المشتق نشرة إلكترونية نصف سنوية تم إطلاقها في تشرين الأول ٢٠٢٠، وذلك في خضم إنهيار سياسي واجتماعي واقتصادي وبيئي غير مسبوق في لبنان، هي محاولة لبناء مفردات وأساليب وممارسات جماعية قادرة على تفكيك الهجوم الممنهج الذي نواجهه وكيفية التعامل معه.

المشتق هي تلميذة إنتفاضة ١٧تشرين اول ٢٠١٩؛ إنها أولاً وقبل كل شيء كائن جذري يكمن حولها تعبئة وتكثيف مجموعة متنوعة من الممارسات العملية. من خلال تجربة نموذج التحرير الجماعي المشترك "مجموعة متنوعة من المحررين الضيوف"، فإن كل عدد هو وقبل كل شيء عذرًا للتفكير والعمل معًا وطريقة لتوسيع وتقوية شبكات الأصدقاء والحلفاء من خلال أنماط مختلفة من الخطاب والفكر والعمل.

في كل عدد جديد من المشتق يتم دعوة ثلاثة محررين ضيوف، ولكل واحد منهن\م محور معين منطلق من كلمة "جذر" مكونة من ثلاثة أحرف. ثم يتعاون كل محرر مع خمسة مساهمات\ين للمساعدة في الكشف عن الجوانب المختلفة لكل موضوع، بالإضافة إلى مساهمة فنية تستجيب لكل نص.

ف.ر.د

إدوين نصر

بحلول موعد نشر هذه المقدّمة، سيكون العالم قد تهيّأ للنفاذ بجلده للمرّة العاشرة. أشارت تغريدة على موقع تويتر، حصدت مشاهدات كثيرة، بشكل مازح إلى أحداث الانقراض المتكررة التي تجلّت العام الماضي وما زالت آثارها ملموسة أن «المؤرّخين في المستقبل سيُسألون في أيّ ربع من عام ٢٠٢٠ قد تخصصوا»[1]. أينما وضعنا رؤوسنا، تتابع أحداث تحمل في طيّاتها إمكانية تعطيل التاريخ، الواحدة تلو الأخرى وبسرعة الضوء. كيفما أصغينا يمكننا سماع كل المجتمعات وهي تتعامل مع الأزمات المتلاحقة بارتباك كبير وأسى لا يوصف. في تأويلها لأوّل مجلّدين من كتاب «رأس المال» لكارل ماركس، تحذّر آيمي وندلنج أنّ «الرأسمالية محرّك بخاري فيه عيب في التصميم سوف يعجّل حدوث انفجار بمعزل عن ما يفعله أو يظنّه أي شخص»[2]. ولكن ماذا لو اتضح أن «الانفجار» المتوقّع حدوثه ليس انفجاراً وإنما تراكم لأزمات متتالية لا تترك مجالاً ليلتقط الفرد أنفاسه، بالمعنى الحرفيّ والمجازيّ[3]؟ وماذا يحدث عندما يستحيل فهم هذا التغيير الهائل، أو حينما تتغيّر آليات الحياة اليومية التي أمتثلنا لها يوماً بصورة ليس بوسعنا فهمها؟

تكمن مهمّة كتابة وتحرير قسم من المنشور الخاصّ بـ «مركز بيروت للفنّ» بإنتاج تأمّلات في الحاضر المباشر، على الرغم من جنوح الحاضر للإفلات منّا بفعل جريانه وتشظّيه المفاجئَين. تسعى المساهمات المكلَّفة لهذه المناسبة بمحاولة فهم سيرورة تشكّل الذوات حينما يضطرب نمط الحياة المعتاد بشدّة. تنطلق من افتراض أن «نظام تشكّل الذّات» الذي يكوّن الوعي الجماعي، والذي هو «مجموعة طرق الحياة التي تمثّل وتعيش اللحظة وبنفس الوقت تدوّن التجربة بعقلية وقت تاريخيّ وبفهمه وبلغته»[4] يُزَجّ به الآن في حالة من الفوضى ويُعاد النظر فيه بشكل آنيّ. لتتأصّل هذه المهمّة إذاً، عليها أن تندرج أوّلا في الزمكان، أي المناخ العام المنبثقة منه.

يمكن اعتبار انتفاضة ١٧ تشرين الأول / أكتوبر عام ٢٠١٩ نقطة انطلاق مناسبة للتفكير في الكيفية التي يتحدّد بها تاريخ الحاضر في لبنان. لا شكّ أن الانتفاضة كانت ولا تزال حدثًا مُزلزلا ذو أهميّة لا يمكن قياسها. على الرغم من إخفاقها في تسبيب التحوّل الاجتماعي وفصل قَدَرِنا الجماعي عن بربريّة الحوكمة النيوليبرالية، تجاوزت الانتفاضة تعبيرها الأوليّ وجسّدت أشكال متفرّقة وجريئة من المعارضة غير المنظّمة، التي راحت تنتشر في الأماكن التي دنّستها يوماً شبكات الفساد ورأس المال الوهمي. لم يهمّ ما إذا كانت الظروف المادية أللازمة لتحفيز الزخم الثوريّ موجودة أم لا. في الحقيقة، كانت انتفاضة تشرين بادرة صناعة عالم جديد، ومشروع لنبذ عقود من خداع جثّة الطائفية اللبنانية العفنة للعامّة، وتفكيك البُنى والأجهزة التي أضفت طابعاً منهجيّاً على سنوات من عنفٍ نفسيٍّ واقتصاديٍّ لا يطاق. ولكن بحلول آذار مارس ٢٠٢٠، وصلت الانتفاضة إلى مرحلة حرجة: بدأ الدعم الجماهيريّ يتضاءل، وحلّت خيبة الأمل. ثم جاءت جائحة كوفيد-١٩ والأزمة الصحيّة العالميّة التي تسبّبت بها مزعزعتاً الانتفاضة وجاعلتاً الحقّ في التجمّع والوجود الجماعيّ غير ممكناً. فرضت الدول الأحكام العسكرية وأغلقت الطرقات العامّة والمطارات والحدود؛ أُمِر الملايين بعزل أنفسهم في حين لقي العمّال الذين اعتُبروا «ضروريّين» للاقتصاد حتفهم في أروقة المتاجر والحافلات المكتظّة. انهارت أنظمة الرعاية الصحيّة تحت وطأة تدفّق المرضى الذين لم تَحسب لهم حساباً، ولم تتمكّن من تشخيص طرق عمل فيروس جديد لا يزال فهمه بعيد المنال عن الإطار المعرفيّ للطبّ الحديث. في مقالة رصينة ظهرت في مجلة «فيو بوينت» – ((Viewpoint، يجادل سالار مهندسي بأنّ «الماثل أمامنا ليس مجرّد جائحة، بل العديد من الأزمات المتداخلة»[5]. معتمداً المنطق العكسيّ لدمية ماتريوشكا الروسية ـ حيث تكشف إزالة كلّ دمية عن أخرى أكبر وأكثر شمولاً منها ـ يعزّز حجّته بالقول: «كان لهذه الأزمة آثار كارثية، تحديدا لأنها فجّرت أزمة عضوية نيوليبرالية كمنت وراءها. والأخطر من ذلك، أنّ هذه الأزمة مرتبطة بدورها بأزمة هيكلية للتكاثر الاجتماعيّ الرأسماليّ طويلة الأجل. وتتجلّى هذه الأزمة الهيكلية بدورها، في أزمة تاريخية أعمق للحياة على الكوكب»[6].

إلى أين يقودنا ذلك إذاً؟ يمرّ لبنان اليوم بأسوأ أزماته الماليّة والاقتصاديّة في الذاكرة الحديثة. كنّا على علمٍ بأنّ هذا البلد سينهار في النهاية؛ فقد تمّ بناؤه في نهاية المطاف بصورة وحشِيّة ليتواجد مع الخراب والنفايات. ومع ذلك تميل الأزمة، والظروف والأعراض غير المحدّدة الناتجة عن تجسّدها، إلى رمي ما عرفناه خارج نفوسنا. بينما يستمرّ انهيار قيمة الليرة اللبنانية لتصبح عملة مُجازة فاشلة، وبينما يلوح التهديد المروّع للتقلقل الذي لا يمكن التغلّب عليه، نجد أنفسنا متروكين للتمسّك بالمعنى. لا تجيز لنا الأزمات الحالية وتعليقها المشلّ للمعرفة «ابتكار إمكانيات للتحرك عبر الزمن أو الى الأمام»[7]، وتقضي على احتمالات «مواجهة الماضي والتكهّن بالمستقبل وتفسير الزَمنين بطرق تتعارض مع المنطق السليم للزمن الحالي»[8]. تحقيقاً لهذه الغاية، ومن أجل التفكير عبر إطار تأسيسي يوجّه المساهمات الخمس التي قمت بتكليفها لمنشور «مركز بيروت للفن»، فقد حدّدتُ خمسة «أعراض مرضيّة» مختلفة، سواء كان أصلها مرضيّ أو أيديولوجيّ ماديّ، والتي أشعر أنّها وليدة الأزمات المتداخلة هذه ومن الملحّ معالجتها، وهي:

العدوى: لأنه في ظلّ الجائحة، فإن تلاقي الأفراد وشكل تنظيم المجتمع يتنظّمان بناء على اعتبارات مناعيّة[9]؛ المحروميّة: فحيث تشكّل البطالة الواسعة النطاق الوضع الطبيعي الجديد، لا مناص للمحرومين من اختلاق ذاتيّة ثوريّة جديدة؛ البارانويا: حيثما يتكاثر الارتباك المعرفيّ، فإن الارتياب والمُريَة تثريان قواعد المعيشة وأساليب التعبير السياسي؛ الكبح: لأنّه مع استئصال «الفائض الليبيدي»[10] من الاقتصاد،  تشكّل الحاجة الأساسية عاداتنا ورغباتنا الجماعية؛ و أخيرا الإبْهام: لأنه عندما تهندس السلطة السيادية وسائل  حديثة للسيطرة، تهمّش مصادر المعلومات والأشياء المعرفية الواضحة أو تصبح أكثر غموضاً.[11]

ترجمة: صفا حمزه


[1] حزيران ٩ تغريدة @DBGerrard ـ مستخلصة من: https://twitter.com/DBGerrard/status/1270134800519700481

[2] Amy Wendling, Karl Marx on Technology and Alienation (Palgrave Macmillan, 2009)

[3]   Achille Mbembe, “The Universal Right to Breathe” (trans. Carolyn Shread), Critical Inquiry (April 13, 2020)

[4] Achille Mbembe and Janet Roitman, “Figures of the Subject in Times of Crisis” in Public Culture, Volume 7, Issue 2 (1995, Duke University Press)

[5]  Salar Mohandesi, “Crisis of a New Type”, Viewpoint Magazine (May 13, 2020).

[6] المصدر نفسه.

[7] Elizabeth Freeman, Time Binds: Queer Temporalities, Queer Histories (Duke University Press, 2010)

[8] المصدر نفسه.

[9] انظر Liane Tanguay, “Imagined Immunities: Abjection, Contagion,and the Neoliberal Debt Economy” in Lateral Journal of the Cultural Studies Association, Issue 7.1 (Spring 2018)

[10] Keti Chukhrov, “Letter Against Separation – Keti Chukhrov in Moscow: Five Inexplicabilities of the Pandemic”  in e-flux conversations (May 1, 2020)

[11]  انظر Jane Caplan, “Illegibility: Reading and Insecurity in History, Law and Government” in History Workshop Journal Issue 68 (2009, Oxford University Press)