المشتق نشرة إلكترونية نصف سنوية تم إطلاقها في تشرين الأول ٢٠٢٠، وذلك في خضم إنهيار سياسي واجتماعي واقتصادي وبيئي غير مسبوق في لبنان، هي محاولة لبناء مفردات وأساليب وممارسات جماعية قادرة على تفكيك الهجوم الممنهج الذي نواجهه وكيفية التعامل معه.

المشتق هي تلميذة إنتفاضة ١٧تشرين اول ٢٠١٩؛ إنها أولاً وقبل كل شيء كائن جذري يكمن حولها تعبئة وتكثيف مجموعة متنوعة من الممارسات العملية. من خلال تجربة نموذج التحرير الجماعي المشترك "مجموعة متنوعة من المحررين الضيوف"، فإن كل عدد هو وقبل كل شيء عذرًا للتفكير والعمل معًا وطريقة لتوسيع وتقوية شبكات الأصدقاء والحلفاء من خلال أنماط مختلفة من الخطاب والفكر والعمل.

في كل عدد جديد من المشتق يتم دعوة ثلاثة محررين ضيوف، ولكل واحد منهن\م محور معين منطلق من كلمة "جذر" مكونة من ثلاثة أحرف. ثم يتعاون كل محرر مع خمسة مساهمات\ين للمساعدة في الكشف عن الجوانب المختلفة لكل موضوع، بالإضافة إلى مساهمة فنية تستجيب لكل نص.

ر.ق.م

هشام عوض

 بُثَّت الحلقة الأولى المعنونة “Arrival” أو “وصول” من مسلسل الخيال العلمي البريطاني “The Prisoner” أو “السجين” على قناة ITV في أيلول من العام ١٩٦٧. كانت شارة البداية عبارة عن مونتاج صاخب يبدأ بسماء ملبدة بالغيوم، ورعد، يتبعها مشاهد لسيارة رياضية تخترق حلبة السباق مسرعة، ثم تتوجه بجنون نحو الكاميرا. تتوالى اللقطات السريعة بعد ذلك لترينا رجل بلباس رسمي يقود في لندن، فيتخطى البرلمان بسيارته ثم ينعطف نحو مبنى تحت الأرض. يمشي الرجل بعد ذلك وكأنه جيمس بوند في نفق مظلم، وظله الطويل خلفه، ونسمع في الخلفية موسيقى إيقاعية. يقتحم بعد ذلك مكتب يبدو أنه مكتب مديره في العمل، ثم يتشاجران في صراخ غير مسموع. يرمي الرجل بعد ذلك ورقة استقالته في وجه مديره، ويخرج من المبنى بسيارته منتصرًا.

نرى في الشارة بعد ذلك، مشاهد لنفس الرجل، الذي يلعب دوره باتريك ماكجوهان (وهو أحد صُنّاع المسلسل)، وهو يقود سيارته وتتبعه سيارة حانوتي سوداء، ثم نرى مجموعة من اللقطات فيها ماكينة بيروقراطية توثق ورقة استقالة الرجل، لنكتشف أنها آلة كاتبة تضع أحرف X متتابعة على صورته، ونرى بعد ذلك مشهد عريض لصفين من خزائن مستندات يمتدان إلى ما لا نهاية، تمتدّ من بينهما ذراع إلكترونية تحمل ورقة الاستقالة التي تشبه البطاقة المكتبية، وتضعها في درج يحمل عنوان: “المستقيلون”. يصل الرجل بعد ذلك إلى بيته، فيضع مسرعًا جواز سفره في حقيبة السفر، محاولًا الهرب بسرعة من الحانوتي الذي يلاحقه، إلا أن محاولته تفشل، إذ يضخ الحانوتي الغاز المنّوم  في البيت، فيغيب الرجل عن الوعي.

نرى الرجل يستيقظ بعد ذلك في مكان يشبه مكتبه، في مكان يسمى “القرية”، حيث يتلقى اتصالًا هاتفيًا يبلغه بأن “الرقم ٢” يريد أن يراه في القبة الخضراء.

في القبة الخضراء، وهي المركز الإداري للقرية، يسأل مدير العمليات الملقب بـ“رقم ٢”، الرجل مناديًا إياه بـ”رقم ٦”، عن دوافع استقالته. بعد التهديد والوعيد، وبعد علمه بأن المدير قد خبأ ملفًا فيه معلومات شخصية عنه، يقف “رقم “٦، بطلنا، ويقول: “لن أبرم أي صفقة معكم، لقد استقلت! لن تجبروني على تعبئة استمارات، ولن تضعوا عليّ أختام، ولن تؤرشفوني، ولن تختصروا حياتي، ولن ترقّموني! حياتي ملكي أنا!”، ثم يعيد ويقول بعد ذلك في مشهد آخر :”أنا لست رقمًا، أنا إنسان”، وهو قول يتكرر في العديد من الأحيان في المسلسل.

لطالما طارد الخوف من أن يصبح المرء مجهولًا، أو مُطابقًا، أو مجرد رقم، الأعمال الأدبية والسينمائية، لكننا نستطيع أن نقول بأن أبرز تجليات هذا الخوف، ظهرت بقلق في الأفلام التي تتناول سرقة الهوية، ومحو الذاكرة، وغسيل الدماغ، وتبادل الأجساد، في الستينات والسبعينات من القرن الماضي، كفيلم جون فرانكنهايمر عن ضابط في الجيش الأميركي يتم غسل دماغه في الحرب الكورية لكي يخترق الدهاليز المغلقة لواشنطن، أو كفيلم (Seconds(1966 أو “ثواني” (١٩٦٦) الذي يسرد حكاية موظف البنك الخمسيني الذي يوقع على اتفاق يضمن له هوية جديدة، وهو أيضًا من إخراج فرانكنهايمر.

يبدو لنا، أن الفرد، في هذه الأفلام، دائمًا ما يكون محور هذه التقنيات والتكتيكات في العد، والإحصاء، وإخفاء الهوية، والترقيم والأرشفة والمحو والتبديل، سواء كان ذلك بسبب الرتابة الوظيفية، أو هستيريا الخوف من العملاء والجواسيس السوفييت، أو الفضائح السياسية المعقدة إلى درجة المؤامرات.

ماذا في الإسم؟ وماذا في الرقم؟ ما الذي يعنيه أن يكون المرء مرقمًا، ومحسوبًا ومحتسبًا، في عالم تملؤه أدوات تعريف وحوسبة، تديرها أطراف حكومية وغير حكومية، مضيفةً عليها قوالب خوارزميات تجارية لكي تحتسب قيمة الإنسان، ولكي تلاحقه، وتفرض عليه ذوقه، واعدةً إياه بنفس الوقت، بالتفرّد المطلق. ماذا يعني كل ذلك عندما يحدث في الوقت الحي؟

تدعوا هذه التساؤلات، بالإضافة إلى تسليطها الضوء على الرقم كغرض رياضي، والإحصاء كطريقة للحكم، العديد من الفنانين والكتاب، إلى التفكير بأساليب الإحصاء والعد وأشكالهما المتعددة في أبعادها السياسة ضمن خمسة تصنيفات وهي:  علم الإحصاء، ودراسة الجموع، والقياس، والإقتصاد، والتواتر أو الإيقاع.

اعتاد الكثيرون منا في الأشهر القليلة الماضية، على سماع نوعين مُقلقين من الأرقام والنِسب، أولهما سعر صرف الليرة اللبنانية مقابل الدولار الأميركي، السعر الذي يحلّق الآن عاليًا، بعد أن كان قد ثُبت على ١٥٠٠ ليرة مقابل الدولار الواحد في العقدين الماضيين. أما النوع الثاني من الأرقام المُقلقة، فهو أعداد مصابي وضحايا فيروس كوفيد-١٩ في المدن، والولايات، والبلاد، والعالم. صرنا ننظر للرسوم البيانية، وللمنحيات، محاولين “تسطيحها”. نحاول أن نستخلص الأرقام المكبوتة، وأن نقاوم كي لا نُعد،  وأن نُحصي ونُسمي، ما هو غير مُسمى وغير مُحصى. يمتد تاريخ الأرقام والإحصائيات وتحديد الكم على جغرافيات وأدبيات مختلفة، من الإستعمار إلى الفرينولوجيا، ومن إدارة الحشود إلى الإحتجاج عبر التصميم المدني، ومن البارومترات الإقتصادية التي تعبر عن ”حال الأمم بالأرقام والأوقات”[1]، إلى درجات الإئتمان.

يتسّع عالم الأرقام ويكبر، وتُقابَل الشركات والمؤسسات التي تُصدر هذه الأرقام بالشك أو بالإبتهاج، من طرفي السلم السياسي المتناقضين. لنأخذ فحص النسب الجيني مثلًا، الذي طوره محسنو النسل الليبراليون، واعدين الناس بأن “يكتشفوا أنفسهم”، عبر إطلاعهم على خريطة نسبهم الجيني وعلى أسلافهم، وعلى “النموذج العرقي” الذي يقول للشخص، من “أين” يأتي نسبه وبأي نسبة (كأن تظهر نتائج الفحص بأن الشخص مثلاً، يأتي بنسبة ٥٤٪ من أوروبا، و٢٨.٦ ٪ من بريطانيا وأيرلندا، و ٪ ٠.٨ من آسيا الغربية أو أفريقيا الشمالية…) يصبح هذا الفحص، بمثابة تركيب للذات عبر النسب المئوية.

لجأت المرشحة الديمقراطية لرئاسة الولايات المتحدة، إليزابيث وارن، في حركة سياسية غير موفقة، إلى القيام بالفحص الجيني، عبر شركة 23andMe (التي توزع معدات أخذ اللعاب والعينات في كل صيدليات الولايات المتحدة)، لكي “تثبت” بأن لها أسلاف أميركيون أصليون.  كيف نحلل أذًا، مخاطر وإمكانيات الأرقام، واستخداماتها في عصر “ما بعد الحقيقة”؟ كيف لنا أن نبتعد عن الالتصاق الأعمى بداتا الأرقام ووعودها، وعن أدبيات العلوم الإنسانية والإجتماعية التي نقلت لنا نظرة عن الأرقام والممارسات الإحصائية على أنها “هياكل إجتماعية”، وأنها ملك للدول والسلطات ولا أحد غيرها. [2]

لا تسعى  هذه التساؤلات لأن تضع نظريات الأرقام، والإقتصاد السياسي، وتدقيق الحسابات والقياسات العادية على نفس الكفّة، ولا تسعى كذلك لكي تخلق خطة لا تاريخية ولا شكلية للأرقام، بل تحاول، أن تميّز وتحلل بعض التقنيات والطرق والتطبيقات التي تستخدم عبرها الأرقام، لكي تتلمّس بدايات الإحصاء والتعداد في العديد من المجالات، كالحُكم، والمجال العام، والموسيقى. تُعتبر هذه التساؤلات دعوة مبدئية للتفكير بالأرقام، وللتفكير عبرها، سواء بهدف فهم قوة الجموع، أو لفهم التفكير المعادي لها، والذي يعتبرها، “كتل”، أو “حشود”، أو لفهم ونقد الدين العام ونسبته للناتج المحلي، وتأثير ذلك على الأمم واقتصادها. تدعوا هذه التساؤلات القرّاء  لكي يفكروا بالممارسات السياسية والفنية المحلية والعالمية المشتملة على الأرقام، ولكي يفكروا أيضًا، بطرق لإنشاء معجم، بالعربية والإنكليزية، للبدء بتحليل العالم المعقد للأدوات الإقتصادية، والمقاييس الصحية، والممارسات المؤسساتية التي تحصي وتنظّم.

ترجمة: حسين ناصر الدين


[1]Slobodian, Quinn  Globalists : The End of Empire and the Birth of Neoliberalism. كامبريدج، ماساشوستس، مطبعة جامعة هارفارد، ٢٠١٨. ص.٦٧. لمناقشة حول “البارومترات الاقتصادية” ودور الصور البيانية في الإقتصاد انظر فصل ٢: “A World of Numbers”.

[2] لنقد حول حدود الهيكلة الاجتماعية أنظر: Hacking, Ian The Social Construction of What? كامبريج، (order/direction)  مطبعة جامعة هارفارد، ١٩٩٩. لنقد حول ممارسات السلطة الإحصائية والحسابية وتاريخ الأرقام والإحصاء وتشكيلها للـ”جدل السياسي العام” في بريطانيا القرنين الثامن عشر والتاسع عشر،  أنظرDeringer, William Calculated Values: Finance, Politics, and the Quantitative Age  كامبريدج، ماساشوستس، مطبعة جامعة هارفارد، ٢٠١٨.