المشتق نشرة إلكترونية نصف سنوية تم إطلاقها في تشرين الأول ٢٠٢٠، وذلك في خضم إنهيار سياسي واجتماعي واقتصادي وبيئي غير مسبوق في لبنان، هي محاولة لبناء مفردات وأساليب وممارسات جماعية قادرة على تفكيك الهجوم الممنهج الذي نواجهه وكيفية التعامل معه.

المشتق هي تلميذة إنتفاضة ١٧تشرين اول ٢٠١٩؛ إنها أولاً وقبل كل شيء كائن جذري يكمن حولها تعبئة وتكثيف مجموعة متنوعة من الممارسات العملية. من خلال تجربة نموذج التحرير الجماعي المشترك "مجموعة متنوعة من المحررين الضيوف"، فإن كل عدد هو وقبل كل شيء عذرًا للتفكير والعمل معًا وطريقة لتوسيع وتقوية شبكات الأصدقاء والحلفاء من خلال أنماط مختلفة من الخطاب والفكر والعمل.

في كل عدد جديد من المشتق يتم دعوة ثلاثة محررين ضيوف، ولكل واحد منهن\م محور معين منطلق من كلمة "جذر" مكونة من ثلاثة أحرف. ثم يتعاون كل محرر مع خمسة مساهمات\ين للمساعدة في الكشف عن الجوانب المختلفة لكل موضوع، بالإضافة إلى مساهمة فنية تستجيب لكل نص.

أي سحر هذا؟

هايغ أيفازيان

ترجمة: حسين ناصر الدين

يلعب جوني دِب في فيلم تيم بورتن “ظلال داكنة” (Dark Shadows)، المقتبس عن مسلسل كوميديّ قوطيّ بُثّ في أميركا في الستينيات والسبعينيات، دور برنابس كولينز، الميّت الحي، الذي يوقظه عمّال البناء من دون قصد، بعد سبات دام لقرون. في إحالةٍ كلاسيكيّةٍ لأفلام السّفر عبر الزمن، يرى برناباس (هو، الذي لم يكن مسافراً عبر الزمن بقدر ما كان مسافراً فيه) الأخوين The Carpenters يؤدّيان أغنيتهما المشهورة “على قمّة العالم” (On Top of the World) على التلفزيون. يهرع برناباس بغضبٍ وانزعاجٍ نحو جهاز التلفزيون الخشبيّ المزخرف (تجري أحداث الفيلم ويحاكي ديكوره فترة السبعينيات)، ويبدأ باقتلاع الأشرطة الكهربائيّة من أحشائه. “أيّ سحرٍ هذا؟” يسأل برناباس نفسه، ثمّ يوجّه كلامه إلى المغنية صارخاً: “اكشفي عن نفسك، أيتها المغنواتيّة الصغيرة!”.

انتشرت عبارة “أيّ سحرٍ هذا؟” في العديد من الميمز، التي تسخر بشكل عام من اللاضيين وقليلي العقل الذين يتعوّذون من السحر والشعوذة في كلّ مرّة يرون فيها ما يفوق إدراكهم المنطقي أو الحسّيّ.

هذه الصور مضحكةٌ فعلاً، لكنّ التساؤل عند رؤيتها، يعود دائماً إلى الجوهر الإبادي للحداثة وأخطائها التي رسمها المشروع التنويري بالدّم. كان التقدّم لدى الحداثيّين مرتبطاً بدوافع عديدة، لكنّه كان متّصلاً بشكلٍ أساسيٍّ بالرّغبة في ترتيب العالم في تصنيفاتٍ وخاناتٍ وأطرٍ محدّدة. لذا، ليس من المفاجئ أن نجد أنّ الشعوب والمجتمعات التي لم تقدر على تطبيق هذه التصنيفات أو على التمييز بين الرمز والواقع، قد صُنّفت تلقائيّاً على أنّها مجتمعاتٌ بدائية، أو مُستعمَرة، أو مجنونة أو هستيرية أو طفولية، أو كلّ ما هو ليس بشري.

من ذا الذي يقدر أن يميّز الفرق بين الكائنات الحية الفاعلة وبين المفعولات الجامدة؟ بين البشر وغير البشر؟ بين المتحضّرين والمتخلّفين؟ ومن هم أولئك الذين يركضون نحو الهضاب ويتعوّذون بالسحر عندما تنقصهم المعرفة العلميّة الكافيّة لتفسير ظواهر قد تكون بديهيّةً لغيرهم؟ بالنسبة لفرويد، وكثيرين من البيض في تلك الفترة، كان جواب ذلك السؤال واضحاً: “الهمجيّ”. يؤمن الهمجيّ بأنّ الرموز تستمدّ قوّة مراجعها، وأنّها تتشارك معها بطاقةٍ مشتركةٍ (الطلاسم مثلاً)، وهو إيمانٌ يخلط بين الرمز وبين الواقع[1]. دأب علماء الأنثروبولوجيا على تسمية هذا النوع من الإيمان أو المعتقدات بالروحانيّات، وهو نظام عقائديٌّ لم يُبنَ على مبدأ الـ”طبيعة الموضوعيّة المؤلّفة من حقائق مطلقة” من جهة، والإنسان المفكّر المنفصل عنها من جهةٍ أخرى، الإنسان المنشق الذي ما هو إلّا الرّجل الدّيكارتي الحديث[2].

رغم كلّ ذلك، لم يلتزم الحداثيّون أنفسهم بالأطر والخانات التي تعبوا في تسطيرها وترتيبها بعنايةٍ وإتقان، يكفي أن نلمّح إلى الدوافع والغرائز الذاتيّة والجنسيّة، والقلق والمخاوف غير المنطقية التي لازمت الدوافع الحداثيّة. كشفت المسائل شديدة الإلحاح التي تواجه الكوكب اليوم عن القيود المعرفيّة للفكر الديكارتيّ[3]، وصارت النظرة إلى الرّجل الحداثيّ كحاملٍ ومسبّبٍ لتراكماتٍ من الأحداث البيئيّة الكارثيّة- من اكتشاف ما عُرف باسمِ العالم الجديد إلى الاحتباس الحراري- تكتسب اقتناعاً واقبالاً متزايدين في الأوساط الأكاديميّة وبين الناشطين على الأقل.

إضافةً إلى ذلك، أدّت قدرات الحوسبة المتزايدة بشكلٍ مستمر، إلى ما يمكن إحصائه، وما يمكن التنبّؤ به ونمذجته، إلى تصدّعٍ في المفاهيم المتعارف عليها عن الزمن التسلسليّ، والذاتيّة والفرديّة والفاعليّة بطرقٍ غير مسبوقة. في بيئة الأسواق الحرّة، تُحوّل مفاهيم البيئات الحضريّة التي تشمل البشر -وشبكاتهم الكهربائية ومنازلهم وحافلاتهم وغيرها- المدن إلى أنظمةٍ شديدة التعقيد وذاتيّة التنظيم. الأمر الذي يحرّك عناصر متباينةٍ في تدفّقٍ واحدٍ فعّال، وهو ما يصير واضحاً عندما نفكر في السبرانيات، وإنترنت الأشياء (IoT)، والمدن الذكية، إلخ…[4]

تتآكل تصنيفات الواعي وغير الواعي بشكلٍ مطّرد ضمن هذه الترتيبات[5]، حيث يستمر كلٌّ من البشر والأشياء بتشكيل واحدهم للآخر باستمرار، وتجاوزه وتحريكه. تتآكل أيضاً فكرة الإدراك أو الفكر العقلاني كنظام مهيّأ لمعالجة تعقيدات العالم. في الوقت الذي تتآكل فيه هذه المفاهيم، يظهر بدلاً عنها اقتناعٌ بكينونةٍ لعالمٍ مبنيٍّ على متغيّراتٍ واسعةٍ ومعقّدةٍ، حيث لا يمكن إلّا للذكاء الحسابي أن يفهمها وأن يستمر في العمل ضمن معطياتها.

تندلع عن تفوق هذا النوع من الحوكمة الخوارزمية، باعتباره منطقاً تنظيميّاً معمّماً -من خلايانا العصبيّة إلى العالم بأسره- أشكالًا جديدةً من الروحانيات، تقلب الانقسامات الميتافيزيقيّة الأخرى والأكثر جوهريةً، رأساً على عقب: انقسامات مثل القدرة، من خلال التمثيل الرمزيّ -أيّ اللغة بشكلٍ أساسيّ- على تقييم العالم من ناحية، وقدرة أخرى تتبع تاريخياً للأولى، تتيح العمل في العالم من خلال التقنيّة، أي إنتاج أدواتٍ من صنع الإنسان لتشكيل البيئة[6]. تؤمن هذه الروحانيّات الجديدة بأنّ المقاييس التي تنتجها الأدوات الحسابيّة ملاءمةٌ أكثر من التفكير والتحليل لإعطاء صورة عن العالم[7].

وبالفعل، كان انتزاع بروميثيوس النار من زيوس يهدف أيضاً إلى علاج عجز الجنس البشريّ في عالمٍ تسيطر عليه الآلهة. جاء مصطلح البروميثيوسية (Prometheanism) للدلالة على الاعتقاد بأنّه لا يمكننا أن نضع حدّاً لمرونتنا أو لمرونة العالم من خلال الوسائل الاصطناعية. تنبع هذه الفكرة أيضاً من الاعتقاد بأنّنا لا نستطيع إلّا أن نعرف تماماً ما نصنعه. الطريقة الوحيدة لمعرفة العالم الذي نعيش فيه هي في صنع بديلٍ تركيبيٍ للعالم العضوي، الذي لا يعرفه إلّا “الله”، خالقه[8].

يجب التنبّه مع مثل هذه التحوّلات الجذريّة في نسيج التجربة الحياتيّة، إلى عدم الوقوع في قصر النظر التاريخيّ الذي ينطوي على الكثير من التنظير من حافّة الأوقات الاستثنائية (“العالم لم يكن هكذا من قبل” ، “نحن نعيش في زمن”…). من بين موضوعات البيانات التي تتدفّق بلا احتكاك، تنبثق أشباح الماضي الوحشيّ الثقيلة، والتي لا تزال موجودة في الحاضر وقد شكّلت المستقبل بالفعل. أشباح أولئك الذين تعرّض وضعهم كبشر للهجوم الدائم، وأولئك الذين تم اختطافهم والاتجار بهم كممتلكاتٍ بشريّة، والذين تم استخراجهم مثل الكربون، أو تدجينهم كأنّهم حيوانات، أشباحٌ تعيش في أنقاض عالمٍ وتحترق من خلاله وعبره.

نقترح في هذا العدد من “المشتق” ثلاث كلماتٍ لثلاثةِ محرّرين ضيوف جدد. كلماتٌ تستحضر ميرين أرسانيوس في طيّاتها الشبح، المنتقم المزعج الذي يسعى بإصرار إلى التكفير عن المظالم المنهجيّة العميقة التي ترتكبها البشرية، بينما تخاطب سميّة قاسم علي الإنسان وملامح وكالته والآداب التي تبلور الشخصيّة وتفكّكها من خلال القواعد القانونية والاجتماعية، وتلعب ريجين ساحاكيان بالنار، للوقوف في وجه التطوّر الهندسيّ لآلات القتل الجماعي، كقوّةٍ لإعادة ضبط التاريخ ومحو الحضارات، ولكن كذلك كاستعارةٍ عن إرادةٍ لا هوادة فيها ومعديةٍ للنضال.


[1]براكن، كريستوفر: Magical Criticism: The Recourse of Savage Philosophy. مطبعة جامعة شيكاغو، ٢٠٠٧، ص.٢

[2]فرانك، انسلم. “Introduction.” Animism (Volume 1) تحرير أنسلم فرانك. مطبعت سترنبرغ، ٢٠١٠. ص. ١٢

[3]لاتور، برونو. We Have Never Been Modern ترجمه كاثرين بورتر. مطبعة جامعة هارفرد، ١٩٩٣.

[4]سبنسر، دوغلاس. The Architecture of Neoliberalism: How Contemporary Architecture Became an Instrument of Control and Compliance. Bloomsbury Academic ٢٠١٦، ص. ١٧-٤٦.

[5]مبيمبي، جوزف-أشيلي. Brutalisme. La Découverte ٢٠٢٠ ص. ٢٦.

[6] المصدر نفسه ص. ٣٣

[7] المصدر نفسه ص. ٨٣

[8] براسير، راي. Prometheanism and its Critics ، تحرير روبن ماكاي وأرمن أفانيسيان. مطبعة MIT، ٢٠١٤، ص ٤٧٧.