الذي يبث من عمان، ورام الله، وبيت لحم، هو واحد من هذه المحطات التي ظهرت في فترة الحجر، وسرعان ما أصبح موقعًا للإحتجاج والمقاومة، إذ استمر ببث حي، طوال أربعة أيام، تحت عنوان “في المشمش”، ردًا على مقترح اسرائيل لضم أجزاء إضافية من الضفة الغربية. جمع هذا الحدث، منسقي موسيقى من المنطقة والعالم، وصدر عنه مقطوعات موسيقية، وأصوات مسجلة، وأغانٍ احتجاجية، وغيرها من المقاطع الصوتية. أصبح هذا الراديو موقعًا للإنشقاق والرفض، إذ أوصل، عبر الموسيقى والصوت، رسالة جماعية راوغت اذاعات الراديو التقليدية، والوسائل الإعلامية بشكل عام. أتاح انتقال الاحتجاجات من الفضاء المكاني إلى فضاء الراديو، إعطاء المجال لاتساع التضامن في كل البلدان المتحدثة بالعربية، بدأنا نرى، أو بالأحرى نسمع، هذا التضامن في كل أنحاء العالم العربي، كما سمعناه قبلًا في شوارع بيروت، عبر الأغاني والهتاف.

ولعل الراديو، أو البث والترابط الصوتي، أو الغناء والأغاني، كما تظهر في هذه السلسلة، تصبح كلها مواقعًا نستطيع منها أن ننطلق نحو قوة سياسية تأسيسية تدفعنًا لأن نرص صفوفنا بشكل أفضل.

ترجمة: حسين ناصر الدين


[1] كان هذا البث بتكليف من معرض قلنديا الدولي الرابع في فلسطين، ٢٠١٨.

ر.ق.م

 بُثَّت الحلقة الأولى المعنونة “Arrival” أو “وصول” من مسلسل الخيال العلمي البريطاني “The Prisoner” أو “السجين” على قناة ITV في أيلول من العام ١٩٦٧. كانت شارة البداية عبارة عن مونتاج صاخب يبدأ بسماء ملبدة بالغيوم، ورعد، يتبعها مشاهد لسيارة رياضية تخترق حلبة السباق مسرعة، ثم تتوجه بجنون نحو الكاميرا. تتوالى اللقطات السريعة بعد ذلك لترينا رجل بلباس رسمي يقود في لندن، فيتخطى البرلمان بسيارته ثم ينعطف نحو مبنى تحت الأرض. يمشي الرجل بعد ذلك وكأنه جيمس بوند في نفق مظلم، وظله الطويل خلفه، ونسمع في الخلفية موسيقى إيقاعية. يقتحم بعد ذلك مكتب يبدو أنه مكتب مديره في العمل، ثم يتشاجران في صراخ غير مسموع. يرمي الرجل بعد ذلك ورقة استقالته في وجه مديره، ويخرج من المبنى بسيارته منتصرًا.

نرى في الشارة بعد ذلك، مشاهد لنفس الرجل، الذي يلعب دوره باتريك ماكجوهان (وهو أحد صُنّاع المسلسل)، وهو يقود سيارته وتتبعه سيارة حانوتي سوداء، ثم نرى مجموعة من اللقطات فيها ماكينة بيروقراطية توثق ورقة استقالة الرجل، لنكتشف أنها آلة كاتبة تضع أحرف X متتابعة على صورته، ونرى بعد ذلك مشهد عريض لصفين من خزائن مستندات يمتدان إلى ما لا نهاية، تمتدّ من بينهما ذراع إلكترونية تحمل ورقة الاستقالة التي تشبه البطاقة المكتبية، وتضعها في درج يحمل عنوان: “المستقيلون”. يصل الرجل بعد ذلك إلى بيته، فيضع مسرعًا جواز سفره في حقيبة السفر، محاولًا الهرب بسرعة من الحانوتي الذي يلاحقه، إلا أن محاولته تفشل، إذ يضخ الحانوتي الغاز المنّوم  في البيت، فيغيب الرجل عن الوعي.

نرى الرجل يستيقظ بعد ذلك في مكان يشبه مكتبه، في مكان يسمى “القرية”، حيث يتلقى اتصالًا هاتفيًا يبلغه بأن “الرقم ٢” يريد أن يراه في القبة الخضراء.

في القبة الخضراء، وهي المركز الإداري للقرية، يسأل مدير العمليات الملقب بـ“رقم ٢”، الرجل مناديًا إياه بـ”رقم ٦”، عن دوافع استقالته. بعد التهديد والوعيد، وبعد علمه بأن المدير قد خبأ ملفًا فيه معلومات شخصية عنه، يقف “رقم “٦، بطلنا، ويقول: “لن أبرم أي صفقة معكم، لقد استقلت! لن تجبروني على تعبئة استمارات، ولن تضعوا عليّ أختام، ولن تؤرشفوني، ولن تختصروا حياتي، ولن ترقّموني! حياتي ملكي أنا!”، ثم يعيد ويقول بعد ذلك في مشهد آخر :”أنا لست رقمًا، أنا إنسان”، وهو قول يتكرر في العديد من الأحيان في المسلسل.

لطالما طارد الخوف من أن يصبح المرء مجهولًا، أو مُطابقًا، أو مجرد رقم، الأعمال الأدبية والسينمائية، لكننا نستطيع أن نقول بأن أبرز تجليات هذا الخوف، ظهرت بقلق في الأفلام التي تتناول سرقة الهوية، ومحو الذاكرة، وغسيل الدماغ، وتبادل الأجساد، في الستينات والسبعينات من القرن الماضي، كفيلم جون فرانكنهايمر عن ضابط في الجيش الأميركي يتم غسل دماغه في الحرب الكورية لكي يخترق الدهاليز المغلقة لواشنطن، أو كفيلم (Seconds(1966 أو “ثواني” (١٩٦٦) الذي يسرد حكاية موظف البنك الخمسيني الذي يوقع على اتفاق يضمن له هوية جديدة، وهو أيضًا من إخراج فرانكنهايمر.

يبدو لنا، أن الفرد، في هذه الأفلام، دائمًا ما يكون محور هذه التقنيات والتكتيكات في العد، والإحصاء، وإخفاء الهوية، والترقيم والأرشفة والمحو والتبديل، سواء كان ذلك بسبب الرتابة الوظيفية، أو هستيريا الخوف من العملاء والجواسيس السوفييت، أو الفضائح السياسية المعقدة إلى درجة المؤامرات.

ماذا في الإسم؟ وماذا في الرقم؟ ما الذي يعنيه أن يكون المرء مرقمًا، ومحسوبًا ومحتسبًا، في عالم تملؤه أدوات تعريف وحوسبة، تديرها أطراف حكومية وغير حكومية، مضيفةً عليها قوالب خوارزميات تجارية لكي تحتسب قيمة الإنسان، ولكي تلاحقه، وتفرض عليه ذوقه، واعدةً إياه بنفس الوقت، بالتفرّد المطلق. ماذا يعني كل ذلك عندما يحدث في الوقت الحي؟

تدعوا هذه التساؤلات، بالإضافة إلى تسليطها الضوء على الرقم كغرض رياضي، والإحصاء كطريقة للحكم، العديد من الفنانين والكتاب، إلى التفكير بأساليب الإحصاء والعد وأشكالهما المتعددة في أبعادها السياسة ضمن خمسة تصنيفات وهي:  علم الإحصاء، ودراسة الجموع، والقياس، والإقتصاد، والتواتر أو الإيقاع.

اعتاد الكثيرون منا في الأشهر القليلة الماضية، على سماع نوعين مُقلقين من الأرقام والنِسب، أولهما سعر صرف الليرة اللبنانية مقابل الدولار الأميركي، السعر الذي يحلّق الآن عاليًا، بعد أن كان قد ثُبت على ١٥٠٠ ليرة مقابل الدولار الواحد في العقدين الماضيين. أما النوع الثاني من الأرقام المُقلقة، فهو أعداد مصابي وضحايا فيروس كوفيد-١٩ في المدن، والولايات، والبلاد، والعالم. صرنا ننظر للرسوم البيانية، وللمنحيات، محاولين “تسطيحها”. نحاول أن نستخلص الأرقام المكبوتة، وأن نقاوم كي لا نُعد،  وأن نُحصي ونُسمي، ما هو غير مُسمى وغير مُحصى. يمتد تاريخ الأرقام والإحصائيات وتحديد الكم على جغرافيات وأدبيات مختلفة، من الإستعمار إلى الفرينولوجيا، ومن إدارة الحشود إلى الإحتجاج عبر التصميم المدني، ومن البارومترات الإقتصادية التي تعبر عن ”حال الأمم بالأرقام والأوقات”[1]، إلى درجات الإئتمان.

يتسّع عالم الأرقام ويكبر، وتُقابَل الشركات والمؤسسات التي تُصدر هذه الأرقام بالشك أو بالإبتهاج، من طرفي السلم السياسي المتناقضين. لنأخذ فحص النسب الجيني مثلًا، الذي طوره محسنو النسل الليبراليون، واعدين الناس بأن “يكتشفوا أنفسهم”، عبر إطلاعهم على خريطة نسبهم الجيني وعلى أسلافهم، وعلى “النموذج العرقي” الذي يقول للشخص، من “أين” يأتي نسبه وبأي نسبة (كأن تظهر نتائج الفحص بأن الشخص مثلاً، يأتي بنسبة ٥٤٪ من أوروبا، و٢٨.٦ ٪ من بريطانيا وأيرلندا، و ٪ ٠.٨ من آسيا الغربية أو أفريقيا الشمالية…) يصبح هذا الفحص، بمثابة تركيب للذات عبر النسب المئوية.

لجأت المرشحة الديمقراطية لرئاسة الولايات المتحدة، إليزابيث وارن، في حركة سياسية غير موفقة، إلى القيام بالفحص الجيني، عبر شركة 23andMe (التي توزع معدات أخذ اللعاب والعينات في كل صيدليات الولايات المتحدة)، لكي “تثبت” بأن لها أسلاف أميركيون أصليون.  كيف نحلل أذًا، مخاطر وإمكانيات الأرقام، واستخداماتها في عصر “ما بعد الحقيقة”؟ كيف لنا أن نبتعد عن الالتصاق الأعمى بداتا الأرقام ووعودها، وعن أدبيات العلوم الإنسانية والإجتماعية التي نقلت لنا نظرة عن الأرقام والممارسات الإحصائية على أنها “هياكل إجتماعية”، وأنها ملك للدول والسلطات ولا أحد غيرها. [2]

لا تسعى  هذه التساؤلات لأن تضع نظريات الأرقام، والإقتصاد السياسي، وتدقيق الحسابات والقياسات العادية على نفس الكفّة، ولا تسعى كذلك لكي تخلق خطة لا تاريخية ولا شكلية للأرقام، بل تحاول، أن تميّز وتحلل بعض التقنيات والطرق والتطبيقات التي تستخدم عبرها الأرقام، لكي تتلمّس بدايات الإحصاء والتعداد في العديد من المجالات، كالحُكم، والمجال العام، والموسيقى. تُعتبر هذه التساؤلات دعوة مبدئية للتفكير بالأرقام، وللتفكير عبرها، سواء بهدف فهم قوة الجموع، أو لفهم التفكير المعادي لها، والذي يعتبرها، “كتل”، أو “حشود”، أو لفهم ونقد الدين العام ونسبته للناتج المحلي، وتأثير ذلك على الأمم واقتصادها. تدعوا هذه التساؤلات القرّاء  لكي يفكروا بالممارسات السياسية والفنية المحلية والعالمية المشتملة على الأرقام، ولكي يفكروا أيضًا، بطرق لإنشاء معجم، بالعربية والإنكليزية، للبدء بتحليل العالم المعقد للأدوات الإقتصادية، والمقاييس الصحية، والممارسات المؤسساتية التي تحصي وتنظّم.

ترجمة: حسين ناصر الدين


[1]Slobodian, Quinn  Globalists : The End of Empire and the Birth of Neoliberalism. كامبريدج، ماساشوستس، مطبعة جامعة هارفارد، ٢٠١٨. ص.٦٧. لمناقشة حول “البارومترات الاقتصادية” ودور الصور البيانية في الإقتصاد انظر فصل ٢: “A World of Numbers”.

[2] لنقد حول حدود الهيكلة الاجتماعية أنظر: Hacking, Ian The Social Construction of What? كامبريج، (order/direction)  مطبعة جامعة هارفارد، ١٩٩٩. لنقد حول ممارسات السلطة الإحصائية والحسابية وتاريخ الأرقام والإحصاء وتشكيلها للـ”جدل السياسي العام” في بريطانيا القرنين الثامن عشر والتاسع عشر،  أنظرDeringer, William Calculated Values: Finance, Politics, and the Quantitative Age  كامبريدج، ماساشوستس، مطبعة جامعة هارفارد، ٢٠١٨.

مصادفة “علوشي”

الصورة لـ طارق قبلاوي، ١٨ تشرين الأول، ٢٠١٩، ساحة رياض الصلح، بيروت، لبنان

في كتابه «في ظلال الطائفية: القانون والشيعية وصناعة لبنان الحديث»، وهو بحث أكاديمي في مأسسة الاختلاف الشيعي في لبنان، يقتبس ماكس فايس مقطع من مقابلة الناقد السينمائي اللبناني محمد سويد للمخرج السوري الراحل عمر أميرالاي حيث يستذكر أميرالاي صورة من طفولته لمدرب دببة يجول في جونية، وهي المدينة الساحلية شمال بيروت:

وحين أصر سويد على محادثه الإسهاب، قال أميرالاي: «أعتقد أنه كان متوالياً، أو ربما كان غجرياً». وعندما سأله كيف وصل إلى هذه الخلاصة، أجاب: «قيل لنا أن المتاولة يعرضون الحيوانات ويربطون ماعزهم بالأجراس». ثم سأل الناقد: «هل كان هنالك من إصرار على تسمية الشيعة بالمتاولة؟» «كانت عادة شائعة في ذلك الوقت» أجاب أميرالاي. «لم يكن للمتاولي أي دلالة دينية في خلفية طائفية. في اللغة الشعبية كان المتوالي يدل على الناس الذي يعيشون في البؤس. لم أكن أعلم أن في لبنان شيعة قبل بروز موسى الصدر. في الحقيقة، لوقت طويل، لم أكن حتى أعرف أن هنالك سنّة وشيعة في الإسلام»[1]

محفورة في ذاكرة أميرالاي تباين صورة المتوالي الذي يقوم بجولة مع دبٍ وحضرية جونية الزاهية، وتجاورٌ الحضارة والجلافة.[2] قد يحمل التركيب الدلالي لـتسمية «المتوالي» في قصة المخرج تفسيرات مختلفة، وهو يُلمح إلى أسى وبؤس وظلمة الجماعات الشيعية اللبنانية قبل تعبئتهم السياسية والأيديولوجية تحت راية موسى الصدر وحركة أمل. تعبّر قصة «المتوالي» التي يفتتح فايس دراسته بها بوضوح عن المكانة التي وجد الشيعة أنفسهم فيها بعد قيام دولة لبنان الكبير عام ١٩٢٠. بالتالي، إذا ما وضعنا «المتوالي» في سياقه التاريخي، وجدنا الدّال خير تعبير عن الحرمان السياسي والاقتصادي للجماعات الشيعية في لبنان الجنوبيّ وبقاعه.

فقدت الصورة النمطية القاتمة لـ«المتوالي» منذ ذلك الحين قوّتها الدلالية، واستُبدلت بتصورات ترشح فائض قوّة. نصادف أحداها خلال انتفاضة تشرين: شخصية «علوشي». وهي شخصية مفعمة بتهكّم ذات طابع طبقي، يستثقل المرء إعادة كتابتها لسماجتها. مثل «المتوالي»، سيدلّ التركيب الدلالي لـ«علوشي» على أنه أحد أعراض استمرارية ورسوخ هيمنة الخطاب الطائفي في لبنان، رغم كونه منبثقاً من واقع مادي مختلف إلى حد كبير. كما وسيكشف عن متخيَّل صنعه المتظاهرون غير القادرين على الإفلات من العلاقات الطائفية التي خرجوا سعياً إلى تدميرها.

دشّن انتخاب ميشال عون رئيسا للجمهورية عام ٢٠١٦ «العهد»، منهياً احدى عشرة سنة من سياسة المحاور الدائرة بين تيّاريَن متنافسَين، أي تحالفا الـ٨ والـ١٤ من آذار. أمسك خلاله حزب الله وحليفه العوني بالسلطة، وهما مهندسي وعرابَي العهد، وكلاهما كانا لسخرية القدر خارج اتفاق الطائف، وكُرِّست تالياً ثلاثية «الجيش والشعب والمقاومة». يمثّل «العهد» عارضاً لأزمة الجمهورية الثانية، أجاد المشاركة في انتاج الأزمات المتكررة والمتعددة، منها البيئي والاقتصادي والسياسي. تكثّفت هذه الأزمات في أول أسبوعين من شهر تشرين الأول ٢٠١٩ فخرجت مظاهرات على امتداد البلد لم يشهدها لبنان من قبل.

عقب سوء الإدارة الباهر للحد من انتشار الحرائق في غابات الشوف، قام رئيس الوزراء حينها سعد الحريري وحكومته بنكز الجراح بإعلانه عن «ورقة اصلاحية» هي في حقيقتها خطّة إجراءات تقشفية، أقلها خزيا فرض ضريبة على تطبيقات المكالمات الهاتفية عبر «الواتساب». عشية السابع عشر من تشرين الأول الماضي، تدفق الآلاف إلى الشارع للاحتجاج على ما عُرف بالضريبة على «الواتساب». تزايدت الاحتجاجات العفوية وانتشرت من رياض الصلح وسط بيروت إلى مختلف المناطق اللبنانية. وسرعان ما خفتت مركزية العاصمة اللبنانية فيما أضحت مدن أخرى منها طرابلس مراكز للانتفاضة. بدت بيروت واحدة من بين عدة مدن غاضبة، وربما لم تكن أهمها. وشاركت مدن منها صور والنبطية اللتين طالما اعتُبرتا معاقل حزبية طائفية.  في خضم ذلك، بدأت سيرورة ثورية بالظهور واضعةً نصب عينيها تجريد السياسة اللبنانية من طائفيتها. فضحت انتفاضة تشرين المنطلقة من تقاطع الأزمة الاقتصادية والكارثة البيئية اضمحلال العلاقة بين الأحزاب السياسية الحاكمة ومناصريها. والجدير بالذكر أنها المرة الأولى في تاريخ الجمهورية الثانية التي تنطلق فيها مظاهرات ضخمة لامركزية عابرة للطوائف والمناطق. بدت المظاهرات وكأنها على وشك تفكيك ماكينات الأحزاب الطائفية الاستقطابية التي بُنيت في مرحلة ما بعد تحالفي ٨ و١٤ آذار.

هكذا بدى المشهد، أقله، إلى أن أطل الأمين العام لحزب الله حسن نصر الله في خطاب متلفز ليتطرق فيه الى الأحداث المستجدة، وهي إطلالة ضمن إطلالات عديدة سيقوم بها الأمين العام فيما بعد. وقد أتت الإطلالة في اليوم الثاني بُعيد كلمة الرئيس العون التي خاطب فيها الأمة. بدأ نصر الله خطابه بوعظ المتظاهرين المنتفضين ضمن ما أسماه «الحراك الشعبي» وختم خطابه بالتوجّه إلى «جمهور المقاومة» وحلفائه. بدأ نصر الله خطابه بالثناء على «العفويين الطيبين» من المتظاهرين، إلا أنه سرعان ما اتهم آخرين بأنهم ممولون ومنظمون من الخارج. وصف الانتفاضة بأنها تظاهرة الفقراء ليعود ويتّهم المتظاهرين بالتظاهر بتكليف من المتربصين السياسيين والأثرياء والسفارات الأجنبيّة المُمَوّلة. قال إن من حق الناس الاستمرار بالتظاهر، ولكن بأدب، ومن ثم منع السباب والشتيمة وتدمير الممتلكات والتصادم مع الجيش. سمح نصر الله للمهرجان بالقيام في عطلة نهاية الأسبوع فقط، وتعاطف مع قطع الطرقات إلا أنه في النهاية حرّمه أيضاً. أخيرا، توجّه الى «جمهور المقاومة» وطلب منهم الخروج من الشارع.

في ذاك النهار الواقع في ٢٥ تشرين الأول أخلى مناصرو «أمل» و«حزب الله» الساحات بالفعل. إلى ذلك، بعد ساعات من إطلالته المتلفزة الثانية والتي تطرق فيها للانتفاضة، وبصدفة سعيدة لنصر الله، هاجمت مجموعة من مناصري «الثنائي» المتظاهرين ودمّرت وأحرقت خيمهم. في بحر الدلائل الطائفية التي تنتظم بها بيروت، رسي المتظاهرون على جزيرة من ساحات وسط المدينة الخالية. في تلك اللحظة، وجد المتظاهرون أنفسهم محاطين بعنف المتظاهرين المضادين وشرطة مكافحة الشغب، بين شبّيحة معادية للثورة وجيش يقف حارساً لجثة «عهدٍ» مٌتحَلحِل. وهكذا، أصبح من الممكن لشعار الانتفاضة الرئيس «كلن يعني كلن» أن يتّسع ليشمل مناصري الثلاثية، وترسّخ تالياً الخطّ الفاصل الذي رسمه نصر الله بين المتظاهرين ومناصري حزب الله.

يشير التوظيف المُستَحدث من قبل انتفاضة تشرين لشعار «كلن يعني كلن» إلى ارتسام معالم جماعة سياسيّة لطالما نُظِّر لتشكُّلها. سارع المنظّرون الإشارة إلى ملامح تشكّل عقد اجتماعي جديد رافضٍ لإرث الحرب الأهلية السياسي ولمنطق الطائفية. فيه تنطلق العدالة والحياة الكريمة من حقوق الفرد بدل مرورها بوساطة الطائفة. على مستوى الفرد، يستتبع شعار «كلن يعني كلن» نقيضه وهو: «أنا لست واحدا منهم». عبر التبرؤ من الأوليغارشية الحاكمة من جهة والابتعاد عن الأحزاب السياسية الحاكمة وبالتالي عن مناصريها من جهة ثانية، يقوم المتظاهر بفعل «طرد كنسي» ذاتي. هذا الطرد الذاتي يتبعه بناء جماعة من المتظاهرين.

يقول الفيلسوف الإيطالي منظّراً في علم المناعة السياسية وفي علاقتها بتشكّل الجماعة، ما يلي:

لا تظهر المناعة بما هي مقولة مانعة إلا كنمط سلبي للجماعة. وعلى نحو مماثل، عندما يُنظر إليها في صورة انعكاسها في المرآة، تبدو الجماعة محصنة تماماً، منجذبة ومغمورة على شكل نقيضتها. باختصار، المناعة هي الحد الداخلي المتجاوز للجماعة والتي تطويها على نفسها في شكل تأسيسي ومانع في آن. تؤسس المناعة، أو تعيد تأسيس الجماعة، تحديداً من خلال نقضها.[3]

إذاً، ما يتم بناءه من خلال فعل اخراج الذات وطردها عن الأحزاب السياسية ومناصريها هو محاولة تشكيل جماعة من المتظاهرين مختلفة عن المناصرين والمندسين والشبّيحة الذين يهددون وحدة الجسم الثوري. إن الطرد الذاتي الذي هو نتيجة فعل تخيُّل جماعة جديدة من المتظاهرين يصوّر الآخر بصورة «علوشي» نقيض تصورها لذاتها. «علوشي»، وهو تصغير اسم علي امام الاثني عشرية الأول وصاحب الرسول، استخدمه المتظاهرون على نطاق واسع في خطابهم عبر وسائط الاعلام الاجتماعية، وتبنّاه حتى المتظاهرين المضادين. ومع أن «علوشي» لا يختزل كل أشكال التمثيل والتمثيل المعاكس، إلا أن المقصود منه الدلالة على المتظاهرين الشيعة الذين خرجوا من الشارع تلبية لدعوة نصر الله عقب خطابه الثاني. بعبارة أخرى، يشير «علوشي» إلى الشيعة الذكور المنتمين إلى طبقة معيّنة والمعادين لمشروع عاميّة تشرين الثوري.

كتصغير لـ«علي»، «علوشي» هو في المقام الأول صبياني مقارنة بنظيره المتظاهر، الذي «بلغ سن الرشد» السياسي إذا جاز التعبير. لمجرد انتماءه إلى الطائفة الشيعية يحظى «علوشي» بتغطية سياسية، ويمكنه بالتالي القيام بأعمال غير قانونية والاستمرار بالخروج عن القانون. هو عاطل عن العمل، ويقود موتسيكل، وبالتالي هو غارق في الجهل. يرميه خصمه بالجهل والخنوع، ولكن لا يعني ذلك أنه ليس لديه نزعة عنف ما يكشف عن تعصبه. إن عاد إلى الشارع، عاد بصفته مندسّاً ولذا وجب التعامل معه على أنه ذي وجهين. بطبيعة الحال هو أيضاً طائفي.

في مقال نشر على منصّة «درج»، يقوم كتّابه بتحويل «علوشي» إلى نموذج يُستخدم لتفسير الواقع الاجتماعي.[4] وهكذا تصبح سمات وأيدولوجيات الشيعة مجسدةً في «علوشي». يقوم المقال تالياً بجوهرة الجماعات الشيعية في محاولة لأرخنة انتماءاتهم السياسية ومن ثم يؤطّر الهيمنة (السياسية) الشيعية المعاصرة باعتبارها سمة أصيلة وداخلية للمجموعة. في نهاية المطاف يعيد هذا النمط من التفكير ترداد سردية أيديولوجيا البرجوازية اللبنانية كما تكلّم عنها مهدي عامل. على أن المقال يقع في الارتباك حين لا يجد سنداً لمزاعمه غير مهدي عامل:[5]

صاغ علوشي خطاباً مستمدّاً من إرث المجتمع القبائلي، «لولا تدخّل الحزب في سوريا لاغتصب داعش نساءنا». في هذه البيئة، حيث الحقيقة دينية فقط يذكرنا علوشي بأفضاله علينا وعلى أحوالنا الممتازة في بلاد تغرق بالديون والنفايات لكنها تتنفس كرامة وعنفواناً.[6]

من الناحية الخلقية، «علوشي» أدنى من نظرائه المتظاهرين الذين سمَت بهم الانتفاضة فوق العلاقات الطائفية، وهو غير قادر على الفرار من استنطاقه الأيديولوجي. مجسِّداً رعاع «مجتمع المقاومة»، تدلّ القوة المعطاة لهذه الشخصية على قوة «حزب الله»، الحزب الشيعي السياسي والميليشيا الأقوى في لبنان. في الوقت نفسه، هو شخصية أحاديّة تعبر عن وحدة مفترضة لـ«الثنائي الشيعي»، أي «أمل» و«حزب الله»، والذين يمسكان حالياً بالتمثيل الحصري للطائفة الشيعية في لبنان. يعبّر «علوشي» إذاً عن نزعة العنف للشيعية السياسية في لبنان، وعن رجعية سياسات «حزب الله»، وعن «اندماجهم غير المكتمل بالأمّة» للشيعة المكوّنين لدولة داخل الدولة، وعن نزعة الشيعة للعنف الموكّل دوما شفاء جرح كربلاء الأصيل.

بناء شخصية «علوشي» يدلّ على فعل تمايز مُبتَكَر وغير منفصل عن سيرورة فعل الطرد الذاتي بل وضروريٌّ له. يصبح هنا التصور الذاتي للمتظاهر دالة لصورة الآخر. في سعيه لرؤية نفسه نقيض للآخر، يرى النقيض فاسداً طائفياً متحزباً مأدلجاً وساقطاً أخلاقياً، فيما يرى نفسه صافياً وطنياً غير متحزب وخارج الأيديولوجيا وفاضل. فـ «علوشي» الذي «كان عصبها في أيامها الثلاثة الأولى» ان بتواجده الحاشد أو قطعه للطرقات وقيادته للمسيرات الدرّاجة هجر الانتفاضة بعد إشارة نصر الله له بذلك فبانت مناعته للثورة. هدد انسحاب المتظاهرين الشيعة في اليوم الثالث للانتفاضة بكسر المدّ الثوري، كما أعاق المتخيّل الثوري قيد الإنشاء، أي متخيّل جماعة الثوار في سيرورة تحررهم من الطائفية.

ولعل من المناسب القول انه من المحتّم أن يأخذ نقد الثوار لـ «حزب الله» المتعاظم القوة ولسياسته الرجعية شكل فعل «الأخرنة» – (othering). هذا الفعل مُحَياّ خطابي واضح لتشكّل المناعة السياسية. فقد كان فادحٌ حجم الذعر الذي سببه «المندسون» بين المتظاهرين في ساحة رياض الصلح بعدما انهمرت عليهم الحجارة من داخلها. أصبح الدال «شباب الخندق»، وهم شبان من أحد أحياء الطبقة العاملة التي تحايد وسط المدينة، كناية عن كل الرجال الشيعة الذين هاجموا المتظاهرين واستهدفوا الانتفاضة بملء إرادتهم أو حسب توجيهات الأوامر. هذا النقد للشيعة المعاكسين للثورة يأخذ منحاً جديداً: ذاك الذي لا يتبع طائفة لكن يشارك في عملية انتاج السردية الطائفية أي تلك التصورات المرتبطة بشخصية «علوشي» ضمن بنية النظام الطائفي اللبناني. يقوم المتظاهرون المطالبون بالعلمانية عبر هذه المصادفة بإعادة انتاج العلاقات الطائفية، فيما بينهم ومع خارجهم.

يواجه المتظاهرون إذاً اشكالية: هم مدفوعين لاختزال النظام بطائفة طالما هيمن «حزب الله» على البنية السياسية. ما هي إذاً إمكانيات انتاج جماعة سياسية غير طائفية تسمح للمتظاهرين بالإفلات من العلاقات الاجتماعية التي يوجدون ضمنها؟ كيف يمكن تفكيك الطائفية ضمن هذه العلاقات الاجتماعية في حين أن بعض المصادفات تدفع تلقائياً إلى إعادة انتاج منطق الطائفية؟ للإجابة على هذه الأسئلة، ربما على الذات الثورية أن تفكر وتنتج أنماطاً جديدة من التنظيم والاستقطاب. من أجل ذلك، عليها النظر إلى القادم بعين ثورية، وتحديد ما يستوجب هدمه وما يستوجب بنائه. في الجمهورية الثانية وركيزتيها الطوائفية والحريرية نجحت الانتفاضة بتحديد ما يجب ردمه، ولكن لا يمكن غض النظر عن كون «حزب الله» يشكّل خصماً مستعصياً للثورة وعقبة أمام أهدافها. يمكن تفسير شعار «كلن يعني كلن» على أنه رفضٌ لقبضة حزب الله على البرلمان اللبناني والحكومة واستثارةً لمسألة سلاحه، فديمومة النظام، أو بالأحرى إعادة انتاجه، مشروطة بالسلاح. وعندما يتجرّؤون بالقول «نصر الله واحد منن»، فإن صوت أزيز رصاص «أحداث» السابع من أيار من عام ٢٠٠٨ لا يفارق أذهان المتظاهرين ويدبّ الرعب فيهم. رغم ذلك، فـلا يمكن اختزال النظام بأكمله بـ«العهد»، فهو مجرد تجسّد له؛ تحديد النظام مضلل أكثر مما تخيّلنا. أما الدفاع عن الذات فهو طبيعي ومفهوم، إلا أن بإمكانه أن يشكّل عائقاً أمام عمليّة تشكُّل جماعةٍ ما بعد طائفية. علينا استبانة الانماط في النظام التي قد تساعدنا على مفاوضة هيمنة «حزب الله» من دون تغذية خطاب «حزب الله» عن دون قصد، هذا الخطاب الذي يتنامى الآن مع «الحصار» شبه المفروض ذاتياً. فلنُسقِط «علوشي».[7]

صفا حمزه حاصلة على درجة الماجستير في دراسات الشرق الأوسط من جامعة أريزونا. تهتم في كتاباتها وأبحاثها الحاليّة بأعمال الحداد ومراسم عاشوراء عند الطائفة الشيعية. صفا عضوة في فريق كُحْل: مجلّة لأبحاث الجسد والجندر.

ترجمة: اياد ريا


[1] يستكشف الكتاب السيرورة التي أدت إلى تجذّر الطائفية لدى الشيعة وتبنّيهم لهوية طائفية ما دون وطنية من خلال مطالبهم المؤسساتية وسعيهم لاستحصال الاعتراف بهم، إضافةً إلى دخولهم في فلك الدولة اللبنانية الطائفية. انظر:
Max Weiss, In The Shadow Of Sectarianism (Cambridge, Mass.: Harvard University Press, 2010), 38-60.

[2] ليست صورة «المتوالي» المسيئة والتي يقال على أنها منحدرة من «متوالياً لعلي» من صنع الجمهورية، فقد استخدمها الرحالة الأوروبيون والبيروقراطيون العثمانيون والمثقفون اللبنانيون في القرن الثامن عشر للإشارة إلى عزلة الجماعات الشيعية في جبل عامل وفي البقاع.
Weiss, In The Shadow Of Sectarianism, 40-54.

[3] Roberto Esposito, Immunitas: The protection and negation of life (Polity, 2011), 9.

[4] Daraj.com. 2020. عن فائض القوة : “علوشي” الذي لا يهزم | Daraj. [online] Available at: https://daraj.com/46017/ [Accessed 10 July 2020].

[5] باقتضاب، ترى هذه الأيديولوجيا الطوائف والطائفية في لبنان على أنها أصيلة في الجماعات وليس كعلاقات اجتماعية تتحقق وتتمأسس بواسطة الدولة، كما يحاجج مهدي عامل. انظر مهدي عامل، في الدولة الطائفية (بيروت: دار الفرابي، ١٩٨٩)

[6] Daraj.com. 2020. عن فائض القوة : “علوشي” الذي لا يهزم | Daraj. [online] Available at: https://daraj.com/46017/ [Accessed 10 July 2020].

[7] تشير «أحداث ٧ أيار» إلى الأزمة السياسية المتعلقة بسلاح «حزب الله» والتي دفعت الحزب إلى نشر عناصره ومحاصرة بيروت الغربية خلال أيام قليلة. شهدت الأزمة صدامات مسلّحة في أحياء العاصمة وامتدت لاحقاً إلى مدن أخرى في لبنان. حلّت الأزمة بعد تدخل الجامعة العربية والوصول إلى «اتفاق الدوحة»، الأمر الذي أدى إلى تراجع حكومة ١٤ آذار عن قرارها بالتدخّل بشبكة الاتصالات التابعة لـ«حزب الله وإلى إنهاء المأزق سياسي في البلاد الذي استمر ١٨ شهراً.

حطام الصوت: إعادة إعمار المكانيات السابقة عبر الترددات

.العمل الفني: ذوبان - الفنانة: سارة ساروفيم

“تنتج التعددية وتنوع الانعكاسات “أحداثًا” أو اهتزازات تترافق مع ما لا نهاية له من التوافقيات والتوابع. لا تُحدّ تأثيرات تغير المفاهيم على انطباعات الفرد إزاء العالم المادي بشكل لولبي فلسفي، بل تُشعّ في كل مكان من جغرافيا التجربة. يمكننا إذن، أن نتخيل حركة الضوء والصوت معًا، كطياتٍ في المادة الأثيرية التي تهتز وتتذبذب.

– جيل دولوز. الطيّة: لايبنيتس والباروك

تحتوي المقدّرات الصوتية العديد من تناسقات الإمكانيات الغير محدودة منهجيًا أو فيزيائًا أو سيستيماتيكيًا. تمكننا هذه التناسقات من تقويض وتقييم المناخات الصوتية للتمدن الحديث. تتزامن هذه المعطيات الصوتية مع المعطيات البصرية في الفضاء المديني، وتتنافس معها لاحتلال المرتبة العليا في الترتيب الحسي أيضًا.  لدى السماع، كتجربة حسيّة، القدرة على استشعار ما لا يُرى، وعلى التحول إلى طريقة للتفكير بمعطيات الأحداث وتفكيكها وفهمها.  إذ أننا نقدر عبر الأهليات الصوتية -ومنها تحديد الصوت على مقياس عمودي أو أفقي، والسماع بأذنين، وتفاوت وقت السماع بينهما- أن نحتسب المعلومات المتعلقة بالحجم وبالإحداثيات المكانية. يصبح الصوت “قاعدة هيكلية ودليلًا تحزريًا” يكشّف عن إحتماليات اجتماعية-سياسية[1]. تنتج الظروف المادية لهذه الأحداث الصوتية، في السياق المديني مثلًا، عن حقبات سياسية متعددة، لا يمكن فصلها عن التغيرات المفروضة عبر النيو-ليبرالية، والتمويل، والحروب والعسكرة، بالإضافة إلى شروط لوجيستية وبيئية متعددة. تُنحت الإشارات النفسية-الصوتية (وهي الإشارات التي تحدد كيفية وصول الصوت إلى أذن المستمع وكيف يحللها جهازه العصبي) أولًا وبأكثر أشكالها وضوحًا عبر العمارة في المناخ المدني، ثم تترجم عبر حاويات للذاكرة السمعية[2] . تحكم مواد البناء والتنظيمات المكانية، واتجاهات العمارة وكثافتها، الطرق التي يفرض عبرها المصدر الصوتي سلطته على النطاق السمعي-المكاني.[3]

سنبحث عبر هذا النص، في هجرات الذبذبات وانعكاساتها ضمن منطقة محددة، أو ما يعرف بالتردد الصوتي، وظواهرها التي تُكشّف عن الشروط المكانية وتستشعر وترسم أساساتها. يتصف التوسع العمراني في لبنان بطرقه الظاهرة والخفية/الصُدفية في آن معًا، إذ يمتلك الأدوات القادرة على التلاعب بالإدراك الحسي للأفراد. سنقيّم عبر معاينة العلاقات بين العمارة والصوت، وسردياتها السياسية المختلفة، ما تكشفه الذبذبات الصوتية في بيروت بالنسبة لطرق الحكم السياسية والقانونية ما بعد الحرب. تعمل سياسات الجماليات هنا كـ” تراسيم للفضاءات والأماكن، والمرئي والمخفي، والصخب والكلام، وهي تحدد في نفس الوقت أماكن السياسة وتحركاتها كتجربة حسية”.[4]

استشعار الخطب

تعرف المؤرخة أيميلي تومسون الترددات على أنها “دوام حطام الصوت في المكان بعد وقت معين”.[5] تشرح تومسون صعوبة تمييز المناخ الصوتي عن التصرفات الصوتية للذبذبات، الذي يصعب تمييزه بدوره عن الفضاء المعماري. ترسم الذبذبات التفاعل الصوتي الذي ينتج عن انعكاس موجة الصوت على ما حولها، مخلفة بذلك العديد من الانعكاسات المتأخرة، التي تتحلل بدورها وتُمتص في المواد من التي تحيط بها. [6]

بعد اختراع حساب وقت الترددات، وهو العلم الذي يقيس فارق الوقت بين ارسال الاشارة الصوتية وبين تردداتها اللاحقة، تعامل المعماريون الحداثيون مع الترددات على أنها عيوب يجب إقصائها. لذلك سعى هؤلاء المعماريون إلى مقاربة الصوت بنفس مقاربتهم للرؤيا، بهدف إرساء تواصل وسماع أفضل في الأماكن المغلقة، فشددت تصاميمهم على القدرة على استقبال الإشارات الصوتية بوضوح دون أي عوائق.  هنا، ينسلخ الصوت تدريجيًا عن بصمته المعمارية.[7] تحلل المؤرخة كارين بيجسترفيلد الطرق التي سعت عبرها بعض الأنظمة إلى تخفيف ضوضاء الشوارع في بدايات القرن العشرين، وكيف واجهت هذه الطرق العديد من التحديات، التي قاومت كل الجهود المبذولة لإسكات المدن. بعيدًا عن محاولات هذه المجتمعات للتحكم بما سيأتي من شبكات مواصلات وتبادل تكنو-لوجستية وهيمنتها التي ستملأ المدن بمستويات عالية من الضجيج المحيط، واجهت هذه الأنظمة تحديًا من نوع أخر، إذ لوحظ تشوه نتائج طرق احتساب شدة الصوت، بسبب العيوب والفوارق الصوتية المتشكلة غالبًا عبر العوامل المساعدة على التردد، التي يمتلئ بها الفضاء المديني [8]

تتكون مشاكل التعداد والمعرفة الصوتية في هذه الفضاءات إثر أسباب شديدة الترابط مع منطق التوسع المديني المعاصر. نريد هنا أن نشير إلى بعض هذه المشاكل التي تتبلور بشكل ظاهر وعملي، ومنها الاختلافات والانحرافات في الدرجات والمقاييس، والماديات، ودرجات المسامية والثقوب، وعلاقتها بتراجع المباني، والمساحات المسموحة لها، بالإضافة إلى نسب جميع العناصر في البنى التحتية العامة. يولد هذا التركيب بين البناء والأطر التمييزية فائضًا من المعطيات الصوتية التي يسهل حسابها، وغيرها الكثير مما لا يمكن حسابه وإحصائه. يناقش عالم الكهرصوتيات الفرنسي جان فرنسوا أوغويار عبر تفكيكه لتراكيب هذه العوامل، إمكانية ازدياد انتشار الترددات في الفضاء المديني بشكل أكبر، “كلما أصبح هذا الفضاء أكثر انغلاقًا، وكلما صعب أو استحيل تعيين مصادر الصوت واتجاهاته فيه.”[9]

يصبغ انتشار الترددات النشاطات الصوتية بشروط عرضية، إذ يفرض تضخمًا مشوهًا للصوت بسبب الإنعكاسات المتداخلة[10]، والتسرب[11] وبشكل أكبر بسبب امتدادات الصوت التي لا تظهر إلا بعد ثوانٍ من حدوثها.[12] تعطي هذه العوارض للصوت القدرة على اجتياح الفضاء، فتتبدد بذلك الفروقات بين المصدر، والجسم المستمع، والحواجز التي بينهما. تستشعر الإذن عبر هذه التجربة، استجابات صوتية تتغير حسب تغير معطيات المكان، محاولة التقاط شواذ ما، أو خلل أو كارثة، تأتي امتداداتها في الوقت الذي يسبق انعدام القدرة على السمع، إلا أننا لا نستطيع أن نفصل هذه الإمتددات عن المعنى الوجودي لأي “حدث”، والذي يقدر أن يجسد وأن يفرض ظروفًا صوتيًة معينة. يؤكد الفيلسوف الفرنسي ألان باديو، في قرائته لنظرة دولوز حول الحدث، على استحالة تفرقة الحدث عن فعل التحول، إذ أنه يشكل استمراريةً وتكثفًا في آن معًا، يصبح سلسلة من التعدديات التي تنافس “لا محدودية تحول الحدث وتفرّده”.[13] أشير في هذا النص إلى الحدث الصوتي و تداعياته على العمارة.

سرديات معارية لاستحالة تنبؤ الصوت

في التاسع تموز عام 2018 ، أعلن رئيس المؤسسة العامة للإسكان في لبنان، وهي المؤسسة المسؤولة عن دعم القروض السكنية عبر الدولة، عن الوقف الفوري لجميع القروض.[14] أدى هذا الوقف المفاجئ لهذه القروض، التي استفاد منها غالبًا عائلات متوسطة إلى منخفضة الدخل، إلى منع هذه الفئات بشكل فعال من الحصول على الحق في المأوى. قد يبدو أن هذا القرار كان ينضوي تحت سياسات إدارية أو بيروقراطية محضة، أو كخيار استراتيجي في دولة ضعيفة ماليًا، لكنه في الواقع ، كان خطوة محتسبة من قبل الطبقة الحاكمة لتعزيز السياسات النيوليبرالية القائمة، التي سعت إلى تحرير الفضاء المديني.

ينعكس المشهد المعماري في بيروت، ومشروع إعادة اعمارها ما بعد الحرب،[15] في السياسات الممنهجة للسيطرة على الطبقات الاجتماعية الأكثر هشاشةً في العاصمة.[16] أدى مشروع سوليدير المزعوم لإعادة الإعمار إلى سلسلة من عمليات التهجير القسري، ومشاريع البناء الغير متوازنة وتوزيع الثروات بشكل غير متكافئ.[17] يسعى التشديد على استحالة الفصل بين سياسات العمران وبين سردياتها، بشكل أساسي لتسليط الضوء على تأثير هذه السياسات ووكالاتها، وفهم هذه القدرات في سياقاتها عندما توضع بقرب وكالات وتأثيرات أخرى. تفسر كارن باراد التأثيرات المتداخلة (intra-actions) على أنها “الدستور المتبادل للوكالات المتشابكة”، إذ (لا) تتحقق فيها الوكالات إلا داخليًا وفيما بينها. تجزم باراد بأن “الوكالات تتفرد فقط في علاقتها بارتباطها بهذا التشابك الذي يجمعها، أذ أنها لا تستطيع التواجد كعوامل منفصلة” [18]. تعطي التأثيرات المتداخلة، كما تفسرها باراد قياسًا منطقيًا للـ”وكالات المُقاسة” (الأثر) والـ”أشياء المُقاسة” (السبب). تظهر هذه القياسات كيفية تسرّب الحدث (السبب) إلى احتماليات لا نهائية، لكنه، في التأثيرات المتداخلة المحدودة مكانيًا، تظهر حقيقته عبر الترددات الصادرة عنه (الأثر). 

تزودنا الترددات في بيروت بحقائق عن حالة مناخها المديني، فهي بقايا تراكمات تصاريح البناء الصادرة عن نقابة المهندسين المعماريين والمهندسين في لبنان من عام ١٩٩٣ حتى عام ٢٠١٨. تصبح تصاريح البناء هذه، في ذروتها أو انخفاضها مؤشرات لتحديد نطاق التوسع المكاني وتأثيره على المدينة وهويتها الصوتية. يشرح لنا تذبذب هذه البيانات العديد من المناورات التي شوهت الترددات.

 جرت المحاولة الأولى من سياسات إعادة الإعمار في عام ١٩٩٤، إذ تمت الموافقة على ٣٤٥٧٢ مترًا مربعًا من الأسطح المبنية الجديدة في لبنان.[19] كما تمت عمليات الإخلاء القسري ومصادرة الأراضي بصورة غير قانونية[20] إثر أدراج قانون الإيجار لعام ١٩٩٢.[21] أعطى هذا القانون الصلاحية لملاك العقارات للتخلص من المستأجرين القدامى قبل هدم المباني، وإقامة مبانٍ جديدة، بأرباح مضاعفة. أرست التعديلات القانونية هذه المزيد من أشكال الإستغلال العقارية المفروضة عبر التشكيلات المعمارية المبنية حديثًا.[22] أدت عمليات الهدم السريعة والمتتالية للمباني المتحللة خلال فترة إعادة الإعمار إلى حالة صوتية غامرة. أحسّ سكان العاصمة بسياسات نزع الملكية والارغام على النزوح عند رؤيتهم وسماعهم لمعالم الترددات الفارغة الجديدة، التي زُرعت فجأة في أحيائهم. عمّ ضباب الإنعكاسات الصوتية في المدينة، إذ تم تجريد السمع من إمكانية توطينه وتحديد مصدره، فأصبح فك هويات المصادر الصوتية أمرًا مستحيلًا.[23] حُرم المارة في الشارع من احساسهم بالتموضع مرارًا وتكرارًا، وذلك إثر تغير هياكلهم السمعية المفروضة عبر هذا الواقع الجديد.[24]

أما معماريًا، فقد تصاعدت إثر عمليات الهدم وإعادة البناء، درجات الكثافة في الأسمنت والمعدن والواجهات الزجاجية والفتحات والمعلقات الهندسية، التي صحبتها ارتفاعات وكثافات متناقضة حجبت الرؤيا وشوّشت الدرجات الصوتية. أرسى ذلك هيمنة درجات صوتية تعمل كمستشعرات بيئية، وتضخم الأنشطة الصوتية من خلال زيادة انعكاساتها. أدى هذا السلوك العشوائي للصوت، إلى فقدان التناسق بين المرسل والمتلقي، وبالتالي استحالة الإدراك المكاني للإشارات الصوتية. أصبح الصدى مقياساً لاستراتيجيات التوسع المكاني، وانعكاساتها القانونية، ولدرجات إخضاع الدولة لمواطنيها.

تم تعزيز الاستراتيجيات المكانية والطائفية[25] من خلال منطق نيوليبرالي على البقع المبنية حديثًا، عبر إرساء مخطط استثمار عقاري جديد لإعادة الإعمار يغيب فيه التكافؤ بشكل تام.[26] أصبحت هذه التفاوتات التي بدأت تنتشر وتشيع بشكل أكبر، وتجسدت في ما يُعرفه الكاتب براندون لابيل على أنه “منطقة صوتية”.  فرضت التداعيات الصوتية للتكوينات المعمارية الجديدة شروطًا ذاتية،[27] إذ تم تعديل الصفات الترددية بشكل تدريجي، وبنسق حاد غالبًا، على مقربة من محيط المدينة، كما تم إخماد الموجات الصوتية المنعكسة عبر الإسمنت المنخفض الامتصاص، من خلال تراكيب الشوارع والأجسام المضغوطة التي أصبحت تشغل المجال العام الجديد. في مقابل هذا الإخماد، أدّى تماس المباني وضغط المساحات هذا في بعض الحالات، إلى بيئات صوتية حادة، يغذيها التقارب بين المساكن والبنى التحتية.

يقطع جسر يريفان مثلًا، وعبر امتداد كيلومترين وعرض ١٨ مترًا، مناطقًا شديدة الاكتظاظ في برج حمود والنبعة، حيث يعيش عدد كبير من النازحين ومن العمال الأجانب منذ الحرب الأهلية. يوطد هذا الجسر، سياسات الدولة الممنهجة في حرمان منطقة برج حمود، وذلك عبر عزلها عن باقي المدينة، وعن تدفقاتها الاقتصادية. أدى تلاصق الجسر الشديد بالمباني المنشأة قبله إلى نسيج صوتي غائرٍ يسمع على نطاق الطريق.

تحجب الهياكل الإسمنتية القليلة المسامية وصول الضوء الطبيعي وتشوش على تسرب النشاط الصوتي في البيئة المدينية الحيوية التي تعج بالتفاعلات الاجتماعية والتجارية، فتتم بالتالي، عملية “تضخيم وتعقيد وتوريط”[28] للانعكاسات الصوتية الموجودة، لتولد ما يسميه داوتري بـ”منطقة صوتية رنانة” . يتعمّق الفرق بين الداخل والخارج بالنسبة للمستمع،[29] حين تتردد الموجات الصوتية إلى أذنه وجسمه، عندما تتم معالجتها وتغيير صفاتها مكانيًا. تغرق، إثر ذلك، الطوابق الأرضية وتهوي إلى باطن الأرض، مدفوعة بهذه الخصائص المعدلة، ومؤكدة على مساعي الدولة لتهميش واستبعاد الطبقات الاجتماعية القائمة فيما.

وسعّت الطفرة العقارية المزعومة في عام ٢٠٠٤ هذه الحالة المدينية المتصاعدة عبر تقليص جميع المساحات المتبقية، وعبر والتعديلات المتسارعة في قوانين البناء التي عززت استغلال الأراضي وزادت ارتفاعات المباني.[30] فرضت حرب تموز من العام ٢٠٠٦ التي استمرت لشهر ومحت العديد من المناطق السكنية وبنيتها التحتية مخططًا لإعادة البناء تزامن مع سياسات مكانية مفروضة مسبقًا. بلغ إجمالي تصاريح البناء ٧٧١٩ مترًا مربعًا في عام ٢٠٠٤، ووصل إلى ١٥١٨٧ في عام ٢٠١٠، مما يشير إلى أن الطفرة العقارية قد تضخمت، على الرغم من المد الجيوسياسي والأمني ​​المحيط بها.

فشلت السياسات الإقتصادية التمويلية التي كانت تعتمد على إمكانيات استغلال الأراضي فشلًا ذريعًا[31] عندما توقف دعم قروض الإسكان. تبع ذلك انهيار حاد في الوضع الاقتصادي والاجتماعي المبني أصلًا على أوهام، إلى حين وصوله الحضيض في أواخر ٢٠١٩. 

يصبح الاستماع إلى هذه الكيانات المعمارية لبيروت عملاً يدلل على العمليات السياسية والقانونية التي أرستها الطبقة الحاكمة على مدى ثلاثة عقود. أدت هذه العمليات، التي شجعت على استغلال الأراضي إلى آخر نفس، واستنزاف الموارد بهدف رعاية نظام دين مرتفع وغير منتج، تناقضًا حادًا ورأسيًا في الطبقات الإجتماعية، أضحى ظاهرًا ومسموعًا. تصبح الترددات بهذا الشكل، أعلامًا لتوليفات تجمع الأبراج الفارغة، التي تخنق المساحة القصوى من نسبة البناء المسموحة قانونيًا، جنبًا إلى جنب مع المساكن المهترئة التي قاومت قانون الإيجار الصادر عام 1992. واجهات زجاجية مدمجة في إطار من الإسمنت، تعكس وتُبرز، وتُأرجح، وتردد الأنشطة الصوتية بآلاف الأشعة إلى ما لا نهاية.

نحتت توليفات بيروت المدينية أنماط السمع وهذبتها لكي تتوافق مع نموذجها الصوتي-المكاني، وتردداتها المنتشرة، كما غيرت أحياءًا كان فيها نشاط الشارع جوهريًا لبقائها، وتسللت إلى مساكنها المتداعية عبر ثقوبها واهتراءاتها. يقاوم أولئك الذين تعوّدت آذانهم على تجليات هياكل السلطة الحسيّة العمران الخانق هذا عبر تحليل غزو الترددات المدينية وتحديد تداعيات عنفه المكاني.

ترجمة: حسين ناصر الدين


[1] لابيل، براندون، ٢٠٢٠.  Sonic Agency: sound and emergent forms of resistance. {مكان النشر غير محدد}: جامعة غولدسميث PR LTD.

[2]  بوالي، شيما، ٢٠١٦. The Islamic sonic Social: Interview with Seth Ayyaz. إبراز. يوضح سيث أياز أن للسياق الصوتي ذاكرة وقدرات تعلّمية.

[3] شافر، ر. موراي. ١٩٩٧.  The soundscape: our sonic environment and the tuning of the world. روشستر Vt: Destiny.

[4] ياتس، مككي. ٢٠٠٧.   “Eyes and ears”: aesthetics, visual culture and the claims of nongovernmental politics”. Nongovernmental Politics. ٣٢٧-٣٥٥.

[5] طومسون، أميلي آن. ٢٠٠٨. The soundscape of modernity: architectural acoustics and the culture of listening in America, 1900-1933. كامبردج، مطبعة أم آي تي.

[6] المصدر نفسه

[7] تكازيك، فيكتوريا. ٢٠١٥. “The Shot Is Fired Unheard: Sigmund Exner and the Physiology of Reverberation”.  Grey Room. ٦٦-٨١.

[8] بيجسترفلد. كارين. ٢٠١٧. Mechanical Sound: technology, culture, and public problems of noise in the twentieth century.  كامبردج، مطبعة أم آي تي.

[9] أوغويار، جان فرانسوا، وهنري تورغ. ٢٠١٤ .  Sonic Experience: a Guide to Everyday Sounds. مونتريال٬ مطبعة جامعة مكغيل-كوين.

[10] أوغويار وتورغ. ٢٠١٤

[11] أبو حمدان، لورنس. ٢٠١٧. Aural Contract: Investigation At the Threshold of Audibility.أطروحة دكتوراه. جامعة غولدسميث لندن.

[12] تشديد من الكاتب. المزيد في صفا، محمد. ٢٠١٩   Reverberant Territories: Extended low frequency modulations as an account of affective aftermaths. أطروحة ماجيستير. جامعة غولدسميث لندن.

[13]  روفل، جون. Badiou’s Deleuze. أبينغدون، أوكسون: روتلدج.

[14]  www.aljoumhouria.com/ar/news/424806/مدير-عام-الاسكان-يطلب-وقف-قبول-طلبات-القروض-السكنية%0

[15] المخطط الأولي المصمم على نطاق وطني تحت اسم “أفق ٢٠٠٠”، الملزم لاحقًا لشركة المقاولات المعروفة بـ”سوليدير”.

[16] ليندرز، رينود  “Public means to private ends: state building and power in Post-war Lebanon” . ٣١٣ -٣١٥.

[17] مكارم، هادي. The Limits of Neoliberal Policies in Post-Civil War Lebanon: A Critical Study of Solidere’s Reconstruction of Downtown Beirut. 20-21. ساهمت خطط إعادة الإعمار أيضًا في خلق سياسات دَينية، وفرضت تضخمًا عقاريًا متوقعًا. 

[18] باراد، كارين ميشيل. ٢٠٠٧. Meeting the universe halfway quantum physics and the entanglement of matter and meaning. دورهام، مطبعة جامعة دوك.

[19] إنظر أرشيف oea.org.lb

[20] اورستروم، ليساندرا. “Solidere ‘Vigilantism under color of law” . صحيفة الديلي ستار. ٥ آب ٢٠٠٧.

[21] الأشقر، هشام، “The Lebanese State as Initiator of Gentrification in Achrafieh,” في Les Carnets de l’Ifpo، ٥ تموز ٢٠١٢. http://ifpo.hypotheses. org/3834 (روجع الموقع في ٢٩ تشرين أول ٢٠١٤).

[22] في ١٩٩٤، أجبرت التعزيزات على قانون الإعمار كل العقارات على تسوية كل أوضاعها “الغير قانونية” عبر دفع الضرائب و/أو الرجوع إلى قانون البناء المعدل عام ١٩٨٣.

[23] انظر بياكوت وستانياك. technologies of the intermundane. يسميان هذه الظاهرة بالـ”ريزوفنيا” – أو استحالة تحديد هوية مستقلة بين الصوت ومصدره.

[24] دوتري، ج. مارتين. ٢٠٢٠.  . listening to war: sound, music, trauma, and survival in wartime iraq.  {مكان النشر غير محدد}: مطبعة جامعة أوكسفورد.

[25] حرب- الكاك، منى.  “Towards a Regionally Balanced Development”. مؤتمر في UNDP عن ترابط النمو الاقتصادي بالتحسين الإجتماعي. بيروت، لبنان ١١ -١٣ كانون ثاني ٢٠٠٠.

[26] بو عكر، هبة. ٢٠١٨ For the war yet to come: planning Beirut’s frontiers.

[27] لابيل، براندون. ٢٠١٩  Acoustic territories: sound culture and everyday life.

[28] دوتري. ٢٠٢٠.

[29] المصدر نفسه.

[30] أشقر، هشام. ٢٠١٥  “Benefiting from a Crisis: Lebanese Upscale Real-Estate Industry and the War in Syria” في  Confluences Méditerranée. ٩٢ (١): ٨٩.   

[31] أشقر. ٢٠١٥.

ما تبقى هو الثابت

العمل الفني: إيقاع - الفنان: حاتم إمام.

1.

 ترعرع جون هاتشينسون (١٨١١-١٨٦١) في نيوكاسل، وهي منطقة مناجم قرب نهر التاين، في شمالي شرق بريطانيا. كان من عائلة متوسطة الدخل، أتى دخلها من عمل الرعيّة، والزراعة، وتجارة الفحم. خلال سنوات عمره، عمل في العديد من المجالات المختصة بالفسيولوجيا والهندسة الميكانيكية، إذ عمل كطبيب مساعد في مستشفى أمراض الصدر، وكجراح في مستشفى ساوثهامبتون، وكطبيب في شركة بريتانيا للتأمين.[1]

وجه اهتمام هاتشينسون بميكانكيات التنفس، واحصائيات الطب، والتقييمات الربحية لبوالص التأمين، بحثه نحو “القدرة الحيوية” للرئتين. وصف هذه القدرة الحيوية كـ” اكبر حجم ممكن من الهواء المحتبس في جسم الإنسان الحي في أي وقت عبر أي حركة…” واعتبر هوتشينسون أن عضلات الصدر التي تسهل حركة الرئتين “تحركها الإرادة”. استثمر هوتشينسون جهده في تحديد كمّيات الحيوة، وقد انعكس ذلك في تمأسس الأرقام، الذي بدأت ملامحه تتشكل في القرن التاسع عشر، عبر تنبؤ شركات التأمين للأعمار، واحصاء الأخطار، وانشاء أدوات دقيقة وتخمينات نظرية لما يمكن، أو يجب عدّه.

أعطى هاتشينسون، في ظل التوترات التي ظهرت في ذلك الوقت بين العلم واللاهوت، لغة للعلم الحيوي، عززت الأداء الميكانيكي للتنفس، مصورة إياه كنظام ديناميكي يدعم الحياة في جسم الإنسان. كما وأنه طور، أثناء عمله كطبيب في مكتب بريتانيا لايف، جهاز عُرف بمقياس التنفس، وهو أداة فنية لتقييم ملفات المتقدمين بطلب للتأمين على الحياة. قاس هذا الجهاز حجم الهواء المتنفس من الرئتين عبر كل شهيق وزفير. سعى هاتشينسون عبر بيانات قياس التنفس، إلى تحويل القدرات الحيوية إلى حقائق يمكن فهمها، إذ نُظّمت في جداول إحصائية، وتم استعمالها كسلاح أو كأداة مراقبة تحتسب الجدوى الربحية للمخاطرة، لأفراد الطبقة العاملة البريطانية. وهكذا، اكتسب مقياس التنفس سلطته المعرفية[2] من خلال تقديمه كجهاز علمي مثبت تجريبياً، واستخدم لإعادة إنتاج الحقائق الاجتماعية الكمية حول حسابات الجسد.

استفاد هاتشينسون، بالإضافة إلى ذلك، من الاحتلال كآلية لوضع معيار صحي للمجال الاجتماعي، إذ وضع اسس “المعيار الصحي” وفقًا لأجساد العسكريين وضباط الشرطة. خلص هاتشينسون، إلى أن الحرفيين كانوا “منخفضي القوة” ، في حين أن أجساد الشرطة كانت “عينات جيدة ذات سعة رئوية عالية”[3]. برهن، عبر بناء مجموعات مقارنة بين ضباط الشرطة والعسكريين، والحرفيين والأفراد ذوي الدخل المحدود، أن جهاز قياس التنفس كان قادرًا على التحول إلى تقنية للتنظيم والفصل. تم بناء معيار اللياقة – التي ترتبط بدرجة عالية بالجسد “الصحي”- وأنماط النجاة والبقاء، على أساس التركيب الجيني لأفراد من طبقة الشرطة والجيش الاستبدادية، وتم اعتماد وتنظيم معايير القيم الطبيعية لسعة رئتي الجسم الاجتماعي من خلال قياسات التنفس لعناصر من هذه الطبقة. شكّل هذا التوحيد القياسي للياقة، الذي ردد الحجج الداروينية للاختلاف الهرمي، واحدًا من العديد من أنظمة القياس الكمية التي تُخضع الأجسام السوداء، واللا-البيضاء واللا-بشرية، والأجسام المجنسنة، وأجسام الطبقة العاملة، للمراقبات العنصرية للقانون الإحصائي والترتيب البيولوجي.

سمح مقياس التنفس لهاتشينسون بتحديد وقياس وتقدير وتصنيف الرئتين في أربع فئات على الشكل التالي: الفئة الأولى وهي الهواء الراكد، أي كمية الهواء المتبقية في الرئتين بعد الزفير الكلّي، والفئة الثانية وهي الهواء الاحتياطي، أي كمية الهواء المتبقية في الرئتين بعد “الزفير الخفيف”، وهواء التنفس، أي كمية الهواء اللازمة لـ “الشهيق والزفير الخفيفين العاديين”، والهواء التكميلي، وهو كمية الهواء المتاحة أثناء المجهود الشاق. ادعى هاتشينسون أن هذه المعطيات لم تكن ثابتة في كل وقت، مضيفًا بأنها كانت نتيجةً للحركات الميكانيكية المنسقة التي تدفع بالهواء إلى داخل وخارج الرئتين.[4]

ترتبط قيمة القدرة الحيوية للفرد، وخاصة بالنسبة لشركات التأمين على الحياة، بالطبقة الاجتماعية والمهنة والعرق. يصبح “الزفير الخفيف” بالنسبة لهذه الشركات قيمة تحدد جدارة الفرد صحيًا ومدى استحقاقه للتأمين على الحياة. أصبحت قياسات هاتشينسون -التي رفعته إلى مصافي العلماء والمكتشفين-  أدوات معيارية وتعليمية لمراقبة وإدارة الجسد السكاني ككل، ولإنشاء قيم ومعايير “طبيعية” لحياة الإنسان. حددت جداول هاتشينسون الإحصائية، عبر خبرته كطبيب، التقييمات الربحية لسياسات شركات التأمين، في ظلّ تبلور توظيف العلوم الطبيعية في مجالات الإحصاء من خلال أبحاث هاتشينسون التجريبية ومن خلال السلطة المعرفية التي أرساها جهاز قياس التنفس.

 ٢.

كان بنجامين أبثورب جولد (1824-1896)، يعمل كخبير تأميني للجنة الصحة الأمريكية، بالإضافة إلى عمله بجمع الملاحظات الفلكية للأكاديمية الوطنية للعلوم. مهد تقريره المكون من 613 صفحة، والمعنون Investigations in the Military and Anthropological Statistics of American Soldiers (تحقيقات في الإحصاءات العسكرية والأنثروبولوجية للجنود الأمريكيين) الطريق لمفاهيم هرمية تحدد الاختلاف العنصري. إذ تم تصنيف البيانات الكمية التابعة للبحارة والسجناء والمجندين في جيش الإتحاد، مثل الرأس والوزن والنبض وقدرة الرئتين بحسب العرق والعمر. نشر التقرير في عام 1869، خلال حقبة الإعمار الموعود، وحدد الأبعاد العقلية والأخلاقية والمادية للاختلافات العرقية، عبر استخدام أدوات دقيقة وحديثة، كان مقياس التنفس واحدًا منها[5]. وفي الوقت الذي زاد فيه قبول مجال الإحصاء كممثل للعلوم المنتجة للمعرفة المجتمعية، أصبحت الأرقام دلائل مفرّغة، تُستخدم لعدّ كمّيات الجسم، وإنتاج أنظمة تصنيف ترصد القدرات الحيوية لكي تفرّق بين من يستحقون الحصول على التأمين على الحياة، ومن لا يستحقونه. 

أدى تقرير جولد إلى تطوير تكنولوجيا جديدة قادرة على قياس تفاصيل معينة من الجسم. أشاد جولد بمقياس التنفس لمرونة استخدامه، ودقته وجهوزيته للحرب. كما وأصرّ على صناعة مقياس تنفس جديد بتصميمه، وحثّه طموحه بتجاوز أبحاث هاتشينسون، على إنشاء جهاز خاص به، وإجراء 21000 عينة اختبار عبره ليدعّم تقريره.

وضعت احصائيات سعة الرئتين في جداول تقارن الجنود البيض، بـ “السود بالكامل” و “الخلاسيون” و “الهنود”، على حد تعبير جولد، معززةً نظام التصنيف العنصري السائد في البحث العلمي. أشار تقرير جولد إلى أن “السود بالكامل” لديهم سعة رئوية أقل بنسبة 6 إلى 12 في المائة من السعة الرؤية لدى “البيض”، وأن سعة الرئة لدى “الخلاسيون” كانت أقل بنسبة 0.023 في المائة من “السود بالكامل”.[6]

فشل جولد بالاعتراف بالفروقات في ظروف العمل والحياة الخاصة بالجنود السود في مسحه. إذ أن الجنود السود عاشوا في مخيمات مزدحمة، وكانوا عرضةً لرعاية طبية قاسية وشبه معدومة في مستشفيات الفصل العنصري، مما أدى إلى ارتفاع معدلات الوفيات والأمراض المعدية مثل السل والالتهاب الرئوي لديهم، ومما أثّر بالتالي على جهازهم التنفسي. حذف جولد هذه البيانات وأخفاها عمدًا، لأنه كان يؤمن بالدعم العلمي للأيديولوجيات العنصرية، والسياسات العامة التي تهدف إلى تقييم الاختلافات العرقية. وهكذا، بعد حذفه لكل بيانات للظروف الاجتماعية المدرجة في التقرير، حدد جولد سعة الرئة البيضاء، كمعيار علمي.

٣.

استمدّ فريدريك هوفمان (1865–1946)، الذي كان كبير الإحصائيين في شركة Prudential Life Insurance Company، معطياته من دراسة غولد حول سعة الرئة المنخفضة وذلك بعد ثلاثين عامًا من نشرها، في كتابه Race Traits and Tendencies of the American Negro (1896 (ميول وسمات الزنجي الأمريكي العرقية) . تم نشر هذه الدراسة العنصرية من قبل الجمعية الاقتصادية الأمريكية، واكتسبت مصداقيتها كوثيقة موضوعية تطبق الاحتمالات الإحصائية، ونظريات تحسين النسل، وقراءات قياس التنفس، وكانت احدى أهم الوثائق التي منعت الأمريكيين الأفارقة من الحصول على التأمين. كلفت شركة Prudential هوفمان بكتابة دراسته، لمواجهة تشريعات الولاية التي تحظر أي تمييز ضد الأميركيين من أصل أفريقي في بوليصة التأمين على الحياة.  أراد هوفمان، أن يثبت من خلال العلم القابل للقياس، أن الأمريكيين الأفارقة محكومون بالانقراض، بناءً على معدلات وفيّاتهم المرتفعة[7] . ثم تم تعيينه في الفرع الاكتواري للشركة، لتقديم المشورة التقنية بشأن تطوير سياسات تقييم المخاطر للعملاء المحتملين.

كانت شركات التأمين على الحياة تحصل على تمويل جزئي من قبل اللجنة الأمريكية الصحية، مما سمح لهوفمان بالنفاذ إلى بيانات قياس التنفس الخاصة بجولد، وهذا ما مكنه من الربط بين التنفس وسعة الرئة والدونية العرقية.

تحولت تقييمات الوظائف الفسيولوجية إلى سلاح، وإلى دليل علمي، إذ عززت بيانات جولد الأولية الناتجة عن مقياسه للتنفس، أيديولوجيات هوفمان العنصرية. أصبحت دراسة المخاطر سلعة يمكن تقييمها بأدوات إحصائية دقيقة، وأصبحت الاختلافات العرقية في قدرات الرئتين تُفهم على أنها ملاحظات علمية موضوعية وتجريبية، بعد أن قدمها جولد في تشكيلات مجدولة. أدى المظهر العلمي لدراسة “سمات وميول العرق”، الذي سهّلته قراءات قياس التنفس لجولد، إلى ترسيخ دراسة هوفمان كعلم اكتواري.

بالنسبة لهوفمان، يمكن التعبير عن المصير العنصري و”مشكلة العرق” عبر سرديات ​​إحصائية تدّعي بأن الأمريكيين الأفارقة غير قادرين على الحياة الحديثة خارج نُظم العبودية، بسبب “الحيوية” التي افترضت الإحصائيات بأنهم سيخسرونها بمجرد مغادرتهم المزارع. كان الأمريكيون الأفارقة غير صالحين للحرية وفق قياسات غولد لسعة الرئتين، إذ كانوا يعانون من نقص بيولوجي في العمالة الصناعية، وكانوا يمثلون عبئًا اقتصاديًا في وجه التقدم. شدد هذا التكهن، وهذه الإحصائيات الجسدية، على حصر الأمريكيين الأفارقة في العمل الزراعي في ظل إدارة تفوق البيض. تم الحفاظ على الدولة القائمة، في خضم التصنيع، عبر إرساء هذه السلطة الكمية.[8] أرست الحماسة الثقافية الدافعة نحو ترقيم الظواهر الاجتماعية في القرن التاسع عشر لانتشار الرقابة الصارمة وإدارة الأجسام سياسيًا.

لا يمكن فصل المعرفة التي وضع قواعدها مقياس التنفس عن ممارسات دراسة المخاطر الخاصة بشركات التأمين على الحياة التي شاركت في تعزيز مناهضة السواد، والطبقية، والتزاوج الجنسي، عبر أجهزة القياس العلمية. أرادت هذه الشركات تصنيع هذه الأجهزة لكي تعطي ارقامًا منتظمة لمعدلات وفيات مجموعات معينة من الناس. وهكذا، تحوّل تحليل المخاطر إلى سمة قاتلة في مجال التأمين على الحياة.

اعتُبر الجسم الأسود المستعبد، بشكل موضوعي، سلعةً أو مُمتلكًا قابلًا للتأمين، سلعة مستعدة للرمي بشكل مبرر في المحيط عندما تصاب بالمرض.[9] أصبحت أنظمة المخاطر قابلة للحساب عندما قرر هوفمان أن الأمريكيين من أصل أفريقي غير قابلين للتأمين بناءً على التمثيل الإحصائي لقدرات الرئتين لديهم.

~

في مقالته بعنوان The Universal Right to Breathe (الحق العالمي في التنفس)، يتناول أخيل مبيمبي عتبة الاختناق التي كانت موجودة قبل كوفيد -19:

… قبل هذا الفيروس، كانت البشرية مهددة بالاختناق بالفعل … كل ما يهاجم بشكل أساسي الجهاز التنفسي، كل شيء أدى ، في عهد الرأسمالية الطويل، إلى تقييد قطاعات كاملة من سكان العالم، وأجناس بأكملها، بأنفاس صعبة تلهث وبحياة قاهرة. إن الوصول إلى هذا الانقباض يعني أن التنفس تجاوز جانبه البيولوجي البحت وأصبح بحكم التعريف، عصيًا على كل الحسابات. هذا ما أعنيه، عندما أتحدث عن الحق العالمي في التنفس. [10]

حق في التنفس، من دون حسابات متحيزة. أو، حقٌ في التنفس يتعارض مع بيانات قياس التنفس التي زعمها هوفمان وهاتشينسون وجولد. وربما، بشكل أكثر تحديدًا، حقٌ في التنفس يبتعد عن مفهوم العلم كنظام للحقيقة، والتجارب الذي تمت صياغتها وممارستها من أجل الحفاظ على الاضطهاد وإضفاء شرعية عليه. يجب على المرء، لتجاوز هذه القوى المقيدة التي حددها مبيمبي، أن يقوم بعمل تنفس يتجاوز قدراته البيولوجية الفسيولوجية البحتة.

هل يمكننا تخيل عملية التنفس البيولوجية – الفسيولوجية مُحررة من هياكل الرأسمالية؟ وهل يمكن لهذه الوظيفة المادية للجسم أن تنفصل عن التكوين المنهجي لنظام المعرفة الذي تأسس على ترقيم وتحديد الاختلاف؟

لست أقترح أبدًا بأن العلم لا يمكن أن ينتج معرفة أساسية ومتساوية حول العالم المادي واللامادي. بل أن هدفي، بدلاً من ذلك هو إزاحة الممارسات العلمية التاريخية من أرضيتها المؤسسة على منطق تحسين النسل العنصري، والترويج السياسي والجمالي لمناهضة السواد، والطبقية، والسوائية الجنسية.[11] بالإضافة إلى ذلك، تكمن نيتي في فك الأنظمة الهيكلية للسلطة التي أثرت على العلم كنظام معرفي يبني الاختلافات ويحدد القيم.

ترجمة: حسين ناصر الدين


— كتبت نسخة سابقة من هذا المقال في برنامج Whitney Independent Studio Program book تحت عنوان Conjuncture  ونشرت في تموز ٢٠٢٠.

[1] سبريغز أي، آي، ““John Hutchinson, the Inventor of the Spirometer–His North Country Background, Life in London, and Scientific Achievements.”  Medical History 21 رقم ٤(1977): 357–64. doi:10.1017/S0025727300039004, 359.

[2] يستخدم لوندي براون تعبير “السلطة المعرفية” في كتابه Breathing Race into the Machine: The Surprising Career of the Spirometer from Plantation to Genetics (مينيابوليس، مطبعة جامعة مينيسوتا، ٢٠١٤) لشرح قدرة جهاز التنفس على عنصرة الأجساد عند القياس، وتعزيز التصنيفات في المجتمع، وخلق المعرفة في مجالات مختلفة.

[3] براون، لوندي.  Breathing Race into the Machine: The Surprising Career of the Spirometer from Plantation to Genetics.(مينيابوليس، مطبعة جامعة مينيسوتا، ٢٠١٤)

[4]المصدر نفسه. ٩.

[5] براون، لوندي.  Breathing Race into the Machine: The Surprising Career of the Spirometer from Plantation to Genetics.(مينيابوليس، مطبعة جامعة مينيسوتا، ٢٠١٤)

[6] المصدر نفسه. ٣٧.

[7] بوك، دانييل ب.  How Our Days Became Numbered: Risk and the Rise of the Statistical Individual (شيكاغو: لندن: مطبعة جامعة شيكاغو، ٢٠١٥)، ٣١-٥٣.

[8] ايسبلاند، ويندي نيسون و ميتشل ل. ستيفنز. “A Sociology of Quantification” European Journal of Sociology 49, رقم 3 (٢٠٠٨): 401–36. doi:10.1017/S0003975609000150.

[9] فكرة العبد كحمولة أو كسلعة. تشرح م، نوربيسي فيليب مطولًا في كتابها المعنون Zong! حادثة قتل ستة عبيد أمريكيين رُميوا من سفينة القبطان كولينغوود لأنهم مرضوا. وتشرح أيضًا قضية ف.جيلبيت التي وضع فيها مالكو السفينة في طلب التأمين، التأمين على أجسام العبيد السود كـ”حمولة”.

[10]  أخيل مبيمبي، “The Universal Right to Breathe,” critinq.wordpress.com , 2020, https://critinq.wordpress.com/2020/04/13/the-universal-right-to-breathe/.

[11] للمزيد انظر بارك مكأرثر وكونستانتينا زافيتساتوس: “The Guild of the Brave Poor Things,” في Trap Door: Trans Cultural Production and the Politics of Visibility (كامبريدج، مطبعة جامعة MIT، ٢٠١٧) ص. ٢٣٦-٢٥٤.

مؤتمر متسكّعون ومتسكّعات

غير معنون - بإذن من باسم سعد
غير معنون - بإذن من باسم سعد

توقّفت سباقات الخيل قبل بضعة أشهر وسُرِّحت الخيول. كان لدى معظم المالكين إسطبلات خاصة، وعلى الرغم من ذلك، تُركت بعض الخيول تتجوّل حول مضمار الخيل في مجموعات من ثلاث، معلنةً عن مطالبها قبل وقت إطعامها بلغة خيل حزينة. في الظهيرة كان صهيلها، أو على الأقلّ بدا لي صهيلها، كما لو أنّه نمّ عن استياء عميقٍ من التدفّق الأخير للبشر الى الميدان ووجودهم المستمرّ فيه.

في أيلول، ولسبب كان أم نزوة أم اِبتِلاء، انضممت أنا ومزنة إلى الرعاع: المجموعات التي تمّ إعفاؤها حديثًا من واجبات العمل وتلك التي كانت دائماً على هامش الدورة الإنتاجية وأولئك الذين يحملون الجنسية أو لا يحملونها وصفوف العاملين سابقاً في البناء والنادلون وعمّال توصيل الطلبات وعمّال النظافة والحمّالون ومعلّمو المدارس وأعضاء هيئة تدريس جامعيّة وطلاب المدارس والجامعات والمسوّقون ومشغّلو مراكز الاتّصال وفنّيو المختبرات وفنّيو المسرح وربّات البيوت الفارّات من منازلهن والعاملات المنزليات المهاجرات الفارّات من منازلهن والجحيم البيروقراطيّ تحاولن مغادرة البلاد وعدد قليل من عائلات اللاجئين السوريين الذين لم يخيفهم العداء المتزايد الموجّه إليهم وموظَّفو القطاع العام من ذوي الرتب الدنيا والمتقاعدين وموظَّفو ما يفوق ألفي منظّمة غير حكومية وموظَّفو أكثر من ستين مصرفًا وموظَّفو السفارة والمطار ووكالة السفر وخدمة التأشيرات الذين كان يعمل بعضهم في مركز «TLScontact» على الجانب الآخر من الشارع الذي ما عاد متعاقدا مع سفارات منطقة «الشنغن»… التاليون شكّلوا مجموعات فضفاضة: موظّفو المركز الطبّي بالجامعة الأميركية في بيروت الذين تمّ تسريحهم بشكل جماعي، وعاملات المنازل الإثيوبيات والكينيات والسنغاليات والسيراليونيات اللواتي طُردن من منازلهن وتم رميهن عند مباني سفاراتهن، وعمّال النظافة البنغلاديشيون والهنود الذين تركوا «رامكو»، إضافة الى آخرين. قد يتهيّأ للبعض أن هذا الحشد شكّل احتلالا للميدان بامتلاكه إرادة سياسية إجماعية ونوايا لمقارعة الخصوم (من؟). ذلك ممكن إذا كان الحشد على اتفاق او تنسيق فعّال، لكن الأمر لم يكن كذلك على الإطلاق. في الحقيقة، كان جلّياً أنّه لم يكن هناك ذرّة من الرؤية المشتركة أو الالتزام بين أولئك الذين أرادوا العودة إلى بلدانهم الأصلية حالما تسمح لهم الظروف بذلك، وأولئك الذين لم يرغبوا في العودة إلى بلدانهم الأصلية، والمواطنين الذين لم يكن لديهم لا مقدرة على الالتجاء إلى جوازات سفر أجنبية ولا خطة هروب. لم يتمكّن معظم الأشخاص الذين تحدّثت إليهم من شرح سبب وجودهم هناك ولجأوا إلى التفصيل المبهم للظروف الملتوية التي نجوا منها بعد تواتر أزمات العام الماضي. عند عرض موضوع الوباء تلكّأوا وناوروا وأنكروا، أو أشاروا الى كمّاماتهم. كانوا جميعًا هنا، في المكان نفسه، يهدرون الوقت (أي وقت؟).

شغّل المجتمعون المطابخ وأقاموا الخيام وتسلّقوا الأشجار ولعبوا الورق وطاولة الزهر وحبكوا وأجروا مناظرات غير جادّة. في الأغلب، شاهدوا الأخبار من محطّات متعددة أقيمت عبر الميدان. لم يكن أحد يعرف بالضبط من أين أتى المال لإنشاء ذلك، وأصلا آنذاك، كان القليل منهم يكترث كفاية ليسأل. كما في معظم الأحيان، كان هناك بعض من الخيّرين المحلّيين وأفراد في المهجر يرسلون الدولارات الطازجة. لم يكن هناك من ترتيبات لفصل الشتاء القادم. في الهواء الطلق، بثّت الشاشات الحروب الصغيرة: انفجار موسمي لمستودع في مكان ما والمزيد من الاحتجاجات والاحياءات ورصد لنشاط الخلايا الإسلامية الأصولية النائمة في الشمال وتمرّد في سجن رومية حيث قام السجناء المطالبون بالعفو العام بتحميل مقطع فيديو ليؤكّدوا أنهم نزلاء المبنى «أ»، لا المبنى «ب» حيث أقام الإسلاميون الأصوليون المسجونون منذ سقوط خلافة «داعش». أحداث يعتدّ بها لكنها لم ترقَ الى مستوى الضربة القاضية التي كانت قد حدثت سابقاً، مؤخّراً. في الميدان، ظلّ بعض الكشافة أو أفراد المجتمع المدني يقومون باستعراض تنظيف القمامة التي خلّفها الآخرون. أمّا قطاع الشباب في الحزب الشيوعي اللبناني فقد عرض فيلم «دكتور سترينجلوف» للمخرج ستانلي كوبريك.

قابلت ثلاثة من معارفي هناك. تمركزوا حول حوض السباحة الفارغ في «قصر الصنوبر» المهجور الذي يقع إلى الغرب من مضمار الخيل. اعتدت أنا ومزنة أن نصادفهم في بار «ميدو» حيث كانوا إما مُعدين بقنوطهم أو ثملين صاخبين، كما كان معظمنا. الآن بدوا كأنهم يحافظون على نبرة دافئة في الكلام، يلقون كلماتهم بسرعة كما لو أنهم يبنون جمل بعضهم البعض، تقريبًا إلى حد الهوس. أمضوا أيامهم في صنع الميمات. عرض لي أحدهم، وهو طاه أرمني، نظريته. قال إن المدينة قد أصابها نوع من العطل في آب وأن قطبيها هما المرفأ وغابة الصنوبر، أضحت مثل منجم مفتوح توقفت فيه الأعمال وغادرته القوى العاملة، قدم إليه سكّان المنطقة القدامى لتقييم تغيّر معالمه بعد عقود من عنف التمدّن الوحشي. قال إنه من المناسب أنه تم إعادة زراعة غابة الصنوبر – وهي آخر قطعة أرض خالية من المباني في المدينة – في التسعينيات بعد أن أبقى الغزو الإسرائيلي عام ١٩٨٢ والحروب الأهلية على القليل من الشجر التي أمر بزراعتها الأمير المعنيّ فخر الدين الثاني في القرن السابع عشر لإعادة إحياء غابة قديمة لأشجار الصنوبر الحلبي، كان قد وصفها رئيس الأساقفة والمؤرخ ويليام الصوري في القرن الحادي عشر وتم القضاء عليها تدريجياً بعد قرون من توفير الأخشاب للتجارة والسفن الحربية التي سمحت لبيروت الدخول في نشاط تجاري في ظل الحكم الفينيقي واليوناني والروماني والعربي، وإنه كان هناك تاريخ يجب كتابته في نفس قطعة الأرض هذه، بعد أن هجرت المدينة نصف نفسها بين عشية وضحاها. مزنة، التي كرهت التصورات السامية مثل أي وقت مضى، على الرغم من كل ما حلّ بنا، قالت أن الطاهي ثمل تحت تأثير مخدّر فاقد لعقله.

فيما بعد، جلست أنا ومزنة وسط تشكيل من أطلال أعمدة رومانية، حيث بعض العائلات تشاهد مسلسلات الظهيرة. جاءت امرأة حامل برفقة والديها المسنين وجلسوا بالقرب منا. عرّفت عن نفسها على أنها نيرمين، وسألت عمّا إذا كان بإمكاننا أن نريها المكان. كانت تحمل كرسيًا قابلًا للطي لأنها لم تستطع الجلوس على الأرض في وقت متأخّر من فترة الحمل. تحدّثَت هي ومزنة مطولاً. نيرمين فلسطينية، تركت زوجًا معتدي قبل بضعة أشهر وعادت لتعيش مع والديها. أحضرتهم إلى الحديقة بعد أن ملّوا البقاء داخل المنزل، لكنهم سيعودون إليه في الليل لكي يناموا. في مرحلة ما من المحادثة سألنا والدها من أين أتينا. عندما سميت قرية أبي في عاليه – والتي لم أزرها منذ سنين – سكتت نيرمين. لاحقا أخبرتنا أنها أنجبت جنينا ميّتًا قبل عامين. كان من الصعب أن تدفن الطفل في أي من المقابر الفلسطينية، لذلك رتّب زوجها لدفنه في قطعة أرض ذات مدرّجات زراعية امتلكها صديقه في نفس القرية. قالت إنها لم تزره قط، وإنها كادت أن تقرّر ألّا تحمل مرة أخرى، وعلى الرغم من ذلك، ها هي الان، حاملاً. لم تكن متحمّسة للغاية بشأن ولادة الطفل في الوقت هذا، لكنها كانت تتدبّر أمورها. مرهقة ولكنها لم تكن تعيسة على الإطلاق. اشتكى والداها أن الصوت العربي المُدبلج للشخصية الرئيسية لميس قد تغًيّر في المسلسل التركي الذي كانوا يشاهدونه.

أقام بعض أعضاء الحزب السوري القومي الاجتماعي قاعدة مؤقتة في مدرسة «كوليج سانت سوفور» إلى الجهة الشرقية من الميدان. الزوبعة الحمراء المكوّنة من أربع نقاط، الشبيهة بال «السواستيكا» على علمهم الأسود ما زالت تُدبّ الرعب في القلوب، لكن هم ما عادوا يثيرون الذعر كما فعلوا قبل بضع سنوات، حتى في أذهان مشاة شارع الحمرا، حيث يقع معظم مقارهم الرئيسية. لقد وقفوا حينها على أسوار خيالية يصطنعون الدفاع عن أنفسهم، مفارقة تاريخية بين الأحياء. من هم هؤلاء الأشخاص المهذبون الذين ما زالوا ينظرون إلى الخريطة ويفكّرون، بحماسة الاشتراكيين الوطنيين القاتلة، أنّ شعوباً وأراضي قد فصّلت من نفس القماش ويجب خياطتها معًا مرّة أخرى، وأن تلك عقيدة وقضيّة تستحق التبنّي، على عكس رغبات جميع المعنيين تقريبًا؟ هل ورثوا الدافع الايماني من آباء غيّورين؟ «شو برجهن»!؟ كانوا يتدرّبون كل اثنين على عرض عسكري صغير، يرتدون سراويل كاكيّة وقمصانًا سوداء وأحذية مهترئة بشكل واضح. بعضهم أعضاء في «نسور الزوبعة» جناح الحزب المسلح، لكن لم يحملوا أي أسلحة في المسيرة. لم يشاركوا في الأحاديث والمبادلات التي أقيمت في الحرش. معظم الأشخاص الذين أعرفهم في الحرش ببساطة تجاهلوا وجودهم، يمرّون بالمقرّ برزانة حريصين على أن يتحرّكوا بسرعة، أبصارهم خاشعة لا تجول عيونهم نحوه.

بعد أيام قليلة، قابلت شخصًا لم أره قبل ذلك في مكان عام أو في وضح النهار. اسمه جلال. التقيت به العام الماضي عبر تطبيق مواعدة، قبل أن أقرّر الامتناع عن ممارسة الجنس وأصبح عازبًا. كان لديه «فيتيش» أقدام وأحذية بدأ الحديث عنه عند ترتيبه للقاء شخص ما. (هناك إجماع شفهي، على الأقل بين أصدقائي، على أن جزءًا كبيرًا من الرجال المثليين في بيروت لديهم فيتيش القدم، لكنني لم أسمع بعد تفسيراً معقولاً للظاهرة). عندما التقيت به كان يدرس الكيمياء الحيوية في الجامعة اللبنانية ويعمل كفني مختبر. من خلال تصميمات شقّته الداخلية التي ظهرت في الصور التي أرسلها لي، عرفتُ أنه يعيش في شقة مزنة القديمة أسفل مستشفى الجعيتاوي. أعترف أن هذا كان جزءًا كبيرًا من سبب قراري الذهاب إليه، حتى بعد موافقته على دفع مائة دولار. قال إنه استمتع بالدفع وأن الصفقة كانت جزءًا من ال«كينك». وصلتُ إلى عنوانه ووجدته قد خرج من الشقة إلى المبنى المواجه لها. قال إنه لم يترك منزل والديه إلا مؤخرًا، وأنه كان يتقاضى أجرًا لائقًا بمقدار الساعات الإضافية التي كان يعملها. كنت عاطلاً عن العمل بشكل دوري، حتى منذ قبل يوم الخروج وقبل أن أضحى معظم الناس عاطلون عن العمل أيضا. كان عطوفا في حديثه معي، لكنه ظهر كشخص صارم للغاية في حياته الخاصة. استلقى على الأرض تحت طاولة القهوة وطلب مني أن لا أخلع حذائي طوال الوقت، متلقّيا كل قذارة المدينة في مبادلتنا الخاصة، كما لو كان يرغب في تلطيخ لسانه حنقاً على شيء ما.

 بعدها بسنة بدا غير مثقل بالأعباء وهو مستلق على الأرض تحت شجرة صنوبر. روى كيف توقّفت أعماله السابقة، مازحًا بأن دفعه لمئة دولار نقدًا مقابل الجنس الآن بات أمرًا محال بعد انهيار العملة.

غادرتُ جلال، اتصلَت مزنة معلنة أن نرمين قد دخلت في المخاض وانه تم نقلها سريعا إلى المستشفى العسكري الميداني المغربي الذي أقيم بجوار المستشفى العسكري اللبناني إلى الشرق من الحرش. لم يطلب المستشفى الميداني أي أوراق، لكنه لم يكن مهيّأ لا بالعدة ولا بالعاملين في قسم الولادة. إحدى الممرضات المغربيات كانت قد تدربت سابقا لتكون داية، وحضرت دايتان أخريان صادف أن كانتا في الحرش للمساعدة. الرمال بدت حمراء في ضوء غروب شمس تشرين الثاني، وحركة المرور على الطريق السريع ميّتة.  ظللنا برفقة والدي نيرمين حيث انتظرناها جميعًا. كان من المتوقع أن تمرّ بولادة خالية من التعقيدات، وبعد مرور أربع ساعات تمّ ذلك.

ترجمة: صفا حمزة

الأجساد في بثّها الدائم: مقابلة مع راديو إرث هولد

العمل الفني: أصداء الضجة - الفنانة: سارة ساروفيم
العمل الفني: أصداء الضجة - الفنانة: سارة ساروفيم

كريم أسطفان يحاور راشيل ديدمان، وأرجونا نيومان ولورد سيلس

يبدأ البث بأمر من مصدر غير معروف، موجه إلى مستمع مقيّد: إبقَ ساكنًا. إنه صيف ٢٠٢٠ وأنا هذا المستمعُ المقيد، أذوب في الأصوات الآتية من سماعات الرأس، فيما أجلس على مكتبي، كما جلست لساعات وأسابيع وشهو، منذ انتشار فيروس كورونا،  وضعه الكثيرين في العالم تحت الحَجْر. أنتَ على وشك الدخول في حجرة التصوير بالرنين المغناطيسي، يستمر الصوت، مما يزيد من شعورك بالأسر، وبالخوف من تشخيصٍ مروّع. هذا البث ليس عن جائحة كورونا، لكنّ له القدرة مع ذلك، على التحدث في هذه اللحظة بالصفات الفريدة لصوت الراديو: مخاطبًا العالم مباشرةً كما لو أن الصوت يأتي منَ العدم. يستجوبك الصوت ويدخلك لتندمج في السياق السمعي.

“راديو إرث هولد ٠٠١: الصوت الكولونيالي” (Radio Earth Hold 001: The Colonial Voice) مقالٌ إذاعي ثاقب مدته ثلاث وثلاثون دقيقة، أُنتج بالتعاون مع راشيل ديدمان وأرجونا نيومان ولورد سيليس لبينالي قلنديا في ٢٠١٨. يستكشف راديو إرث هولد، مواضيع تشمل تاريخ الراديو في فلسطين المحتلة، وحماية مياه السكان الأصليين في في ستاندينغ روك، وتجارب الولادة والرحم، والطرق التي تتكوِّن الذاتية فيها عبر الصوت. إن ربط هذه الموضوعات المتنوعة ببعضها، هو استقصاء للتداعيات الفلسفية والسياسية لما أسميته أعلاه  بـ”صوت الراديو”، ولكنّ هذا الصوت هو في الواقع ظاهرة أكثر عمومية وترتّبية، ظاهرة الصوت الأكوسماتي، الصوت غير المرئي، والمجهول المصدر. بالنسبة لراديو إيرث هولد ، هذا هو صوت السلطة، وصوت إله التوراة والإنجيل، وصوت الاستعمار الاستيطاني والقوة الأبوية. نجد في هذا الصوت نوعًا من التناظرية الصوتية،  وتمهيدًا سياسيًا للـ”بانوبتيكون”. إلا أن الصوت الأكوسماتي، هذا يحمل كذلك، إمكانات بيئية ومجالات لمساواة أوسع أيضًا، يتجلى ذلك في التجربة الحسية المترابطة والمتكاملة بين الأم والطفل، أو في صدى الكواكب، أو ما يعرف بالراديو الطبيعي (وهو الترددات المنخفضة الناتجة عن الاضطرابات داخل الغلاف الجوي للأرض). تُختتم الحلقة الأولى، المعنونة بـ”الصوت الكولونيالي”، بتحدٍ يبعث على الأمل، داعيًا إيانا لمواءمة أنفسنا مع حقيقةٍ صوتيةٍ مفادها أنه عبر مختلف الأنواع والمقاييس، ولسد الفجوة بين الموضوعات والأشياء، “تستمرّ الأجساد بالبثّ”.

تحدثتُ مؤخرًا مع مؤسسي راديو إرث هولد حول موضوعات “الصوت الكولونيالي”، سائلًا أياهمًا أن يفسروا بشكل أعمق، تحليلهم السياسي للصوت الأكوسماتي. أعرض هنا نص المقابلة التي أجريناها عبر تطبيق زووم.

كريم اسطفان: بحثتم في “الصوت الكولونيالي” في مفاهيم مثل الأبوية والسلطة الإستعمارية بشكل كبير عبر تتبعكم لتاريخ الراديو في فلسطين، منذ الانتداب البريطاني، وشركة الإذاعة الفلسطينية، إلى المؤسسة الإذاعية في فلسطين ما بعد أوسلو. كيف بحثتم في التواريخ السياسية والإجتماعية للراديو والصوت، نسبةً لاهتماماتكم وعملكم المختلف في التقييم والكتابة؟ وكيف شكّلت العوائق الموجودة في نطاق البث الفلسطيني حسّكم السياسي حول إمكانيات الراديو؟

راديو إرث هولد: بدأنا ندخل عالم الراديو عندما كانت راشيل تعمل في بيرزيت، على تقييم معرض للمتحف الفلسطيني حول التطريز، والفساتين والأقمشة الفلسطينية. حوى هذا المعرض غرضًا فيه شيء من الغرابة، كان على هيئة غطاء قماشيّ صغيرة مطرّزة. أخبر صاحب هذه العلبة راشيل، بأنه كان غطاء لراديو ترانزيستور، كان يحمله راعٍ في الحقول في الثلاثينات أو الأربعينات من القرن الماضي، بينما كان يرعى أغنامه. لعلّ امرأة الراعي، أو قريبة له، كانت قد خيّطت هذه الغطاء الجميل، وأنه وُضع في المعرض في القسم الذي يظهر علاقة الرجال بالتطريز.

كنا قد ناقشنا، نحن الثلاثة مسائل التضامن الدولي، والموروثات الاستعمارية، وفلسطين، والأصالة منذ أن التقينا لأول مرة في برنامج فضاء أشغال داخلية في أشكال ألوان بين عامي ٢٠١٣ و ٢٠١٤. تشاركنا عندئذٍ، اهتمامنا بالصوت وسياسات الاستماع. وجدنا لذلك ضرورةً لإجراء مزيد من البحث عن السياق التاريخي لغطاء الراديو التي صادفته راشيل.

عندما بدأنا نتتبع تاريخ الراديو في فلسطين، وجدنا أن أصوله الاستعمارية تخفي مظاهرًا لبدايات التحكم في الاتصالات والتواصل، كجزء من البنية التحتية للاحتلال. بدأت الإذاعة في فلسطين في عهد الانتداب البريطاني ، وكانت في وقتها أشبه بامتداد لهيئة الإذاعة البريطانية. تم تقسيم بثّها في ذلك الوقت، إلى اللغات العربية والإنجليزية والعبرية، وتم تحديد محتواها من قبل الأيديولوجية الاستعمارية. لم يكن في الإذاعة مكان للسياسة ، بل خدمت بشكل أكبر كوسيط لإعلام وترفيه المهاجرين البريطانيين والمستوطنين اليهود، وتثقيف بعض “الفقراء العرب”.

ظهرت إذاعات مقرصنة على الفور رداً على الإذاعة المدارة عبر الإستعمار، من الجانبين الفلسطيني والصهيوني على حد سواء. تندر المواد التي بثّت عبر الإذاعات الفلسطينية المقرنصة بشكل كبير، ويصعب الحصول عليها، إلى أنه من المرجح أن تكون هذه الإذاعات قد خدمت كأدوات تنظيم للعمال العرب والفلاحين خلال الثورة الكبرى بين أعوام ١٩٣٦-١٩٣٩.  أصبحت الإذاعة الفلسطينية بعد النكبة إذاعة لامركزية، ثم انتقلت إلى الأردن. استمع الفلسطينيون أكثر إلى الراديو من بيروت والقاهرة وغيرها من المدن العربية.

استمر استخدام الراديو كأداة للمقاومة، فكان الراديو حاضرًا خلال الانتفاضة الأولى، في الوقت الذي كان على الفلسطينيين أن ينتظروا فيه قرابة السبع سنوات لكي تقوم شركة الهاتف الإسرائيلية بتركيب خطوط هواتف لهم في الضفة الغربية. تستمر اليوم هندسة احتلال الاتصالات السلكية واللاسلكية وتستمر مقاومتها بطرق مختلفة. منحت اتفاقيات أوسلو الفلسطينيين الحق في وكالة اتصالات، لكن بنيتها التحتية وُضعت تحت السيطرة الإسرائيلية. وقد أعاقت عوامل عدة الإتصالات لدى الفلسطينيين، ومنها الافتقار إلى تقنية الجيل الثالث 3G في الضفة الغربية حتى عام ٢٠١٨، واستمرار تدمير المحطات الإذاعية وأبراج الهواتف الفلسطينية. وجد الفلسطينيون على الرغم من ذلك، طرقًا إبداعية للتغلب على هذه العوائق ولا يزال الراديو ، نظرًا لبساطته التقنية، أداة أساسية تحمل إمكانيات الاتصال على مستوى بعيد المدى.

ك.أ: تُقابَل المقاومة الثقافية الفلسطينية، سواء عبر الراديو أو غيره ، بقمع شديد عمومًا. يذكرني حديثنا بما كتبه فرانتس فانون، موضحًا كيف كانت السلطات الفرنسية تراقب ترددات وتشوّش بث إذاعة “صوت الجزائر الحرة المكافحة” خلال الثورة الجزائرية، مما أدى إلى حالةٍ أطلِق عليها “حرب الموجات الصوتية”. هل يمكنك التحدث عن الطرق التي حدّت بها إسرائيل من إمكانيات الفلسطينيين لبناء شبكة إعلام وطنية في غياب الدولة؟ هل بدأت حرب صوتية مماثلة في فلسطين في السنوات الأخيرة؟

ر.إ.ه: ثمّة أدلة كثيرة على التشويش والتعطيل والجهود المستمرة لتقويض ومنع حريات وحقوق الاتصالات الفلسطينية. قمنا في الصوت الكولونيالي بأخذ عينات من أصوات مداهمات جيش الدفاع الإسرائيلي وتدمير محطات البث الفلسطينية وإنزال أبراج الراديو. نعلم أيضًا بأن الجيش الإسرائيلي يتنصّت باستمرار على خطوط الهاتف، فيما يستمر بعمليات الهدم الغير القانونية للمنازل في غزة. في العادة، يتصّل الجيش الإسرائيلي بالفلسطينين معلمًا إياهم بوجوب إخلاء منزلهم، ثم يرمي فوق سطح البيت قنبلة صغيرة تسمّى بـ”طرقة السقف” وهي بمثابة الإنذار الأخير لإخلاء المنزل قبل تدميره بالكامل. يقع هذا الإتصال، في بنية القوّة التي تسيطر على التواصل وبناه التحتية، ويزيد في إحساس الفلسطينيين الدائم بأنهم مراقبون، وأنهم عرضة للتنسط والتجسس على دوام، وقد انتقل هذا الإحساس إلى لبنان، حيث حاولت إسرائيل اختراق شبكة المنار التابعة لحزب الله كما وحاولت التنصت على هواتف الناس.

نجد بأن المثال الجزائري مثال رائع. تصف الكاتبة والقيّمة الفنّية ياسمينة ريجاد في عملها حول استخدام الراديو خلال حركات التحرير الجزائرية ، طريقة الإستماع للراديو من داخل المنزل، قرب الموقدة، والعلاقة الحميمة التي تنشأ مع الإذاعة داخل مجتمعها. تصبح مشاعر الشراكة والقرابة التي ينتجها الراديو، في جميع أنحاء العالم ، مشحونة بشكل خاص في سياقات المقاومة.

ك.أ: يتكرر مفهوم الجسد كأداة بثّ في الصوت الكولونيالي. أريد أن أتحدث عن العلاقة بين الراديو والتجسّد، كما تظهر في بحثكم. ما الذي يمكن أن يكشفه الصوت عن أجسادنا، والعلاقات المتبادلة والروابط التي لا تستطيع الحواس البشرية الأخرى الكشف عنها؟ وما هو القصد خلف مفهومي “تردد بدون سبب” أو “صدى بدون مصدر” ، والذي تصفونه عبر الحلقة.  أريد أن نتحدّث أكثر عن تجربة الطفل في الرحم التي ذُكرت أيضًا.

ر. إ. ه: قد لا يكون ما سنقوله  جوابًا مباشرًا على أسئلتك، لكننا أصبحنا مهتمين جدًا بالراديو الطبيعي، وهي ظاهرة يتردد فيها صدى أصوات الرعد من جانب واحد من الكوكب ، وترتد على طبقة الأيونوسفير، ثم يتم التقاطها على خطوط الهاتف باعتبارها بصمة صوتيّة مميز. يعمل الراديو الطبيعي بشكل صوتي بحتٍ بمعنى ما، لاستحالة تعقب مصدر الرعد. أحببنا في هذه الفكرة حقيقة أن يكون صوت الرعد بداية للاتصالات الهاتفية،  في الصوت الذي نسمعه عند التقاط سماعة الهاتف. قبل الألياف الضوئية ، كانت جميع الاتصالات غارقة في هذه الأصوات الكوكبية التي تعبر نصفي الكرة الأرضية. في كل مرة كان ينطق فيها أحدهم بكلمات “أنا … أنا … أحبك …”، كانت كل الوقفات، المعلقة في الجو الصوتي للراديو الطبيعي، تُملأ عبر أصوات الرعد التي تردد من الفضاء الخارجي. إنه أمر حميمي، لكنّه شديد الاتساع  في نفس الوقت.

يأتي مفهوم “الصدى بدون سبب” من دراسة الفضاء الصوتي للأم والجنين. يسمع الجنين داخليًا وخارجيًا، وتكون هذه التجربة غالبًا، أولى التجارب الحسية لمعظم الثدييات. يتردد صدى الأصوات الخارجية لغناء الأم في الرحم مثلًا، وينسبه الجنين إلى الأم وإلى نفسه في ذات الوقت، فيما يشبه الإحساس بتعدد الذات، وينسبه أيضًا إلى جهة غريبة أو صوت أكوسماتي. أثناء بحثنا في هذه التجربة المدهشة والشاملة، أدركنا أن أحساسنا الأول بالذات يكون أكثر تعقيدًا، وأقل فردية من التفسيرات الكلاسيكية مثل مرحلة المرآة اللاكانية، والتي تنسب فصل الفرد عن الأم إلى وظيفة العينين. نفضل التأكيد على الوحشية في قول أننا جميعًا نبدأ جميعًا الحياة كأكثر من نفسنا، ولكن أقل من نفسين. ثمة في هذه التجربة شيء غريب على المفاهيم الغربية والفردية للولادة، وعن الممارسات الأصلية والراديكالية للقبالة. إن مفهوم الجماعة منذ الولادة، والذي يمتد على طول الحياة، هو مفهوم قديم يحظى باحترام عميق.

نلاحظ في تنظير الصوت الاستعماري أن قصة “سفر التكوين” ترخي بظلالها على تجربة الصوت لدى الجنين من خلال تمثيل صوت الله التوراتي، الذي يعتبر صوتًا أكوسماتيًا أيضًا، وكأنه يصدر من العلى، ومن المناصب الرفيعة، ثم يعاد نشره باعتباره صوت السلطة المتواجد في كلّ مكان، صوت لا يقبل الشك.

ربطًا بصوت الهاتف قبل سقوط القنبلة، ومكبر الصوت الذي لا يمكنّ الرد عليه ، والصوت البيروقراطي الذي لا يقودك أبدًا إلى إنسان، حاولنا إعادة الصوت الأكوسماتي إلى تعدده ، في بحثنا حول الأم والطفل، وفي بحثنا أيضًا حول الراديو الطبيعي الكوكبي.

ك.أ: كيف تختلف نظرية السلطة عندما نقاربها صوتيًّا؟ أفكر في الكيفيات التي يتم تصور القوة والمعرفة عبرها، وخاصة في الفكر الغربي، الذي يربط القوة دائمًا بالرؤية. تفترض النماذج التي تتمحور حول العين ارتباط الرؤية بالمعرفة الشاملة. يقال، أن نرى يعني أن نصدّق، ونتخيل سلطة الدولة من خلال نماذج مثل البانوبتيكون. منذ أفلاطون ، مُنحت الكلمة المكتوبة الأسبقية على الكلام المحكي…

ر.إ.ه: اعتبرت العيون المحور الرئيسي لمفاهيم مشروع التنوير. وكانت الشهادات والمراقبات البصرية وحدها تكفي لتثبيت الحقائق. نحن منخرطون في نقد تمحور فلسفة الاستعمار حول العين، إذ يشكل الصوت بالنسبة لنا، عنصرًا أكثر إثارة للاهتمام من البصر من حيث المقاومة. يهدف نقدنا للبصر إلى فتح مساحة للصوت، وطرح أسئلة تأملية حول كيفية فهم العالم بشكل مختلف إذا ما كان الصوت أكثر مركزية في نظرية المعرفة.

تجدر الإشارة أيضًا إلى أن الصوت حاسة غير اتجاهية، على عكس البصر، الذي يعتبر أكثر إحساس اتجاهيّة، ولهذا السبب يعتبر أشد الحواس افتراسًا. يملك البشر، عيون تصنّف بيولوجيًا في خانة عيون المفترس، وتختلف عن عيون الفريسة، الموجودة على جانب الرأس للسماح بمجال رؤية أوسع.

 ك.أ: ظهرت مجموعة من المبادرات الإذاعية المجتمعية عبر الإنترنت في فلسطين، ولبنان، وفي أماكن أخرى يجتازها بحثكم، – راديو الحارة مثلًا، وراديو الحي، وراديو الكرنتينا، وغيرها – منذ أن فرض الحجر بسبب جائحة كورونا. ما الإمكانيات التي تطرحها هذه المبادرات في هذه اللحظة من الأزمة العالمية؟

ر.إ.ه: أعاد الحجر إحياء اتصالنا اليومي بالراديو وبمحطاتٍ كتلك التي ذكرتها، والتي وجدنا فيها تجاربًا مهدئة تبعث على الراحة. مهما تقدّمت التكنولوجيا، يبقى فعل بث الموسيقى أو الأصوات أو أي محتوى صوتي آخر في الوقت الفعلي إلى مجتمع بعيد أو أكثر له فعل يحمل أثرًا جامعًا وواضحًا. تكون وحدك، لكنّك تشعر في نفس الوقت، على نطاق ما، كما لو كنت مع الآخرين يشبه ذلك الشعور الإحساس الذي يعطيه الرقص. ثمة شعور بالترددات يحصل لدى الجميع، في تجربة متزامنة وعميقة تحُس على جدران معدتك، ومعدة أشخاص آخرين،  ويتردد صداها بشكل جماعي.

تسنّ هذه المحطات عبر الإنترنت، حميمة أممية تجمع الناس من شتى أطراف العالم، وهي مثال آخر على الراديو الذي يعمل على مستويات متعددة.

يمكنكم سماع راديو إرث هولد ٠١: الصوت الكولونيالي على هذا الرابط:

https://soundcloud.com/user-854660269-405465536/radio-earth-hold-colonial-voice

إيزوتايب في موسكو

العمل الفني: إحصاء - الفنان: حاتم إمام
العمل الفني: إحصاء - الفنان: حاتم إمام

فلنأخذ بيانين بصريين للإحصاءات. الأول، هو لولب كيندلبرجر عام ١٩٣٣ الذي يتضح فيه الاتجاه التنازلي للتجارة العالمية ـ ويحيط الاقتصادات الوطنية في جدول ترابطي– شبكي (الصورة ١).

يحلل الجدول البيانات، التي جُمِعَت من خلال تقرير عصبة الأمم بين عامي ١٩٣٢ – ١٩٣٣، الذي تتبع الانحدار التنازلي للتجارة في بدء أزمة وول – ستريت للعام ١٩٢٩ نهاية المعيار الذهبي في قياس تبادل العملة.[1]

تَظهرُ دورات التجارة المحلية إذاً، مترابطةً ومُدارةً من القوى الاقتصادية الاقليمية إذ سُلّطَ الضوء على التجارة الاقليمية وهي في خضم انحدارها[2]. أما البيان الثاني فهو مجموعة من الرموز الدلالية تظهر الارتفاع التدريجي للاتحادات الاحتكارية والاسواق الاحتكارية في نفس المرحلة الزمنية، في الولايات المتحدة الاميركية في ألمانيا (الصورة ٢). نرى صفحة بعنوان: ” إمبريالية “، من ألبوم سوفياتي للعام ١٩٣٦ يُظهر الجداول البيانية، والخرائط التفصيلية، و البيانات التفسيرية، وهي مقتبسة من دراسة لـ لينين من العام ١٩١٧ تحت عنوان: ” امبريالية: ذروة مراحل الرأسمالية” (Imperialism: The Highest Stages of Capitalism).

ملأت مجموعة من المصممين المختصين في ” أسلوب فيينا ” الجديد، الصفحات بالصور الاشارية التي أظهرت عبر البيانات الاحصائية دلالات على حجم المصارف، ودورة صادرات الحديد. كان الهدف من تلك البيانات، هو إعطاء رؤية نقدية للاقتصاد الإقليمي المسيطر. أما لولب كيندلبرغر، فيظهر “كبيان، شبكي –  عنكبوتي” ، يحيط بالعالم ( مرتكزاً تقريباً على نيويورك )، وعلى جوانبه كاريكاتورات ج.ب مورغان، باسيل زاهاروف ، هنري ديتيردينغ ، و جون . د روكيفيلر. (الصورة ٣)

أُنتِجَ ” إمبريالية ” في إيزوتات (١٩٣١-١٩٤٠)، وهي مؤسسة مكرسة لتصدير ” طريقة فيينا “، الشائع تسميتها بـ”إيزوتايب”، إلى الاتحاد السوفياتي. وجهَ السوسيولوجي الفييني وقائد دائرة فيينا، أوتو نوراث (١٨٨٢-١٩٤٥)، في العشرينات، المتحف التقدمي لفيينا، إلى تطوير معايير تهدف إلى إيصال البيانات الاحصائية المعقدة إلى الطبقة العاملة من زوار المتحف. عمل أوتو نوراث بشكل مقرب مع العالمة ماري رايدمايستر (١٨٩٨– ١٩٨٦، لاحقاً ماري نوراث ) ، و مع فريق من السوسيولوجيين و المصممين، لتطوير “إيزوتيب” بالتوازي مع التخطيط المدني المحلي التقدمي، ومناهج الإدماج الاجتماعي .

إعتبر كل من، نوراث و رايدمايستر، أن الادماج الاجتماعي غير مجدٍ، إلا إذا تم فهمه من خلال مكوناته، لذلك عاملا البيانات الاجتماعية والعلمية والاقتصادية وكأنها حقوق عامة، وانطلقا من فكرة تفيد بأن هذه البيانات، ومهما كانت معقدة، يجب ترجمتها إلى شكل يسهل إدراكه، وتحويلها إلى “صورة – تعليمية”.

يشرحُ رادمايستر في مقال بحثي بعنوان ” المتحول” أن تلك المهمة احتاجت إلى فريق عمل من المتخصصين المتدربين القادرين على قراءة وتحليل وتحويل البيانات من أي مجال. قرر الفريق، بأن الوضوح، يحتاج إلى توحيد المعايير، لذلك حدد كل من نوراث ورايدمايستر أن الزمن يوضع على الجهة العمودية، أما الكم – فيوضع على الجهة الافقية. يمثل العدد الأكبر من الرموز كمًا أكبرَ من المرجعية المرموز لها. تُنقش الرموز الشكلية، دون استخدام المنظور التصميمي، وتستنبط ثلاثية الأبعاد من خلال الرسم المتوازي القياسات. إتسم الايزوتايببمظهره المتفرد، تحت توجيه من جيرد اَرنتز، وهو عضو مهم في جماعة “تقدميي كولون” (Cologne Progressives) . ترجم اَرنتز، مطبوعاته المحفورة على ألواح خشبيّة، إلى قاموس من 4000 تصميم (عامل، مصنع، فحم). تميزُ الأشكال البشرية، دون تحديد الوجوه، عبر الجنس، والعمر والجنسية ونوع العمل والوظيفة، وقد فُرّقت باستخدام العلامات المتميزة البسيطة. كما ووحد في هذا القاموس، صور- إشارية تفرّق بين “حذاء صنعته الالة “و” حذاء صُنع بالعمل اليدوي “.

إن وصف طريقة فيينا على أنها “لغة” يُبرز محدوديتها في الوصف الكمي للبيانات. يهدف إيزوتايب، وفقًا لنوراث إلى دعم اللغات الباقية، وتكمن قوته في قدرته على تحويل البيانات العملية ووصف الحقائق التاريخية والاجتماعية والاقتصادية، ليصبح نموذجًا للتواصل، خاليًا من التحليل النفسي، وكل ما هو غير مادي. يستطيع مصممٌ متمرس، عبر طريقة فيينا تحويل العوامل والمسارات المادية إلى أشكال لا -خطية ولا محدودة. (قال نوراث مرة لرودولف كارناب: أنا لا أقبل السيمانطيقيا[3] .

كان توجه فريق العمل، يرتكز على فكرة بناء الذات والتدريب وتطوير موقع الطبقة العاملة. دافع نوراث عن الملكية الجماعية واَمن في قدرة البيئة البناءة على تكوين شكل – للحياة، فطرح أسئلة حول جدوى الخطط السكنية، إذا كان السكان لا يفهمونها، ولا يمكنهم مناقشة الأفكار التي بنيت عليها. [4]

قام فريق من علماء الاجتماع السود و مجموعة W.E.B  دو بوا ، بتقديم أعمال إشارية في المعرض الدولي في باريس لعام ١٩٠٠. فقدموا ٦٠ مجسماً (تلوينات مائية، كولاج، رسم مائي)، وخرائط، جداول، وألواح من البيانات العملية، كلّها تصف القصة المعقدة لحياة السود في أميركا، وفشل سياسات إعادة – البناء. إختبر دو بوا، وزملائه، الأشكال الجيومترية التي من الممكن أن تأخذها البيانات، بدلاً من تقديم طريقة اعتيادية [5]. كان من غير المفاجئ أن يعاين نوراث عاين أعمال دو بوا، وذلك لأن كل منهما، كان مدفوعًا بالثقافة بشكل كبير، وبالتشكيك في قدرة الصور الفوتوغرافية على نقل الحقائق الاجتماعية.

سافر نوراث، ورايدمايستر، واَرنتز، إلى موسكو في العام ١٩٣١ لافتتاح إيزوتات، أو رابطة الاتحادات للاحصاءات الصورية – الاشارية للاقتصاد والبناء السوفياتي”[6]، بعد سنوات من التواصل مع: “رابطة الاتحادات العامة للعلاقات الثقافية (VOKS). وصلوا في الفترة التي أعد فيها ستالين خطة الخمس سنوات ( ١٩٢٨-١٩٣٢)،  وفي خضم التوجه الصناعي التأميمي، والمجاعة المنتشرة، والجدالات حول توجهات الفن والهندسة السوفياتية. أغلقت الحكومة كلية التصميم “فخوتيماس” في العام ١٩٣٠، وكانت قريباً ستستبدل جميع التجمعات الفنية بتجمعات رسمية. قابل نوراث ومن معه الفنان الطليعي اَل ليستزكي في معرض Pressa في العام ١٩٢٨، وكان لديهم ما يكفي من الوقت، للتعاون مع أعضاء النخبة، الذين كان كثير منهم قد أصبح خارج الخدمة الرسمية.

سبق مفهوم الإشارة – الصورية للإحصاءات، الايزوتايب في الاتحاد السوفياتي، حيث كانت صناعة الطباعة تنمو بشكل كبير في العشرينات، وقد طور ذلك التجارب في مجالات الاعلانات والكتب والتصاميم والتعليم، والملصقات والمجلات “. طوَّر فنانون نخبيون، من بينهم فارفارا ستيبانوفا، اَلكسندر رودشينكو، وليسيستزكي، مجموعة من تقنيات الاعلام التفاعلي، في إطار الصفحة المطبوعة المسطحة. اقتبست المصممة ليديا نوموفا (١٩٠٢ – ١٩٨٦)، نصين للمؤرخ العمالي الروسي س. سوبورونسكيفي ملصقين تعليميين تخللتهما، الصور الفوتوغرافية والنصوص والبيانات الاحصائية على شكل جداول ورسوم بيانية ومخططات بيانية أخرى. بالتوازي مع التنظيم الطولي للنص والتاريخ في كتب “سوروبونسكي “، استعمل كتاب “تاريخ الحركة النقابية للتجارة الدولية” (History of the International Trade Union Movement) لنوموفا – المنشور عام ١٩٢٦والذي تبناه متحف الفنون المعاصرة مؤخرًا-  التصوير – الالصاقي(الكولاج) ، والتقطيع ( المونتاج) ، لمقابلة التدوينات البصرية المختلفة[7]. اتجهت “نوموفا ” بهذا قدماً في ملصقها للعام ١٩٢٩ الذي أنجزته مع المهندسة والمصممة الينا سيمينوفا، والذي يوجه العمال أن يتتبعوا بأنفسهم أرقام مصانعهم، وهي مهمة إدارية بامتياز.

كان موضوع إيزوتات الأساسي، هو خطط السنوات الخمس الاولى والثانية، مع تضمين الملصقات التفاعلية للاستعمال المحلي، والكتب للتصدير إلى الخارج. تتبعت عناوين مثل ” الاشتراكية قيد الانشاء”  (Socialism under Construction)  ١٩٣٣، الزيادة في أنظمة الاستشفاء العمالية، والاسماك المحفوظة، ودور السينما. وتوجهت الطريقة بشكل خاص، إلى حملات محو الأمية. قامت إيزوتات، في العام ١٩٣٨بتعيين رودشينكو وستيبانوفا، لتصميم، كتاب – نسخي كبير للتعريف بطموح المدينة في إعادة – البناء.

تصف إيزوتايب في “موسكو قيد – البناء” (Moscow Under Reconstruction) التخطيط المدني، كدمج مكاني وزمني ـ من الاسكان، والتعليم، للصحة، والمواصلات، والترفيه، حيث تبدو موسكو كنموذج لباقي المدن الاشتراكية.

قام ممثلين عن فيينا بتدريب عمال إيزوتات، إلا أنهم ابتعدوا عن طريقة فيينا بأساليب مختلفة. قدمت الاشكال – الصورية البشرية بوجوه، وبخلفيات منظورية، تأثراً بتغيرات التمثلات الواقعية الاشتراكية. قدم العمّال، أثناء تتبع الخطط الخماسية الاولى والثانية، أرقامًا غير محققة على أنها إنجازات محققة. وساهم عملهم في تغطية التجميع القسري، ومعسكرات العمال.

لا تقدم، هذه الاصدارات وحدها، صورة كاملة للدور الريادي للإحصاءات في التخطيط السوفياتي، بما في ذلك إعادة رسم الحدود، وتلاعب الفئات الوطنية كالطاجيك في اَسيا الوسطى السوفياتية.[8]

 لم تندمج إيزوتات أيضاً، ولأسباب ما زالت غير واضحة، في التنظيم المستمر “للكومينترن” المتعاون مع – الحركات الضد – استعمارية، و الحركات الشيوعية في اَسيا ، وأفريقيا ، وأميركا اللاتينية، والتي تضاءلت في الثلاثينات، واستمرت إلى ما بعد الحرب العالمية الثانية .

كان أكبرالفروقات التي فصلت بين إيزوتات وبين طريقة فيينا، يكمن في جعل العمال، ينتجون جداولهم الخاصة. إذ إعتبر نوراث ورادامايستر، على الرغم من التزامهما بال”بيلدونغ” (التنشئة الاجتماعية والاقتصادية والثقافية)، أن طريقة فيينا هي للاختصاصيين الفنيين فقط. بالتوازي مع ذلك، اعتبر إيفان ايفانيتسكي، المصمم الرئيسي في ايزوتات، أن المهارة في الطريقة تكمن أساساً في تطويرها ضمن سياق إجتماعي. واقترح، أنه عند تبسيط الطريقة، يصبح باستطاعة أي عامل أن يطلب رسوماً موحدة، وملصقات جاهزة، أو أختام.[9]

ربط إيفانيتسكي أيضاً إيزوتيب مع تجمعات الفنانين الهواة الذين هُمشوا في تاريخ الفن السوفياتي بين العمال، كطريقة لتحفيز الإحصاءات كممارسة جماعية، ومشاركة جماعية في الإنتاج التاريخي.

يكتب نوراث، في عرض مقدّم لمتحف غيسيلشافت : “من المهم جداً، عرض مكان الارض كاملاً بتغييرات أشكاله الاقتصادية في الأجزاء المختلفة، لإظهار كيفية سيطرة النظام الرأسمالي تدريجياً على العالم وقمعه لباقي الأشكال الاقتصادية”.

ليس الهدف من إظهار الارقام، تفسير واقع، أو أزمة ما (وباء، أو انهيار اقتصادي). إنما، يكمن هدفها في جعل المراقب أكثر وعياً، بحالته التاريخية ومكانيته. يرى هذا المراقب الذي تخّيله نوراث البناء الرأسمالي في كليّة بنائه التاريخي، وفي كليّة بنائه العالمي. تحفز هذه الرؤية المراقب أن يتوقع ويصول إلى استنتاجاته الخاصة، في بحثه عن بدائل للانظمة العالمية.

تجابه اقتراح نوراث مع دراسات الاقتصاد الرأسمالي العالمي، التي ظهرت في شكلها المادي في جداول صفحات التقارير الاقتصادية والدورات التجارية للمؤسسات الدولية الحديثة. كانت تلك شبكات من تجميع البيانات جُمعت، لتغطية تحجيم النظام السياسي لـلإمبراطورية. [10]

اقترح المؤرخ كوين سلوبوديان مؤخرًا أن النيوليبرالية في تلك المرحلة، “نشأت عبر مشاريع ملاحظة العالم ككل، وعبر تجميع الإحصاءات العالمية، والدراسات التقريرية للدورات التجارية ” [11] . يمكننا إذًا أن نستنتج أيضًا، أن الوصولَ إلى هذه البيانات، لا يتوافر إلا للمتخصصين والمدراء، وليس عامل المنجم، أو لساكن مشاريع البنى السكنية، أو العاطل عن العمل الذي يسعى لفهم مكانته بشكل أكبر.

اختلف نوراث مع فريديريك حايك، ولودفيغ فون ميسز، في فترة ما بين الحربين، بشكل متوّقع، 

واستنتج “سلوبوديان”، في نهاية العام ١٩٣٠، أن النيو-ليبراليين، انقلبوا على فكرة أن الاقتصاد العالمي يمكن أن يكون مرئياً من خلال الارقام.

ظهرت طريقة فيينا بالتوازي مع تشكل النيو- ليبرالية، وكانت في فكرها، طريقةً فكريةً اقليميّة، لا عالمية. 

أما إيزوتيك فوعدت أولئك الذين تابعوا الإعلام المطبوع، في مجلات تنظيم العمال في مسار عالمي، بنظام محدد للتواصل يهدف إلى تفسير أو فهم مادي للعالم. ظهرت ايزوتوب أيضًا في مجلات يسارية في الولايات المتحدة الأميركية، في مرحلة الصراع الطبقي المسلح، والحراك الاجتماعي، والتجمعات المرتبطة بالجماعات اليسارية النخبوية.

عبر هذه الرؤية، يمكننا وضع إيزوتوب بمحاذاة مراحل أخرى في تاريخ التصميم الطباعي التقدمّي، كما في (ورشة عمل “تصميم لشعب”)[12] ، الذي جرى في العام ١٩٧٣ في المكسيك، وأيضاً، في صحف تجمعات (الحرب العالمية الثالثة)[13].

كان هدفي، من تقديم هذه المرحلة في تاريخ ” التصميم الغرافيكي “، في سياق ” المشتق”، هو اقتراح مفاده أن تأريخ الإحصاءات، كمنهج لصناعة- العالم، يمكن أن يساعدنا في التفاعل أكثر مع البيانات المستخدمة لفهم الازمات والانهيارات.

ترجمة: حسين ناصر الدين


[1]رسم هذا اللولب بدايةً أوسكار مورغنسترن في ١٩٣٣ لكي يظهر انحدار التبادل التجاري في النمسا، شم نشره ج.ب كوندبيف. أنظر كوين سلوبوديان٬  Globalists: The End of Empire and the Birth of Neoliberalism (جامعة كمبريدج، مطبعة جامعة هارفارد، ٢٠١٨) ٥٩-٦٢.

[2] كما كتبت سوزان بوك-مورس في نصها المرجعي حول رسم الرأسمالية وخرائط الإقتصاد، وعن اكتشافها واختراعها كعمليات تعدت كونها خرائطًا فقط. “لأن الإقتصاد لا يولد كأداة تجريبية، عليه أن يُمر بمراحل قبل أت يراه الإنسان، وتكمن هذه المراحل في الرسم وصناعة الخرائط”. انظر بوك-مورس، “Envisioning Capital: Political Economy on Display,” Critical Inquiry  ٢:١٢ (شتاء ١٩٩٦): ٤٣٩ -٤٤٠

[3] كارل مولر “Neurath’s Theory of Pictorial-Statistical Representation,” في Rediscovering the Forgotten Vienna Circle (دودريتش، ١٩٩١)، ٢٣٢.

[4] إيفا بلو “Isotype and Architecture in Red Vienna: The Modern Projects of Otto Neurath and Josef Frank,” في Austrian Studies ١٤ (٢٠٠٦), ٢٣٣.

[5] في تقديمهما لأولى المنشورات التي تتضمن هذه الصور، كتبت ويتنا باتيست وبريت روسيرت بأن عم دو بواس قد يدفع الناس اليوم للتفكير ب “قدرتنا على أعادة تخيل البيانات كأداة أحصائية وكأدواة رفض في حركة بلاك لايفز ماتر” W.E.B. Du Bois’s Data Portraits: Visualizing Black America (مطبعة برينستون للعمارة، ٢٠١٨)، ٢٢.

[6] أُعيد هيكل إزوستات لكي تبتعد عن روابتها مع فييتا في ١٩٣٤ ثم أغلقت في ١٩٤٠. لتاريخ مفصل راجع إما مينز “Picturing Soviet Progress: Izostat 1931-4,” in Isotype: Design and Contexts, 1925-1971 (لندن: مطبعة هايفن، ٢٠١٣): ٢٥٧ -٨١.

[7] في تحليله عن النموذج، يكتب ديفين فور أن ملصقات نوموفا ، تقترح فهم أعمال الثورة السياسية – تأخرها، وتقدمها، وتراجعاتها، عبر طريقة أو منهج تفكير مكاني ومعاصر. انظر “Lydia Naumova,” في جودي هومبتمان وادران سودهالتر ادس. Engineer, Agitator, Constructor (نيو يورك: متحف الفن الحديث Moma، ٢٠٢٠)، ٩٧.

[8] أديب خالد Making Uzbekistan (مطبعة جامعة كورنل، ٢٠١٥) ٢٩٧-٣٠٢.  

[9] إيفان إيفانيتسكي  Izobratitel’naia statistika i venskii metod (موسكو، أوغيز-إزوغيز، ١٩٣٢)، ٤٣

[10] سلوبوديان، Globalists، ٦٨.

[11] المصدر نفسه، ٥٨-٥٧.

[12] تستعمل البيانات البصرية الإحصائية أيضًا في مجال الصحة العامة وغيرها من المبادرات التعليمية التي ترتبط بالعمل التنظيمي اليساري. وفي العديد من الحالات، استعمل المصممون طريقة فيينا من دون المحافظة على معاييرها، أو استخدام تحفيزها للفكر المنطقي. 

[13]للمزيد أنظر كتاب روسن دجاغولوف الممتاز، From Internationalism to Postcolonialism ( مونتريال: مطبعة جامعة مكغيل-كوينز، ٢٠٢٠)

ضبط النفس: بين النار والمتاهة جيسون محقق في مقابلة مع دانا داوود

المكعب, تقريباً ١٩٤٣ - ١٩٤٥ - هانس بيلمر
المكعب، تقريباً ١٩٤٣ - ١٩٤٥ - هانس بيلمر

جيسون محقق هو أستاذ مشارك في الأدب المقارن والفلسفة في جامعة بابسون. تستعرض أعماله الحركات الشعرية والفلسفية والفنية الصاعدة عبر الشرق والغرب، كما وتركز على مفاهيم الفوضى، الوهم، العنف، الاختفاء، الهذيان، الصمت، الجنون، القيامة، الليل، والمستقبل. له تسع كتب منشورة، من ضمنها: ’’الخيال الفوضوي‘‘ (منشورات بالغريف، ٢٠١٠)؛ ’’تسبّبات:كتابة العنف‘‘ (منشورات بلومزبري، ٢٠١٢)؛ ’’الضمني الجذري‘‘ (منشورات روتلدج، ٢٠١٣)؛ ’’متمرّد، شاعر، متصوّف، طائفي: الأقنعة الأربعة لما بعد حداثية شرقية‘‘ (منشورات أس يو أن واي، ٢٠١٤). مؤلفاته الأخيرة تحمل عناوين ’’الانقراض البشري: الهوس، القدرية، والمستقبل في هذيان‘‘ (منشورات أم آي تي برس / أوربانومك / سيكوينس، ٢٠١٩) و’’ الليل: فلسفة ما بعد الظلام‘‘ (منشورات زيرو بوكس، ٢٠٢٠). كما ويشغل محقق منصب مدير ’’ برنامج دراسات المستقبل‘‘،وين؟؟؟ وهو مدير الدراسات العابرة للتخصصات في’’المعهد الجديد للأبحاث والممارسة‘‘، ومحرر مشارك لسلسلة كتب ’’سسبنشنز‘‘ (منشورات بلومزبري)، ومؤسس مختبر الاختفاء الخامس.

دانا داوود هي فنانة وكاتبة تستكشف أنماط مختلفة من التفكير من خلال الفن التشكيلي، الكتابة، والأفلام. تعمل حالياً على مشروع ’’ خوذة المتعة‘‘، وهو بودكاست شهري تجريبي يجمع بين ما هو فنّي وأكاديمي وباطني.

دانا داوود: نواجه في هذا المنعطف الزمني انكماشاً فكرياً وروحياً، ونتسأل: أين الطريق إلى الطريق. عادة ما تبدأ النظريات التي تدعو إلى فهمٍ كلّي للنظم السياسية والاقتصادية بفرضيات خاطئة ولا تصل بالتالي إلى نتيجة؛ هذا هو بالضبط سبب وجودها في نوع من الجمود.

تصوُّر إقتصادات مستقبلية قائمة على الثنائيات، كالحاجة مقابل الرغبة مثلاً، يتطلب منا أن نتخلّص من الاقتصادات الفعلية المتعددة التي تفيض عن رغباتنا وحاجاتنا. هناك اقتصادات الحرب، اقتصادات الظل، اقتصادات الانهيار—وهي موزّعة بطريقة متفاوتة وتتخلّلها قطائع وفورات وشقوق. في كتابك ’’الانقراض البشري: الهوس، القدرية، والمستقبل في هذيان“، تبتدأ واحدة من المتاهات العديدة التي تبنيها بمقطع من قصيدة لمحمود درويش: ’’قلبي فائضٌ عن حاجتي، متردِّدٌ ما بين بابَيْنَ : الدخولُ هو الفُكَاهَةُ، والخروج هُوَ المَتَاهَةُ‘‘. ماذا يعني الخروج من المتاهة؟

جيسون باهبك محقق: لنبدأ من العنصر الأكثر شؤماً في هذا الطرح: أن تستيقظي في متاهة يعني أن تجدِ نفسكِ في بناء هندسي من تصميم شخص آخر، وأن تكوني بالتالي ألعوبة لعوائق مشكّلة مسبقاً ومصمّمة ضد مستوطنيها. بخلاف شخصيات سيد اللعبة أو صاحب الأحجية أو صانع الألغاز الذين يأملون فعلاً أن يتمكن عملائهم من تخطي تحديات معقدة، نتصوّر بهجة المشرف الذي يضع التعقيدات فقط من أجل الإدانة ومن أجل مشهدية تجوال عبثي. أمنيته هي إما في إطالة الفشل إلى الأبد أو في أن يقتلك هناك—في ظل استسلام وإنكسار وإرهاق.

١. لذلك، فإن الدافع الاستراتيجي الأول للنجاة من المتاهة هو ضبط النفس: وبشكل أكثر تحديداً، كبح جماح الرغبة في التحرك وبالتالي التحرّر من رد الفعل المذعور نحو الفرار / البحث / الهروب. بدلاً من ذلك، على المرء أن يقاوم السقوط أكثر في منطق الفخ الخاص بالمتاهة، حيث تغرق كل خطوة بشكل لا رجعة فيه، وأن يفكّر تالياً في إحتمالية اللا مخرج، اللا أفق، اللا مهرب. نتعلم هذا الدرس من المينوتور—وهو التجسيد المثالي للتقشّف: لا أصدقاء، لا أثاث، لا ألقاب أو زخارف تزيينية في المحيطالذي يعتاد على أحادية اللحم والحجر المحض. ضبط النفس هذا، الذي يصادر كل أحلام الخارج، هو تأكيد قاتل: إنه يمنحه السيطرة المطلقة على كل من يدخل؛ يمنحه تركيزاً نادراً وقاتلاً يجمع بين غريزة حيوانية ووعي وحشي.

٢. ثانياً، يجب أن نعتبر العلاقة الخفية بين ضبط النفس والاندفاع كتكتيك ذو طبيعة خاصة بالمتاهة. إذا درس المرء الطقوس القديمة للمآدب أو المهرجانات أو حتى الاحتفالات الكبرى لأكلة لحوم البشر ’’الإنغماس، الإفراط‘‘، يلاحظ أن ساعة الالتهام غالباً ما تسبقها فترات طويلة من الصيام (الحرمان). لذلك يتأرجح النوّاس بين الضَوْر والتفجّر، تماماً مثلما يولّد احتواء الماء أو الهواء هطول الأمطار الغزيرة.

ولهذه الغاية نفسها، يوجد بالفعل سرٌّ متأصّل في تصوير المحارب الهادئ في تقاليد السرد القديمة، فهذه الملاحم غالباً ما تتخيّل المحارب يتجول على طول الشواطئ المقفرة أو يسكن بمفرده لسنوات في القلاع الجبلية. دائماً ما تفضي صوَر الخمود المطوّل هذه إلى غيظٍ لاحقٍ يهزّ أكواناً عند عودة ظهور المحارب. هذه ليست نظرية عن حفظ الطاقة، بل هي بالأحرى تراكم طاقات محتملة—الاكتناز، والتكديس، ثم إسقاط الشدّة المتقلبة—فكما قال أحد الفنانين الغامضين: ’’ وحدها الشدّة لا تكذب‘‘. علاوة على ذلك، فإنها تربط أيضاً ضبط النفس بمفهوم انتظار الوقت المناسب: عملياً، توفيت جولات معينة وانتظار اللحظة المناسبة للقفز/ الانقضاض (البراعة في كلٍّ من الغيظ والحرفة). هذه ليست فلسفة خمود، بل هي فلسفة مضاعفة الفرص.

٣. ثالثاً، دعينا نتبع هؤلاء الزهّد—الرهبان، المتصوفون، ممارسي الفنون القتالية—إلى المسافات البعيدة حيث أقاموا عهود الصمت، تفقير الذات، جلد الذات، أو احتقار الذات كطرق للنشوة الإلهية. يجب أن نفهم أن أكثر الأشكال حدّةً لهذه الممارسة لا علاقة لها بالتقوى ولا بالتواضع أو العبادة المتعالية، بل هي عبارة عن رهانات متمادية في المجازفة لنيل الربح المطلق، أي الصيرورة إلهاً. ومن ثم فإن مثل هذه القواعد القاسية لضبط النفس—التشويه، الجوع، العزلة، القذارة—لم تكن غير مقامرة وصلت رهاناتها إلى الحد الأقصى للحظ، أي تأليهه.

مع تحديد هذه المسارات الأولية، أود فقط أن أضيف هذه الملاحظة الأخيرة: يمكن لضبط النفس في ظروف متعددة أن يمارس صفة تخريبية عميقة من حيث أنه يوقف حركة عالمٍ متكررٍ. بتعبير أدق، يوقف استبداد المماثل عن طريق تعطيل العادة (انهيار أساطير الهوية)، والخلافة(انهيار أساطير القوة)، والسببية (انهيار أساطير الواقع). وهكذا، نعود إلى هؤلاء المتصوفين أنفسهم الذين تكمن جذريتهم في مبادرتهم الابتعاد عن العالم. بقول آخر، يجب على المرء في بعض الأحيان لمغادرة المتاهة أن يتخلى / ينسى أولاً فكرة المتاهة نفسها؛ هذا النسيان هو هو ضبط النفس بملء الإرادة.

د.د.: المسارات التي ترسمها لإزالة استبداد المتاهة تشير إلى المشاهد الزمنية التي تتوسط التراص الكثيف للإمكانيات وإلى رمي النفس في الصدفة. ما هي الأشكال التي تتخذها هذه الزمانيّات—هل هي موجودة في مكان ما يستمر في التدهور نحو لحظات أبدية من الاحتمال، أم أنها استعراض من الزمانيّات الحاضرة التي تدفعنا قدماً إلى المستقبل؟ علاوة على ذلك، كيف يمكن فهم فلسفة الصدفة؟

ج.ب.م.: هذا السؤال يحثّنا على وصف فلسفات مختلفة من ’’ الزمن المقيّد ‘‘، وأن نتسأل كيف، للمفارقة، يمكن لممارسات معينة من الربط والالتحام والتشديد (معيار التعويذة) أن تفتح زمانيّات سرية. إن البوابة الأولى لأي سرية هي دائماً تعهدٌ بضبط النفس.

لنبدأ إذاً بتخيّل خمس قوى فريدة تواجدت عبر الزمن، وإلى جانبها خمسة ممارسين معينين لهذه القدرات: ١- من صدّى الزمن؛ ٢- من جمّد الزمن؛ ٣- من جعل الزمن يرتد؛ ٤-من نحت شقوق إضافية في الزمن؛ ٥- من فاجأ الزمن (من خلال فعل في غير أوانه). بلا شك، يجب على كل شخصية من هذه الشخصيات ضبط بعض عناصر تجربتها من أجل اكتساب مثل هذه التقنيات الاستثنائية، تماماً كما يموت الشهداء صغاراً من أجل الوصول إلى خلود بديل باستخدام الانكماش الوجودي بطريقة تسمح لهم بلعب لعبة الأبدي الطويلة. وعليه، نسأل مرة أخرى: ما الذي يجب أن يذعن المرء أولاً (ثمن ضبط النفس) من أجل التلاعب بكل من تلك الزمانيّات المحجوبة المذكورة أعلاه؟

إن الحديث عن الصدى، يعني التفاعل مع مشهد زمني من الأصداء الجزئية، والتي يصل معظمها بعد فوات الأوان، فيما يضيع أثر مصادرها. أما الحديث عن المجمَّد، فهو يعني التفاعل مع مشهد زمني من الحيويّة المعلّقة، حيث تتجمّد عقارب الساعة النحيلة وتحاكي الظواهر حالات الركود المطلق. وأما الحديث عن الارتداد فهو يعني التفاعل مع مشهد زمني من الاصطدام المرن، أي إخضاع جميع المسارات للالتفاف والانحراف، ولغلبة الزاوية، في حين أن كل شيء يتحرك وفقاً لهندسته الفوضوية. وأما الحديث عن النحت فهو يعني التفاعل مع مشهد زمني من الشقوق الصغيرة، تلك التي تمدّد الأحداث بفاصل ثوانٍ، وبالتالي شراء نفسٍ مسروقٍ إضافي واحد مع مرور كل لحظة. وأخيراً، فإن الحديث عن اللا أوان فهو يعني التفاعل مع مشهد زمني من المتسللات والكمائن الفاقدة للصلة، حيث يعاقِب هؤلاء الهاربون الذين حددوا أنفسهم بعد وفاتهم كل لحظة متكبّرة بارتعاشات غير المتوقع، اللامثيل له، والذي لا حق له بأن ينوجد أصلاً.

لكن الآن، دعينا ننتزع مدارس الزمن المقيّد الخمس من التجريد ونكشّفهم عبر محور عميق، معروف لكلٍ من أحلكِ البيئات الشمولية (السجن)والعوالم المنهارة للدول الفاشلة (الشغب). ما الذي يجب أن يقدّمه كل من الشخصيات التي ذكرناها للبائسين في الزنازين الرطبة أو لأولئك المرميّين وسط الحطام؟ ما القوة العزاء هذه التي تقدمها الزمانيّات السرية للمصائر المستوية في انعدام آفاقها لكلٍ من المعذّبين والمدمّرين والمشرّدين؟ يمكننا أن نتخيل الصدى كشيء يهرّب الرسائل من وإلى غرفة الحبس الانفرادي؛ المجمَّد كالذي يسمح بإلقاء نظرة خاطفة أخيرة على مجتمع يحترق؛ الارتداد كوسيلة لحرف التأثيرات القاسية إلى مكان آخر أو أي مكان؛ النحت كنافذة ضيقة لتذوق العالم العابر تحت الحصار أو الحداد عليه أو لعنه؛ واللا أوان كالرؤية التي تبيّن تلك العوالم التي يمكن تصورها رغم أنها لم تولد قط والتي تتراكم في أرشيفات الافتراضي. هم أيضاً لديهم حساباتهم، في بعض الاحتمالات الصامتة.

لذلك، ليس من قبيل المصادفة أن ثلاثة من أكثر المؤلفين شهرة في المنطقة العربية، الذين تحمّلوا الحرب الأهلية اللبنانية في الوقت نفسه ومن مواقعهم المختلفة في بيروت، سيؤلفون صوراً ظلّية للمدينة المتضررة تختبر مثل هذه الآثار من اضطراب الزمن. يكتب محمود درويش: ’’ الساعة الثالثة. فجر محمول على النار. كابوس يأتي من البحر. ديوك معدنية. دخان. حديد بعد وليمة الحديد السيد. وفجر يندلع في الحواس كلها قبل أن يظهر‘‘[1] تكتب غادة السمان: ’’ حينما طلع ضوء الفجر، كان كل منا يتأمل الآخر بدهشة: كيف بقينا أحياء؟ كيف نجونا من تلك الليلة؟‘‘[2] يكتب أدونيس: ’’طول سنوات الحرب الأهلية، خصوصاً في أيام الحصار، تعلمت أن أقيم علاقاتٍ ودّية مع الظّلمة، وأن أعاشر ضوء آخر، لا يأتي من الكهرباء، ولا من ضوء المصباح الغازيّ أو مصباح الكاز. هذه العتمة إضاءة سرّية تقتلعك حتى من ظلك، وتلقي بك في بُؤرةٍ من التفجّر النّورانيّ.‘‘[3] هؤلاء المؤلفون هم أنبياء يتمتعون بضبط نفس شديد، ويتغاضون عن أثر قرون كارثية بوعي من خارج هذا العصر؛ نحن نلعب دور التنصت على كلماتهم القلقة من أجل تتبّع خطى مثل هذه الزمانيّات الظلالية.

كل هذه التكتيكات لها تطبيقات بالغة الأهمية في أكثر الأماكن دماراً، سواء داخل الزنزانة أو في الشارع. إنهم يطالبون بمقايضة رهيبة من نوع ما من فاعليهم، لأنه غالباً ما يتم كسب الزمانيّات السرية ببيع حصصنا المتبقية من الزمن الخطي. هكذا هي الحرب التي لا هوادة فيها بين التسلسل الزمني وأحلامنا المفضلة عن الهذيان / الهروب، وهو التذكير بأن ’’التحمّل‘‘(ربما أهم مفهوم يمكننا إدراكه) هو أيضاً وفي حد ذاته مبدأٌ لضبط النفس.

د.د.: إن زمانيّة ضبط النفس هي التحمّل والتضحية، حيث يتم التفاعل مع الأخيرة كقوة نشطة للخَلق تقدّم للذوات الناشئة شكلاً من أشكال السيطرة على سقوطها المتلاشي. يكتب أرتو: ’’ لم أعد أرغب في أن أكون محكوم بالأوهام. / […] سئمت من هذه الحركة القمرية التي تجعلني أسمّي ما أرفضه وأرفض ما أسميته. / يجب أن أنهيها. […] / سوف أسقط في الفراغ […] ‘‘[4] إن هذا القطع مع الزمانيّة الخطية والتمثيل الغائي هو الذي يسمح بعبور القوى والتكتيكات المختلفة التي حدّدتَ معالمها سابقاً.

في النص ذاته، يتحدث أرتو عن النار. لقد كانت النار عنصراً متكرراً في قراءاتي هذا العام، كما لو كنت أصادفها باستمرار في الكتب والصور وأحداث الحياة الحقيقية. هناك شيء ما يتعلق بالنار والذي دائماً ما يُحدِث قطعاً مع كيفية إدراكنا لمستويات الحياة. في رواية هاينريش فون كلايست، يقوم بطل الرواية الرئيسي’’مايكل كولهاس‘‘ ، الذي يواجه الظلم، بإشعال كل ما يلفت نظره في نار مستعرة. بمجرد إدخال النار في الرواية، فإنها تبتلع كل شيء؛ بل إنها تحل مكان الاستعارات والأوصاف المرتبطة بوجدان كل من الشخصيات المختلفة. الكل يتكلم لغة النار. يصادف كولهاس إمرأة غجرية معروفة بنبوءاتها؛ توجّه نظرها إليه وتعطيه ورقة وتخبره أن الورقة ستنقذ حياته. عندما يُقبض عليه، يُحكم عليه بالإعدام، و قبل أن يُقطع رأسه مباشرة، يبتلع الورقة والسر الموجود بداخلها. ماذا يمكن أن تخبرنا النار عن ضبط النفس؟

ج.ب.م.: هذه خطوة أخيرة جميلة للرقصة— غالباً ما يدور فن تصميم الرقصات بحد ذاته حول التفاوض على الاتفاقية السرية بين ضبط النفس والحركة. وبالتالي، فإن تمهيدك هنا يتطلب منا أن نبقى برفقة عابدي النار القدامى، حيث يحرس كهنة اللهب الأبدي النار طوال الليل في المعابد لمنعها من الانطفاء (الأرق المقدس كضبط للنفس)؛ أو الجلوس في قوافل العرافين القدامى الذين قدموا أنفسهم كأوعية لتدفّقات قدرية، فيما يقرأون الجسيمات الحارقة للرسائل المضمّنة في كراتهم البلورية أو في الرماد المتناثر (الإلهام النبوئي كضبط للنفس)؛ أو الدراسة مع أول حرفيي الألعاب النارية الذين اكتشفوا قدرات التفاعلات الكيميائية القائمة بذاتها والطاردة للحرارة، والتي كانت عروض الألعاب النارية الخاصة بهم تلاعباً شبه إعجازي بالحرارة والضوء (التفجّر المذهل كضبط للنفس). أدركَت كل هذه المجموعات المختلفة أن زرع فتائل كبرى في العالم تتطلّب الصبر والحياد والضغط والسماح بالعد التنازلي. كانوا جميعاً يعلمون أن احتمالية سرقة القوة من اللانهائي تعتمد بشكل كامل، مثل أي سرقة بروميثيانية، على بساطة إيماءاتهم—الدقة والخفة وإخفاء الهوية وإرادة القيام بانتهاكات غير ملحوظة. فالمرء حذر دائما عند اللعب في النار.

ترجمة:إياد ريا 


.[1] درويش، محمود: مع الأسف، كانت الجنة. ترجمة، م.عكاش، س،فورش، س.انطون، أ. الزين. باركلي، س أ: جامعة كاليفورنيا للنشر، ٢٠٠٣. ص.٤

غادة السمّان، كوابيس بيروت، بيروت: منشورات غادة السمّان، ٢٠١٠، ص. ٧. [2]

      أدونيس، كتاب الحصار، حزيران ٨٢ – حزيران ٨٥، دار الآداب، ١٩٩٦، ص. ٣٧. [3]

 انطونان، ارتو، موت ابليس، وكتابات باطنية أخرى، ترجمة: اليستر هاملتون وفكتور كولتي، عن: كالدروبويارز،لندن، ١٩٧٤، صفحة. ٦٤. [4]

الصوت العالي ما بموت: أغاني عبر الزمان والمكان

سارة ساروفيم - الحق في الحنان
عمل فني: سارة ساروفيم - الحق في الحنان

“هاي السنة سنة، مو مثل كل سنة”
— عزيز علي                                         

كان من الممكن أن تشير هذه الأغنية إلى سنة 2020 الغريبة التي نشهدها، إلا أن هذه الكلمات كُتبت منذ أكثر من ستين عامًا. سجّل المغني و المونولوجست العراقي عزيز علي اغنية “هاي السنة” في مطلع عام [1]١٩٥٨، على طريقة المونولوج وهو نوع من الموسيقى الساخرة، وبُثّت على راديو بغداد لشهورعدّة قبل انتفاضة الرابع عشر من يوليو. نقلت كلمات الأغنية مشاعر الأمل واليأس، متأملّة أن تكون “هاي السنة” مختلفة عن سابقاتها، وللأجيال القادمة أن تعيش من دون “فساد ولا افساد” وأن “نغني أحلى أغانينا”[2]. نجحت ثورة ١٤ يوليو التي قادها الجنرال عبد الكريم قاسم بإزاحة العرش الهاشمي عن حكم العراق، وتحويله إلى جمهورية، وأصبح عبد الكريم قاسم رئيسًا للوزراء. 

سجنت السلطات العراقية عبد العزيز علي تواليًا في فترة نشاطه الفني في الثلاثينات والأربعينات من القرن الماضي، على خلفية مونولوجاته اللاذعة، إذ كان صريحًا في نقده للمستعمرين البريطانيين ولأنصارهم من العرب.[3] أصبح عبد العزيز علي مشهورًا لأغانيه الساخرة التي تنتقد الوضع السياسي الفاسد، والقمع في المجتمع العراقي وفنونه وثقافته. [4]

في شهر فبراير من العام ١٩٦٣ قام حزب البعث العراقي بأولى الانقلابات العسكرية ، وتم اغتيال عبد الكريم قاسم. لم يستمر هذا الإنقلاب الأول إلا حوالي التسعة أشهر، إلا أن أحداثه كانت دامية وعنيفة، إذ قُتل على إثره الآلاف، ومن بينهم مئات المثقفين.  كان الحزب الشيوعي العراقي في تلك الفترة، من الأحزاب القليلة في المشهد السياسي العراقي، المهتمة بحرية الفنون والثقافة، لهذا، لم يفرّق البعثيون بين الشيوعيين والمثقفين، فقاموا بتصفيتهم على هذا الأساس.[5]

تمت الإطاحة بالإنقلاب البعثي الأول في نوفمبر من العام ١٩٦٣ وعم  الهدوء النسبي لسنوات قليلة سادت فيها استعادة الحريات السياسية والثقافية العراق، إلى أن استولى البعثيون على السلطة مرة أخرى، ولفترة طويلة هذه المرة، عبر انقلابهم الثاني في ١٧ يوليو من العام ١٩٦٨. أدّعى البعثيون، في محاولة لإصلاح سمعتهم السيئة التي عمت بعد انقلاب عام ١٩٦٣، استخدام نهجً “أكثر ليونة” في بداية حكمهم المتجدد، وذلك للحفاظ على واجهة ديمقراطية، أما على أرض الواقع، فقد استخدموا الرشاوى والابتزاز لبضعة أشهر، قبل أن يلجأوا إلى أساليب الخطف والتعذيب والإعدام المعتادة. [6]

لم تقلل ممارسات البعثيين التي جعلت خصومهم “يختفون” بأي وسيلة ممكنة، من ارتيابهم وخوفهم من الأفكار الشيوعية، التي ظلت بارزة في جميع أنحاء الجمهورية. منع البعثيون بالتالي، بث مونولوجات عزيز علي الاستفزازية مرة أخرى، كما وحظروا الأغاني والكتابات والأعمال الفنية السياسية التي تنتقد الحكومة علانية، وذهبوا أبعد من ذلك، في فرض الرقابة على الأغاني والقطع الموسيقية والفنية التي لا تحمل أي أهداف سياسية، ومن بين تلك الأغاني أغنية “يا ام الفستان الأحمر” الشهيرة للمغنية مائدة نزهت، التي صدرت في عام ١٩٦١، والتي كان عنوانها سببًا كافيًا لمنعها.[7]

طالعة من بيت أبوها،
رايحة لبيت الجيران
فات ما سلّم عليَّ
يمكن الحلو زعلان

-طالعة من بيت أبوها، ناظم الغزالي.[8]
بغداد ١٩٥٨.

سنة ١٩٧٤، والأغنية هي E Depois do Adeus (و بعد الوداع) لباولو دي كارفالو.[9] كانت مناسبة تلك الأغنية هي التقديم البرتغالي لمسابقة الأغاني الأوروبية السنوية ، والتي أقيمت في برايتون في السادس من أبريل. كتبت كلمات هذه الأغنية على لسان رجل مكسور القلب، يتساءل عن طبيعة الحب نفسه: “البحر لا يأتيني بصوتك، في صمت ، حبي، يرحل في الحزن أخيرًا “. كانت تلك النسخة من مسابقة الأغاني الأوروبية قد شهدت على انطلاقة المسيرة الحافلة لفرقة البوب ​​السويدية ABBA، إذ فازت أغنيتهم ​​Waterloo بالمركز الأول. حلّت البرتغال، وأغنية دي كارفالو في المركز الأخير، لكن تلك لم تكن النهاية، إذ وجدت الأغنية صداها في مكان آخر.

بعد ذلك بأسبوعين تقريبًا، تم بث أغنية كارفالو على الراديو البرتغالي كإشارة سرية، تؤذن ببدء انقلاب عسكري من شأنه الإطاحة بحكومة مارسيلو كايتانو اليمينية. تم التحريض على الانقلاب من قبل “حركة القوات المسلحة” (Movimento das Forças Armadas ؛ MFA)، وهي منظمة شكلها ضباط من ذوي الميول اليسارية في القوات المسلحة البرتغالية.[10] كانت أغنية “وبعد الوداع”، الإشارة التي أنذرت الضباط المتمردين وجنودهم لبدء الانقلاب. جاءت الإشارة الثانية بعد بضع ساعات عندما عزفت الإذاعة أغنية  Grândola Vila Morena لزيكا أفونسو[11]، الموسيقي الشعبي السياسي المؤثر، الذي مُنعت أغانيه من الراديو في ظل الديكتاتورية. كان دور الأغنية الثانية يكمن في  الإشارة إلى أن الأنقلاب يسير بنجاح.

نجحت الثورة التي أصبح تعرف لاحقًا بـ”ثورة القرنفل” بارساء الإنتقال الديمقراطي في البرتغال، وتحرير الأراضي التي كانت تقبع تحت استعمارها في أنغولا، وغينيا بيساو، والرأس الأخضر وساو تومي وبرينسيبي والموزمبيق، وكل ذلك في غضون عام واحد.[12] لعلها، المرة الأولى في التاريخ، التي تُشعل فيها أغنية عاطفية ثورة كبرى.

طالعة من بيت أبوها
رايحة عالإعتصام
طالعة بدها حرية
طالعة تسقط نظام

-طالعة من بيت أبوها، المسيرة النسوية [13]
بيروت، ٢٠١٩.

سنة ٢٠١٩، عصر نهار اثنين في بيروت، بعد أربعة أيام من ثورة ١٧ تشرين، وسبعة أيام من الثورة في سانتياغو، تشيلي، وأربعة أيام من بدأ التظاهرات في بغداد. كنت أمشي بين المئات، وربما الآلاف من المتظاهرين الشبان. كنا نمشي بخطى ثابتة من ساحة الشهداء إلى ساحة رياض الصلح، والكل يغني ويصرخ بأعلى الصوت. كانت الأغاني بأغلبها تبدأ من صوت واحد، يخرج من مكبر صوت محمول، وينتقل عبر مكبرات الصوت الكبيرة الموضوعة على ظهر سيارة متحركة تواكب السائرين. كان الكل يردد، إلى أن وصلنا إلى مركز الساحة، حيث توقفنا، ورأينا الجمع الذي امتد على امتداد البصر. صرخ الشخص الذي كان يحمل مكبر الصوت بجملة لا تزال تتردد في سمعي وفكري حتى يومنا هذا:

الصوت العالي ما بموت.

ردد الجمع تلك العبارة، ثم تمتم الشخص عبر المكبر القريب من  فمه “مش سامع!” ثم أعاد الجملة، بصوت أعلى هذه المرة: “الصوت العالي ما بموت!”، وها هو الحشد يصرخ فعلًا بصوت أعلى، مرددًا العبارة. أكمل الرجل الشعار، وهو راضٍ عن صوت الحشود العالي، ليقول “والثورة بوسط بيروت!”. رددنا كلّنا، بأصواتنا التي كانت تعلوا شيئًا فشيئًا، فيما كنت أنظر إلى هاتفي، مذهولة، ومليئة بالحماس، لأتأكد من أنني أسجلّ كل ذلك.

سنة ٢٠١١، شهر سبتمبر، في حديقة زوكوتي في نيويورك. يصرخ صوت واحد، ويكرر الحشد الذي يقف بالقرب من مصدر الصوت العبارة، ثم تتوالى الحشود المبتعدة على تكرارها.

هل الميكروفون يعمل!
(هل الميكروفون يعمل، هل الميكروفون يعمل)

صوتنا يعلو حين نكون معًا!
(صوتنا يعلو حين نكون معًا، صوتنا يعلو حين نكون معًا)

مهما كان ما نقوله!
(مهما كان ما نقوله، مهما كان ما نقوله)

لكي نسمع بعضنا!
(لكي نسمع بعضنا، لكي نسمع بعضنا)

ولكن أيضًا!
(ولكن أيضًا، ولكن أيضًا)

نستخدم ذلك كميكروفون بشري
(نستخدم ذلك كميكروفون بشري، نستخدم ذلك كميكروفون بشري)

لأن الشرطة لن تسمح لنا
(لأن الشرطة لن تسمح لنا، لأن الشرطة لن تسمح لنا)

بأن نستخدم أي آلات صوتية!
(بأن نستخدم أي آلات صوتية، بأن نستخدم أي آلات صوتية)

قدّمت حركة أوكيوباي مفهوم الميكروفون البشري، أو ما عرف بميكروفون الناس، كأداة لإعلاء صوت الخطيب في الإجتماعات العامة للحركة، إذ أن الشرطة منعت المتظاهرين من استخدام المعدات الصوتية كالميكروفونات ومكبرات الصوت.

أصبح الميكروفون البشري، أداةً يتعدى استخدامها غرض إيصال الصوت وإعلائه فحسب، إذ أن نجاحه تطلّب حضور الجماهير، ونقلهم لمضامين الخطاب، حتى ولو تعارض مع أفكارهم، ليصبح بذلك أداة توصل الصوت إلى المدى، وأداة تعزز أعلى درجات التعاطف، إذ تتردد الأفكار عبر الأجساد، وتتصّدى، وتُردد على ألسنة أناس قد يكونون بعيدين عنها. أصبح المتكلمون، يستمعون لتردد صوتهم في آلاف الأصوات.

سنة ٢٠٢٠، في هولندا حيث أقيم. أصدرت الهيئة الوطنية للصحة قرارًا يمنع الصراخ والغناء الجماعي: “يمكنكم إذًا، أن تهمسوا، في ظل شروط التباعد الإجتماعي في الحفلات ومباريات كرة القدم، إلا أنه يمنع عليكم الغناء بصوت عالٍ”.[14]

أفكر الآن، في ظل الإجراءات التي تُصمت الأغاني، وتمنع الإحتفالات، وتدفع بالجموع إلى الهمس، إن كان من جدوى لاجتماع الناس إذا لم يستطيعوا سماع بعضهم البعض. هل ستنجح  إجراءات “العزل الصوتي” هذه، بإخفاء الوجود الجماعي بالكامل؟

كان الميكروفون البشري ليُمنَع بالطبع في ظل هذه الإجراءات الصحية. لم يعد من المسموح لنا، أن نُعلي أصوات بعضنا البعض، لأن ذلك يتطلب صخبًا وحضورًا متقاربًا. أفكر في أن المايكروفون يُخفي هوية المتحدث، إذ يذوب الصوت الواحد في صوت الجمع، على عكس ما تسعى إليه الإجراءات الصحية، في تفريق الأصوات، وتفريدها، وإبقائها بعيدةً الواحدة عن الأخرى. 

استخدم الصمت الجماعي في مدننا الصاخبة قبلًا، كأداة للاحتجاج، في المسيرات الصامتة مثلًا، أو الإعتصامات التي أصبح فيها الصمت طريقًة للعصيان. عندما يكون الضجيج “سائدًا”، يصبح الصمت أداةً مهمّة، لكن، ما الذي يحدث عندما يكون الصمت هو السائد؟

ما هو صوت الجمع؟
جيفارا مات
جيفارا مات
آخر خبر ف الراديوهات
و ف الكنايس
والجوامع
و ف الحواري
والشوارع
و ع القهاوي وع البارات

جيفارا مات

سنة ١٩٦٧، جيفارا مات. كتب الشاعر المصري العامي أحمد فؤاد نجم قصيدة “جيفارا مات” وغناها الشيخ إمام. [15]  بقيت هذه الأغنية مثالًا شديد القوّة على إئتلاف الجنوب العالمي ولُحمته وتضامنه عبر الأغاني والخطابات. يستجذب سماع الأغنية وطأة خبر موت الثائر الأيقونة، وكأنه مات البارحة. تنجح الأغنية باستحضار هول الحدث والوقع الكارثي للخسارة.

لحّن الفنان العراقي جعفر حسن وغنى أغنية أخرى في الخسارات والفاجعة، وهي اغنية “سانتياغو”، بعد عدد من الاغتيالات على يد الفاشيين، والتي وقع ضحيتها المغني والاستاذ فيكتور جارا، والشاعر بابلو نيرودا، وغيرهم العديد من المثقفين والفنانين. نظم الشيوعيون العراقيون في وقتها العديد من الفعاليات الثقافية والسياسة تضامنًا مع رفقائهم في تشيلي. كان أسبوع بغداد التضامني مع تشيلي، الذي أقيم في أكتوبر من العام ١٩٧٣، في نقابة الفنانين في بغداد، أبرز هذه الفعاليات، وقد تضمن العديد من المعارض التشكيلية، والعروض المسرحية، والشعر، والموسيقى والغناء. [16]

المغني والمؤلف الكردي العراقي جعفر حسن كان عضوًا في الحزب الشيوعي العراقي من مطلع السبعينات، وهو أسس، مع أخته الهام حسن، وكوكب حمزة، فرقة الروّاد. أدى حسن في اسبوع بغداد التضامني هذا، أنشودة “سانتياغو، تشيلي تمر كالنجمة في سمائنا” كما وأدى نشيد “لا تسألني عن عنواني”:

لا تسألني عن عنواني
لي كل العالم عنوان
لا تسألني أبداً أبداً
أنا بيتي في كل مكان
لا لا لا لا لا تسألني
فأبي في موسكو فـلاح
وأخي فيها عامل ورشة
ورفيقي مات بشيكاغو
استاذًا ترك التدريس

تشير كلمات الأغنية أيضًا إلى الرفاق في فلسطين، وفيتنام، وباريس، وأنغولا، ولبنان، والهند الصينية وغيرها من الدول. اشتهر هذا النشيد السريع الإيقاع في الحفلات، فغنّاه الآلاف بحناجر صارخة، وحفظوه لدرجة أنهم صارو يعيدونه شبه كاملا مرّة ثانية بشكل جماعي، حال انتهاء ا جعفر حسن من غنائه. في المقابل، كان نشيد “سانتياغو” أكثر حزنًا، لكنه كان بنفس التأثير، مسلطًا الضوء على مأساة تشيلي.

أحدث اسبوع التضامن مع تشيلي ضجة كبيرة في بغداد، إذ كان أحد أول الفعاليات الثقافية الشيوعية العلنية في العراق منذ الهزائم التي لحقت بالشيوعيين في الستينات. ترددت أصداء الفعاليات في بغداد بدرجة كبيرة، مما دفع السلطات البعثية وأجهزتها الأمنية لفرض عدد من العقوبات على الفنانين المشاركين في المهرجان، لئلا تتكرر تداعياته العاطفية والأديولوجية مجددًا.[17]

كان جعفر حسن يعمل كأستاذ موسيقى في ذلك الوقت، وقد طرد من عمله إثر مشاركته في اسبوع التضامن مع تشيلي. عمل بعد ذلك كمحرر في مجلة الحزب الشيوعي “طريق الشعب” وتم سجنه مرارًا على يد القوات البعثية بين عامي ١٩٧٤ و١٩٧٨. كان جعفر حسن غالبًا ما يسجن مباشرة بعد حفلاته، أو عندما تنتشر أغانيه وتشيع بين الناس. دُفع حسن إلى المنفى عام ١٩٧٨، حين تفاقمت الأزمة السياسة في العراق، واستقر في جمهورية جنوب اليمن الديمقراطية الشعبية. أسس في جنوب اليمن فرقة “أشيد” للأغنية السياسية، وعاش هناك لأعوام، قبل أن يعود للعراق في أواسط الألفينات.

سنة ٢٠١٧، وها هو الصيف قد أطل بظلاله. كان صديقي سانتياغو قد أتى زائرًا من اسبانيا، فالتقينا في أمستردام لكي نشرب القهوة. حضرًنا سويًا عرضًا أدائيًا لفنان نعرفه، ثم شربنا كاسًا أو كأسين من النبيذ الأبيض وتحدثنا إلى ما لا نهاية. بعد أيام، كنت أتحدّث مع أمي، وذكرت اسم صديقي عرضيًا في الحديث، لأسمعها تبدأ مباشرة بالغناء:

سانتياغو دمٌ في الشوارع
سانتياغو دمٌ في المصانع
دمٌ في البيوت
وفوق صواري السفن
دمٌ في المحطات

شارك أهلي في اسبوع التضامن مع تشيلي، ولعلّهما قد أخبراني قبلًا، لكنها كانت المرة الأولى التي أنتبه فيها لذلك عبر أغنية. سألتهما عن تفاصيل الأسبوع، وعما يذكرانه، وأخذت أفكر، كعادتي، بما حصل لهذا التضامن الصوتي، الذي يتردد عبر المسافات.

لعلها كانت الصور، تبعدنا عن بعضنا كل ذلك الوقت.

هذه السنة، لم تنتهي بعد. لم تفرقنا الجائحة العالمية، بل وضعت بيننا وبين محيطنا حاجزًا جسديًا، لكنه حاجز قربنا من بعضنا البعض، لكي نتحد في اللحظة عبر الصوت، والموجات الإلكترومغناطيسية، والكلمة المكتوبة. الصور التي تأتي من مكان آخر، تأخذ شكلها هذا دائمًا، تظل غريبة، تذكرنا باختلافها، متحدية مفهومنا للحظة الآنية، والمكان الراهن. تفرض الصور نفسها، وتتنافس في ما بينها لتحظى بانتباهنا، أما الصوت، فيتغلغل بسهولة أكبر في حيواتنا، ويتجسّد، أينما كنا، وأيًا كان الذي نراه بأعيننا.

هل كانت الصور ما يفرقنا كل هذا الوقت؟ مبعدة المواقع عن بعضها؟ لعلنا نستطيع أن نعتمد على جهوزيتها الفورية، وقدرتها على إبلاغنا بالمعلومات، لكن حلف بغداد-سانتياغو في السبعينات، لم يتطلب هذا الكم المستمر من الصور، ولم يكن من أساسياته، أن يسافر الرفاق من بلد لبلد ليكونوا قرب بعضهم البعض. هل يعني ذلك أننا كنا نسير في دوائر، الواحد منا حول الآخر كل هذا الوقت؟

ولحين يجمعنا اللقاء مجددًا، فلنتدرب على أغنيات بعضنا، ولعلنا سنقدر أن نبتدع أغانٍ جديدة، في ذات الوقت، أو بفارق زمني، أو عبر الصدى، و الوشوشات والتمتمات والألحان التي تخرج عبر السمّاعات أو مكبرات الصوت، فلنحفظ أغاني بعضنا عن ظهر قلب، ولتتردد موسيقاها عبر أجسادنا، نُعلي صوتنا معًا، لأن أصواتنا ليست لنا وحدنا، بل هي أوعية لأصوات أخرى. عندما نتدرب، أو نغني، أو نحاول أن نقلد أغنية، يتحول صوتنا الفردي إلى صوت الجمع، وعندما نتحدث، نتحدث كجمع. نحن جمع منذ البداية، يُعلي واحدنا صوت الآخر، مهما كلّف الأمر.

الصوت العالي ما بموت.

تنويه

الصوت العالي ما بموت جزء من سلسلة قائمة من النصوص المكتوبة والمسموعة التي تتمحور حول الأغاني السياسية والأصوات.

الأعمال السابقة من السلسلة تتضمن Against Voices  ٢٠٢٠، التي نشر في عدد Contemporary Jornal المعنون Sonic Continuum. تتضمن السلسلة أيضًا، Lovesong Revolution ٢٠٢٠، الذي نشر كجزء من The City Talks Back: Assembly_01.

تم دعم هذا المشروع البحثي من قبل BAK basis voor actuele kunst in Utrecht حيث كانت شيرهان في إقامة بحثية في ٢٠١٩/٢٠٢٠. وعبر Theatrum Mundi و Onassis Stegi في أثينا.

تود الكاتبة أن تشكر ريم شديد وراديو الحارة لدعوتها لتطوير مقاطع أولية من البحث وبثّها (يمكنكم سماع الحلقة باللغة العربية هنا.) شكر خاص  لقاسم الساعدي  ونبال شمخي على مساهماتهم الغزيرة في المصادر النقدية، والقصص المخبأة والتواريخ الخفية.

ترجمة: حسين ناصر الدين


[1] Aziz Ali – “Hay Elsana Sana” (1958)  عزيز علي – هاي السنة سنة. www.youtube.com/watch?v=P4FYA_twYhE

[2] حسن العلوي. عزيز علي اللحن الساخر.  (بغداد، ١٩٦٧) ص، ١٤٢- ١٤٤

[3] هولس، كليف. “The Iraqi ‘monologist’: ‘Aziz ‘Ali (1911-1995)” في  Casini, L., La Spisa P. & Suriano, A.R. (eds.) The Languages of Arabic Literature: Un Omaggio A Lidia BettiniQuaderni di Studi Arabi, N.S. ٩ ص ٢٢٩ ٠٢٣٧.

[4] الحطاب، جواد. عزيز علي.. فنان عراقي نادى بـ”الربيع العربي” قبل 70 عاماً في العربية. ١٢ أبريل ٢٠١٣.
www.alarabiya.net/ar/culture-and-art/2013/04/12/عزيزعليفنانعراقينادىبـالربيعالعربيقبل-70-عاماً

[5]تريب، شارلز. تاريخ العراق. مطبعة جامعة كامبردج. (نيو يورك، ٢٠٠٠) ص. ١٧١.

[6] مكية كنان. Republic of Fear: The Politics of Modern Iraq مطبعة جامعة كاليفورنيا. (بيركلي، ١٩٨٩) ص ٥٨-٦٣.

[7] يا أم الفستان الأحمر – مائدة نزهت. ١٩٦١.  www.youtube.com/watch?v=6ptYCMrs2Js

[8] طالعة من بيت أبوها – ناظم الغزالي ١٩٥٩.   www.youtube.com/watch?v=hVBzhvov0w0.

[9] باولو دي كارفالو – E Depois do Adeus  ١٩٧٤. www.youtube.com/watch?v=LEoqusKeqxk

[10] Portugal: The Carnation Revolution”, This Week, Thames Television Productions, ١٩٧٤.
www.youtube.com/watch?v=36K79SUiRFI

[11] زيكا أفونسو  – Grândola Vila Morena ١٩٧١. www.youtube.com/watch?v=Tx9BZowHxB8

[12] البرتغال أولى القوى الأوروبية استعمارًا لأفريقيا، وذلك عندما استعمر كويتا في ١٤١٥، والآن هي إحدى آخر الدول التي انهت استعمارها. انظر أيضًا:

www.newworldencyclopedia.org/entry/Portuguese_Colonial_War

[13] طالعة من بيت أبوها – مسيرة نسويه، بيروت. أكتوبر ٢٠١٩. www.facebook.com/watch/?v=2367951440187448

[14]  بيكمان باس. “Voetbalfan mag bij goal ‘hoera’ fluisteren” in De Volkskrant, ٢٥ يونيو ٢٠٢٠
www.volkskrant.nl/sport/voetbalfan-mag-bij-goal-hoera-fluisteren-dat-kun-je-niet-verwachten-van-supporters~b2f95e0d/

[15]الشيخ إمام – جيفارا مات ١٩٦٧، قصيدة لأحمد فؤاد نجم. https://www.youtube.com/watch?v=ekPYgAi36C8

[16]“غيتار جعفر حسن” .علي عبد الأمير  في إيلاف ٢ سبتمبر ٢٠٠٦. www.aliabdulameer.com/inp/view.asp?ID=256

[17] المصدر نفسه.

الحشد وخبرائه: مقابلة مع عمر شاه

حشد - حاتم امام
حشد - حاتم امام

يشرح عمر شاه، باحث الدكتوراه في الأنثروبولوجيا في جامعة كولومبيا ويحلل في هذه المقابلة عمله الإثنوغرافي في السعودية، وفي مدينة مكّة المكرّمة بالتحديد، بين أكتوبر٢٠١٧ و أغسطس ٢٠١٩. يقدّم شاه وصفًا للتجربة، والحوكمة، ولمستقبل الحج في المملكة السعودية، عبر ملاحظات تاريخية ومعاصرة حول تشكل الحشود، والخبرات، وصناعة المعرفة، ومشروع التحول الذي تقوده السعودية.

هشام عوض: تعتبر أطروحتك المعنونة “صنع في مكة: المعارف الإسلامية والخبرة والتكنولوجيا في المدينة المقدسة ما بعد النفط”، استفسارًا إثنوغرافيًا في العمل المعرفي والبنية التحتية التكنولوجية والعمرانية وبحث في الاعتبارات الأخلاقية والدينية التي تشكل المدينة. هل يمكنك أن تعطينا لمحة موجزة عن المشروع؟

عمر شاه: أخذتُ حملة “رؤية ٢٠٣٠” للتحول الوطني في السعودية كخلفية أساسية لعملي. تسعى هذه الحملة إلى إعداد المملكة لمستقبل ما بعد النفط ، من خلال تنويع الاقتصاد السعودي، وتسعى في خططها أيضًا لإصلاح صورة المملكة، إن لم يكن إعادة إنتاج صورتها بالكامل، لإظهارها كدولة معتدلة وعلمانية بشكل متزايد. ترتبط “رؤية” حملة “رؤية ٢٠٣٠” بولي العهد محمد بن سلمان وكذلك بما أطلق عليه البعض اسم “وزارة ماكينزي”، في إشارة إلى الدور المركزي الذي لعبته هذه الشركة الاستشارية في تخيل وتخطيط الحملة. تنطوي الخطة على الانتقال من النفط باعتباره “مورداً طبيعياً”، والتحول إلى  “الموارد البشرية” كبديل. تطرح الخطة في أساسياتها، بزيادة الصناعات السعودية أو “السعودة” كما اصطلح القول، وتنشيط القطاعات المحلّية المختلفة وتشجيع ريادة الأعمال وتكثيف الإقتصاد المعرفي، ولكن ما يتم تجاهله غالبًا، في مناقشات “رؤية ٢٠٣٠”، هو التحول الإقليمي الذي ستفرضه الخطة على الحرمين الشريفين، وأنظمة الحج والعمرة التي تقام في هذه المدن. تخطط المملكة العربية السعودية لزيادة عدد الحجاج السنوي من ثمانية ملايين إلى ثلاثين مليونًا بحلول عام ٢٠٣٠، ليصبح الحج نفسه “مورداً بشرياً” آخر للمملكة.

مشروعي البحثي نفسه اعتمد على عامين من البحث الإثنوغرافي الذي تم  بشكل كبير عبر دراسة جامعة مكة وخططها لإنشاء منشآت علمية وتكنولوجية جديدة، والتي ستشكّل ما يشبه مدينًة ذكية، تقع على مشارف المدينة المقدسة، على حدود الحرم وعلى مسافة قريبة منه. لا نستغرب هنا الخطوط العريضة لهذا المشروع، إذ أنه من الطبيعي أن تبتعد الجامعة في مشروعها عن  المدينة المقدّسة، في محاولتها لقيادة مشروع حضري جديد. إلى أن ما يميز هذه المشروع، هو تموضعه المكاني الفريد، إذ تصنع حدود الحرم شكلًا حضريًا جديدًا، يسمح لأول مرّة للخبراء ورجال الأعمال من غير المسلمين بالتواجد والعمل على هذه المقربة من الحرم. يعج المشروع ، المعروف باسم “وادي مكة التكنولوجي” (Makkah Techno Valley)، بفئة جديدة من خبراء الحج ورجال الأعمال الذين يبنون تقنيات جديدة للتوسع العمراني “الذكي” من إدارة الحشود وحركة المرور إلى الخدمات اللوجستية. التزم مشروع وادي مكة التكنولوجي،  تماشياً مع خطة رؤية ٢٠٣٠، بصورة محددة تبرز التكنولوجيا السعودية وتضعها في المقدّمة، إلا أنه في الكواليس، اعتمد في نواحٍ عديدة على خبرات عمال التكنولوجيا و المهندسين والمبرمجين الجنوب آسيويين.

استكشف في بحثي عمل الجامعة وعلاقتها بالمدينة، وكيفية تحولها من جامعة كانت ترتبط ارتباطًا وثيقًا بالشريعة، إلى مختبر لإدارة مخاطر الحج، ودراسته وتكثيف إيراداته الإقتصادية. أهتم في بحثي كذلك بكيفية تعامل مشروع التأميم هذا، مع القواعد الفريدة للمدينة المقدسة، وأسأل عبره أسئلة تتعلق بأنظمة مثل الكفالة في الحرم مثلًا. أوثق هذه المحاولة المتسقة والمأساوية لتمكين مكة من مجاراة الأمة واقتصادها. أصبح الحج، وأشكال الانتماء الإسلامي التي تنتج عنه الآن بمثابة أدوات وتقنيات للسيطرة على الحشود ولتقديم الخدمات اللوجستية وللمراقبة، إذ أصبحت طقوس الحج توضع بلغة تستخدم كلمات مثل “الأزمة” و”المخاطر”، وكل ما يصاحبها من مصطلحات إدارية، ومن معايير وحملات إعلامية وما إلى ذلك. تنطلق حجّتي في كل هذا، من اضمحلال موقع مكة العالمي وتاريخها الذي نتج عن هذه السياسات، ومع تكثيف الحج والعمرة الذي أصبح محور التركيز فيهما هو الاقتصاد، وليس الإنتماء الديني أو المعنوي.

ه.ع: يبدو لي أن الجمهور يظهر كشخصية ، أو كسؤال ، أو كتشكيل تاريخي أساسي في بحثك. كان مؤلفون مثل جوستاف لوبون ، وتشارلز بودلير ، وسيغفريد كراكور ، وغيرهم ممن كتبوا في مطلع القرن العشرين، منشغلين بالجوانب النفسية والقدرات الثقافية والاجتماعية السياسية للحشود، وكيفية تأثيرها في الحداثة الحضرية وتشكلها. هل تماهت هذه الكتابات مع طرق التفاعل وإدارة الحشود التي راقبتها في عملك التاريخي والإثنوغرافي؟

ع. ش: هذه القراءات ضرورية لعملي بالطبع، إلا أنني أحس بأنها غريبة بعض الشيء، ودخيلة حتى. يتوقف تقارب هذه النصوص مع بحثي  جزئيًا على تحديد متى يكون الحشد في مكة هو نفسه الحشد الذي تصفه هذه النصوص وتحلله. عندما نقرأ  النصوص والأبحاث الجديدة التي تصدر حول “علوم الجماهير”، قليلًا ما نجد مصادرًا للوبون أو غيره ممن ذكرتَ. قد تكون هناك إشارات لأعمالهم، خصوصًا لجهة نقد وصفهم “الحشد” بالغوغاء، ومقاربتهم لطاقاته وامكانياته التي لا يمكن السيطرة عليها، ألا أن الحشد، بالنسبة للكثير من الباحثين الجدد، يتسم بكمّ أكثر من البراءة، وتنتج إخفاقاته وانهياراته عن سوء في الإدارة، أو عن أخطاء تكنولوجية. اهتمّت هذه النصوص القديمة  “بالتشخيص” في حين تهتم الأبحاث الجديدة وتستثمر بشكل أكبر في مجالات كالتنبؤ الإحصائي، والمعايير، والـ”ممارسات الفضلى”. يستند علماء الأنثروبولوجيا الآن بشكل أكبر، على نصوص علماء مثل إدوارد هول، وتصنيفاته الثقافية ومفاهيم “المساحة الشخصية”، أو بيئة العمل، أو غياب الجسد، وغيرها من المقاييس الأنثروبولوجية التي بحث فيها ستيفن فيزانت مثلًا، أو تصنيفات كتلك التي اتبعتها الرابطة الأمريكية للطرق السريعة وتعميمها لجسد موّحد في دراستها مثلًا.

أهتم  في بحثي بشكل كبير بالتنقيب عن الأصول والقواعد الإسلامية للتعامل مع “الجمهور”، والتي لا تزال قائمة بمعظمها في زماننا الحالي. سأعطيك مثالًا. إن أحد أسماء مكة  القديمة المستخدمة في القرآن هو اسم “بكة” ، وهي كلمة مشتقة من لفظ عربي قديم يراد به وصف التجمع، ومن الأسماء الأخرى لمكة، اسم أم الزحم ، أو أم الحشود. يُذكر حديث عن النبي(ص)، يقول فيه  بأنه عندما يكون الحجاج أقل من ستمائة ألف، تؤدي الملائكة بدلاً عنهم، نستنج بالتالي ضرورة الحشد والأعداد  الكبيرة في المدينة المقدسة. لكننا، لا يمكننا اختزال الحشد في مكة بصورة “الحشد” التي ظهرت في النظريات الاجتماعية الغربية. إذ يختلف الجمهور في مكة عن الغوغاء التي تصفها هذه النظريات، ويبتعد كذلك عن الجمهور السينمائي الذي تحلله نظريات أخرى. يقدّم الحشد في مكة علمًا يبحث في أصول دينية جديدة وبديلة ومختلفة.  أخذت هذا الجانب بعين الإعتبار في عملي، حتى حينما حاولت تسليط الضوء على الإدارة الفنية وترتيب الأجساد والقداسة. اهتممت بفكرة الحشد كتعبير عن مجتمع المؤمنين، أو الأمة، بشكل أوسع، والتزمت في لغتي بهذه المقاربة. شكل الحشد في مكة – بالإضافة إلى مفهومه كتعبيرعن الأمّة- مسرحًا لكوارث تدافع ودهس جماعية مروعة منذ التسعينيات، فلم  يعد مسرحًا للانتماء الإسلامي فقط، بل أصبح مسرحًا للخوف والقلق والخطر أيضًا. قرأت في بحثي الكثير من الفتاوى المختلفة حول هذا الموضوع، وحول الخوف من الجماهير، والطرق المختلفة التي تعامل بها علماء الإسلام مع هذه المشاكل. تزيد هذه الحوادث من مقاربة الحج وحشده كأداة للدبلوماسية الإسلامية والعلاقات العامة، وتزداد هذه المقاربة وضوحًا في عصر كوفيد ١٩ الذي نعيشه، والذي يغيب فيه الحشد، ويُستَغَل غيابه لتعزيز أشكال المراقبة والرصد.  

جنحت في بحثي، نحو مجموعة من المشاهدات المتباينة، والإعدادات والممارسات التي تبتعد عن مفهوم دراسة الحشد، أوالأمة مخبريًا. أمضيت وقتًا قصيرًا نسبيًا كعالم إثنوغرافي في داخل مشهد “الحشد” نفسه، واهتممت بدلاً من ذلك، بالثقافات المكتبية التي تدير هذا المشهد وتشكيلاته. كنت مهتمًا بدراسة الطرق التي يتسلل عبرها “الحرم” إلى مناطق الطبقة المتوسطة الجديدة  هذه، والمناطق التي يشغلها طلاب الجامعة والعاملين فيها. ونتيجة لذلك، انشغلت بأنواع مختلفة من الجمهور والجماهير، كطلاب الجامعة، والمكاتب الميدانية العاملة في مجال الحج، والمؤتمرات، والمعارض التجارية، و”الهاكاثون” ، وورش العمل والدورات التدريبية الحكومية وإلى ما هنالك. زاد اهتمامي في تلك الأماكن بجماعات وممارسات مختلفة، ومنها مكاتب “الموارد البشرية”، والشائعات التي تنتشر على الإنترنت، والقلق بشأن تعدد فتاوى الحج، ومكانة السكان القدامى لمكة، ومن هم الـ”مكّيون” الجدد في هذا العصر من المساواة والعلمانية والشكوك الوطنية. من خلال المشروع، أهتم في بحثي أيضًا، بما يتم القيام به باسم “الحشد” – وما يبرر تدمير المناظر الجبلية المقدسة في مكة وتسويتها بالأرض.

ه.ع: تشير هذه المساحات التي تشغلها، والممارسات التي تتبعها، إلى قطيعة معرفية، قطيعة مع “التقاليد” والمعرفة الإسلامية وإدارة الحج. لكن هذه القطيعة، التي تبدو واضحة وحاسمة في فصلها بين حج لا-تكنوقراطي، وبين تكنوقراطية الخدمات اللوجستية الإدارية، ربما تكون مضللة.

ع.ش: بالطبع، وهذه حقيقة اكتشفتها بشكل أكثر وضوحًا عند دراستي للنقابة القديمة لمعرّفي ودلّالي الحج، المعروفة باسم الطوافة. الطوافة مؤسسة مكية أساسية، تشكل بنظري مجموعةً فريدة من المعارف والتقنيات والآداب التجريبية والحضرية والعالمية. كان المطوف تقليديًا، يسافر إلى العالم الإسلامي، ويتعارف بالحجاج المحتملين ويتعلم لغتهم، ومذهبهم، وعاداتهم وما إلى ذلك. وكان المطّوف غالبًا ما يتزوج في مجتمعات الحجاج التي يخدمها.  أشركت الطوافة سكان مكة تاريخيًا في أشكال من الحميمية العالمية والرعاية الأخلاقية للحجاج الأجانب. تضمنت معارف الطوافين كل المتطلبات التقنية لشعيرة الحج مثل كيفية الدخول إلى مكة، وكيفية الخروج من الحرم، ومواقيت وكيفيّات جميع الطقوس. وفي حين كانت ممارسات هذه المؤسسة مهتمّة  بالشريعة، إلا أن عملها تجاوزها ليصبح ممارسة خلقت عَاَلمًا إثنوغرافيًا ولوجيستيًا، ولعبت دورًا كبيرًا في جعل الحج المكي عالميًا ، وفي بناء مفهوم الأمة العالمية.

ه.ع: كيف يعمل المطوِّف والطبقة الجديدة من خبراء الحج ورجال أعماله، كجهات فاعلة في الدولة؟ وما هي الوسائط التي يعتمدونها؟

ع.ش : تغيرت الطوافة بشكل جذري مع صعود الدولة السعودية، وإضفاء الطابع الرسمي على الطوافة ومأسستها، ومع ظهور الحج الجماعي. تعمل الطوافة بشكل متزايد كبيروقراطية ضخمة، يعمل عبرها المطوفون كأعضاء تنفيذيين إلى حد كبير، ويتكشف دورهم في الظروف الجماعية. قال لي أحد المطوفين في مقابلة: “أنا مضطر للتعامل معهم [الحجاج] كأرقام”. يتفاقم هذا الإحساس بالتدهور، بسبب فتح العمل في الطوافة لجميع السعوديين، بعد أن كان حكرًا على المكيين الذين توارثوا تقاليد هذه المهنة أبًا عن جد. تثير شخصية المطوف اهتمامي لأنه يجسد قواعد مختلفة للمعرفة والخبرة والعمل – وهي قواعد تتناقض مع شخصية “رائد الأعمال” والعلوم والتقنيات التي تدّعي بالابتكار والذكاء والحنكة.

يصر العديد من المطوّفين على القواعد والأدبيات التي لطالما حلّت في نقابتهم والتي ألهمت مشاعرهم ومسؤولياتهم كمكيين. أرى انعكاس ذلك في كلامي معهم، حين يرددون عبارات مثل “نحن نعمل من أجل الحجاج ، ضيوف الرحمن، ولا نعمل للوزير”. تظل العلاقة مع الدولة رغم ذلك أشدّ تعقيدًا مما قد توحي به هذه الادعاءات، كما وتختلط قواعد وأدبيات الرعاية والإهتمام بالحجيج، بقواعد المراقبة وأساليبها . يحمل المطوّف، على سبيل المثال ، جواز سفر الحاج، وغالبًا ما يكون موكلًا بمسؤوليات مالية قد ينتج عنها دفع غرامة مثلًا، إذا ظل الحاج الذي يرعاه في مكة بعد انتهاء مدة تأشيرته. ينخرط المطوّف كذلك في تشغيل العديد من مخططات التكنولوجيا الذكية الجديدة، وأدوات إدارة الحشود الأخرى، سواء كانت “أنظمة ذكية” لتتبع المركبات، أو طرق لإقناع الحجاج بالالتزام بالجدولة الجماعية، أو التفويج،  أي أداء الحجاج للمناسك وفق أطر زمنية محددة لتجنب الازدحام.

اتضح لي، أثناء عملي في مكة، أنه من الضروري تحديد وتحليل الطرق التي تتفاعل بها هذه المعارف والتقنيات العلمانية وطرق تعاونها مع المزيد من الأشكال الإسلامية المتعلقة بـ “معرفة” الحج و”الحشود” وخصوصيات المناطق المقدسة. أردت أن أكوّن حساسية لكيفية ارتباط المزيد من المشاريع الإسلامية مثل الطواف، والحج نفسه بالتأكيد، بممارسات الدولة، وأن أحاول التعامل مع هذه العلاقات في قراءة التواريخ العميقة لمكة وللطوافة. أتعامل في بحثي أيضًا، مع التواريخ الحديثة، إذ قمت على سبيل المثال ، بالبحث في عمل  مجموعة من المهندسين المعماريين والمدنيين الذين عُرفوا باسم “مركز أبحاث الحج”. انتقدت المجموعة بشدة، جهود التخطيط السعودية ، والتي حولّت مكة بنظرهم إلى مدينة عالمية أكثر فأكثر، ولم تتعامل معها كمدينة مقدّسة، أصبحت مهتمًا بجهودهم ورؤيتهم المتعلقة بـ”تخطيط” المكان المقدس، والتي  تضمنت قراءة خاصة للتكنولوجيا، رفضت الحركة الآلية ووصفتها بالسامة، وبالمدمرة للبيئة الروحانية والقدسية للمكان، إلا أن هذه المجموعة انجرفت بدورها بعد ذلك إلى الفكر السيبراني، والكاميرات وأجهزة الكمبيوتر. لكن الأهم من ذلك كان أن المركز قد تم تأسيسه من قبل المطوفين، ولهذا أصبحت مهتمًا بكيفية صياغة أدبيّات الطواف عبر التخطيط والعمارة والبنية التحتية، وبدراسة حدودها. أما من منظور إثنوغرافي، فاهتم بالعمل الحالي للمطوفين، وبخبراتهم، وبالطرق التي تعاد عبرها صياغة عملهم، وفقدانهم لمكانتهم الحضرية والفكرية كمكيين، في هذا العصر القومي السريع، وفي ظل الـ “مساواة” العلمانية السَلِسة.

أبصر بحث عمر النور بدعم من مؤسسة Wenner-Gren وزمالة الأبحاث والأطروحات الدولية لهيئة أبحاث العلوم الاجتماعية (Social Science Research Council)، وبمنحة من Andrew W. Mellon Foundation.

ترجمة: حسين ناصر الدين

المراقية مع العالم

Nouvelle iconographie de la Salpêtriêre - المصدر: مجموعة ويلكم

عِلّة (اسم): في اللغة الاسكندنافية القديمة: “ضاع في سحاب الزمن”.

مريض (صفة): ” عليل، مريض، مضطرب، متأثر بعمق”. ” متعب او سئم، قرف من التخمة”، ملتوي عقليا، seocmod، واهن في العقل.

ماذا عن “المعاناة” (صفة)؟

ذات مرّة، أثناء الجائحة، شعرت بالمرض. بقيت مريضةً جداً لأشهر. يقولون لي أنّي دائماً مريضة. يقولون إنني مُراقية، أعاني من وسواس المرض. يقولون إنه مجرد جَزَعْ. فالبعض لا يصدقني وأولئك الذين يصدقوني أحياناً، لا يصدقونني في أحيان أخرى. يختفي البعض ويظهر البعض منهم من جديد. بعضهم يُسارع إلى تقديم العلاجات والطبّ الروحاني. شعرت أنّ هذا المرض مرض عُضال. إنّها نهايةٌ تُنهي كل النّهايات. كان ما في داخل امعائي أسودا ًوسائلاً مثل القطران، نَفَسي مكبوحٌ في قفصي الصدري ورأسي ساخن بما يكفي لاستشعار جميع فحوصات الحرارة التي تجرى في أنحاء المدن. كان برازي حارا ً وأسودا ً سائلا ً من احشائي- إلى حدّ – تذكيري بمقالة قرأتها من بين آلاف المقالات المتداولة التي تذكُر أن هذه الحالة يمكن أن تكون أحد الأعراض. كان من الصّعب معرفة بعد كلّ ما شاهدناه، ما إذا كان هذا المرض هو الوباء نفسه الذي أصابني، مع احتمال أن ينقلب ضدي في اليوم الخامس أو يجعلني أنقلب ضد نفسي. كنتّ أقيسُ درجة حرارتي كل خمس عشرة دقيقة. انكسر مقياس الحرارة. لكنّ حرصي اليقظ الدقيق يتفوّق على أي مقياس حرارة أو مِسبار طبيب أو جهاز رنين ميكرو مغناطيسي أو اختبار ماسح بسيط؛ أنا المِسبار. وعندما لا يتمكّن حرصي من التفوق، يتصدّع، ويبدأ في التلمّس مثل مدمن يبحث ويسعى بنفس الطريقة التي يسعى بها الحبيب الولهان إلى مسعاه. إنه بحاجة ماسّة إلى التأكيد، والتأكيد لا يأتي، وإن اتى، لا يصدّقه، يدْحَضه. إنه يسعى. 

أقود نفسي إلى مركز اختبارات الكشف عن فيروس كورونا في ليلة مظلمة من آذار. لأوّل مرة في زمن طويل، كان أصدقائي يراقبون التطورات عن كثب. أصل إلى مركز الاختبار مرتدية الـ KN95 وقفازات مطاطية ونظارات شمسية ماركة دانيال هيشتر (Daniel Hechter) مزيّفة ذات الإطار الكبير (ضد الرذاذ وليس للوقاية من أشعة الشمس). أصِلُ مشوّشة. لم يكن هناك أحد في الشارع، ولا أحد في الجوار، ولا أحد يمكن رؤيته. وكأنّ مذنّباً قد ضرب الأرض، الجوار، بيروت. بدا وكأنّ جماليات أفلام الرعب حول نهاية العالم “الأبوكالبتكية”، زائد جماليات زمن الطاعون في القرن الخامس عشر، قد رافقت الإغلاق التام لواجهات المتاجر وحظر التجول وإخضاع الطرق لمراقبة الشرطة والحجر الصحي والوجوه المقنّعة واختبارات درجة الحرارة عند عتبات المداخل والظّلال الطويلة البائنة من بعيد والظلام والشوارع المفرغة والصمت المُطبٍق الذي عنى أنه يُمكنك سماع صوت أنفاسك في المدينة ليلا. كل هذا لا يزال جديدًا علينا. وقد عرفنا إنّه أمر غريب وموحش، ذاك الشيء الذي يمكن أن نتعرّف عليه داخل ما لا يمكن التعرف عليه.[1] أتنفّس شهيقاً من خلف قناعي، وقلبي ينبض. بغواية، يطلب مني الشّابُّ في مكتب الاستقبال رقم هاتفي. كان يرتدي القناع بطريقة عكسية وقد وضع وقاء وجهه على الطاولة. ما هذا الهراء؟ كنت مُدرّبة بشكل جيد على إثر سنوات من المراق، بدأت عمل الحراسة اليقظة منذ زمن. بئس التقنية السياسة الحيوية، كنتُ أنا شُرطة ال (كوفيد-١٩)، والمتمرّد مصيره الغولاغ. عندما دخلت، أمرتني المرأة من المكتب المجاور أن ابتعد إلى الوراء- فكان ذلك أقرب إلى ما يجب أن تكون الأمور عليه. أخبريني ماذا عليّ أن أفعل. كان شعوري متضارباً بين الألفة والغربة. لم أرَعن هذا القرب من قبل بدلة كاملة مضادة للفيروسات. إنها مثيرة للإعجاب وبيضاء للغاية، مع أني لطالما زرت المستشفيات مِراراً، بقلب مضطرب خافق، معتقدة أنني قد أموت. لاحقًا، ستظهر نتائج فحص الكورونا الخاص بي انها سلبية ثلاث مرات، لكنني سأظل أشعر انني مريضة جدا، كما لو أنني سأموت.

في العام ٢٠٢٠ ميلادي، أعلن عن وباء تنفس فيروسي من قبل «منظمة الصحة العالمية»، وهي المنظمة التي عيّنها شخص ما لإدارة جسد العالم. نشاهد في نشرات الأخبار وتطبيقات وسائل التواصل الاجتماعي وشبكات التلفزيون إغلاق الدول للحدود، وفرضها حظر التجول وإغلاق المدن والبلدات والتنازع على الكمّامات واختبارات المسح. أصبحت الحكومات مسألة ذات أهمية من جديد. يُكتَب الكثير عن الطبيعية المُستحثة لإجراءات الدول السياسية الحيوية والاقتصادية.[2] أصبح للعالم لغة فيروسية جديدة: الإغلاق العام، الإغلاق الجزئي (Tier 1، المستوى الثاني للأحداث ذات الخطورة العالية Tier 2)، العزلة الذاتية، اختبار ال (PCR)، معدات الوقاية الشخصية، التباعد الاجتماعي، ومن فضلك، حُباً بالرَّب، غطّ وجهك!. يخسر الملايين أشغالهم، البعض الآخر يصبح مريضا جدا بسبب أشغالهم. تعاني الطبقة غير الحاكمة من الآثار الجانبية المتتالية لإيقاف أنظمة دوران سلسلة الإمدادات في جسد العالم، أو شبه توقفها، فمتى لم نكن نعاني؟ وبما أن مؤشرات الأسواق المالية، كما يوضح وزير المالية الاشتراكي الوحيد في تاريخ السياسة المعاصر يانيس فاروفاكيس، جيدة جدًا،[3] كان الجسد الاجتماعي والاقتصادي في ترنّح دائم، حيث يمكن رؤية ذلك بوضوح الآن بسبب الإصابة الناجمة عن الفيروس وبروتوكولات العلاج الخاصة به. يعود المكبوت ويُظهر ما كنا نعرفه، وهو أن الحالة الراهنة، ومن حيث البنى التحتية واللوجستية، ببساطة، لا يمكن أن تستمر على حالها إلا للقلة القليلة.[4] نحن الشيوعيون، نظراَ إلى ذلك، رأينا بوارق شيوعية تظهر في الإدراك الفردي والجماعي بطريقة غير متعمّدة. يمكن أن تتغيّر الأمور! ليس فقط النضال المجزّأ للتنسيق، ولكن على هيئة التنسيق أن تخدم وجود الجميع وحرية الجميع. (بينما اندفع البعض إلى أحضان رغبته في العودة إلى «مرحلة سابقة/ما قبل». يظل البعض الآخر على متغيرة بسبب غرابة الأحداث. يسمح غير المألوف هذا بتقلّص المسافة بين ما نعرفه وكيف نعيش).[5]

تجدنا نلهث، نختنق، نحول رؤوسنا بعيدًا عن الشاشة عند رؤية موت “جورج فلويد” الموثّق تحت ركبة شرطي خنزير. نشعر بنفس الأحاسيس الجسدية عندما نعلم أن أمًّا سقت ابنها ماء البحر ليروي ظمأه فيموت في طريقه إلى مكان ما. كيف يمكن للنظرِ عن بعد، أن يُحدث هذا الصدى الجسدي؟ هل النظر من خلال الأعين يجعل التعاطف جسماني؟ يخبرك أطباء الأعصاب أن الخلايا العصبية للقشرة المدارية الأمامية للدماغ تجعله كذلك. حسب تقنيات التصوير وعلى ما يبدو، معظمنا مجهّز بالقدرة على التعاطف والانعكاس. عرّف “ميشيل دي مونتين” في فرنسا بحلول القرن السابع عشر هذا الأمر بالقياس، نظراً إلى المرض وقوة خياله: «أنا واحد من أولئك الذين يشعرون بقوة بضربات الخيال القوية… إنها تترك انطباعًا عميقًا بداخلي، مهارتي تكمن في تجنبها أو مقاومتها… رؤية معاناة رجل آخر تنتج بي معاناة جسدية، وحساسيتي الشخصية غالبًا ما اختلست شعور طرف آخر. الذي يكحُّ بشكلٍ متوالٍ يثير رئتي وحلقي».[6] تقول حكمة ساخرة اقتبسها “مونين” عن الشاعر الروماني “مارشال”: «ما أعظم قوة تزييف المرض: توقف “كايليوس” عن التظاهر بالنّقرس، فقد أصابه».[7] قصص عن جنود تظاهروا بالعمى لتجنّب النفي، وأدركوا بحكم الأمر الواقع أنهم لم يعودوا قادرين على الرؤية. عندما كنا صغارًا، أخبرنا آباؤنا ألا نحولّ أعيننا لأنها قد تصاب بالحَوَلْ. ادّعاء الشيء يُودِي للوقوع به. الوقوع في المرض. الوقوع في خدعة. السقوط في الهاوية.

ماذا عن الوقوع في المرض رغم عن وضد نفسك؟ في انشقاق عن نفسك؟ تشعر أنك اجتُحتَ اجتياحاً تاماً. أو تشعر أنك محمي بأعراض، التي – تعقلن – تساعدك على البقاء متكاملاً. أو لا يمكنك معرفة الفرق. كلما نجحت في التخمين، ووجدت طريقة للخروج، كلما كنت أسوأ في اللعبة.

كانت علاقة “إيدا باور” (دورا) مع والدها مضّطربة، وأصبحت صامتة بشكل هيستيري، ونموذجًا لاضطراب التحوّل. في منزلنا – عندما لم نكن في دوامة حرب أهلية متقطعة – نشأنا على قراءة كتاب طبي أمريكي كبير الحجم. كنّا نقرأه كلما ظهرت علينا أعراض المرض. نقرأه للترفيه. كان فيه أدوات لتعقّب الأعراض سبقت ظهورها على الإنترنت. تعلّمتُ كيفية التشخيص الذاتي قبل أن أتمكن من التفكير بتجرد.[8] في الواقع، صاغ التشخيص تفكيري بشكل مجرد.

في فيلم «الاسم الأول كارمن» (Prenom Carmen)، يلعب “جان لوك غودار” في فيلمه دور كاتب. كشخص في ازدواجية مع ذاته ينزل في مستشفى للطب النفسي حتى يتمكن من الكتابة. تُهدّد المستشفى بطرده إذا لم يتمكن من الاصابة بالحمى في اليوم التالي. يردّد كل يوم: «أنا على يقين من أني سأمرض» (“Je suis sûr que je vais tomber malade”).

بينما كانت أوروبا منخرطة في امبرياليتها الظلاميّة والتنوير العقلانيّ، عانى الرجال والنساء البرجوازيون من التوتر الشديد والنوبات والوعكات والحساسية والذعر والقنوط. في القرنين الثامن والتاسع عشر، كانت أوروبا المكان الذي يعيش فيه المُراقي. كذلك في اليونان القديمة والإمبراطورية الرومانية والعوالم داخلهما أيضاً. كتب الرواقيون والفرس أن العقل يؤثر على البدن. في عام ٢٠٢٤، تصاب “لورين أولامينا” بفرط التشاعُر.[9]

يرقد المُراقّان (Hypochondrium) تحت القفص الصدري، بين البطن والرئتين. هذا هو موقعه. مرض له أعراض، ليست خيالية، بل هو مرض جسديّ. أدّى تفريق المرض الوظيفيّ عن المرض العضويّ في علم الطبّ المتأخر إلى إلغاء السؤال «أي مرض لا يكون بدنيّا؟» سيجد المُراقي أنه في مفارقة مع الزمن. يتم إبعاد الأمراض من حدائق الطب، حتى لو- أو لأنه – قيل الآن أن الرّوح تعيش في الشبكات العصبية للدماغ.[10] ترحّل المُراقّان من داخل الضلع والرّوح حيث عاش على مر التاريخ، وأُخبر أنه يجب البحث عن هوسه وأمله وفزعه في دماغٍ مصاب باضّطراب الأعراض الجسدية، أو أكثر، مصاب بالاكتئاب المستتر.[11] هذا ما أراده منذ البداية. أن يُطرد إلى دارة التشخيص والعلاج والتكهن. جلب المُراقّان مستقبله إلى حيّز الوجود. وبنكرانه لمرضه تحت واجهة جديدة لمرض نفسي قابل للعلاج، “شفي الآن!” تَمكّن أخيرًا من إنكار تضاريس أعراضه وموقع مظلوميته المعقّدة مرة واحدة وإلى الأبد. هو وشقيقته السوداويّة. يمكنهم الآن التوصل الى السلم الداخلي الذي تطلّعوا إليه. السلم في مثبّطات امتصاص (النوربينفرين والدوبامين). السلم في تعلم التوقف عن التكرار.

«٢٠٢٤: المعجزة، في جوهرها، هي القدرة على التكيف، وهي الهوس المثابر الإيجابي. بدون المثابرة، ما يبقى هو حماس اللحظة. بدون القدرة على التكيف، يمكن تحويل ما يبقى إلى تطرّف مدمّر. بدون الهوس الإيجابي، لا يوجد شيء على الإطلاق».[12]

ما هي درجة السَقَم التي تؤهلك لتكون لائقًا للمرض؟ ومن المسؤول عن تأهّلك؟ عندما تكون مِحنَتُك، بالنسبة للآخرين، عرضًا وليست مرضًا. عندما، بالإجماع، يخدم «عدم مرضك» غرضًا نفسيًا، على عكس المرض «الفعلي».

من دون ترتيب معين: لم أستطع تناول الطعام لعدة أشهر دون أن يتألم الجزء العلوي الأيمن من بطني ويتورم ويتصلب ويصبح طري الملمس، وحدث ذلك أحيانا حتى بدون طعام. تجشأت فقاعات ضخمة ارتفعت لأعلى قصبتي الهوائية، مما جعل الابتلاع صعبًا. خسرت ستة كيلوغرامات. لم يعد بإمكاني التغوّط إلا مرتين في الأسبوع. أصبت بطفح جلدي حول عيني وسرة بطني. استيقظت في منتصف الليل وكأن رِبَاطاً ضيّقاً التفّ حول صدري، واندفعتُ من السرير إلى الشرفة لالتقاط الهواء. لأشهر متتالية، كان وكأن مشدّاً يلف منتصف جسدي، حول مراقّاتي. ببساطة لم أستطع التنفس، لم أعد قادرة على التنفس أو النوم كما كنت سابقا. تعرضت لنوبات تثاؤبٍ متكررة. فالتعرق الليلي والصداع بعمق وحدّة، كانا إيماءتين لي بالاستيقاظ. آلمني مهبلي في الجانب الأيمن بشكل مستفحل. فاتتني الدورة الشهرية للمرة الأولى منذ أن كان عمري إحدى عشرة عامًا، أو منذ كنت حامل. كنت مرعوبة ومُوسْوَسَة وبكّاءَة. أصبت بكدمات في ساقي. كنت أحلق في الحمام ووجدت الغدد الليمفاوية مرتفعة. دون ترتيب وحسب وقت الإصابة أو الشكّ أو الخطورة، قمت بتشخيص نفسي بـ: حساسية غير طبيعية في الأمعاء. تضّخم الكبد. فيروس كورونا. سرطان الغدد الليمفاوية. انسداد الصفراء. ورم في المخ. الصداع العنقودي. سرطان الأمعاء الدقيقة. تصلّب متعدّد. العُوار. الحساسية. مرض القلب. ضغط دم مرتفع. ضغط دم منخفض. ضيق النّفس الليليّ الانتيابي. متلازمة الساق القلقة. الداء البطني. الداء الزلاقي غير البطني. سرطان الفرج. بداية مبكرة لسنّ اليأس. فيروس كورونا. صداع عنقيّ المنشأ. ألم عصبيّ قذالي. سرطان الغدد الليمفاوية. الرّبو. سرطان الرئة. مجرد عسر هضم. ليفوما النسيج اللمفاوي المرتبط بالمخاطيّات.

من دون ترتيب معين وبشكل دوري، أفتح مقل عيني وأتحقق من تغير اللون. أفحص ثديي وتحت ذراعي. أستشعر كبدي بحثاً عن انتفاخ. أقيس درجة حرارتي (قبل أن يصبح قياس الحرارة رائجاً). أجلس في حمامات المقعدة الدافئة. أستنشق الزيوت العطرية الساخنة. أغلي وأبتلع الأعشاب والجذور والأوراق والمساحيق والزيوت. أُقطّر سوائل مُرّة داكنة في ماء الشُّرب. أتمضمض بالماء الدافئ المالح. آخذ شَرْبَاتٍ من ماء الزَّهر المُرَكّز وأمضغ رحيق الشجر. أتحقق من الحلق واللوزتين بضوء هاتفي. أقيس نبضي. أًذيب الأملاح المُغطَّاة َبالسُّكر تحت لساني. أستخدم جهاز الاستنشاق، وأخفّف الكولاجين في العصير. إنّ رَفَّ ثلاجتي العلوي مليء بالعِلاجات التي اشتريتها عبر الإنترنت.

«للمرقان قدرة أدائية على تصديق شهادته بذاته، وعلى تحويل الترقُّب القلِق إلى نُبوءَة تُحقِّق ذاتها بذاتها. لهذا النوع من الوهم قُدرة غريبة على إثبات صِحَّته: يُولّد القلق ما يخشاه؛ الخوف من السُّقوط يجعلك تسقط».[13]

لا يُصدّق المُراقّيّ أحداً. نُريد أن نثق، لأنّنا نُحب الجلوس في مكاتب الأطباء، وفي غرف الانتظار، وعلى مَلاءَات بيضاء جافّة، وفي غرف التّصوير المُظلمة، مُنتظِرين الإجابات. فنحن نتراجَع ونخشى ونواظب ونعصي العلم، ونُشكِّك في مَراسِيم المُؤسّسة الطبيّة في الوقت عَيْنه. اللَّا معرفة؛ هي حالة وجود المُراقّيّ. فلا شيء مَوثُوق، أو وموافق عليه بثبات ولا شيء مَعرُوف بِصُورة تامّة، وبالتأكيد ليس عن العديد من الأمراض. ولكنَّ المُفارقَة؛ أنّنا نعلمُ علم اليقين. لذلك يمكن للمرقّان أن يقول: أنا فَطنْتُ قبلك إلى أنَّ تركيب الجسم كنظام للمَناعة هو اختراعٌ حديثٌ (إ. كوهين) أو أنّ الجسد المُصاب بالندوب هو أيضاً الجسد الاجتماعي (أ. سكاري). فما أعرفه هو أنَّني مريضة؛ أنا وأنت معي. «الأنا» التي تَنطِقُ مُنفصلةٌ في الزمن. لقد اعتاد المرء على سماعها، ولكن لم يَعُد أحدٌ يسمعُها لأنَّه عليها أنْ تسافر عبر القُرون. إنَّها حالةٌ من اللّا الثقة المتبادلة – فلا أحد يُصدّق المُراقّيّ، والمُراقّيّ بدوره لا يُصدّق أحداً.

«الإحساس هو عدو القياس الكميّ. حتى الآن، لا توجد آلة يمكن للجهاز العصبي أن يرسل إليها إحساساً ليتم تحويله إلى قياسٍ وصفيٍ بشكل كافٍ».[14]

أشعرُ بالخجلِ حين أستغرِقُ في التفكير أو الكتابة عن الجسم والمرض والموت، في حين أنَّ كاتباتٍ مثل “آن بوير“، و”أودري لورد“، و”سوزان سونتاج“، و”كاثي آكر” عانيْنَ من أمراضٍ سرطانيّةٍ عنيفةٍ، وكابدْنَ عناء الأنابيب والعلاج الكيماويّ والعلاجات الإشعاعيّة المؤلمَة. في الواقع، مُتْنَ جميعاً جرّاء مرضِهنَّ، باستثناء “بوير“. فَقدْنَ حياتهُنَّ. بعد أن كتبتْ “سونتاج” (ضد) المرض كاستعارة (Illness as Metaphor) ماتت بداء السّرطان. هل المُراقي استعارة؟ القلقُ والشعور بالانحباس من أن تجدِي نفسكِ عالقةً داخل استعارة أثناءَ محاولةِ فهم حالتك مجازيّاً.[15] يبدأ كتاب “بوير” بقصيدةٍ مُهداةٍ لجميع الكاتباتِ اللّواتي تُوفّينَ بسرطان الثدي، ولنسبها ومعاصريها. كلُّ تلك الرِّعاية غير المُسمّاة، وكل التّاريخ المادّي لتلك الأشياء التي يَحقنوها فيك وفي سرطانكِ وسرطانات الآخرين. ما هو نسبنا؟ ربّما هو مادةُ استهزاء العلوم الطبّية المُعاصرة، ممّا يجعل المُراقّيّ غير قابل للتَّصديق، ويجعلْهُ مضيَعةً للوقت أو المَوارد الطبيَّة. رُغم ذلك، فقد كُتبتُ مجلّداتٍ عن المُراق. المُراق هو مرضٌ ذو مسبّبات يتبع علم السببيات. «النظر في المرقان هو النظر في طبيعة المرض بمعناه الأساسي…فيما يمكن ولا يمكن تسميته بالمرض».[16]

صديقةٌ مقربةٌ أصيبَتْ بِوَرم. في اللّيلةِ التي أخبرتْنِي فيها بذلك، لم أستطع النَّوم. في الحقيقة؛ لم أستطِعْ التنفُّس. أُصبْتُ بنوبَةِ “ربو” اعتقدتُ أنَّها ستخنُقُنِي حتَّى المَوت. سرطانُها عنيفٌ لا جِدال فيه، فالسَّرطان هو رفيقٌ كاذبٌ وسارقٌ، يُخبرْك بالحقيقة في نهايةِ المطافِ بعد فواتِ الأوان. ماذا يمكنني أن أقول لها غير أنِّي أُحبّها وأُشعرُ بها بعُمق؟ لأنَّ هذه هي الحقيقةُ فعلاً. أكثر من أي شخص لا يَحتضر، أكثر من شخص آخر (ألسنا جميعا نحتضر؟) رُعب وخيال المُراقيّ يولدان تعاطفاً عميقاً ومُطلقاً إذ يُجسِّدان الألم والخوف وخَدَرَ المرض والموتِ الوشيك بشكل لا مثيل له. هذا إنْ لم تكُن هكذا حالتُهُنَّ جوهريّاًّ. أنْ يكنّ في حالة مرضٍ كما لو كان مرضهُنَّ. لأنه بطريقة ما هو مَرضُهُنَّ. عاجلاً أم آجلاً، سوف تموتينَ بسبب شيء ما. عاجلاً أم آجلاً، سيجدُكِ المرض الذي تستبقينه بالحروب والتنبيهات. تعدَّدت الأسباب والموت واحد.

«سوف تموتين، ليس لأنك مريضة، بل لأنك على قيد الحياة؛ حتى بعد شفائك من المرض، النهاية نفسها تنتظرك. بعدما تتعافين، لن يكون الموت ما نجوت منه، بل الموت مرضاً».[17]

هل من المُمكن الإصابةُ بكلّ هذه الأمراضِ وغيرها تِباعاً وباستمرار؟ هل من الممكن أن تمرضي في جميعِ الأوقاتِ بجميع العلل؟[18] أليس الجّسم جسماً عندما يفعل؟ عندما يُدافع؟ يُقاتل؟ يتفاعل؟ ربَّما الجسم ليس جسماً إلَّا إذا كان دوماً مريضاً؟ الجسم المدافع و/ أو الجسم القاتل. فما الفرق والمسافة بين الأعراض والتشخيص؟

هل من المُستحيل أن تكوني مريضةً طوال الوقت؟ تساءلنا بعد الانتفاضَة اللُّبنانيّة. هل من الممكن أن نختبر تِباعاً، الدَّيْنَ، والانهيار، والكوفيد-١٩، والإقفال العام، والرّكود، والتَّضخُّم، والانفجار الذي تساوي شدَّةُ تدميره ١٠٪ من قوّة قُنبلة ذَريَّة؟ اتَّضَحَ أنَّهُ ممكن. متى سينتهي هذا؟ أو كما تُذكّرنا صديقتي، فنحن نرغَبُ أو نمزح حول نهايةٍ تُنهي كلَّ النِّهايات، مُعتقدين أن ذلك سيُخرجنا من بُؤسنا، هذا الاعتقاد ينَظِّم بالتَّالي عمليَّة إنكار حقيقة أن الأمور يمكن أن تزداد سُوءاً، وهي بالفعل تَسوء.[19]

نادراً ما شعرتُ بالسوداويَّة، وبأنَّني مُصابة بمرض مُزمن كما شعرتُ في نشوةِ الانتفاضةِ الثوريَّة الأولى التي عِشتُها.

نكون في حالة المرض بنطاقِ العدوى، من خلال المجاز أو الخيال أو التَّحقُّق. يقولون أنَّنا جسدٌ سياسيٌّ (body politic) وكيانٌ جسديٌّ (corporate entity) وأجسادُ دولة (corps-d’état)، وذات سيادة (Sovereign). “لوياثان” يُطلُّ على أجسادٍ عديدةٍ. يفقد الجسم مناعته عندما تكون حُدوده، أو حِراستُهُ الدَّاخليَّة مُعطَّلة. هكذا يُباغَت الجسم الاجتماعي ويُثقب ويُجتَاح. جسمٌ موبوءٌ في حاجةٍ إلى التَّطهير. في حاجةٍ إلى مسهلات وحُقَنِ التَّنظيفِ الشّرجيّة والتريفالا، إنما أكثر دمويَّة. كَثُرَت الاستعارات البدنية العسكرية عندما أعلنت الدول القوميَّة عن معركتها ضد “كوفيد-١٩“. كما رأينا ايضا، تصورا مرحليا من التصنيف: إبرازُ جسمنا العابِرِ للحدودِ القوميَّة في خريطة العالم، وهو يضيء باللون الأحمر والبرتقاليّ والأزرق في مراحل مختلفة من التفشِّي، في مَسْحٍ واحدٍ كبير لتصويرٍ مقطعيّ (PET Scan).

(ملاحظة): إنّ طرح، الصحّة العامّة الجيدة مقابل الاقتصاد الجيد هو طَرحٌ خاطئٌ. إنما ما يؤكده هو، أن نمط الإنتاج الرأسمالي هو الدعامة للعالم. مادية تاريخية مجاهرة.

«لأنَّ الصّحة، مثلَ الوُجود، ليست موضوعاً مُحتملاً للإدراك، لا يُمكننا أبداً تحديدُ ما إذا كُنَّا بصحَّة جيّدة (إنَّ الحاجةَ ذاتها لطرحِ السؤال، تشير بالفِعل إلى أن شيئاً ما ليس على ما يُرام) ، وكل مُحاولة للإجابةِ عليه، تفترضُ حتماً صحّة ما تطلب إثباته، بل إنّها تفتح أيضاً ثلُّة من الأمراضِ الجديدةِ التي تمتدُّ من الفردِ إلى الجسم الجماعي، ويمكن حتى أن تَطمِسَ بشكلٍ سامٍّ التمييزَ بين هذهِ الأمراض».[20]

سألني المعالج بالطبِّ التَّجانسيّ: ماذا يحدثُ عندما أرى مشهدَ معاناةِ شخصٍ ما؟ أجبت بالسؤال: «هل يوجدُ دواءٌ لذلك؟» … وضِعت على علاج الأملاح المعدنية.

ناترييوم مورياتيكوم: «الهُزال والضَّعفُ والإعياءُ العصبيُّ والتهيّجيَّة العصبيّة… هناك سلسلة طويلةٌ من الأعراض النفسيّة؛ حالة هستيريّة للعقل والجسم؛ بكاءٌ بالتَّناوُب مع الضَّحك… سيتبعُ ذلك بكاءٌ وحزنٌ كبيرٌ وفقدانٌ للبهجةِ. هي مُخدِّرةُ الأحاسيس، تحزن بسهولة، وعلى أصغر الأشياء. تتذكَّر الأحداثَ غير السَّارة من أجلِ أن تحزنَ عليها. فَاقَمَ العزاءُ حالةَ العقلِ – السوداويَّة والبكاء يُثيرانِ أحياناً الغَضب… هذا العلاجُ خاصٌ بالفتياتِ الهستيرياتِ. المَعِدة مُنتفخة من الغازات… نَجِدُ امتلاءً في منطقة الكبد مع آلام غارزة ومُمزِّقة».[21]

هيستريكوس ( Hysterikos): معاناة الرحم. هيستيرون(Hysteron): جنون الرّحم. اختناق الرّحم. تجوّل الرّحم. سوداويَّة الرّحم. في “بردية إبيرس” من العام ١٦٠٠ قبل الميلاد، وهي أقدمُ وثيقة طبيّة تحتوي على إشاراتٍ إلى متلازماتِ الاكتئاب، وُصِفَتْ الأعراضُ التقليديّة للهستيريا بأنَّها نوباتٌ توتريَّةٌ رمعيّةٌ وإحساسٌ بالاختناقِ والموتِ الوشيكِ (اللُقمة الهستيريَّة عند فرويد).[22] أيقظني الضرب في القفص الصدريّ من نومي في مُنتصف اللّيل. توقَّف الهواء أعلى البطن. حبستُ أنفاسي على أمل أن يكون الشهيق ممتلئاً. شعرت بالارتعاشِ من الخوفِ ونقصِ الأوكسجين، واندفعتُ إلى جهاز الاستنشاق الأزرق. دفعني بطني الحسّاسُ وقلبي المُتسارع وجسدي الوَخِزً ورئتيَّ المكبوحتانِ إلى تخيّل المَوت في جميع الأوقات. أن أرتَعِبَ منه. المَحدود كنهايةٍ لهذه الحياةِ والوَداعَاتُ في جنازتي. ماذا لو لم أصِلْ في الوقتِ المناسب؟ ماذا لو لم أصل لتنقذني العلوم الطبيّة، بإبرها، وكاميراتِها، وأضوائها، وأسرّتها البلاستيكيّة الجلدية الباردة السوداء، والمعاطف القطنيّة، وبطاقات الأسماء، والمواد الهلامية الباردة، والمواد الأفيونيَّة التي تسبّب العطش؟ هي قوة التفاضل بالنيابة عني.

المرأة الحكيمة التي تجاوزت سِنّ الإنجابِ، هي ساحرة مُطَارَدة، تُحرق على الوَتدِ ليس لأنها تقومُ بأعمالِ السحرِ بنقعها الأعشاب والشجيرات والعظام، ولكنْ لأنَّها تُهدّد تقسيم العمل. إذا أنتجت تلك السلعة الخاصة «قوة العمل»، يمكنك تخيل ما يمكن أن يحدث إذا توقَّفَت عن العمل، أو إذا أحد أوقَفها. بالطريقة ذاتها التي يهدد بها السوداويُّ، وربما المُراقيّ (وبالتأكيد الهستيري) بالانسحاب، والرفض، والاغتمام، والقلق، والغيظ، وعدم التصديق، والشك اللامتناهي. أصغ! مرحى الجيل الجديد!

أعتذر من طلابي فصلاً بعد فصل «إنه مرض الربو الذي أعاني منه، أنا آسفة، لست أتثاءب، كل ما أحتاجه هو الهواء». في الثالث من آذار من عام ١٨٨٨ أعطى “م. شاركوت” درساً في “سالبترير” وعرض للجسم الطلابيّ المرأة الهستيرية المتثائبة -كثيراً ما كانتْ تتثاءَبُ، ثمان مرات في الدقيقة- عرضها مُنذراً: لا تكونوا سَهلي التأثُّر، لا تَدعوا أحداً يُوقِعُكم في حالة خَدر. يشابه صوت لفظة “التثاؤب” صوتَ فِعل التثاؤب. (sbadiglio, gähnen, bâiller). لا تنظروا.

تبدو أعراضُ ما بعدَ الفيروس كالأشباح. في غياب الأضرار العضويّة، يُظهِرُ الجسم الأحاسيس كأعراضٍ. كما لو أنّ الجسم أصبح ملنخولي بعد المرض. تتبدل «الأنا» من خلال استيعاب ما فُقد، والتجانس الزَّائد معه إلى حد أن الشيء المَفقودَ لا يبقى موضوع الفُقدان، بل يُصبِحُ الفقدان نفسه. أنتِ لا تتخلّين لا عن الفُقدان ولا عن الشيء، وبالتالي تستوعِبيْن كليهما حدّ الامّحاء بداخلك. هو ليس حزناً ثم تعافياً. هو حزنٌ مجسّدٌ مُضمّن. إنّه يُشكّل جُزءاً من آلية الذّات بطريقة شبحيّة “ج. أجامبين”. لم يحدث فقدان الشيء أبداً منذ ذلك الحين، ولم يَقتَصر الأمْرُ على عدم امتلاكه مُطلقاً، بل تمّ بالفعل إخفاؤهُ داخليّاً، وقائيّاًّ، لضمانِ الحيازةِ الكاملة. أو إذا تمَّ عرضُ الفُقدان، فهذا يعني أن الشيء لم يكن أبداً هو الموضوع الحقيقيّ، بل كان تخيّلاً، شيءٌ مزدوج.

الحمقى فقط يقومون بالتحليل النفسي الذاتيّ.

ما هو «حافز الموت» (العكسيّ)؟[23] من الأنانيَّة إلى الغَيريَّة، والقسوة إلى الشَّفقة، والحبُّ الشديدُ للكراهيةِ الشديدةِ، في ذات الشخص للشيء نفسه. يسميها فرويد «الأشكال الخادعة». قد تكون الأفكار والأفعال المتكرِّرة للرَّهبة من المرض رغبةً بِه. تماماً كما إبقاء «المخيمات الإنسانيّة» للاجئين وغير الموثّقين دون البشر وحفظ السّلام كمراقبة بوليسيّة هو في جوهره عمل وحشيّ، فإن رغبتي المُراقية في الحصول على صِحَّة أبديَّة دقيقة ومؤكدة، من أجل الخلود، هي «حافز الموت». هي رحلةُ العودةِ إلى ما قبلِ تشكُّلِ الفرد. هل أريد أن أَبيدَ نفسي لكي أعودَ إلى حياةِ ما قبلَ الإنسانيَّة؟ إلى الرَّحِم؟ إليها، الحُبُّ الأوَّل، الحبل السريُّ طريقُ العودَةِ الضَّائِع؟

«حتَّى بين ذِراعَي والدتها، كانت لا تزال وحيدةً مع مرضها السريّ، ومع قلقها بشأن فِقدانها البراءة والأمن الذي صاحب اعترافها المرتعد بالموت».[24]

أوالدَّافِعُ المَكبوتُ إلى الحريَّة الأكثرِ راديكاليَّة، التي حذَّرت منها مؤسَّسة (الأُبوَّة والأمُومَة)، والمُنقلّبة على نفسها. عندما يكون التلفّظ: أنا لا أُهزم، أنا الحرَّة أبداً. أنا، بالفِعل، خَالدة.[25]

المُراق في مظهره الاجتماعيّ هو شكلٌ خادعٌ – قَيْدٌ مُكتسب خارجيّاً- يقيد نزعة كانت لتكون راديكاليّة وإيروتيكيّة. يقرأه الواحد ربما في الشّعراء والكُتّاب الُمذهلين، وفي السوداويَّة التي أدَّت إلى انتحارِ آخرين. إذا كان «حافِزُ المَوتِ» لهُ نَزَعَاتٌ انحرفَت عن مّسارِها، فإنَّ الكتابّة والموت، والكتابة والمُراق، تُصبِح مُتشابكة تاريخيّاً.

ترجمة: صفا حمزة


* يتألف هذا النص من أجزاء مختصرة من مخطوطة يجري العمل عليها

[1] Mark Fisher, The Weird and the Eerie (London: Repeater Books, 2016)

[2] انظر سلسة منشورات فيروس كورونا من منشورات فيرسو
the Coronavirus Pamphlet Series, accessed November 1 2020, https://www.versobooks.com/lists/4893-coronavirus-pamphlet-series. The Politics of Covid-19, last accessed August 2020, https://covid19syllabus.substack.com/archive?sort=new

[3] “Yanis Varoufakis on the Economic Situation,” The Dig Radio, https://www.thedigradio.com/podcast/yanis-varoufakis-on-the-economic-situation/ accessed October 15, 2020

[4] على سبيل الإيضاح، انظر الخبر: “Covid job losses lead MPs to call for trials of universal basic income,” accessed October 31, 2020, https://www.theguardian.com/society/2020/oct/31/covid-job-losses-lead-mps-to-call-for-trials-of-universal-basic-income?CMP=Share_iOSApp_Other

[5] Fisher, نفس المصدر

[6] Brian Dillon, Tormented Hope: Nine Hypochondriac Lives (London: Faber and Faber 2009)

[7] Martial. Epigrams vii. 39, book 8, quoted in Michel de Montaigne, “Not to counterfeit being sick,” accessed October 8, 2020, http://essays.quotidiana.org/montaigne/not_to_counterfeit_being_sick/

[8] G.W.F Hegel. “Who Thinks Abstractly.” Accessed October 12, 2020, https://www.marxists.org/reference/archive/hegel/works/se/abstract.htm

[9] Octavia E. Butler, Parable of the Sower (London: Headline Publishing, 1993)

[10] George S. Rousseau, Nervous Acts: Essays on Literature, Culture and Sensibility (Hampshire: Palgrave Macmillan, 2004)

[11] American Psychiatric Association. Diagnostic and Statistical Manual of Mental Disorders 5th ed. (DSM-5), (American Psychiatric Association: Arlington, 2013). انظر George S. Rousseau, ed., The Languages of the Psyche: Mind and Body in Enlightenment Thought, Clark Library Lectures; 1985-1986 (Berkeley and LA: University of California Press, 1998)

[12] Butler, نفس المصدر

[13] Rebecca Comay, “Hypochondria and Its Discontents, or the Geriatric Sublime,” Crisis and Critique: Politics and Melancholia 3 no. 2 (2016): 41-58, 45

[14] Anne Boyer, The Undying: A Meditation on Modern Illness (London: Penguin, 2020)

[15] المراقي هو مركب من العديد من الصور والعلامات والأشكال المكثفة كما في الحلم. أو أن المراقي نفسه يكثف القلق الحقيقي البنيوي إلى أشياء مستدبلة: أعراضها الجسدية.

[16] Dillon, نفس المصدر

[17] Lucius Anneaus Seneca. “On the Healing Power of the Mind,” accessed September 7, 2020, http://essays.quotidiana.org/seneca/healing_power_of_the_mind/

[18] انظر: Gilles Deleuze, “The Exhausted,” in Essays Critical and Clinical. Translated by Michael A. Greco and Daniel W. Smith (Minneapolis: University of Minnesota Press, 1997), 152-174

[19] Nadia Bou Ali and Ray Brassier. “Hegel’s 250th Anniversary: After too late,” September 9, 2020, Beirut, https://www.youtube.com/watch?v=dISWecCpAS0

[20] Comay, نفس المصدر

[21] Natrum Muriaticum, https://www.vithoulkas.com/learning-tools/materia-medica-kent/natrum-muriaticum

[22] Cecilia Tasca, Mariangela Rapetti, Mauro Giovanni Carta and Bianca Fadda. “Women and Hysteria In The History Of Mental Health.” Clinical Practice & Epidemiology in Mental Health 8 (2012): 110-119

[23] الإسقاط، التسامي، الإزاحة، تشكّل ردة الفعل، إلخ

[24] Susan Baur, Hypochondria: Woeful Imaginings (Berkeley and LA: University of California Press, 1988)

[25] «من المستحيل بالفعل تخيّل موتنا؛ وكلما حاولنا القيام بذلك، ادركنا أننا في الواقع ما زلنا حاضرين كمتفرجين. في العمق، لا يؤمن أحد في موته، أو بعبارة أخرى، أن كل واحد منا في اللاوعي مقتنع بخلوده.». Sigmund Freud, “Thoughts for the Times on Death and War,” in The Standard Edition of the Complete Psychological Works of Sigmund Freud Vol XIV, trans. by James Trachey (London: Hogarth press and the Institute of Psycho-Analysis, 1957), 275-300

التفاف صاخب

جيران - سارة ساروفيم
جيران - سارة ساروفيم

تتحول مروحة سقف بيتي إلى طائرة هليكوبتر

تتحول إلى طلقات نارية بعيدة

إلى مشهد صوتي كثيف لمدينة عاصية

غاز مسيل للدموع

رصاصات مطاطية

مدافع مائية

طائرات هليكوبتر

إشارات مرور

باعة جائلين

ضوضاء البناء التي لا نهاية لها

أجراس الكنيسة

الصوت يغزو، يجيء من الماضي

يتعطل الفضاء الصوتي المعتاد للمدينة بسبب صوت صفارات الإنذار المتكرر، الخطباء، والطيور والمولدات والإعلانات العشوائية التي تلقيها الدولة والأحزاب السياسية.

أصبحت هذه الأصوات تهيمن على المكان، إذ أصبحت المدينة أكثر هدوءًا، مع انقطاع الكهرباء بشكل متكرر، ومع تفشي الوباء الذي أصبح أكثر إلحاحًا وانتشارًا مع اقتراب أحد الفصح.

أن نحيا، عبر التدخلات الصوتية للبشر والحيوانات والآلات الأخرى، المنبعثة في مدينة تستريح.

تخترق الآن صفارات سيارات الإسعاف الهواء بقوة كأنها تثقبه.

في ٤ نيسان ٢٠٢٠، قام أحد أصدقائي بإحراق يده أثناء طهي وجبة خفيفة في وقت متأخر من الليل.

بعد شهر، في ٤ أيار ٢٠٢٠، أدركت بأنني لن أغادر البلاد من أجل زمالة في المهجر.

بعد شهرين في ٤ حزيران ٢٠٢٠، لم أتمكن من مغادرة سريري بسبب آلام الدورة الشهرية الشديدة.

قضيت الليالي الساخنة والمظلمة التي سبقت شهر تموز وأنا لا أنام. كانت الكهرباء بالكاد تأتي ، ولولا الجدران الإسمنتية المحيطة بي ، لكنت ظننت بأنني أُخيّم في منزلي.

في ٤ تموز ٢٠٢٠ ذهبت إلى وادي الشوف لاستنشاق الهواء النقي.

في ٤ آب ٢٠٢٠ الساعة الثانية  ظهرًا ، بدأت في تسجيل صوتي لفيلم مع شاعرة. أغلقنا جميع النوافذ لحجب ضوضاء المدينة،  أنتهينا في الساعة ٥:٣٠ مساءً. غادَرَت، أما أنا، فطلبت برجر دجاج مقلي، فيما النوافذ لا تزال مغلقة.

في الساعة ٦:٠٨ مساءً ، انفجرت قنبلة في المرفأ. قنبلة بقوة ٢٧٥٠ طنًا. 

كانت تُعدّ لمدّة ست سنوات، إن لم يكن ثلاثين سنة

ارتدادات

ربما يكون هناك زلزال

ربما صاروخ

الصوت يُعلّق

الوقت يُعلّق

اهتزازات

صدمة

التعليق يُعلّق

انفجار صوتي

زجاج محطم

أجراس إنذار

صرخات قريبة

هستيريا

حرمان حسي

موجات جيبية

إضاءة القشرة الحسية

إحساس يتفوق على المعلومات

مكافحة أو هروب

طيران

تشابكات معقدة

صمت مطبق

ضجيج بني

طنين

طبقة صوت عالية

صاخبة

مدويّة

تشق الأذنين

طنين في الأذنين

طنين.

رنين الهواتف

أصوات تتفكك

لا معلومات حتى الآن

لا ضجة

لا تغطية

لم يكن مشهد مروحة السقف يعني لي أي شيء، إلى أن سمعته.

ترجمة: حسين ناصر الدين

ملحقات في الرنين واللمس

انعكاسات موشورية للدربوكة - بإذن من جو نعمة
انعكاسات موشورية للدربوكة - بإذن من جو نعمة

ملاحظات:

أُخدت أنماط الطبلة التالية من المقاطع، بأوقات متغيرة، في القسم “المتغير” F ، من مقطع “Sonic” رقم ٧ ورقم ١٠، للدربوكة المنفردة ، من تأليف الفنان والملحن المصري-الأمريكي حليم الضبع (١٩٢١-٢٠١٧).

في هذا النص ما يشبه الوصف عبر السمع، وملحقٌ لدراسة موسعة حول المقطوعة المكتوبة لأول مرة في عام ٢٠١٨.
 كُتب هذا النص لكي يُقرأ بصحبة طبلة، بصحبة دربوكة في أفضل الحالات، لكن أي طبلة قد تفي بالغرض . أمسكوا الطبلة وقربوها منكم عند القراءة، ودعوا صوتكم يتردد مع إيقاعها.

يشير الشريط العلوي من الرسم إلى اليد القوية (اليد اليمنى عادةً)، بينما يشير الشريط السفلي إلى اليد التابعة (وعادة ما تكون اليد اليسرى). حاولوا عزف الإيقاع في حلقة متكررة، عشر مرات على الأقل، بسرعة ١٨٠-٢٠٠ نبضة في الدقيقة، قبل قراءة الفقرة. إذا كنتم لا تجيدون العزف، فغنوا الإيقاع المكتوب أسفل الرسم بصوت عالٍ.

اختبروا رنين آلة الإيقاع وترددها مع دقات قلبكم بشكل منتظم.

تجنبوا الإيقاعات المُجبرة، وحاولوا تجنب الـ”البووم” وتشويه الأصوات.
تعاملوا مع آلة الإيقاع والنص بحساسية شديدة.


تمرين في ٣/٨

{دوووم تيييك داااا تاااا دااا تيييك}

وقت للسرعة، وقت متجمد، وقت يتغير في وقتٍ مُتغير[1]. أحس بحساسية شديدة تجاه الوقت، كوني عازف ايقاع، لكن هذه الحساسية أصبحت في الآونة الأخيرة أشبه بوسواس قهري. الوتيرة الغير المنتظمة، دراما عواطف الجائحة الثقيلة، وعواطف الثورة الأثقل، أيام لا نهاية لها، وأشهر تمر وتنتهي. أصبح إيقاعي الداخلي مرتبكًا ومشوشًا. في مصطلحات الإيقاع المتداولة بين العازفين، يُطلق على العازف الذي يعجز عن الحفاظ على ثبات الإيقاع -أي العازف الذي يبطئ أو يسرع دون انتباه – إسم التنين الروسي، نسبة لمعنى هاتين الكلمتين بالإنكليزية (rushin ‘/ draggin’). خارج المزامنة، ومن دون حيل، يصبح الأمر صعبًا ومؤلمًا، إذ أن الخروج عن الزمن يضر بالحياة، ويبدو لنا أن هذه أوصاف مناسبة لإيقاع العام الماضي أيضًا، يبدوا لنا أننا، جميعًا، نكافح من أجل المضي قدمًا حتى نهاية الأغنية.

ما بقي ضروريًا، وسط كل هذا، هو الحاجة إلى إنشاء علاقات جديدة مع الوقت: فترات تقوم على التقارب الحميمي والتناسب الشخصي، داخليًا وخارجيًا. ولكي ننظر للوقت بهذه الطريقة، علينا أن نحث أنفسنا على التفكير بشكل أعمق في علاقاتنا مع الماضي، ومع الأسلاف، وإعادة النظر في مكاننا في العالم. يذكرني هذا النوع من التفكير بأعمال حليم الضبع، الذي لطالما فكر بالوقت بشكل عميق، وحلم بعوالم جديدة. امتدت مسيرة حليم الضبع المهنية لأكثر من ثمانية عقود، استمر عبرها في تأليف الموسيقى حتى وافته المنية في عام ٢٠١٧، عن عمر يناهز ال ٩٦ عامًا. أخبرتني زوجته ديبورا، بأنه، وعلى الرغم من أنه لم يكن بالصحة الكافية ليعزف الموسيقى في آخر سنة من حياته، إلا أنه استمر في  كتابة أعمال جديدة حتى آخر أيام عمره، وعندما لم يعد جسمه قادرًا على الكتابة، بدا وكأنه انتبه إلى أن ساعة رحيله قد أتت، ووافته المنية بعد أسابيع قليلة. عندما ننظر إلى مجموع أعمال حليم الضبع المتنوعة والمذهلة، نرى فيه موسيقيًا متميزًا، وعالم موسيقى اثنولوجي مبدعًا، ورائدًا في الموسيقى الإلكترونية وفي القومية الموسيقية الأفريقية، وأحد أهم الملحنين في القرن الحادي والعشرين.[2] يُمكِّننا النظر إلى أعمال الضبع من تحديد ٣ ثوابت أساسية شكلت أهم العناصر التي  كونت عالمه الموسيقي وهي: التزامه بكتابة الموسيقى بقدر التزامه عزفها ، إيمانه بالقوة الهائلة للصوت، وتفانيه طوال حياته في العزف على الطبول. أود أن أتوقف للحظة لكي نحتفل بعلاقته بالطبل، وبالإيقاع كممارسة متجذرة في الوعي الثقافي والزراعي والزمني.

تمرين في ٤/٨

{داااااا تييييييك داااااا تاااااااا}

أتيحت لي الفرصة في كانون الأول الماضي، لزيارة أرشيف الضبع في منزله، وهو منزل متواضع يقع في حي هادئ تصطف على جانبيه الأشجار، على أطراف جامعة ولاية كينت في أوهايو. وهي الجامعة التي ساهم فيها الضبع في إنشاء قسم الدراسات الإفريقية عام ١٩٧٠، وهو ثاني أقدم قسم للدراسات الأفريقية في الولايات المتحدة بعد القسم الموجود في جامعة هوارد، والذي ساهم الضبع في إنشائه أيضًا، وكان ذلك بعد بضع سنوات فقط من إنشاء أوركسترا إثيوبيا في أديس أبابا، بناءً على طلب هيلا سيلاسي. كنّا  في غرفة أرشيفه، وسط  مجموعة من الكنوز والصور التي تحوي مغامراته الصوتية العالمية، وقرب أطروحته حول نظام التدوين بالألوان “Color Music” الذي ابتدعه استنادًا إلى سماع الألوان. ثمة، في الأرشيف، ملف موثق تحت إسم “Heteroharmony” ، وفيه مجموعة من الملاحظات حول مفهوم طوره الضبع، يصفه فيه بشكل عام ظاهرة موسيقية  “يعمل فيها نظامان موسيقيان في آن واحد، مما يسبب احتكاكهما على مستوى الجزئيات، وهذا ما يُطلق عليه اسم الاحتكاك غير المتجانس، على غرار التناغم غير المتجانس، ولكنه لا يشكل نظامين كاملين، بل نغمتين فقط، يصدران احتكاكًا متزامنًا.” [3] نجد كذلك، بين أوراقه، رسومًا تخطيطية لأشعار ورسومات ومقتطفات لأفكار موسيقية، وتأملات حول الأحداث والوقائع التي تسهم في تحديدها وتعريفها وإغنائها، لكي تصبح نهجًا يخلق إمكانيات نصية للبحث، ويتجاوز أي نوع من السلطة الفردية.

تمرين في  ٥/٨

{داااا تييييك دااا تااا دووم تييك دوووووو، تييييييك}

تبدأ قصتنا بالإيقاع ، الإيقاع بأحرف كبيرة، أبو كل الإيقاعات، إيقاع الكون، وإذا كانت الحركة هي مفتاح الوعي، فإن هذا  الإيقاع هو ما يجعل الحياة ترقص. كانت تلك النغمة التي عمل عبرها حليم في حفل الزار في القاهرة عام ١٩٤٤، نغمة لموسيقى إلكترونية كونية. وعلى الرغم من أن الطبول لا تسمع في ريمكساته، إلا أن الطبول كانت حاضرة دون شك  في الحفل الذي سجله، إذ أننا ندرك أهمية الطبول في هذه العروض، كعنصر محوري للطاقات والطقوس الشفائية. كانت تلك القوة المتمثلة في الجماعة، وفي  التزامن الإيقاعي، هي، على ما أعتقد، ما انجذب إليه حليم ، وما قضى حياته في محاولة فهمه. كان حليم يبلغ من العمر ٨٨ عامًا عندما كتب أحد أكثر أعماله شهرة في الإيقاع، وهو عمله المعنون Symphony for 1000 Drums (2009) ، وهو تأليف متأخّر يشبه ملخصًا حياتيًا لعمره، تعزفه الطبول، وقد كُتب بغاية الدقة، وبغاية الإيجاز، في صفحة واحدة فقط، لكنها صفحة لا نهائية في التعقيد، ولا نهائية في القوة والإيماءات الأدائية المضمنة في المقطوعة، لتصبح هذه الصفحة  شبيهة بوصفة لاستحضار قوس قزح.

تمرين في ٧/٨

{تليك دووم دووم تليك دوم تليك دووم}

جزء من صفحة من ملاحظات حليم حول التناغم المتغاير، وكأنه كُتب كقصيدة:

أفكر في المعاني السلبية للكون، أفكر في ذلك بمصطلحات الهندسة الصوتية، في التسوية، أو الـ “EQing”، الذي يتم عبرها تعزيز دقة الصوت عبر إزالة الترددات غير المرغوب فيها، وذلك للسماح لأصوات وتناغمات معينة لكي تظهر بالمزيد من الوضوح. أفكر في هذه المعاني في السياسة أيضًا، ربما، بألئك الذين يُنظر إليهم على أنهم غير منحازون، أولئك الذين يرفضون الأنظمة القائمة، سواء أكانت دينية أو نيوليبرالية أو يسارية قديمة – كلن يعني كلن. تتطلب هذه التسويات، أو هذه الإزالات بالأخرى، إنتقالًا صعبًا من السالب إلى الموجب، ومن الإلغاء إلى التجمع. نرى هذا النوع من الإزالات في النحت أيضًا، في الأشكال التي لم يُحدد بعد، سالبها من موجبها، والتي تحكمها رغم ذلك، شروط مادية لا بد من إزالتها لكي يتحقق الشكل ويظهر من داخله إلى الخارج. تتطلب كل هذه العمليات، أطرًا من المهارات الدقيقة التي تتمثل أحيانًا في الانكماش، للوصول إلى نقطة يستطيع المرء من خلالها أن يخلق جاذبيته الخاصة التي تعمل على نظام فيزيائي يعتمد بالكامل على الذات، ليصل بذلك إلى الطاقة الأولية.

من الناحية الإيقاعية، ربما يكون هذا مجرد تقسيم فرعي، أو تقسيم للإيقاع حتى أصغر أجزائه، أو، كما هي الحال في هذا النص، تقسيم للمقطوعة الكاملة للتركيز على الإيقاعات بشكل منفرد، إيقاعات قد تطول قبل أن تتكرر مثل إيقاع  “الدور الكبير” ، المقسم في ٥٦ نبضة للدورة، والذي يتطلب من العازف أن يقسمه باستمرار إلى نبضتين أو ثلاث نبضات منفردة. يمكن تقسيم الإيقاع أعلاه ، في ٧/٨ ، إلى تعداد ٢ ٣ ٢. وتمامًا كما ينقسم يومنا إلى ٢٤ ساعة ، فلكل أغنية شمسها الخاصة، شمسها التي تدور حولها، والتعداد يصبح كعدد الذرات في ذلك الدوران. هذه هي الطاقة الأولية التي ترقص على – ٢ من الأقدام، و +٢ من الخطوات.

الصورة رقم ١. رسم تخطيطي من “Hand Techniques in the Art of Drumming” لحليم الضبع (١٩٦٥)

ترجمة الرسم ١ من الأعلى إلى الأسفل:

L) تمام الوسط

M) منطقة الوسط

R.N) منطقة العزف

S) منطقة الحلقة

O) تمام الحلقة

P) الحلقة الخارجية

V) منطقة اراحة اليد

W) منطقة وضع اليد في جسم الدربوكة

الصورة رقم ٢- إعادة رسم لخريطة وجه الطبل


تمرين في ٨/٨

{دووم تليك دووم تا دووم دووم تليك دووم}

أجدنا نفهم بنية الدربوكة عبر انعكاسها في صورتنا، الجسم، والعنق والرأس والجلد.  تتحول هذه الأجزاء كلها عندما نعزف على الدربوكة، إلى أجزاء كأنها مركبة في جسمنا، وهي تُصدِّر الأصوات إلى خارجه. يصبح الطبل ملحقًا للجسم، وموجة متواصلة تحوي العديد من التجريدات الكونية المتنافرة، التي يمكن لعازفي الإيقاع المهرة التوافق معها. إنها أداة للتحرك، وللحداد، وللشعور، أداة لإيجاد ذوات جديدة، وحركات جديدة، وأشكال جديدة من الفرح والألم. الطبل يدعو ويجمع، الطبل يتحدى ويحتج، يقربنا الطبل من بعضنا البعض، وينقل الطاقات والمعارف بطرق لا زلنا نحاول اكتشافها.

كان حليم إثنولوجيًا موسيقيًا شغوفًا، إذ أمضى جزءًا كبيرًا من حياته في السفر عبر كافة أنحاء إفريقيا وأمريكا اللاتينية، في البداية كمهندس زراعي، في أوائل الأربعينيات من القرن الماضي، في تجربةً استخدمت امكانيات الصوت كمبيد طبيعي ومحسن للنمو الزراعي. كان يلتقي خلال رحلاته، بالموسيقيين المحليين، ويسجل عزفهم، ويتعلم أغانيهم وإيقاعاتهم التي ستدخل فيما بعد في مؤلفاته الخاصة. اختلفت عملية حليم البحثية عن أبحاث الموسيقى العرقية الأوروبية الشائعة، التي اعتمدت بشكل أولي على الإستخراج. آمن حليم، على نقيض الأبحاث الأوروبية، بقدرة التبادل، الذي وضعه كجزء مبدأي من عملية البحث، الذي بدأ يتشكل عبر مشاركة المعرفة من خلال الطبل، واهتزازاته وذبذباته الواعية والبديهية.

فسر حليم الضبع، في محاضرة ألقاها في ندوة UNYAZI للموسيقى الإلكترونية في جوهانسبرغ عام ٢٠٠٥، وبطريقته الحثيثة المعتادة، تجربته في تسجيل طقوس الزار، التي قام بتحويلها لاحقًا إلى موسيقى إلكترونية رائدة عام ١٩٤٤ قائلًا:

“كان لتلك النساء القدرة على تحويل الصوت بطريقتهن الخاصة. كنّ يعرفن كيف يخرجن الصوت من أجسادهن، وكيفيات تحويل عناصره وتغيير أشكاله واهتزازاته،  كنّ كأنهنّ يطرن، حرفيًا، وأعني بذلك أن أجسادهنّ كانت تتحرك للخارج، بطاقة صوتية هائلة تؤثر على الجسم،  وتمنحه شعور بالتعافي. يمكن لأصواتهن أن توقف نزيف مجروح ينزف حتى الموت.” [4]

صفحة من مجلد الملاحظات حول التناغم المتغاير (مستخدمة بإذن من مجموعة حليم الضبع للموسيقى)
صفحة من مجلد الملاحظات حول التناغم المتغاير (مستخدمة بإذن من مجموعة حليم الضبع للموسيقى)

تمرين في ٩/٨

{دا دوم دوم تليك دوم تا دوم تيك دوم}

الإيقاع هو وعيٌ للوقت، يمكننا أن نبدأ محاولة فهم الإيقاع عبر مصطلحات مثل القياس واللكنة والمدة والتزامن، لكن الإيقاع في الواقع هو، كل شيء. وإذا كان الجسم يتحرك عبر الوقت [5]، فإن الإيقاع هو آلية التحكم بهذه الحركة. يستطيع عازف الإيقاع أن يدفع الوقت وأن يشدّه، ونحن ندور في خَطوِه. قبل أجهزة الكمبيوتر بوقت طويل، وقبل المطبعة ، وقبل الكلمة المكتوبة، وقبل تذبذب الأسهم والهندسات المالية والإقتصادية، وربما حتى قبل اللغة المنطوقة نفسها، كان الطبل، وكان الإيقاع.

“الإيقاع بالنسبة لي، استهلالٌ للصوت في احتكاكات الكون، وهو يتجسد في نبض داخلي” [6]

أتى الطبل إلى هذه الأرض من النجوم البعيدة، وكان تقنيةً أساسيةً ساعدتنا على تطوير الأفكار المعقدة، والفكر الجماعي، واستخدام القدرات الاجتماعية والعقلية والجسدية والتأمل الاستبطاني. اليوم، وبينما نتعلم أن نرقص بعيدًا عن بعضنا البعض، وأن نتباعد، عبر الشاشات أو في الواقع، يستمر الإيقاع في عمله كأداة للتزامن وللتواصل. عندما نجتمع، احتجاجًا أو احتفالًا، يحركنا الطبل والإيقاع، في انتظام نشاز الخطوات التي تسير معًا، ويغذي غضبنا وذبذباتنا الجماعية.

“يا لها من تقنية قوية تشهد وتوفر مساحةً للحركة والرعاية والرؤية، والعمل يدًا بيد” – ليجاسي راسل

صفحة من مجلد الملاحظات حول التناغم المتغاير (مستخدمة بإذن من مجموعة حليم الضبع للموسيقى)
صفحة من مجلد الملاحظات حول التناغم المتغاير (مستخدمة بإذن من مجموعة حليم الضبع للموسيقى)

تمرين في ١٢/٨

{تليك دا دا تليك دووم تيك دووم دووم تليك دووم تا دوم}

غالبًا ما يتم التغاضي عن جانب مهم من جوانب الإيقاع، وهو التحكم في التنفس، وأوقات الشهيق والزفير، وتزامنها مع العد الإيقاعي. تصبح الاضطرابات الكبيرة التي تُلقي بثقلها على هذا الإيقاع، مثل COVID-19، الذي يهاجم رئتينا ويقيد تنفسنا، ومثل وحشية الشرطة وجثومها على صدورنا، دلائل على حاجتنا لأن نكون أكثروعيًا للإيقاعات التي لدينا، ولنحتفل بها، ونتعلمها ونعلن عنها كتأكيد مستمرعلى وجودنا. الإيقاع أداة لا تحركنا في أجسادنا الحالية فحسب، بل تربطنا أيضًا بالإرث الذي ولد منه الإيقاع الأول، وبجميع أولئك الذين حملوه قبلنا، وكل أولئك الذين سيعكسون ضوء النجوم واحتكاكها هذا نحو المستقبل. كانت علاقة حليم بالوقت أبدية التغي، وكان فهمه للإيقاع فهمًا فلكيًا، ولكنه فهم قبل كل شيء، حقيقة الطبل كتقنية متقدمة، قادرة على إحداث صدًى وعلى ولمس عوالم التقارب الشخصية والداخلية.

قياس - حاتم امام
قياس – حاتم امام

ترجمة: حسين ناصر الدين


[1] غريس وجامس بوغز Revolution and Evolution in the Twentieth Century (مطبعة Monthly Review Press, U.S ، ١٩٧٤). ١٧٠.

[2] كاميلا متولي، “A Sonic Letter to Halim El Dabh”, https://herri.org.za/4

[3] سينثيا تسي كيمبرلين  “Who Dared?”: Twenty-two Tegreññya Songs from Mändäfära, Eritrea, Papers of the 15th International Conference of Ethiopian Studies، هامبورغ، تموز ٢٠-٢٥ ٢٠٠٣. سيجبرت أوهليج، ماريا بولخ، دينيس نوسنيتسين، وتوماس رايف، هارسوفيتز فيرلاغ، فيسبادين، ألمانيا ٤٢٥.

[4] “محاضرة حليم الضبع في Unyazi ٢٠٠٥”، صورها جورج أ. لويس. https://vimeo.com/443205835

[5] فليشمان، ت  Time Is the Thing a Body Moves through منيابوليس مطبعة Coffee House، ٢٠١٩.

[6] جزء من مجلد الملاحظات حول التناغم المتغاير من أرشيف حليم الضبع، التاريخ غير معروف.

ترجمة الرسم، من الأعلى إلى الأسفل.

اليد اليمنى  موضوعة على الجانب الأيمن، واليد اليسرى  في الأمام، في الجزء القريب من جسم العازف.

اليد اليسرى على الجانب الأيسر، واليد اليمنى في الأمام.

اليد اليمنى واليسرى في مواقع متغيرة

رنين *

سلم من خمس درجات
الرنين من الكمال التام إلى الخواء التام.

مزيج من درجتين لإضهار درجات اختلاف اضافية دقيقة في السلم.

*ملحقات في الرنين  واللمس

من الشكل للخواء – تحلل الجلد في الفضاء المتسع دون عناء.

ملاحظات في الظل، أنطولوجيا مؤلمة للقمع الإستعماري في ضربة واحدة.

تجاذب حاد في النشاز يظهر غضبًا راديكاليًا جامحًا.

حركة “دووم” متزايدة في القوة واللا مبالاة.

خدوش لبرانويا من داخل الجسم إلى التحلل الخارجي.

لمسة إصبع خفيفة على جلد الطبلة، بحنان، وتمكين، واكتشاف للذات. 

مع التصفيق والشكرل:

 ديبورا الضبع، امل خلف، جو-يا تانغ وغاليري بيلير في جامعة كولومبوس للفن والتصميم، سافي للفن المعاصر، كاميلا متولي، هشام عوض، ومركز بيروت للفن.  

كيف للكارثة أن تٌستقرأ ؟ حوار مع سمانة معافي من منظمة العمارة الجنائية.

صورة من تقرير منظمة العمارة الجنائية عن إنفجار مرفأ بيروت - المصدر: منظمة العمارة الجنائية

مُحيت، بلمح البصر، أحياء من بيروت عن الخارطة في الرابع من آب، للعام ٢٠٢٠، إثر تفجير جزء من الـ ٢٧٥٠ طن من نيترات الأمونيوم المخزنة في عنبر من عنابر مرفأ بيروت. في برهة لم تتجاوز الدقيقتين، أُزهقت أرواح مئتي شخص، وأصيب ما يقارب السبعة آلاف شخص بجروح بليغة أو شبه قاتلة، وشُرّد ما يزيد عن ثلاثمئة ألف شخص.

يكثر السؤال عن شهادات من تلك اللحظة، أي كنتم؟ وماذا رأيتم وماذا سمعتم؟ وهل فقدتم عزيزًا؟ إلا أن كارثة الرابع من آب تبقى ضبابيةً لمعظم أولئك الذين شهدوا تكشّفها المميت، سواء من قرب أو عن بعد. يفرض سرد تداعيات واحدة من أقوى التفجيرات غير النووية في التاريخ مسؤوليةً تجاه عدد لا يحصى من الضحايا بالطبع، وفي تلك المهمة تناقض زاده عجزنا العام عن فهم نطاق هذا الحدث والخسارات التي أحدثها.

أصدرت منظمة العمارة الجنائية (Forensic Architecture) متعددة التخصصات والمرشحة لجائزة تيرنر [سيشار إليها في هذا المقال د باسم ع.ج] بالتعاون مع مدى مصر، إعادة تشكيل سمعي وبصري دقيق لحادثة المرفأ بعد ثلاثة أشهر ونصف من وقوعها، وإعادة بناء ثلاثي الأبعاد للعنبر المشــهور/ؤوم. خَلُص تحقيق المنظمة، بعد أن “جمعت وعاينت الصور والفيديوهات التي صورها شهود على الإنفجار وشاركوها على وسائل التواصل المتعددة”، إلى أن سلطات المرفأ لم تحترم اللوائح المقبولة دوليًا لتخزين نترات الأمونيوم، مما يُوجب مسائلة السلطات اللبنانية بجرم الإهمال. حمّلت المنظمة هذا البحث على الإنترنت، كنموذج قابل للتنزيل، وفيديو مفتوح مدته ١٢ دقيقة.

سمانة معافي باحثة عليا في منظمة العمارة الجنائية في جامعة غولدسميث، لندن. تقوم معافي بالإشراف المفاهيمي على العديد من المشاريع وتشرف على وجه الخصوص على مركز الطبيعة المعاصرة (CCN)، حيث تُطوّر تقنيات تحقيق جديدة في العنف البيئي. حصلت على درجة الدكتوراه من كلية الهندسة المعمارية التابعة للجمعية المعمارية (AA) بأطروحة حول التاريخ المعاصر للإسكان الجماعي في إيران والهويات الطبقية وأدوار الجنسين التي نشأت عنها.

إدوين نصر: يفرّد نقد جيمس سي سكوت للحداثة الاستبدادية، “المقروئية” باعتبارها عقيدة مركزية في فنون حكم الدول. يفهم سكوت الأنماط السائدة في تخطيط الدولة – سواء كانت عبر البنية التحتية الحضرية والريفية أو عبر تصميم العمليات البيروقراطية – عبر سعيها وعملها لجعل الأمور قابلة للقراءة، وفي إطار معاكس، نلاحظ بأن الأنماط المعاصرة في صناعة الحكم لا تهتم بـ “التبسيط”، بل تمعن  في تشويش وتجريد وإنهام العمليات التي تقرها الدولة وجعلها غامضة وغير مقروءة أو قابلة للتعقب. كيف تقوم ع.ج “بعكس إنهام” الأدلة المادية في العمليات القانونية والمنتديات السياسية العامة؟

سمانة معافي: صُدمنا جميعًا عندما رأينا المدينة التي نحبها تتدمر. أردنا، بطريقة ما، أن نظهر دعمنا للمدينة، وللعديد من أصدقائنا فيها. ارتأينا أن لا نتعاون مع أية وسيلة إعلامية غربية، نظرًا لتاريخ الغرب الاستعماري في التدخل السياسي في المنطقة، رغم تلقينا الكثير من العروض. كان صديقنا، معن أبو طالب يعمل بدوره ضمن مجموعة من الصحفيين المنخرطين عن كثب في لبنان، أعتقد أننا التقينا به في احتجاجات توتنهام، في ذكرى جريمة قتل الشرطة لمارك دوغان، والتي حققنا فيها أيضًا. فتح معن التواصل بيننا وبين مدى مصر، وبدأ الحديث عن شراكة محتملة، ثم جمعتُ فريقًا للتحقيق، كان من بينهم كيشان سان، ونيكولاس ماسترتون، وثلاثة باحثين لبنانيين اختاروا أن تكون أسمائهم  المستعارة، إسماعيل حيدر، وليشلا ي. وليلى سباعي. كان علينا  في البداية، ولضمان الدقة ، تمرير النموذج ثلاثي الأبعاد ذهابًا وإيابًا بين الباحثين المقيمين في لندن وبيروت في أول أسبوعين، ثم أخذ العمل يتطور ببطء بعد ذلك.

للدولة منطقها الخاص ونظرياتها المعرفية الخاصة، أوافقك الرأي بشأن سكوت، إلا أنني لست متأكدةً تمامًا، من مدى توافق نظريته في   لبنان الذي يسن ويؤدي نوعًا مختلفًا جدًا من فنون الحكم. أرسلت الدولة اللبنانية فريقها الجنائي إلى مسرح الحدث، وسرعان ما أخرجت لنا سردية تحيل أسباب الكارثة إلى ثلاثة عمّال تلحيم سوريين، ثم ما لبثت أن ترددت أصداء هذه السردية في وسائل إعلام دولية عديدة منها رويترز وواشنطن بوست ونيويورك تايمز. بالإضافة إلى ذلك، مُنحت فرق جنائية من دول كالولايات المتحدة وفرنسا حق التحقيق في القضية، إلا أن هذه الفرق فضلت التزام الصمت، وعدم مشاركة أي نتائج للتحقيق حتى مع عائلات الضحايا.[1] تحضرني هنا هانا أريندت، وفكرة الخداع الذي لطالما كان جزءًا من أدوات السياسة، والصدق الذي لم يكن يومًا من خصالها.[2]

في هذا السياق ، نظمنا تحقيقًا مضادًا بُني على مجموعة محددة من الموارد، وهي مقاطع الفيديو الخاصة بالمواطنين. كانت إحدى أولى توثيقات المرفأ في ذلك اليوم مثلًا، عبارة عن صورة نُشرت على تويتر. أمكننا فحص الصورة عن كثب، من تحديد موقع مصدر عمود الدخان، وإدراك أنه كان يتصاعد من الجانب الشمالي الشرقي من المستودع. احتوت الصورة بالتالي على معلومات موضوعية عن الكارثة، وقد ظهرت هذه المعلومات عبر إحداثيات “المصور نبيه” في المدينة، ومدى رؤية كاميرا هاتفه، والوقت الذي التقط فيه الصورة. فحصنا عشرات الصور ومقاطع الفيديو المشابهة، ووضعنها بدقة على خط الزمان والمكان، ثم جمّعنا بشق الأنفس كل تلك المعلومات المتموضعة للعثور على أجزاء من الحقيقة. اعتمد نموذجنا الثلاثي الأبعاد على شهادات السكان المرئية، وكان  نموذجا “متعدد المنظور” إذا صح التعبير.

إ.ن: بعد انتهاء حروب ١٩٧٥ -١٩٩٠ الأهلية، اندفعت البلاد إلى زمنية “ما بعد الحرب” المستطالة، تلك الزمنية التي لم تحاسب قادة الميليشيات الطائفية وممثليها من السياسيين، ولم توفر للضحايا أي إطار عدلي ترميمي. بعد ذلك، ومنذ عشرة سنوات تقريبًا، تم إنشاء المحكمة الدولية الخاصة بلبنان من قبل المحكمة الجنائية الدولية للقيام بالتحقيق في قضية اغتيال رئيس الوزراء اللبناني السابق رفيق الحريري في ١٤ شباط ٢٠٠٥. حكمت المحكمة بإدانة مسؤول في حزب الله بتهمة التآمر في “ارتكاب عمل إرهابي”[3] والحكم عليه بخمسة أحكام متزامنة بالسجن المؤبد. لم يتخذ القضاء اللبناني أية إجراءات مباشرة لتحديد مكان المشتبه، أو لإنزال أية عقوبات على حزب الله . ما الذي يحدث عندما يكون السياق الذي تعمل فيه ع.ج رافضًا لأي اعتراف سياسي أو قانوني للأدلة التي ينتجها أو يكشف عنها في المقام الأول، أي عندما يكون السياق التي يكون فيه الخروج عن الشرعية فعلًا ممؤسسًا من قبل الدولة.

س.م: أنا دائمة التعلم من لبنان، ولطالما وجدت نفسي مُعجبة أو مُتأثرة بروائيين وشعراء ومعماريين وفنانين وموسيقيين ومجموعات كويرية ونسوية ومدافعين حقوقيين عرقيين وباحثين قانونيين من لبنان، وكثير منهم أصدقاء ل ع.ج.  بعد كارثة الرابع من آب، عرفنا بالطبع بأن العديد من مجموعات المجتمع المدني تواجدت على الأرض، تمامًا مثل تواجدها منذ بداية الثورة في تشرين ٢٠١٩. أحسسنا بأننا من الممكن أن نساهم في قضيتهم، عبر دراسة صغيرة نطورها باستخدام منهجيات ع.ج.  لطالما كان الكفاح من أجل العدالة جهدًا جماعيًا، ويبرز ذلك بشكل أكبر، عندما تفشل الدول في الإتيان حتى بأبسط مسؤولياتها.

يعد حريق برج غرينفيل، الذي عملت على التحقيق في ملابساته ضمن ع.ج، واحدًا من الأمثلة المفيدة هنا. في ١٤ حزيران ٢٠١٧، اندلع حريق عرضي في مطبخ شقة في الطابق الرابع من هذا المجمع السكني في غرب لندن، بالقرب من مكان سكني الشخصي. انتشر الحريق بعد ذلك في كل المبنى، وأودى بحياة ٧٢ شخصًا، ٨٥٪ منهم كانوا من الأقليات العرقية[4]. أمر رئيس الوزراء البريطاني بعد يوم واحد من الحريق بإجراء تحقيق شامل. شارك الناجون في الأسابيع التي تلت، قصصًا عن البعض منهم ممن كانوا مهاجرين بظروف قانونية غير مستقرة، وخوفهم من الترحيل، وفشل الدولة في تأمين محامين مجانيين ومترجمين لهم. وليس هذا بجديد، إذ يمتد البعد العرقي الطبقي العنيف للإهمال في العقارات السكنية في لانكسر ويست منذ أكثر من أربعين عام، فنتذكر منه في الثمانينات مثلاً، كارثة الإسبستوس، وطاعون الصراصير، وإغلاق الحدائق العامة وزيادة مراقبة الشرطة في التسعينات، وتجديد المبنى حديثًا، وغيرها من الأفعال المتصلّة في هذه السلسلة.

استغرق نشر النصف الأول من تقرير التحقيق عامين كاملين، وخلص إلى أن نظام التصفيح في المنازل، الذي فُرض حديثًا في التجديد الذي أنجز على المبنى، ليس مطابقًا لمواصفات السلامة، وأنه كان السبب الرئيسي لانتشار الحريق السريع. بدأت المرحلة الثانية من التحقيق في ٢٧ كانون الثاني ٢٠٢٠، وكشفت رسائل البريد الإلكتروني أن العديد من الشركات المشاركة في تجديد المبنى كانت تعلم بأن مواد التصفيح المستعملة قابلة بشدة للإشتعال. تأجلت جلسات المحكمة في شباط ٢٠٢٠ إذ سعى الشهود من تلك الشركات إلى حصانة قانونية، واليوم، أي بعد أكثر من ثلاث سنوات ونصف على الحريق، يستمر العمل من أجل المساءلة، ليس عبر المحكمة أو وسائل الإعلام فقط، بل في الشارع أيضًا.

إ.ن: أفاد العديد من سكان بيروت الذين كانوا في منازلهم وقت الانفجار بأنهم سمعوا صوت طائرات حربية إسرائيلية، قبل لحظات من الإنفجار الأول، وتم نشر وتداول مقطع فيديو لطائرة حربية تقصف المدينة على وسائل التواصل، قبل أن يتم تفنيده بعد يومين من قبل وكالة أنباء رويترز التي فحصت تفاصيله وأكدت بأن الفيديو يصور “حادثة سابقة”، وأنه لم يصور في يوم الإنفجار. قامت وسائل الإعلام المحلية كذلك، ومنها تلفزيون الجديد، بتزويد المشاهدين بصور مختلفة من كاميرات المراقبة المشرفة على المرفأ، وقد خلت كلها بوضوح من أي طيران حربي، وعلى الرغم من نشر هذه المعلومات على نطاق واسع، ظل العديد من المواطنين يرفضون التخلي عن نظرية أن يكون حادث المرفأ نتيجةً لقصف جوي. ماذا لو -وبدلاً من أن نرفض كل هذا باعتباره منطقًا تآمريًا- افترضنا أن يحمل هذا الطرح إمكانية معينة لزعزعة الآليات المهيمنة على إنتاج الحقيقة؟ بكلمات أخرى، لم يكن الصوت الذي سُمع قبل الانفجار صوت طائرات حربية إسرائيلية، إلا أن السكان سمعوه على هذا النحو نظرًا لتجربتهم الطويلة مع القصف الإسرائيلي، ودوّنوا بالتالي، هذا الحدث ضمن سلسلة متصلة من العنف الذي يبني حقيقتهم الخاصة. عندما نأخذ كل ذلك في عين الاعتبار، كيف يمكن أن تولد ع.ج معنى من الأدلة التي لا يمكن قبولها في أي محكمة قانونية؟ كيف تتعاملون مع أدبيات الشهادات عندما يحدث تضاد واضح بين الشهادات البشرية والأدلة العينية؟

لا نقوم بذلك، لأننا نأخذ الفيديو في بحثنا كدليل وكشهادة، فيصبح توثيقًا لما تشير إليه الكاميرا[5]  كما هو توثيق لما يراه الشخص الذي يصوّره. أفكر الآن في تحقيقاتنا السابقة، وأجد أن هذا هو الحال دائمًا، ففي فلسطين، اعتمدنا على صورة التقطها مزارع من غزة لورقة سبانخ تضررت بسبب مبيدات الأعشاب الإسرائيلية، وفي تشيلي، قام أحد المتظاهرين في ساحة بلازا دي لا دينيداد بتسجيل مقطع فيديو يظهر فيه إطلاق سحابة من الغاز المسيل للدموع على أحد المشاة المسنين، وفي حقول النفط في فاكا مويرتا في الأرجنتين، خاطر أحد العاملين بوظيفته ليصوّر سرًا مقطع فيديو لتسرب نفط مدمر.

أتذكر بأن اثنين من مقاطع الفيديو التي فحصناها في تحقيقنا المتعلق بيروت كانت قد أُخذت من مبنى اهراءات القمح، ويحتمل أن يكون عمال المرفأ قد صوروهما، نظرًا لقرب موقع تصويرهما من عنبر النيترات. في الفيديو الأول، يحرك المصور الكاميرا في مسح أفقي، محاولًا تغطية كامل طول العنبر، وإظهار مصدر النيران في المنطقة الشمال شرقية منه. عند تصوير الفيديو الثاني، كان الوضع قد تدهور، إذ نرى النيران المشتعلة وهي تتصاعد من نوافذ الجناح الغربي للعنبر، كانت يد المصوّر ترتعش، ثم بدأ يتراجع  للخلف، خارجًا من الظل إلى الشمس، ليظهر ظلّه لبرهة في الفيديو على الأرض أمامه، ويظهر خلفه ظل آخر، عرفنا من خلاله أن المصور كان بصحبة شخص آخر عند التصوير. استمر التصوير حتى أصيب المصور بانفجار الألعاب النارية الصاعد من العنبر، وسقط هاتفه على الأرض حاجبًا عدسة الكاميرا التي استمرت بالتصوير لمدة ١٠ ثوانٍ أخرى بعد وقوعها. نعلم الآن من تحقيقنا بأن انفجار نترات الأمونيوم وقع بعد حوالي ٢٥ ثانية من نهاية هذا الفيديو، وأن الجانب الشرقي للإهراءات تحول إثره إلى ركام، فماذا حدث خلال هذه الثواني؟ وهل تأذى مصور الفيديو من انفجار الألعاب النارية؟ وهل تمكن من إيجاد مكان آمن؟ وماذا عن الشخص الثاني الذي كان خلفه؟

قمنا في تحقيقنا، بجمع شهادات من شهود مختلفين ومتغايرين، فمنهم مواطنون صوروا أجزاءًا من الكارثة في ذلك اليوم، ومنهم المفتشون الذين كشفوا على العنبر قبل أشهر من الإنفجار، وخبراء المتفجرات الذين درسوا كيفيات تخزين نيترات الأمونيوم في بلدان أخرى، والعلماء الذين عاينوا الدمار في بيروت عبر الأقمار الصناعية. هيأت الفروقات الزمانية والمكانية بين هؤلاء الشهود لسلسلة من الترجمات والعلاقات، بين داخل العنبر وخارجه مثلًا، وشكل ولون أعمدة الدخان في يوم الكارثة، والمحتوى والتخطيط المكاني للبضائع المخزنة في العنبر قبل شهور من الإنفجار. ليس النموذج الثلاثي الأبعاد الذي أنشأناه سوى خطوة أولى بالطبع، خطوة يمكن للباحثين ولمجموعات المجتمع المدني استخدامها لتكملة التحقيق في القضية، ومع ظهور شهادات جديدة، ستتسع آفاق هذا النموذج واستخداماته.

إ.ن: بالعودة إلى سؤال محو الإنهام ودوافعه، كشفت ع.ج، عبر مجسم عنبر المرفأ الذي خُزنت فيه نترات الأمونيوم، عن تخطيط مكاني يوحي بقنبلة موقوتة تنتظر من يفجرها، وظروف تخزين تنتهك بشكل واضح معايير السلامة المقبولة دوليًا، مما يسلط الضوء على “المستويات المتعددة من إهمال الدولة الذي أدى إلى هذا الانفجار المأساوي”. من ناحية أخرى، حذرت الباحثة لاله خليلي من أن “جذور الكارثة تمتد لما هو أعمق وأوسع، إذ تحوي في طياتها على شبكة من رؤوس الأموال البحرية وأطر تزوير قانوني يهدف لحماية الأموال والأعمال بأي ثمن”.[6] وفّرت النتائج التي توصل إليها تحقيق ع.ج بعضًا من الوضوح حول ملابسات الجريمة ومسرحها، إلا أن سؤالي سيكون حول ما تحاول هذه الإيضاحات أن ترسمه، فهل يمكن -أو ينبغي- أن تشير الأدلة هذه، ودلالاتها إلى أفق سياسي ينطوي على أكثر من مجرد محاكمةٍ للمسؤولين بتهمة الإهمال؟ وخصوصًا في اللحظة التي يستمر فيها اللبنانيون في تمردهم الساعي لتفكيك أسس النظام الطائفي النيوليبرالي في لبنان من أصله؟

س.م: يمكن للعدالة بالطبع، أن تتجاوز القصاص والانتقام[7]، ويمكن أن توجّه نحو أصلاحات تكون جزءًا من “عمل الإصلاح المستمر” [8]، ولا يمكن لهذه الإصلاحات أن تُعطى أو أن تنفذ عبر أحكام أي جهة قضائية، سواء كانت محكمة محلية أو محكمة تعمل على نطاق دولي مثل المحكمة الجنائية الدولية. للمؤسسات الثقافية ووسائل الإعلام والأماكن العامة وحتى الاحتجاجات دور تلعبه، وأعتقد بأن تحقيقنا المضاد حول العنبر، وعمل الدكتورة خليلي في البحر المتوسط ​​والبحر الأسود يفتحان معًا إمكانيات شتى للوعي والإحاطة بعاملين أساسيين، أولهما إهمال السلطات اللبنانية في واجبها في رعاية شعبها، وثانيهما الخداع والتزوير القانوني المصمم لحماية ورعاية الأعمال والمصالح على المستوى الدولي، وهما عاملين مُنشئين في سلسلة العنف المتعددة الأوجه التي نشهدها. إن تحديد هذه الحالات والتعبير عنها وإضفاء الطابع الاجتماعي عليها ضروري لتشكيل وعي مشترك متجذر في الأدلة والوثائق بدلًا من الأيديولوجيا. أعتقد بأن قوة إضفاء طابع اجتماعي على الأدلة تكمن في تمكيننا من طرح الأسئلة، مرارًا وتكرارًا ، معًا، وبكل الوسائل الممكنة.

ترجمة: حسين ناصر الدين


[1]“Report on behalf of the victims of the Beirut Explosion of 4 Aug 2020”، Legal Action World Wide  (١٣ ت٢ ٢٠٢٠)

[2] هانا أرندت، Crises of the Republic: Lying in politics, Civil disobedience, On violence, Thoughts on politics and revolution (نيو يورك: Harcourt Brace Jovanovich ١٩٧٢)، ٤ و ٤٥.

[3]“محكمة رفيق الحريري: حكم الإدانة في اغتيال رئيس الحكومة اللبناني الأسبق”، BBC News (١٨ آب ٢٠٢٠)

[4]https://www.theguardian.com/commentisfree/2020/aug/01/the-twinned-injustices-of-race-and-class-lie-at-the-heart-of-the-grenfell-tragedy

[5]كان التحقيق الصغير الذي قمنا به في لبنان بصريًا، لكننا أظهرنا أهمية الشهادات السمعية في بعض من تحقيقاتنا الأخرى، مثل التحقيق المتعلق بسجن صيدنيا. 

[6]لاله خليلي  “Behind the Beirut explosion lies the lawless world of international shipping”, صحيفة الغارديان (٨ آب ٢٠٢٠

[7]أنجيلا ديفيس  Are Prisons Obsolete? (نيويورك: مطبعة Seven Stories ٢٠٠٣) ص. ١٠٧-٨

[8] إريلا عائشة أزولاي Potential History: Unlearning Imperialism (لندن: versp, ٢٠٢٠) ص. ٥٦٥-٥٦٧

صمت الأخضر

يقال أن للأحداث رنين تخترق ذبذباته الأجساد، فتبقى هائمة فيها ولا تتلاشى أبداً.
يقال أن الرنين اللامتناهي يعيق تشكيل الأفكار والذكريات.
يقال أن الكتابة هي محاولات إدراك تلك الاصداء والقبض عليها وتثبيتها.

-١-

نخاف أن تتسلل منا الكتابة وتختفي: لماذا يحصل ذلك دوماً يا نون؟
وهل نقوم فعلاً بكل ما بوسعنا لنحفظ الكلمات ابداً؟
جلسنا في المطبخ الأصفر ذو الشرفة المطلة على بحر بيروت،
وتحدثنا عن ذلك.
سجلنا ما كنا نقوله في تلك اللحظة، خوف أن ننسى.

 وقفت إيڤلين في المطبخ الأبيض حيث وضعها تيد فيندت، صامتة وكأنها تستمع إلينا.

اردت تلك الجملة الممدودة على الجهة السفلى للصورة اعلاه،
ان تكون عنوانا لهذا النص :هل كتبتِ شيئاً في الآونة الأخيرة؟
هو سؤال وجهه أحدهم وهو جالس خارج الحقل البصري
لإيڤلين الواقفة في ذلك المطبخ الأبيض في مدينة فيلادلفيا الأميركية.
السؤال بالإنكليزية وترجمته على الشاشة بالألمانية،
فلقد التقطتُ هذه الصور في أرشيف الأفلام في برلين،
في صيف سنة ٢٠١٩.
الأرشيف مجاور لمقبرة صغيرة،
في مجمع ثقافي إسمه Silent Green أي الأخضر الصامت.
ذكّرني هذا الاسم بما قاله صديق لنا مرّة عن صمت الأشجار عن مآسينا، لامبالاتهم بنا.
ما رأيك بهذه الترجمة إذن: صمت الأخضر!
هل يمكن أن يكون لنص ما عدّة عناوين، بعدد أصواته؟

سُئلت إيڤلين إذن: هل كتبتِ شيئاً في الآونة الأخيرة؟
فسكتت ولم تقل شيئاً.
وبدى لي هذا السؤال موجهاً اليّ،
وأنا جالسة في الغرفة الصغيرة وراء طاولة الستينبك،
في الأرشيف الذي كان محرق قبل عشرات السنين فقط،
مكان كان قد اختار فيه البعض أن يتحولوا إلى رماد.

دوّنت على دفتري الأزرق:
٢١ تموز. لأننا نموت، والأشياء واللحظات تموت،
الأفلام هنا قد ماتت منذ زمن،
أو أنها دفنت حيّة، في علب محفوظة في ذلك المحرق،
والمقبرة المقابلة تسهر عليها.

في مشهد آخر، خرجت إيڤلين برفقة كال إلى المكتبة المجاورة،
وبينما كان هو يتباهى بقراءاته وكتاباته، ينطق بجمل طويلة ومعقدة،
كانت هي تسكن صمتها وتجول فيه وكأنه خلاصها الوحيد.
بعد وقت، أخرج كال إيڤلين عن صمتها الصاخب وسألها:
هل تحتفظين بدفتر مدوّنات؟

في اللحظة التي التقطتُ فيها صمت إيڤلين،
شعرتُ بإمتنان شديد للسينما. هل تفهمين قصدي يا نون؟
ألا تتفاجئين حينما تجدين لنفسك مرآة في شخصٍ آخر،
وهو في عالم مواز لك،
لا يعرف حتى أنكِ التقيتِ به؟

هل تذكرين يا نون أنك أنت أول من رأى إيڤلين؟
  .كان ذلك آخر مرة كنا فيها سوية صيف ٢٠١٩ في مرسيليا
هل كنتِ تعلمين أن إيڤلين هو اسم أول صديقة لي في الطفولة؟
هل رأيتِ يومها في وجه إيڤلين صدى طفولتها وطفولتي معاً؟
هل لهذا السبب ناشدتني أن أشاهد “الفترة الكلاسيكية”
بعد أن كنتِ شاهدته أنتِ في اليوم السابق؟

في ذلك الصباح بعد أن إلتقيتُ بها – يا للذة السينما عند الصباح! –
لم أكتب سوى جملة واحدة على دفتري الأزرق،
جملة كتبتها في العتمة وظهرت في وضح النهار وعرة غير مستقيمة،
مثل خط ولد صغير لا يتقن الكتابة بعد:
13 juillet. Evelyn m’est comme un miroir.

بـعدها، عدتِ أنتِ الى بيروت.
أما أنا، فسافرتُ من مرسيليا إلى برلين حيث حصل أمرٌ لم يكن في الحسبان:
فقد وجدتُ هناك في الأرشيف إيڤلين مرة أخرى!
وعلمت أن تيد فيندت هو مشغّل الأفلام في سينما الأرسنال التابع للأرشيف.
وحين التقيته، كنت لا أريد شيئاً أكثر من أن أسأله عن إيڤلين،
تلك الصديقة الوهمية التي لم تفارقني لحظة.
قال لي تيد أن إيڤلين تسكن في نيويورك،
وهي أيضاً تعمل كمشغّلة أفلام هناك.
رحت أحدث تيد عن كل الأشياء التي أحبها.
تماماّ مثل الأطفال الذين لا يعرفون قوانين الكبار في الكلام والبوح،
صرت أقول له كل هذه الأشياء، لعله ينقل شيئاً منها إلى إيڤلين.
وأخيراً، وقبل أن نفترق، قال لي:
إن إيڤلين مستوحاة من مدوناتي أنا.

كان تيد قد وضع كلماته في فم إيڤلين وصمته على وجهها!
فما الذي سحرني إذاً، هل هو وجه إيڤلين أو هي كلمات تيد؟
انتابني في تلك الليلة وانا أعود الى شقتي الصغيرة المؤقتة،
في ذلك الزمن المعلق حيث كنت أعيش خارج حدود مدينتي،
شعور غريب.
وكأنني وللحظة،
كنت في المكان المناسب في الوقت المناسب.
أسبق أن شعرت انتِ أيضاً بذلك، بهذه الشدة؟

-٢-

في ٤ آب ٢٠١٩،
كنت مستلقية في تلك المقبرة المجاورة للأرشيف،
وكتبتُ على دفتري الأبيض:
٤ آب، مستلقية على الأرض في مقبرة أورنينفريدهوف غيريشتراسي،
منذ أكثر من ساعة، بين الأموات ولكن على قيد الحياة.

أما أنت يا نون، فقُلتِ لي في ٧ كانون الأول ٢٠١٩:
حالة تحول المدينة يا كاف سوف توصف بكل تفاصيلها،
سوف توصف على أنها من زمن الـ مابعد؛ ما بعد الانفجار.
فيلمنا هذا عليه أن يرصد تعدديّة الوقت.
علينا توثيق كل ذلك يا كاف، علينا البحث عن أدوات تمكننا من توثيقه.

خوف من أن أنسى كلماتك، نسختها من دفتر لا أذكر لونه الآن على دفترنا الأخضر،
دفتر فيلمنا الجديد، الذي سوف يروي قصة حديقة سرية انفجرت داخل المدينة،
انفجاراً بعثر نباتاتها في شتى أنحاء المدينة،
مدينة باتت لا تشبه ذاتها.

كيف لنا أحياناً يا نون أن نكون بهذه القدرة على التنبؤ وهذه البراءة معاً؟
ربما يمكن أن يكون للتنبؤات هذه تفسير آخر،
مثلما اقترح أحدهم حين كتب في ١٤ آب ٢٠٢٠،
واصفاً انفجار مرفأ بيروت الذي فجّر معه المدينة:
صداه المُتناسل نحو الماضي والمستقبل معاً وفي آنٍ،
هو حياتنا جميعنا،
حياتنا التي عشناها ونعيشها وسوف نعيشها،
نحن وكثر لم يولدوا بعد.

أما أنا وأنت يا نون، ففعلنا بعد الانفجار ما نفعله دوماً:
جعلنا نوثق كل شيء، ناجيتان وصامتتان،
أنا على دفتري الأحمر أدون،
وأنت تجوبين كل أنحاء المدينة وتصورين ما تبقى منها.
لأننا نحن الإثنتين، وأكتر من أي شيء آخر،
نخاف النسيان.

أما أنا، فكل آونة وأخرى أرصد خللاً ما في ذاكرتي الماضية والحاضرة.
كلمات تُمحى، يختفي أثرها فأجد نفسي أبحث عنها دون جدوى.
قالت لي أحداهن أن ما يحصل من ثقوب في الذات بعد تفجّر كهذا هو أمرٌ طبيعي،
ففعل صدى الصوت العملاق لا يزل يسرح في البدن،
une sorte de réverbération infinie حسب وصفها،
لا يكف عن الارتعاش وبذلك الفعل يعيق تكوين الأفكار،
أو يمحو الذكريات،
في حركة ذهاب واياب متواصلة،
لا يمكن إيقافها إلا من خلال حركات موازية،
ليست معاكسة وإنما مداعبة، مثل الهواء على الأغصان،
حركة لا تمل ولا تتعب، وكأنها تدرك تماماً عناد هذا الصدى بالذات؛
صدى الكارثة حين تقع.

وقالت أحداهن أن لكلّ واحدة منا قدرتها الخاصة على التذكّر،
وأن هذا لا يجب أن يعيقها ابداً،
لأن كل واحدة منا تذكّر الأخرى بالأشياء التي قد تسقط عنها سهواً.
فصمتي يا نون قد يدعوك الى الكلام، وكلامك قد يولد صمتي،
أو صمتنا نحن الاثنتان قد يفسح المجال لكلمات الآخرين أن تتسرب بيننا،
ما قالته ايڤلين لكال مثلاً حين خرجت عن صمتها وعجزها عن الكتابة أخيراً:

ما يجب فعله الآن هو أن أجد موضوعاً.
شيئاً محدداً أركز عليه وأتابع العمل حوله.
إنني الآن مبعثرة في كل مكان.
الليلة الفائتة لم أستطع النوم أبداً…

-٣-

في يوم من أيام صيف ٢٠١٩،
دخلنا أنا وهيلغا حديقة النباتات في دالم،
ومشينا جنباً الى جنب في الممرات بين الأشجار والزهور.
يومها بدى لي أن هيلغا هي عالمة النبات التي وصفناها في دفترنا الأخضر،
دفتر الفيلم الجديد، الذي سوف يروي قصة نهلة وكاميليا،
اللتان تجولان المدينة بحثاً عن وشق ضاع إثر انفجار الحديقة،
ذلك الحيوان الذي وصفته عالمة النبات في مدوناتها قبل أن تختفي.
كنّا أنا وهيلغا في ذلك اليوم في غاية السعادة،
فأخبرتها أن هناك نوع من شجر الحور يسمى في الفرنسية le tremble
أو المرتجف – اسم يحوي فعله، كم هو جميل هذا الاسم! –

ثم أخبرتني هيلغا عن ذلك الفهد الذي انتظرته أياماً وأيام،
إلى أن جاء يوم ووقع ظلّ السجن على جسده الأصفر والأسود،
وأصبح منذ هذه اللحظة بالذات،
مرآة ذاته المسجونة في ذلك القفص وسط حديقة الحيوانات في برلين،
وصورت هيلغا الفهد بصمت.
حين رأيت ذلك الحيوان الجامح الصامت على حيط
غرفة السينما الخاصة بهيلغا في دنكلمانشتراسي ٥١ في شارلوتنبرغ،
لم أكن أسمع سوى تكتكات آلة عرض ال١٦مم
وصوت الشتاء على الزجاج الخارجي.
وفي هذه اللحظة بالذات، وفي صمتنا المشترك،
شعرت أنني في المكان المناسب، في الوقت المناسب.

في آخر النزهة في حديقة دالم، وبينما كانت الشمس قد خفّ بريقها،
تكلمنا أنا وهيلغا عن آخر مشهد من فيلم “الكلمة” لكارل ثيودور دراير، مشهد الأعجوبة.
أنا كذلك أبكي مثل طفلة صغيرة عندما تعود الأم إلى الحياة، قالت هيلغا.
غداً يعرضون فيلم “غيرترود” في سينما الأرسنال، هلّا تذهبين معي إلى السينما في المساء؟

ذهبت معها يا نون، دون أن أعلم أنه سيكون آخر فيلم أشاهده على الشاشة الكبيرة.
جلسنا أنا وهيلغا في الظلام جنباً الى جنب.
لم أجلس بجانب شخص قبل ذلك بهذه الطريقة في صالة سينما،
فصمت هيلغا لا يشبه أي صمت جاورته من قبل،
وكأنها تشاهد طقساً من الطقوس المقدسة.
جلستُ إلى جانب صمت هيلغا التام، غريبة اللغتين،
فالوجوه الخلابة من الأبيض والأسود وكل درجات الرمادي تتكلم الدانمركية،
وعلى أسفل الشاشة الترجمة الألمانية.

بعدما عدت الى بيروت في شهر تشرين الاول ٢٠١٩،
كتبت رسالة طويلة الى هيلغا، رسالة باللغة الفرنسية فيها زمنين:
زمن تلك النزهة الساحرة في حديقة دالم،
وزمني أنا وأنت في الشارع في بيروت.
وضعت في الرسالة إشارة سرية،
عبارة خفية (لمجرد أنها بالعربية) تصفني في الزمنين معاً:
حين رأيت ولأول مرة الفهد الجليل على حائط هيلغا،
وحين أخذنا أنا وأنت يا نون،
وبدافع فردي وجامع معاً، نهتف ونكتب ثورتنا على حيطان بيروت؛
فكتبت بالعربية إلى جانب كلمة tremble: يرتعش مثل ورق الحور الرجراج.

وها هو الآن يا نون يتسلل إليّ عنوان آخر لنصنا هذا،
دونته كي لا أنساه على دفترنا الأخضر بلون العشب:
صدى يرتعش مثل ورق الحور الرجراج.
عنوان، هو وصف وتوصيف لحالتنا الجديدة الآن، لذلك الرنين الهائم في أجسادنا بلا نهاية.

-٤-

سلكنا لأول مرة الطريق نحو المرفأ المنكوب ليلاً، وتوقفنا في زاوية مظلمة وكتبنا (فمن الصعب الكتابة أثناء المشي):
* تبدو المدينة في هذه اللحظة بالذات خالية تماماً من الشجر
** إنها مصنوعة فقط من بحر وباطون
*** أحدهم كتب: البحر أخذ حصته المعتادة من كل مصائبنا، أي ٥٠% من عصف الإنفجار
**** جدار الصوت الذي سبق الانفجار (ذلك الذي أنذرنا فاختبأنا ونجينا) سيظل يسرح ويمرح في أجسادنا 
***** ما من شيء أعنف من الصمت
****** إن المدينة قد أُفرغت من روحها ولكنها لا تهددننا في فراغها، بل تنظر إلينا محنية الرأس خاشعة 
******* كيف نترك الشيء بحاله ونرحل عنه، وهو حزين لا عزاء له؟
******** إن الرحيل لا بداية له ولا نهاية، حركة خفية وظاهرة في آن معاً، شأنه شأن الصدى
********* إن وسط البلد يحوي أرشيفنا، فأصداء ما عشناه مدوّنة على الحيطان
*********** لو كانت صالتا ميتروبوليس ودواوين ما زالتا قائمتين، لكانت القنبلة فجّرتهما
************ إن مدينة من دون صالات عرض هي مدينة من دون “عتمة متشارَكة”، مدينة وحيدة منقطعة عن باقي العوالم
************* كتب محمد سويد عن أول فيلم شاهده في صالة الأمبير في الجميزة:  ففيها شاهدت أول فيلم في حياتي، وبضوئها اغتسلت عتمتي، وفيها كانت قُبلتي الأولى ولم أدرِ أنها كانت قُبلة وداع فقط.
ثم توقفنا عن الكتابة وقلتِ لي: هل تصدقين أننا نعيشُ اليوم في مدينةٍ بلا دور سينما؟

-١-

-٢-

-٣-

-٤-

-٥-


أفلام:
“الفهد”، ٢٠١٢، للمخرجة هليغا فاندرل 
“الفترة الكلاسكية”، ٢٠١٨، للمخرج تيد فيندت

نصوص:
طارق ابي سمرا، “ستستمرّ القنبلة تنفجر” نشر في موقع ميغافون، ١٤ اب، ٢٠٢٠
https://megaphone.news/ستستمر-القنبلة-تنفجر/
محمد سويد. “قبلتي الاولى”، معهد الدراسات الفلسطينية، عدد ١٢٤ (خريف ٢٠٢٠): ١٦١-١٦٧
https://www.palestine-studies.org/sites/default/files/mdf-articles/161.pdf

صور:
لقطات من “الفترة الكلاسكية” ل تيد فيندت- بالاذن من المخرج
كل الصور المتبقية: بالاذن من المؤلفين

عشاء ثنائي لفرد واحد – سارة ساروفيم

الرقم والسعر والمعرفة

مالية - حاتم امام

            ذكّرنا أحمد فارس الشدياق قبل قرن ونصف من الزمن بأنّ الكلمات العربية تشكلت استنادًا إلى مفهوم الاشتقاق والقلب والإبدال، إذ تعود الكلمات بأصلها إلى كلمات أخرى، وتنبثق بأجمعها من جذرٍ مشتركٍ تتصل معه باتصالٍ مفاهميّ. وعليه يكون التفكير في الكلمات بهذه الطريقة شبيهًا برسم خريطة غير محدودة لشبكة العلاقات التي تربط الكلمات ببعضها البعض. وفي ذلك نوعٌ من جنون الارتياب في فكرة أنْ اللغة تُحدثنا أكثر مما نتحدّثها نحن. ولشرح الفكرة سنطرح فيما يلي مثالًا نسعى من خلاله إلى رسم صلة بين أصل كلمة “رقم” والنظام المالي. فلنستعرض ونفند سويًا طريقة تفكير الشدياق فيما يخص كلمة الرقم.

{أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَـٰبَ ٱلْكَهْفِ وَٱلرَّقِيمِ كَانُوا۟ مِنْ ءَايَـٰتِنَا عَجَبًا} ١٨:٩

ترد في هذه الآية من سورة الكهف في القرآن الكريم صيغة من إثنين لجذر كلمة “رقم” وهي “الرقيم.” وقد تُرجمت كلمة “الرقيم” في أغلب المصادر بكلمة تدلّ على نقش أو لوحة، ما يكشف عن معنًى منسي لم يعد يُتداول منذ زمن بعيد لكلمة “رقم” بمعناها الحالي.

            لم ترتبط معاني كلمة “رقم” دائمًا ولا في الأصل بالترقيم والمحاسبة، ولكنها اندرجت ضمن هذا السياق مع انتشار الكتابة والاكتتاب. ويؤرخ قاموس الدوحة التاريخي للّغة العربية أنّ أقدم سجل معروف لجذر الكلمة يعود إلى عام 75 قبل الهجرة (549 م) ومعناه “الوَشيُ الَّذي يُزيَّن بِهِ الثَّوْبُ وَنحْوُه.”. كما ترمز هذه العملية من الزخرفة، أي الترقيم، إلى تنقيط الحروف في مخطوطة ما لجعلها أكثر وضوحًا.[1]  ثمّ ارتبطت من بعدها الكلمة ارتباطها المعاصر بالترقيم العددي وصولًا إلى استخدامها في نهاية المطاف لتسجيل الأسعار على السلع، كما نقرأ:

وكّذَلِكَ إذا أخذه المُشْتري بِرَقمِهِ، ولوْ لم يعلم ما هو ثمّ علِمَ ما رَقْمُهُ، فَهوَ بالخِيارِ: إن شاءَ أخَذَهُ وإن شاءَ تركَهُ.[2]   

نستنتج من هذا المقاربة في المعنى كيف يؤدي تغيير طفيف إلى اختلاف كبير وكيف تنشأ اختلافات طفيفة من قاسم مشترك، ليتضح لنا أنّ الرقم يرتبط بطبيعته بنظام المعرفة، أيّ العِلم.

أطلال مالية

            صار من الشائع ومن غير المبالغ به الحديث عن لبنان بلغة الأطلال، بل أكثر من ذلك، فإن قراءة التناقضات المتأصلة في النسيج الاجتماعي للبلاد قد أصبحت أمرًا لا يُحتمل.

            أن تكون لبنانيًا اليوم هو أن تكون مشكلة يجب أن يوجد لها حل: أن تكون لبنانيًا يعني أن تعيش حياةً لا طعم لها ولا معنى، تتخللها ومضات من السعادة الباهتة في وطئتها لتجعلها قابلةً للعيش – وكأن جراح الحياة المنكوبة من ثقل الرزوح تحت النظام الرأسمالي هي جراح لبنانية الهويّة، بل أسوأ من ذلك، وكأن تعدد الهويات والانتماءات والتوجهات وتنوعها هو أمرٌ يخصنا وحدنا، ويتحتم علينا التعايش معه كما لو كان مصيرنا وحدنا أن نعاني منه.

            بتنا أمة غير متبلورة تجتمع فيها التناقضات، فصرنا نتحدى ونطالب العمومية في آنٍ معًا، وبطريقة متوقعة، واعتبرنا الأمر نعمةً ونقمةً على حدّ سواء، دون أدنى مقاومة للرغبة في إعادة إنتاج هذه الكليشيهات الثقافية.

            قمنا في سعينا لمعرفة أنفسنا بإعادة تشكيل نسخٍ متعددةٍ لأنفسنا ومن بعضنا البعض لنزيد من الارتباك الذي كان يتوجب علينا حله، ذاك الحل الذي ظل متعذّرًا، بعد خمسة عشر عامًا من الحرب الأهلية. هذا، أكثر من أي شيء آخر، هو الوهم الذي يسمى لبنان.

            لعلّ لا شيء يجمعنا سويًا، سواءً اعترفنا بذلك أم لا، أكثر من ربط الدولار بالليرة. فقد سمح لنا هذا الربط الثابت منذ العام ١٩٩٧ أن نتناقش في السياسة، مهما كانت هذه المناقشات زائفة ومتقلبة، كما أتاح لنا أن يكون لدينا ما يشبه الاقتصاد، رغم أنّ هذا النظام الاقتصادي كان يتسم بعدم التكافؤ والعقاب بشكل متزايد إلّا أنّه مكننا من فهم المجال السياسي والاقتصادي خلال فترة من وفرة الإنتاج الثقافي المتنامي، بغض النظر عن صيرورة هذه المساحات وتحولها لمساحاتٍ متخصصةٍ.

            تحوّل هذا الربط إلى إقرار وتسليم. صار الارتباط بالدولار بمثابة هوية رسمية ومجردة يمكن للجميع الحصول عليها ومشاركتها، وهذا ما جعلنا نشعر بالارتباط بالنظام المالي العالمي والتزامنا به. غير أنّ هوية السعر والأرقام هذه كانت هوية وهمية تمامًا مثل محاولاتنا “لمعرفة أنفسنا”.

            كانت هويتنا المالية وسيادتنا مجرد وهم مثل خيال ديمقراطيتنا الطائفية. وقد شعرنا، مع ذلك، بالارتياح لكون آثار هذه الأوهام حقيقية للغاية: دينٌ عام لا يمكن تذليله وتتحكم به المصارف ويضع الناس في لبنان، من مواطنين وغير مواطنين على حدٍّ سواء، في حالة من الخطر والتداعي وفقدان الأمن الوظيفي. ويكمن ما هو أسوأ من ذلك، في أنّنا محكومون من قبل أولئك الذين تكمن قوتهم في لامبالاتهم الصلبة. لقد أثبت الاقتصاد اللبناني أنّه اقتصاد على حساب الشعب، وليس اقتصادًا للشعب.

            أصبح نسيجنا الاجتماعي الآن، في خضم تداعيات الانهيار المالي، في خطر محدق، وفيما فهرَسَتْ أطلال الحرب الأهلية الماضي المنطوي والمكبوت، ها هي الأطلال المالية الآن، تُفهرِسُ في تضاد متمايز، العقود الآجلة.

بنّد الراحل راندي مارتن خمس عواقب للانهيار في أعقاب الأزمة المالية العالمية الحاصلة عام ٢٠٠٨ وهي:

  • تعطيل التواصل بين المعرفة والتسعير.
  • انهيار النماذج التنبؤيّة.
  • انعدام الثقة في حكم الخبراء.
  • عدم تقييد الاقتصاد كمجال بالمعرفة.
  • تحوّل في العلاقة بين المعرفة واللامعرفة.

نرزح الآن ولفترة من الزمن في وسط المجهول. تخطيّنا الاقتصاد كطريقة عامة لمعرفة المجتمع وحكمه وبلغنا نظام مالي يعتمد على مخاطرة المجتمع من أجل الربح.

كشفت أزمات العام ونصف العام المنصرمين في لبنان رحلتنا من اقتصاد قائم على المعرفة بالربط الثابت، والأسعار الثابتة، والأرقام الثابتة، إلى اقتصاد قائم على عدم المعرفة[3] وعلى إعادة كتابة الأرقام باستمرار التي من خلالها كنّا نعرف أنفسنا.

الرقم والسعر واللامعرفة

يُستمد فهمنا الحديث لكلمة اقتصاد (economy) من كلمة oeconomia اليونانية التي تعني إدارة الموارد والأشخاص وحكمهم، حيث يُستلهم هذا الحكم من القوانين الطبيعية التي من خلالها يحكم الله العالم. تأتي كلمة اقتصاد في اللغة العربية أيضًا، للدلالة على عملية إدارة شؤون الأسرة بكفاءة وبشكل معتدل، وعلى نطاق أوسع ” إدارة شؤون الأمة.”[4]

            يظهر الاقتصاد في عصرنا الحديث كإسم لنظام السوق الذي يستند على المعرفة من أجل تحديد وترقيم الأسعار. ليست إدارة الاقتصاد المعاصر إذًا، سوى علم دقيق يمكن التنبؤ به من خلال الأرقام.

            تجسّد قصة فرح أنطون الرمزية “المدن الثلاث: الدين والعلم والمال” (نشرت عام ١٩٠٣) المواجهة بين هذا الثالوث العظيم للمجتمع. تتناول القصة مسألة الحكم الاقتصادي الصحيح من خلال سلسلة من المناقشات التي تدور بين رجال العلم ورجال الدين وأصحاب رأس المال والعمال.

            يستند النص إلى افتراضين. الأول هو افتراض العناية الإلهية بأن ” الله موجود، وكل شيء في الطبيعة يدل على وجود الله ويشير إليه.”[5] ويشير الثاني، وهو اعتبار زمني، وبالتالي علماني، أن الزمن يتغير، ومعه تتغيّر أحكام التشكيلات الاجتماعية: “الوفاق في بلادنا بين عناصرنا لا يمكن إلا بمراعاة الوسط الجديد الذي صرنا فيه؛ لأن الوسط الماضي قد تغيَّر عمليًا ودينيًا واجتماعيٍّا وسياسيٍّا، وهذا الوسط لا بدّ أن تجتمع فيه جميع المذاهب والآراء والمبادئ والأفكار”.

            يقدم لنا أنطون في القصة، الوصفة الوردية أو السحرية للمضي قدمًا، لكن الأمور تنتهي بمشهد كارثيّ حيث تتآمر السماء والأرض على المدن الثلاث، مما يؤدي إلى تدميرها والفتك بسكانها.  في النهاية   تقوم النساء بإنقاذ أبطال الرواية الذكور ليتزوجوا بعضهم بطبيعة الأمر، وهنا، تتكرر الحلقات الدينية من الدمار الإبداعي على مثال سدوم وعمورة، ولكن بدون سفاح القربى.

            يحلّ فرح أنطون مشكلة النسيج الاجتماعي المنحل بحدثٍ مدمرٍ يغيّر السياق الأساسي جذريا ويسمح لأبطاله بكتابة مستقبل مختلف، في حين أننا قد لا نكون محظوظين بهذا القدر لإحداث مثل هذا التدمير الإبداعي، بيد أنّنا لم نكن حتى الآن، مرارًا وتكرارًا، إلّا في الطرف المتلقي للعنف كأداة بوجه التغيير وإصلاح الوضع الراهن – يمكننا أن نتعلم من رحلة أنطون العنيفة الخيالية، ونستخلص من رمزيتها ما يسميه إيلي عياش بـ “كتابة السوق.”[6]

            ما يميّز السوق المالي بالنسبة لعياش، هو كتابة السعر، وهو ما قد نترجمه إلى العربية من خلال نبش وإعادة تأهيل الكلمة القديمة للتسعير المذكورة سابقا: “الترقيم.” كما يقول عيّاش: يظهر السوق كالحالة الوحيدة (كحالة المتفرّد أو المعجزة) الذي يتّخذ التاريخ واحداثه شكل الأرقام.[7]

            يميّز عياش بين المحتمل والعرضيّ: فالأول يعتمد على مجموعة من المعرفة المفهرسة بالفعل، والموجودة في سياق واحد، في حين أن الأخير، هو حدثٌ مثل المعجزات الإلهية وحدث قصة فرح أنطون المروّع، إنّه حالة “تغيير السياق”[8].

            يتبع سهيل مالك خطى عياش في رؤية التمويل كوسيط للعرضيّ بامتياز، وتتمثل مساهمة مالك في قراءة المنطق الزمني في مفهوم “الاختلاف” عند جاك دريدا وإسقاط هذا المفهوم على سوق المشتقات. بهذا يعيد مالك كتابة دريدا بنفس الطريقة التي يعيد فيها عياش كتابة نسيم طالب، وبنفس الطريقة التي يعيد بيار مينار كتابة دون كيشوت. أودّ هنا أن اقترح أيضًا إعادة كتابة خاصة بي، عن فكرة “الترقيم”، على أمل أن يكون ذلك ممكنًا، وأن تعمل هذه الكلمة مثل “كلمة دودية” في نصوص مالك وعيّاش ودريدا. بناء على ذلك نكتب: “في إعادة تشكيل نفسها، وفي انقسامها الديناميكيّ، يمكننا أن نسمّي الفترة الزمنية (التي تشكل العقد الاشتقاقي) بالترقيم [مالك يكتب “التسعير” ودريدا يكتب “التباعد”]. وبهذه العملية يصبح الزمن مسعّرًا والسعر يصبح زمنيًا.”[9]

            فالترقيم ما هو إلا كتابة للمستقبل تنتج واقعًا جديدًا في الوقت الحاضر، وهذا هو منطق الاشتقاق.

الاشتقاق والطلل المالي

            يجب التنبّه إلى ماهية الاشتقاق، وعدم الخلط بينه وبين التكرار الضيق له في عبارة “سوق المشتق.” فالاشتقاق يسمي ويصف المنطق الاجتماعي السائد للعالم المالي. تشير المشتقات إلى “انتقال قيمة ما من مصدر إلى شيء آخر، أو قد تكون إحدى سمات تعبير أصلي التي يمكن دمجها مع تعابير مشابهة، أو عامل متغيّر يمكن أن يتحرك في انسجام أو في تنافر مع عوامل أخرى”[10]. ومع ذلك، فإن سمة المشتق الأساسية تكمن في الانعدام الشديد لليقين، إذ لا تتأكد الوجهة ولا حقيقة الحركة.

            عندما يتسلل منطق المشتقات في الاقتصاد، تظهر ثلاثة آثار صارت الآن مألوفة لكل شخص في لبنان: نبدأ أولًا بالتشرذم المترابط، فنحن منتشرون بقوة في جيوب طائفية ومجتمعات تعيش باستمرار في علاقة عبثية مع داخل حدود الوطن، وهذا الأخير لا يوجد إلا في خيالنا القومي. ثانيًا نجد التقلبات، إذ نصارع كل يوم لننجو من التقلبات اليومية لكلّ من أسعار الصرف والمزاجات والآراء والمخاطر المالية. وثالثًا وأخيرًا نواجه المراجحة حيث تؤدي التغييرات الصغيرة إلى اختلافات كبيرة، على غرار كيفية تكاثر المعاني من خلال اشتقاق الكلمات باللغة العربية، أو كيف يمكن للزيادات الضريبية الصغيرة أن تؤدي إلى ثورة.

            يحيط بنا منطق الاشتقاق، لذا، من الأفضل أن نبحث عنه ونحتويه في سياساتنا وحركاتنا.

            من الصعب ترجمة العبارة الاسبانية “derivar a otro lugar” إلى العربية، حيث تعني في آن الانحراف والإنشقاق إلى مكان آخر، والتواصل مع شخصٍ آخر أثناء هذا العمل الانحرافي الانشقاقي. هذه العبارة هي استعارة تأسيسية لـمجموعة “Precarias a la Deriva”، وهي مجموعة بحثية راديكالية مقرها مدريد، تستوحي ممارستها الاشتقاقية من مقال جي ديبورد المعنون “نظرية الانحراف.”[11]

            يعرّف ديبورد الاشتقاق (dérive) بأنه “أسلوب المرور السريع عبر أجواء متنوعة تتضمن وعيًا نفسيًا وجغرافيًا.” ويقول ديبورد “خلال الاشتقاق يتخلّى الفرد أو الأفراد عن علاقاتهم وعملهم وأنشطتهم الترفيهية وجميع دوافعهم المعتادة الأخرى للحركة والعمل.” عبر هذه العملية يصبحون مُقادين عبر اللقاءات أكثر مما هم مقادون إليها.

            تطبق مجموعة Precarias a la Deriva المنطق الاجتماعي للاشتقاق في ممارسة رعائية يقظة، تحت مبدأ مفاده: “إذا قسّم رأسُ المال النظامَ الاجتماعي بغية استخراج القيمة، يتوجب علينا أن نتحد معًا لرفعه ونقله نحو أماكن أخرى.”[12]

            ينتشر التشرذم الناتج عن المشتقات في جميع أنحاء المجال الاجتماعي، بحيث “لا تكون الهشاشة سمة من سمات أفقر العمال فقط.[13]” فكل شخص معرض للخطر في هذا العالم المالي يصبح مديون وقائم على أسس هشّة.

            تولي سياسة الرعاية الانتباه إلى المنطق الاجتماعي للاشتقاق وتجعله مصدرًا للتحرك الجماعي، بدلًا من السعي نحو سياسات كليّة واستهلاكية وعمومية. ومن خلال هذا التحرّك الجماعي المشتق، نرفض كلّ ما يُطلب حول ضرورة وجود أهداف واضحة وقادة بارزين، ونبغض نقاء اليسارية الطفولية، ونستقبح التمييز بين الأصدقاء والأعداء، ونستبعد التسلسل الهرمي بين المحترفين والهواة، ونعارض الشعارات القومية الإثنية. نشهد مثال لهذه الحركة في الفرحة التي تعترينا عند رقص الدبكة.

            تتحرك رقصة الدبكة في خطواتها التصميمية بشكل جانبي، وتسمح بنشوء علاقات اجتماعية لا توجد عادةً في الأماكن عامّة[14]، في المطاعم والمقاهي وحفلات الزفاف والساحات العامة، تدعو الدبكة الغرباء أن يشبكوا أيدي بعضهم البعض وأن يتحركوا بشكل جانبي في نفس الاتجاه حول مركز متحرك، وهي تنطوي على ثلاث حركات أساسية بسيطة تزيد أو تخف شدتها وفقًا لإيقاع الموسيقى. إن بساطة الدبكة تجعل تعلمها وحفظ خطواتها سهلًا، وتتيح للناس ارتجال التعقيد في نمطها الأساسي. يصف أنطون شماس في روايته “أرابيسك” الدبكة عندما يؤديها القرويون الفلسطينيون ونرى بها مثال لمنطق الاشتقاق.

وهكذا وقفوا، جنود جيش اليهود من جهة وسكان فسوطة من جهة أخرى، وعلا من مكان ما صوت مجوز، واصتفّ الرجال الذين عادوا من الحقول في نصف دائرة، وأقدامهم تخبط الأرض بحركة تلقائية بانسجام مع إيقاع اللحن. لقد اقتحموا “الدبكة الشمالية”. دبكة الجليل الجامحة، التي تنطوي على شيء من فرحة أولئك الذين نجوا من مرسومٍ قاتل، وشيء من متعة الخضوع من قبل الضعفاء، وشيء من التملق أمام الغريب، وشيء من براعة القروي الذي يتسلّح بالأسلحة غير المتوقعة في اللحظات غير المتوقعة. كما كانت تتضمن النزوة والرعونة، بطريقة أو بأخرى. وفي الوقت الذي هدأت فيه الأقدام المتعبة من الرقص وتلاشت نزوات المهزومين، كان الغبار قد غطّى وجوه جميع الحاضرين في الحفل بطبقة بيضاء رقيقة، وكما هو الحال دائمًا، لم يميز هذا الغبار بين جندي محتل وقروي قد احتُلّ. وبعد ذلك بدأ الجزء الرسمي من الحفل، وأُمر المحتفلون بلطف أن يسلموا الجيش أي أسلحة في حوزتهم، بما في ذلك الأسلحة المخفية في أكوام التبن وتلك المخبأة في الحقول.”[15]

            تشمل الدبكة هنا صيغ متعددة من الوجود والمعرفة، من الناجين والضعفاء والغرباء والمستسلمين والقروي “الذي يبرز الأسلحة غير المتوقعة في اللحظات غير المتوقعة.” يفرض هذا السلاح غير المتوقع في أكثر اللحظات غير المتوقعة تمزقًا في الانقسام الاجتماعي القائم، ويعيد ترتيب العلاقة بين ” جندي محتل وقروي قد احتُلّ ” بطريقة لا تمكننا التمييز بينهم. لقد تمكنت فرقة الرقص من تغيير الواقع أمام فرقة من الجيش، وتُفتحت آفاق الإحتمالات الجديدة المتعددة من أنقاض الحاضر.

            فلعلّه قد حان الآن وقت الرقص لنتمكن من كتابة وترقيم مستقبلنا.

ترجمة: حسين ناصر الدين


[1] .كتاب مَرْقُوم أي قد بُيِّنتْ حروفه بعلاماتها من التنقيط

[2] .محمّد بن الحسن الشّيبانيّ، تح: محمد بوينوكالن، وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، قطر، ٢٠١٢ م. ٤٦٢/٢. من موقع: https://www.dohadictionary.org/dictionary

[3] راندي مارتن ، Knowledge LTD: Toward a Social Logic of the Derivative  (فيلادلفيا ، مطبعة جامعة تمبل ، ٢٠١٥) ، ٢٣

[4] لفهم “علم أنساب أكمل للاستخدام اللاهوتي والأرسطي” لـ oikonomia ، ننصح بقراءة كتاب “جورجيو أغامبين The Kingdom and the” Glory: For a Theological Genealogy of Economy and Government ، وخاصة الملحق ، الذي يتتبع فيه أغامبين “الروابط الجوفية التي تربط الاقتصاديات الحديثة بنموذج oikonomia اللاهوتي والحكومة الإلهية للعالم “(278) ويوضح كيف يتم تشكيل الانضباط الحديث لـ” الاقتصاد السياسي ، بمعنى آخر ، كعقلنة اجتماعية لـ Providence oikonomia “(282

[5] . فرح أنطون، كاتب روائي، ” أدونيس العكره”، (بيروت: دار الطليعة للطباعة  والنشر ، ١٩٧٩)

[6] . إيلي عياش، “كتابة السوق” ،المجلد الثامن- روبن ماكاي (Falmouth: Urbanomic, ، ٢٠١٤) ، ٥١٧-٦٠٢.

[7] المرجع نفسه، ٥٣٠. هل يمكن للسوق أن يحل محل المجتمع؟ عندما يتم تمويل الحياة اليومية، وتنتصر حرب الليبرالية الجديدة ضد العمل ، يتراجع المجتمع ويصبح كل جانب من جوانب المجتمع سوقًا قائمًا بذاته.

[8]  راجع مجلد إيلي عياش، The Blank Swan: The End of Probability (John Wiley & Sons, ٢٠١٠), ٥-١٠.

[9] سهيل مالك،“The Ontology of Finance” المجلد8 -روبن ماكاي (Falmouth: Urbanomic ، ٢٠١٤) ، ٦٩١.

[10] راندي مارتن، المعرفة، 51.

[11] قد نختار ترجمة بديلة هنا، ونقول، نظرية التهاوي، أو نظرية الانجراف، أو نظرية الإشتقاق. بأي حال، المعنى اللغويّ يتأرجح ويتحول مع النقل بين لغة واخرى.

[12] انظر Precarias a la Deriva “A Very Careful Strike – Four Hypotheses,” في The Commoner (العدد١١، ربيع ٢٠١٦)، ٣٦.

[13] المصدر نفسه، ٣٩.

[14]  استنادًا إلى قراءة راندي مارتن للمنطق الاجتماعي للاشتقاق في تصميم رقصات الهيب هوب والرياضات المتطرفة والتزلج على الألواح، وكلها جزء مما يسميه الحركية الاجتماعية اللامركزية. راجع الفصل الثالث من Knowledge LTD: نحو منطق اجتماعي للاشتقاق (فيلادلفيا، مطبعة جامعة تمبل ، ٢٠١٥).

[15] أنطون شماس، أرابيسك ، ترجمة فيفيان إيدن (مطبعة جامعة كاليفورنيا ، ٢٠٠١) ، ١٢١-١٢٢.