المشتق نشرة إلكترونية نصف سنوية تم إطلاقها في تشرين الأول ٢٠٢٠، وذلك في خضم إنهيار سياسي واجتماعي واقتصادي وبيئي غير مسبوق في لبنان، هي محاولة لبناء مفردات وأساليب وممارسات جماعية قادرة على تفكيك الهجوم الممنهج الذي نواجهه وكيفية التعامل معه.

المشتق هي تلميذة إنتفاضة ١٧تشرين اول ٢٠١٩؛ إنها أولاً وقبل كل شيء كائن جذري يكمن حولها تعبئة وتكثيف مجموعة متنوعة من الممارسات العملية. من خلال تجربة نموذج التحرير الجماعي المشترك "مجموعة متنوعة من المحررين الضيوف"، فإن كل عدد هو وقبل كل شيء عذرًا للتفكير والعمل معًا وطريقة لتوسيع وتقوية شبكات الأصدقاء والحلفاء من خلال أنماط مختلفة من الخطاب والفكر والعمل.

في كل عدد جديد من المشتق يتم دعوة ثلاثة محررين ضيوف، ولكل واحد منهن\م محور معين منطلق من كلمة "جذر" مكونة من ثلاثة أحرف. ثم يتعاون كل محرر مع خمسة مساهمات\ين للمساعدة في الكشف عن الجوانب المختلفة لكل موضوع، بالإضافة إلى مساهمة فنية تستجيب لكل نص.

لا أحد سيعرف يوماً ما معنى أن تكون شبحاً

سلمى شامل

العمل الفني: مكسيم حوراني, لقطة من "هومو فينيس", فيلم, ٢٠٢١

ترجمة: حسين ناصر الدين

في ليلة 22 كانون الأول 1984، غابت أمّيّ عن وعيها كليّاً بعدما أبلغ طبيبها النسائي، الذي كان مخموراً ليلتها في سهرة الميلاد، توجيهاته للممرّضة عبر الهاتف لإعطاءها مخدّراً عاماً بدل المخدّر الموضعي.
عندما وصل الطبيب في الصباح وقام بعمليّة التوليد، أنجبت أمّيّ طفلاً يُطلق عليه بالمصطلحات الطبيّة تسمية “طفل أزرق”. أوضحوا لأمّيّ أنّ أخي كان أزرق اللون بسبب شذوذٍ في القلب وأنّه سيتحسن بعد وضعه في الحاضنة.
وجّهت عائلتي رسالة شكرٍ للطبيب الذي يمتلك المستشفى عبر جريدة الأهرام. لكن، وبعد أشهرٍ قليلةٍ بدأ المولود يضعف بين ذراعي والدته، ولم يعد باستطاعته أن يبقي رأسه مرتفعاً، وأخذت عظامه بالضمور. خلال وقتٍ قصير، انعدمت قدرته على المشيّ وعلى الكلام وحتّى على التعرّف على أيّ شخص.
جاءت نتائج تشخيص الأطباء في أمستردام، ولندن، ونيويورك، وبوسطن، وإسطنبول مغايرةً لتشخيص الأطباء في القاهرة: كان القلب سليماً فيما تكمن المشكلة في الدماغ المتضرّر بشكلٍ كبير إثر عملية الولادة. بسبب حرمانه من الأكسجين، ماتت الخلايا الحيّة في دماغ المولود الجديد باستثناء قلّة قليلةٍ منها. سيجعله ذلك على مدى الثمانية والثلاثين عاماً التالية يعيش عند الحد الفاصل بين الموت وأن يموت. بعد عدّة سنوات، سمعت حديثاً للفيلسوف جلال توفيق يقول فيه: “أن تموت قبل أن تموت هو أن تدرك ما أنت عليه بالفعل: ميت بينما لا يزال جسدك حيّاً، فان”.
الهالك هو شيءٌ معرّضٌ للموت والموت حيٌّ فيه وهو على قيد الحياة. عندما كنت في الخامسة من عمري، كنت مثل توما في لوحة كارافاجيو “شكوك القديس توماس”، لكن عدم ثقتنا كان مختلفاً. على عكس المشكّك الراسخ، الذي اخترقت سبّابته جرح المسيح لرفضه الإيمان بدون لمس الجروح مباشرةً للتأكّد من حقيقتها، نكأت جرح أمّيّ العميق من أجل تفسيرٍ نظريٍ ومجرّد. سألتها إذا كان أخي يعرف ما هو اللون؟ أو يميّز الرائحة الكريهة؟ هل يعرف ما هو الجبل الذهبيّ؟ هل يمكنه أن يجمع في ذهنه فكرة الذهب وفكرة الجبل؟ أردت أن أسمع عن الإدراك والاعتراف والأسباب والعواقب. هل ينتمي إلى عالم الأشياء – المواد غير العضوية والخام – أم عالم البشر واللغة؟ لماذا أتعرّف عليه ويستطيع هو أن يتعرّف عليّ؟
وكيف لا يتعرّف عليكِ، أنتِ، والدته؟ كانت أمّيّ تنفجر بالبكاء أحياناً، ولكنّها في أغلب الأحيان تردّ بإجاباتٍ مراوغة. لم تتحدّث أبداً عن الإعاقة أو المساءلة المؤسّسيّة. كثيرا ما أحالتني إلى الله، لطالما قالت لي: “اذهبي إلى الله، تحدّثي إلى الله. إن شاء الله سيتحسن”. صلواتٌ وآياتٌ وخيول طروادة. صلّيت وانتظرت ولمّحت إلى الله أنّه الوقت المناسب للتدخّل. كنت أستيقظ بشكلٍ منتظمٍ في منتصف الليل للتحقّق ممّا إذا كان قد استيقظ أخيرا. كلّ ما كنت أهتمّ به هو أن أشهد حدوث ذلك أمام والديّ، لأكون رسول الأخبار السارّة والوسيط الوحيد. تغيّرت المراتب والأغطية، لكنّ جسده ظلّ في نفس الزاوية في غرفة المعيشة طوال ثمانيةٍ وثلاثين عاما.
لم تُدخل والدتي أخي إلى المستشفى يوماً لأنّها لم تثق بالمستشفيات، فتحوّلت إلى مؤسسة، إذ لم يكن بمقدور أيّ مؤسّسة أن تكون أمّاً. لم يكن لدى أخي بطاقة هويّةٍ قط لأنّه لم يقابل شرطيّاً قط. لم تلتقِ عيناه يوماً بعينيّ.
كان يعاني من تقرّحات الفراش كأنّه في التسعين من عمره، وهو ما يزال في الثانية عشرة من عمره. تتحرّك الأعضاء والعظام التي تضغط بشدّة على الجلد لتتحوّل إلى هالةٍ رقيقةٍ من اللون الأبيض الورديّ. تضغط الأعضاء الخاملة والعظام بشدّة على الجلد، فتدمغه بهالاتٍ رقيقةٍ من اللون الأبيض الورديّ.
تقرّحات الفراش علامةٌ على الانفصال تشير إلى أنّ الجسد لم يعد كتلةً واحدة، بل أصبح أجزاءً منفصلة: القلب والعظام والكلى التي تضطهد الجلد تحت وزنها. لو كان وزن عظامنا أقلّ من وزن بشرتنا فلن تكون تقرّحات الفراش ذات قيمة.
أعطاني هذا الوضع من عدم التعارف المتبادل والمعرفة من طرفٍ واحدٍ خلال سنوات مراهقتي شعوراً بالتفوّق الفطري. تكرّرت عبارة “وحش لعين” في صفحات مذكراتي. في المنزل، كنت أرفض الجلوس في غرفة المعيشة، مدّعيةً أنّ رائحة لعابه الذي يسيل من فمه تجعلني أشعر بالغثيان.
في المدرسة، كان صدى صراخه يتردّد في أذني. كنت أرتعد خوفاً من فكرة أن يرى أحد أصدقائي تشوّهاته الخلقيّة، وانحراف حوضه، وقدمه اليمنى التي انقلبت إلى الداخل وإلى الأعلى بشكل ملحوظ، فأخفيته عن كلّ عين وكذبت في كلّ مناسبة: يرتاد أخي مدرسةً مجاورة، وهو لاعب وسط في فريق كرة القدم، يستمع إلى جوي ديفيزيون Joy Division، لديه صديقةٌ لها أصول إنجليزية. في أحد الأيام، قام صديقان بجرّي إلى ملعب كرة القدم خلال زيارةٍ لإحدى المدارس المجاورة للمشاركة في بطولة لكرة القدم، فأشرت إلى صبيٍّ بقصّة شعرٍ عصريّة (سبايكي)، وشعرت بالفخر لأنّ أخي المزيّف كان على هذه الشاكلة[1].
كنت أشغّل الأفلام الإباحيّة على التلفاز وأرفع الصوت، ثمّ أحلّ حفاضاته لأرى ما إذا كان سيحصل لديه انتصاب. الكذب هو افتراض موقفٍ أفقي، لكنّه خداع أيضاً.
اعتقدت في بعض الأحيان أنّه كان يتظاهر، أنّ وجوده بالكامل كان مجرد كذبة. في أحيانٍ أخرى، استلقيت في وضعيّاتٍ ملتويةٍ بجانبه على الأرض، محدّقةً في نفس الجزء من السقف، محاولةً ألّا أحرّك ولو عضلة واحدة في جسمي. حاولت بلا كللٍ أن أقرّب المسافة بين تجربته وتجربتي، لتسطيح عوالمنا المنفصلة في عالمٍ منكمش.ليتني استطيع الخروج من نفسي لأعرف كيف سيكون شعوري لو كنت في جسده. لو كان بإمكاني فقط أن أصير جثّةً حيّة، شبحاً، لأعيش حياةً خاليةً من الحياة، عندها فقط يمكنني أن أفهم تجربته. بدون لغة، أن أكون هو، إنّها الطريقة الوحيدة لفهمه. بعد عقود، علمت أن الدفع باتجاه إلغاء اختلافاتنا سيؤدي مراراً وتكراراً إلى طريق مسدود، وأنّ التجربة المباشرة لا يمكن أن تكون المنطلق الوحيد للمعرفة بأنّ هناك طرقاً يمكننا أن نشعر بها ونتواصل مع بعضنا البعض من دون أن نكون بعضنا البعض، وأن اختلافاتنا ضرورةٌ حتميّة.
لست متأكّدةً ممّا إذا كنت قد فشلت في التحدّث إلى الله لأنّني فشلت في التحدّث مع أخي، أم أنّي قد فشلت في التحدث مع أخي لأنّني فشلت في التحدّث مع الله.
لقد أتقنت فنّ العد وتحليل التكلفة والعائد. مثل الرأسماليين الذين قاموا خلال فترة جائحة كوفيد بفرز كبار السن، واعتبروهم غير جديرين بأجهزة التنفّس الصناعي، قمت باحتساب رعاية والدتي ولم أستطع استيعاب اختلالاتها. عدد مرّات إطعامه: 3 مرّات في اليوم × 30 يوماً في الشهر = 90 × 12 شهراً في السنة = 1080 × 20، و25، و30، والآن 38 عاماً. حتّى اليوم، تكون قد قامت بإطعامه 41040 مرة.
لم أفهم الطريقة التي قطعت بها والدتي المساواة في القيمة عن تكافؤ القدرات، فكيف يجوز أن أحصل على الأقل وأنا أكثر قيمةً منه بكثير؟ بماذا ترتبط اقتصاداتنا ذات القيمة؟ لفترةٍ من الوقت، اعتقدت أنّ أمّيّ وأنا نملك منظورين غير متوافقين للقيمة. كنت أرى أنّ القيمة مرتبطةٌ بالمجالات الاجتماعيّة (الاعتراف المتبادل والمدرسة والحب)، بينما رأت هي أنّها مرتبطةٌ بالعبء الضروري لاستمرار الحياة. بعد عقود، من خلال أعمال ماركس، أدركت أنّ هذه الأمور لم تكن منفصلةً تماماً.
عندما وصلت في الولايات المتحدة إلى مرحلة التخرّج، كانت الفصول الدراسيّة تهيمن عليها نظريةٌ تخجل من الوعي البشريّ والوكالة: هل يمكن أن يتحدّث البعوض؟ هل يمكن لمحار الأسقلوب أن ينتقد؟ هل لدى خطوط الأنابيب وكالة؟[2] وكان الهدف من ذلك هو إيجاد عالمٍ سابق للحداثة ومسبق للفرد يكون فيه البشر وغير البشر مجرّد جهاتٍ فاعلةٍ متساويةٍ في فخٍّ أحاديٍّ عائمٍ وحرّ.
نظريّةٌ لا يمكن تحقيقها إلّا بخطابات ما قبل الحداثة، “نوعٌ من الروحانيّة بدون آلهة”، كما قال سلافوي جيجيك[3]. على الرغم من أنّ معاداة الإنسانيّة لم تكن شيئاً جديداً (أخبرنا هايدجر وفرويد ونيتشه منذ فترةٍ طويلةٍ أنّ البشر مدفوعون أساساً برغباتٍ غير عقلانيّة وغير واعية)، فقد وجدت المناقشات في الفصل دون نتيجة وأكثر كآبة.
ظهر إحباطي بوضوح خلال مكالماتي عبر سكايب مع والدتي، التي لم تكره شيئاً في الحياة أكثر من الفلسفة: “أمّيّ، يريد رفاقي التخلّص من الإنسان. إنّهم يريدون فلسفة العقول الطفوليّة، طفلٌ من اللاتينية في “لا” والخيال من فاري “يتكلّم”، لا يتحدّث ولا يحكم. إنّهم يزعمون أنّ الوعي ينتمي إلى عالم الحداثة. “لكن لا يمكنك التخلّص من شيءٍ لم تملكه من قبل”[4].
لم تفهم والدتي المغزى، لم تكن القضيّة تتعلّق بتخلّي الغرب المتميّز عن الفئات العالميّة التي كان قد أرغم العالم عليها ذات مرة من خلال نشر أصولها التربويّة. في كتابها المذهل “الإنسانيّة القانونيّة”، أعادت سامرة اسمير قراءة فانون لتخبرنا أنّ الإنسان كان حاضراً دائماً على الرغم من ادّعاء الاستعمار غيابه.
تقول اسمير في كتاباتها عن إدخال القانون الحديث في مصر الاستعمارية، إنّ عنف المنطق الاستعماري يكمن في أنّه يفترض “الإنسانيّة” كشيءٍ يمكن مصادرته أو منحه. إنّه يحتكر مفهوم الإنسانيّة. إنّه يعلن عن إضفاء الطابع الإنسانيّ على المستعمَر، وكأنّهم لم يكونوا بشراً من الأساس[5].
تريد اسمير أن توضح لنا أنّ مشروع “الإنسانيّة” هذا قد محى فهم “الإنسان” الذي كان حاضراً في التقليد الصوفيّ الإسلاميّ، والذي لا علاقة له بتعريفنا الضيّق للوعي والفاعليّة. كان الإنسان “العضويّ وغير العضويّ – النجوم والصخور والنباتات”، وكان “الحجر في الجبل”. تريد أن توضح لنا أنّ اللحظة العنيفة في التاريخ الاستعماري لم تكن أن المُسْتَعْمَر قد تم استبعاده من “الإنسانيّة العالميّة” (مثل ما ادّعى الشاعر المناهض للاستعمار إيميه سيزير)، ولكن تمّ تضمينها في الفئات العالميّة على وجه التحديد. في مثل هذه الأدراج، تمّ القضاء على التقاليد الأخرى، فكان المخرج في هذه الحالة القضاء على الكونيّ والتراجع إلى عالم التقاليد.
ولكن أيّ تقليدٍ علينا إنقاذه وأيّ تقليدٍ عالميٍّ نستبعد؟ وهل يكون ما نحتاجه هو وحدةٌ مع العالم من دون أيّ تمايزٍ أو فهمٍ للاستقلاليّة والكرامة، والإفراج عمّا نحتاج إليه؟ هل الإنسانيّة العالميّة مفهومٌ من جانبٍ واحدٍ يجب تطهيره دفعةً واحدة؟
نحتاج في الواقع إلى أمرٍ عالميٍّ للقدرة على التحدّث إلى بعضنا البعض عن نفاق الإطار، لنتمكّن من الإشارة إلى الاستثناء. لاستيعاب الاستثناء يجب أن ندرك ما هو العالميّ. هو: مفهوم متسامي، غير ثابتٍ أبدا، يُتاح لنا جميعاً الطعن به وتعديله وتغييره. لسنا بحاجةٍ إلى الوحدة مع العالم. نحن بحاجة إلى المسؤوليّة. لا يمكن للصخور والنجوم والأنهار أن توقف المكتنزين، ولا أن تفرج عن السجناء، ولا يمكنها بناء مؤسّسات لإيواء ورعاية من يحتاجون إليها.
يعتمد وجود أخي، على عكس الصخور التي يمكن أن تتراكم على الشاطئ، أو الحيوانات التي يمكن أن تجوب الشوارع للحصول على القوت، على عمل والدتي، على قدرتها على خلق الحياة[6].
يتمتّع أولئك الذين يخلقون الحياة وأولئك الذين لا يستطيعون خلق الحياة بالكثير من القواسم المشتركة، وهي أكثر ممّا نتخيّل. في عام 1983، طرح جي سي روميز جدلاً بأنّ الاغتراب الناتج عن الإعاقة لا يختلف عن الاغتراب الناتج عن الاستغلال الرأسمالي[7]. بطريقةٍ ما، يتشارك العمّال المستغَلّين بشدّة والذين يجعلون حياة الآخرين ممكنة، والأفراد المعوّقين غير القادرين على جعل حياتهم ممكنة، عوالم متشابهة: تكمن قيمة الفئة الأولى في قدرتها القابلة للاستخراج، فيما تكمن قيمة الفئة الثانيّة في إعاقتهم غير القابلة للانفصال. قد يكون هذا هو المعنى لجعل إعادة إنتاج الحياة مشتركةً بين الجميع. إنّها فكرةٌ صادفتها أيضاً في أعمال الفيلسوف السوفييتي إيفالد إلينكوف. إلينكوف هو أحد الشخصيّات الرئيسيّة وراء تجربة زاغورسك، وهي حركة سوفيتيّة تركّزت على دراسة الإعاقة في التحليل الماركسيّ في الستينيّات[8]. لم تكن البشريّة الكونيّة، بالنسبة لإلينكوف، صورةً حديثةً للحريّة الخالصة أو شكلاً منفصلاً من التفكير، بل شخصيّة طفلٍ معوّق. وهو ليس الطفل المولود الأصيل الموجود قبل التاريخ وفوقه، ممّا يثبت أنّ الحداثة هي مصدر كلّ الشرور. بدلاً من ذلك، كان الطفل المعوّق في عمل إلينكوف وسيلةً لفتح الطبيعة المرجعية الذاتية لما يعنيه أن تكون قادراً في عالم رأسماليّ. ماذا يعني أن تكون قادراً في عالمٍ رأسماليّ، لفتح ما تعنيه الحياة حقّا[9]. إنّ إبقاء المعوّق على قيد الحياة يعني إدراك ماهيّة الحياة بالفعل: القدرة على منع الموتى من الموت، واستمراريّة الحياة العضويّة.
في العام الماضي، تعرّض أحد أصدقائي المقرّبين في مصر للاعتقال التعسفيّ واحتُجز في الحبس الانفرادي، ثمّ، ولحسن الحظ، أطلق سراحه بعد أسابيع نتيجةً للضغط الدولي على عكس الآلاف من السجناء الآخرين.
أخبرني عندما تحدّثت إليه عبر الهاتف، كيف أبقته المحادثات مع السجناء عبر الردهة سليم العقل، وكيف بنى علاقاتٍ حميمة مع أشخاص سمع أصواتهم من دون أن يراهم قط. كان هناك شيءٌ مذهلٌ في الطريقة التي روى بها تجربته خلال هذه الأسابيع. أخبرني كذلك، كيف مكّنته معرفته السابقة كباحثٍ في العدالة الجنائية من إدراك حقيقة ظروف السجون المصريّة قبل أن يدخلها في الواقع – جعل ذلك تجربته أقلّ عنفاً بطريقةٍ ما. كان يعرف، بطريقة ما، قبل أن يعرف بالفعل.
أن تدرك قبل المعرفة الفعليّة هو أن تصير مدركاً لما هي التجربة حقّاً: مفهومٌ مفتوحٌ لا يمكن فهمه خارج الوساطة واللغة والاختلاف. في محاضراته عن التاريخ والحرية، يروي أدورنو لطلّابه قصّة تفتيش الشرطة لمنزله في ألمانيا النازيّة.
إنّ تجربة مثل هذا الحدث، حيث يمكن للمرء أن يختفي دون أن يبقى له أثر أو أن يركض لينجو بحياته، هي أخطر بكثيرٍ من أيّ تفسيرٍ يمكن أن تقدّمه صحيفة، أو يمكن أن تقدّمه أيّ نظريّة. بعبارةٍ أخرى، عندما نختبر شيئاً ما، يكون لهذه المعرفة المباشرة القدرة على إعطاء معنى أكبر لنا من النظريّة البحتة. المشكلة هي أنّ هذه المعرفة المباشرة، والتي من المهم التمسّك بها، ليست أكثر من ذلك. بعبارةٍ أخرى، عندما نختبر شيئاً ما فإنّ هذه المعرفة المباشرة لديها القدرة على إعطائنا معنى أكبر من النظريّة البحتة.
المشكلة هي أنّ هذه المعرفة المباشرة، والتي من المهم التمسك بها، ليست أكثر من تجربتنا المباشرة، فلا يمكن فهمها إلّا ضمن سياقٍ أكبر يتجلّى بعد ذلك في هذه الحقائق الفرديّة. يقول أدورنو شيئاً مهماً حول ذلك: لم يكن ليختبر تجربة تفتيش منزله بالطريقة التي عاشها لو لم يربطها في ذهنه بالتغييرات في الحكومة وقوانين الطوارئ التي جعلها النازيّون دائمة وإلغاء تدابير السلامة. كان يعرف عنها مسبقاً. يضيف: “لو حدث كلّ ذلك، لو أنّ ضابطين غير مؤذيين من أفراد قوّة الشرطة القديمة قد وصلوا إلى عتبة بابي، وإذا لم يكن لديّ أيّ علمٍ بالتغيير الكامل في النظام السياسي، فإنّ تجربتي كانت لتكون مختلفةً تماماً عما كانت عليه”. وبالمثل، لا يمكن لأحد أن يدرك بشكل كامل أهوال النظام الاستبداديّ إذا لم يكن قد عانى من تلك الطرق المشؤومة على الباب ليجد الشرطة تنتظره في الخارج[10].
بعبارةٍ أخرى، علينا مقاومة تحويل التجربة المباشرة إلى صورةٍ أساسيّةٍ للسياسة. واجهت في الولايات المتحدة، الخطاب السياسيّ أولاً، والمتمثّل في البقاء في مسارك على نطاقٍ واسع إن كان في السياق التنظيميّ أو الأكاديميّ، حيث تستمد الشرعيّة في المقام الأول من “من أنت” و”ما هي مكانتك” إذا جاز التعبير، وليس من قوة خطابك[11][12]. كثيراً ما نسمع عبارات مثل “لا يمكن للرجل أن يعرف ماذا يعني أن تكون امرأة، كما لا يمكن لأبيضٍ أن يفهم كيف يكون الحال عندما تكون أسوداً، لا يمكن لأيّ شخصٍ عاديّ الميول أن يعرف ما حال أن تكون مثليّ”. تنتج هذه الخطابات الانعزاليّة طرقاً سياسيّةً مسدودة. وقد عشت معظم فترات حياتي من دون أن أشعر ما معنى أن تكون شبحاً. علّمني الشبح أنّ الواقع أكثر تعقيداً من تجربة سماع جرس الباب.
الواقع هو الحياة التي يعيشها المعوّق والأنثى وذوي البشرة السوداء، والواقع هو طبيعة النظام ككل، النظام الذي يسمح لرجال الشرطة بخطفنا من منازلنا، وهو العيش في عالمٍ حيث أجساد المعوّقين منعزلة، حيث يصبح العمّال المستغَلّين معوّقين، وحيث تتحوّل الأمّهات إلى مؤسّسات، وحيث تتغلغل العنصريّة والتحيّز الجنسيّ في كلّ علاقاتنا.
لن يعرف أحدٌ أبداً ما معنى أن يكون أيّ شخصٍ آخر. سيكون هناك دائماً من هو أكثر عرضةً للتمييز. يقول أدورنو إنّ “الفوريّة الزائفة تقنعنا بأخذ التجربة وتحويلها إلى مطلقة”. يكمن عملنا في عدم نفيها لصالح الوساطة، ولا المبالغة في الوساطة، أي أن نقول ببساطةٍ أنّه بإمكاننا الحفاظ على التوتّر بين الاثنين.


[1]  توفيق جلال. “إطلاق كتاب في نيويورك: جلال توفيق ، ما الذي كنت أفكر فيه؟ eflux / محاضرة للمؤلف ومحادثة مع وليد رعد.” ، 28 فبراير، 2018. https://www.e-flux.com/live/177299/new-york-book-launch-jalal-toufic-what-was-i-thinking-lecture-by-the-author-and-conversation-with-walid-raad/

[2]  وفقاً لهيجل، فإنّ فشل الاعتراف المتبادل يؤدّي إلى أحاديّة الجانب، والانحياز هو حالة من العظمة والذنب في نفس الوقت. هذا هو ما يحدّد المأساة بالنسبة له. تنشأ المأساة عندما يكون الخلاف بين موقفين، كل منهما مبرر، لكن كلّ منهما مخطئ لدرجة أنّه لا يعترف بصحة الآخر. كما يشرح مارك دبليو روش، “بالنسبة لمأساة هيجل هي تضارب بين موقفين جوهريين، كل منهما مبرر، لكن كل منهما خاطئ لدرجة أنه لا يعترف بصحة الموقف الآخر أو يمنح، إنّها لحظة الحقيقة. لا يمكن حلّ الصراع إلّا بسقوط البطل”. كيف نفهم الأشكال الأخرى للانحياز التي لا تستند بالضرورة إلى علاقات أجيال؟ كيف نفكّر في أحاديّة الجانب عندما لا يكون هناك بطل؟ روش، مارك دبليو “مقدمة لنظرية المأساة لهيجل.” ^ PhaenEx ، 1.2 ، 2006 ، ص 11 – 20.

[3] يعود المرجع إلى تيموثي ميتشل وميشيل كالون وأندرو باري على التوالي.

[4]  جيجك ، سلافوي. الارتداد المطلق: نحو أساس جديد للمادية الجدلية. فيرسو ، 2015 ، ص 9.

[5] يقدم أدورنو شرحاً جيداً عن سبب وصول مثل هذا التفكير (الأنطولوجي أو الهايدجري) إلى طريق مسدود في قسم “سؤال الطفل” في الديالكتيك السلبي، ص. 110. يشرح كيف تنتهي العودة إلى “طفولة النوع” إلى أن تكون في حالة قبل وفوق الوقت. إن سذاجة مثل هذا التفكير هي في الواقع غير ساذجة. لمناقشة كيفية استخدام المادية الجديدة هذه الحجة الطفل أنظر. بنجامين بويسن ، “إحراج أن تكون إنساناً: نقد للمادية الجديدة  يقدم أدورنو شرحًا جيدًا عن سبب وصول مثل هذا التفكير (الأنطولوجي أو الهايدجري) إلى طريق مسدود في قسم “سؤال الطفل” في الديالكتيك السلبي ، ص. 110. يشرح كيف تنتهي العودة إلى “طفولة النوع” إلى أن تكون في حالة قبل وفوق الوقت. إن سذاجة مثل هذا التفكير هي في الواقع غير ساذجة. لمناقشة كيفية استخدام المادية الجديدة هذه الحجة الطفل أنظر. بنجامين بويسن ، “إحراج أن تكون إنسانًا: نقد للمادية الجديدة وعلم الوجود الموجه للكائنات، Orbis Litterarum، المجلد. 73، لا. 3، 2018، ص 225 – 42. كروسريف، https://doi.org/10.1111/oli.12174.

[6]  هذه الفكرة التي تتبنى مفهوم “الإنسانية” كغاية مرغوبة، وليس وسيلة لتحقيق غاية، تأتي من منطق التنوير، وفقًا لإسمير، كما أوضحه إيمانويل كانط الشهير “الإنسانية هي غاية في حد ذاتها”. تكمن مشكلة إسمير في أن مثل هذا المفهوم للإنسانية موجود بين ثنائية (الغاية في حد ذاتها / الوسائل) التي تمنع سيناريو ثالثاً حيث لا يكون الإنسان وسيلة لتحقيق غاية، ولا غاية في حد ذاته، بل وسيلة “لتحقيق لا نهاية”. “وسيلة طاهرة” كما تقول “الإنسانية كوسيلة في حد ذاتها” انظر: إسمير، سميرة. الإنسانية القانونية: تاريخ استعماري. ستانفورد: مطبعة جامعة ستانفورد، 2012، ص. 75.

[7]  للحصول على مناقشة ممتازة لما أسماه ماركس في مخطوطات 1844 “الجسم غير العضوي” للإنسان، انظر بتلر، جوديث. “الجسد غير العضوي في ماركس المبكر: مفهوم محدود لمركزية الإنسان”، الفلسفة الراديكالية، المجلد. 2، رقم. 6 (2019)

[8]  تنتج الرأسمالية الصناعية الإعاقة على جبهتين. أولاً، من خلال التراكم الدائم للثروة، يطيل الرأسمالي يوم العمل ويزيد من استغلال عقل وجسد العامل. وكما قال كارل ماركس، صفحة بعد صفحة، في وصف طبقة الخزافين بأنّهم “أجيال من البشر الذين يعانون من التقزم وقصر العمر وسرعان ما تم استبدالهم بسرعة”، فإنهم قبيحو الشكل وغالباً ما يكونون ذوي شكل سيء عند الصدر؛ إنهم يتقدمون في السن قبل الأوان، وهم بالتأكيد لن يستمروا طويلاً… “هذه الأجيال سيئة التكوين غير قادرة على الحفاظ على هيئة عاملة عادية وعليها الانسحاب من العمل. في هذا الانسحاب، يصبحون معاقين في العمل. من ناحية أخرى، يتم استبعاد غير القادرين على العمل وتسريحهم. كتبت مارتا راسل: “القمع الأساسي للأشخاص ذوي الإعاقة هو استبعادهم من الاستغلال كعمّالٍ بأجر”. انظر راسل، مارتا. “العجز والقمع والاقتصاد السياسي”. مجلة دراسات سياسة الإعاقة، المجلد. 12، لا. 2 (2001)، ص. 88 وروميس، جي سي “الاغتراب كنتيجة للإعاقة: الأدلة المتناقضة وتفسيراتها”. علم اجتماع الصحة والمرض، لا. 5 (1983): ص 25-41.

[9]  رأى إلينكوف في مدرسة زاغورسك – وهي مدرسة داخلية سوفيتية للأطفال الصم و المكفوفين – فرصة للاعتراف بشخصية الطفل المعوق ككائن عالمي. في قراءة غير تقليدية لسبينوزا وهيجل وماركس، جادل في نظرية الجسد المفكر، الجسد الذي يدرك الأجسام الأخرى في الفضاء، كخاصية أساسيّة للوعي.

[10]  يستخدم كارل ماركس كلاً من مصطلح قوة العمل والقدرة على العمل (Arbeitskraft أو Arbeitsvermögen) بالتبادل، ولكن غالباً ما تستخدم الترجمات الإنجليزية مصطلح قوة العمل فقط.

[11]أدورنو ، تيودور. محاضرات عن التاريخ والحرية. كامبريدج ، بوليتي برس ، 2008 ، ص 20.

[12] جاي ، مارتن. “تجربة بدون موضوع: “والتر بنجامين والرواية” في الدلالات الثقافية: كلمات رئيسية في عصرنا. امهيرست ماس، 1998، ص 47-61