المشتق نشرة إلكترونية نصف سنوية تم إطلاقها في تشرين الأول ٢٠٢٠، وذلك في خضم إنهيار سياسي واجتماعي واقتصادي وبيئي غير مسبوق في لبنان، هي محاولة لبناء مفردات وأساليب وممارسات جماعية قادرة على تفكيك الهجوم الممنهج الذي نواجهه وكيفية التعامل معه.

المشتق هي تلميذة إنتفاضة ١٧تشرين اول ٢٠١٩؛ إنها أولاً وقبل كل شيء كائن جذري يكمن حولها تعبئة وتكثيف مجموعة متنوعة من الممارسات العملية. من خلال تجربة نموذج التحرير الجماعي المشترك "مجموعة متنوعة من المحررين الضيوف"، فإن كل عدد هو وقبل كل شيء عذرًا للتفكير والعمل معًا وطريقة لتوسيع وتقوية شبكات الأصدقاء والحلفاء من خلال أنماط مختلفة من الخطاب والفكر والعمل.

في كل عدد جديد من المشتق يتم دعوة ثلاثة محررين ضيوف، ولكل واحد منهن\م محور معين منطلق من كلمة "جذر" مكونة من ثلاثة أحرف. ثم يتعاون كل محرر مع خمسة مساهمات\ين للمساعدة في الكشف عن الجوانب المختلفة لكل موضوع، بالإضافة إلى مساهمة فنية تستجيب لكل نص.

و.ح.ش

طارق العريس

“ماذا نعرف عن بشر عاشوا حروباً أهليّة؟ عنفاً ودماراً وخساراتٍ وخيباتٍ؟ وخوفاً مريعاً، بلا شك؟ كيف يتحوّلون، وما الذي يتغيّر فيهم ويقسو؟ في المربّع الأخير من الحياة، ذلك الذي يغدو الموت فيه قريباً ومحتملاً بشدّة، لا يعود القلب سوى مضخّة للاستعمال المفيد. دم ساخن يدفق بقوّة في الأعضاء من أجل الهرب؛ لا من أجل أي شيء آخر سوى الهرب.”

–هُدى بركات، بريدالليل[1].

في رواية «بريد الليل»، تشكّكُ هدى بركات في قدرة الأدب على بناء قصّةٍ متماسكة وعلى سَرد الرّواية وعلى الإلمام بالتجربة التاريخية. مؤلّفة من ستة رسائل لا تصل أبداً إلى اصحابها، تتجلّى رواية بركات عبر مناظرٍ مُهشَّمة وذواتٍ مكسورة. مع ذلك، تجد المؤلّفة طريقة لإنقاذ هذا الانكسار وتزويده بملاذٍ من الوحشيّة والقسوة والعمليات الداخلية التي تغيّر الإنسان وتكبح  حاجاته بهدف إبقائه على قيد الحياة. ان ما تبقّى من أولئك الذين عانوا من الحروب والعنف آنذاك، ما هو إلا «مضخّة للاستعمال المفيد» قد تتوقّف عن العمل في أي لحظة.

الحالة الميكانيكية للحصانة ضد الألم والجنون، التي تصفها بركات على نحوٍ بارعٍ في روايتها، قد سَمَحَت للبنانيين على وجه التحديد بالصّمود والعيش، على الرغم من الدمار المادي والانهيار الداخلي. يعيش هؤلاء الناجون من الحرب في مساحاتٍ عَتَبيّة في لبنان وخارجه، وقد تغيّروا وتصلّبوا بعد أن تنازلوا عن حقهم في الماضي من أجل الولوج إلى مستقبل لمّاعٍ وهّاجٍ يومضُ كعلامة مسيحانيّة. هكذا، تمكّن هؤلاء من احتواء انكسارهم عن طريق الحفاظ على الوظيفة الأساسية للآلة، أي ضخ السوائل وتوزيعها على كافّة الأعضاء. إلّا أنه، وفي ضوء الأحداث الأخيرة التي حلّت بلبنان وغيره من دول المنطقة من انهيارات سياسية واقتصادية إلى حروب وأوبئة وانفجارات، فإن عمل هذه الآلة يتعرّض مرّة أخرى للخطر.

عندما انفجر مرفأ بيروت في الرابع من آب/أغسطس العام ٢٠٢٠، كانت صُوَر الدّخان الأسود المتصاعد من موقع الحادث تشبه صورة «الوَحْشْ» الذي يستعد لالتهام المدينة وابتلاعها إلى الأبد. بعد فترة وجيزة، ظهرت مطالبات بالانتقام تمّ التعبير عنها بشعار: « لن نحاسبكم، سوف ننتقم!». يمثل هذا الشعار ابتعاداً مهماً عن دعوات المطالبة بالديمقراطية والشفافية التي أطلقها اللبنانيون عندما نزلوا إلى الشارع  في شهر تشرين الأول/أكتوبر من العام ٢٠١٩، لإسقاط الطبقة الحاكمة. عبَّرَت الدعوة للانتقام عن ظهور مواطنٍ التقى بالوحش وجهاً لوجه، ولم تعد تخدعه الومضات الليبرالية للإصلاح الحكومي. شكّلت الدعوة إلى الانتقام صدى لمواجهة وحشيّة قد أنهت حقبة ما بعد الحرب التي تم خلالها احتواء الهمجيّة. فالدعوة للثأر إذن هي دعوة إلى التهام ما التهم الناس ومدينتهم، وجرّدهم من آليات الدفاع وأدوات النجاة. كَفعلٍ يتوّج ملحمة وحشية، افتتح الانفجار مرحلة جديدة ستؤثر على الحالة البشرية وستتطلّب أنماطاً مختلفة من المواجهة. لهذا، نحن بحاجة إلى الرجوع إلى التاريخ واللغة، والتنقيب عن أنساب وتصنيفات الوحش المُجبَرين على مصارعته.

في اللغة العربية، يقدم المُشتَقّ «وَ. حـ . ش» مدخلاً خصباً للتّفكّر في الحالة الراهنة للتحول الاجتماعي والسياسي في لبنان والمنطقة. تُشتَقُّ كلمة «وَحْشْ» من «الوِحْشَة» التي تدل على حالة الغُربة أو الضّياع أو الاغتراب أو الوحدة، كما الوحشيّة والبهيميّة، وهي حالةٌ تتّسمُ بتقهقر وانسحاب ما هو بشريّ[2]. ترتبط الوحشة أيضاً بالفضاءات المقفرة مثل مواقع الخراب أو البرية أو القَفر، وهي أماكن تسهل عملية «التَّوَحُّشْ»، أي التحوّل من إنسانٍ إلى وحش، والتسبب بالهمجيّة والشّراسة والعزلة والبربريّة. إذن، «المُتَوَحِّشْ» (أي الشَّرِس والضّاري والهمجيّ) هو من انفصل عن المجتمع البشري كمنشأ الهوية ومنبتها ليصبح شيئاً آخر مُحَوَّل ومُشوَّه بشكلٍ دائمِ. وضع مفكّرون مثل جيل دولوز وفيليكس غوتاري وأشيل مبيمبي[3]نظريات عن التَّوَحُّشْ باعتباره صيرورة وقوّة كامنة قادرة على قلب المفاهيم الإنسانية للمنظومة أو الجماعة. من رواية «فرانكنشتاين» للكاتبة ماري شيلي إلى «فرانكشتاين في بغداد» للعراقي أحمد السعداوي، أصبح التَّوَحُّشْ أيضاً تقليداً أدبياً ونموذجاً للمواجهة يتحدى الإنسان ككيان اجتماعي ونفسي.

هذا وقد زوّدتنا الثقافة العربية بلمحات متعدّدة عن التَّوَحُّشْ. من هيئة «المجنون» الذي يظهر في المنمنمات مُحاطاً بالحيوانات، إلى حالة الصعاليك الذين ماتوا جوعاً في بوادي شبه الجزيرة العربية قبل الإسلام. يشير التَّوَحُّشْ هنا إلى حالٍ ونمط عيشٍ محدّد هو مزيج من الغضب والألم الذي يرغب في تدمير كل شيء، ومن ضمن ذلك تدمير الذات. غالباً ما يكون المُتَوَحِّش هو الشرير الذي يصرخ مُطالباً بالانتقام، أو آكل لحوم البشر الذي يريد أن يأكل من أكله. بعد طرده من القبيلة ونفيه إلى البادية، يُقسِمُ الشاعر الجاهلي «الشنفرى» على الانتقام بقتل مئة من قبيلته. يعبّر الشنفرى عن توحشّه في قصيدة  «لامية العرب»، إذ يستحوذ عليه تحوّلٌ جسديّ يؤول به في النهاية إلى نقطة التفكّك والانحلال. في اللاميات، تحصل عمليّة التَّوَحُّش في الجسد وفي داخل الأحشاء، إذ تلتفُّ حوايا بطنه وتتقّلب وتلتوي. يؤطر الجوع والإقصاء من المجتمع والعنف القبلي توحّشه وعودته الانتقاميّة كقاتلٍ وكشاعرٍ يندّد بالعنف والظلم الذي تعرّض له. ينبثق من هذه السيرورة الشعر والموت والوعي الجديد الذي يبشّر بمشروع سياسي وشعري يجرّد الإنسان من قلبه ودمه، دون إمكانية للخلاص والانعتاق. هي صفحةٌ بيضاء أو لوحٌ فارغ مُبهِجٌ ومُرعِبٌ في نفس الوقت.

دفعت الحرب الأهلية اللبنانية بعنفها ومنفاها القسري الكُتّاب والفنانين مثل هدى بركات إلى مساحات من «الوِحشَة» أو القَفر الوحشي مشابه للذي عاشه الشنفرى[4]. تنبثق هذه الوِحشة الأدبية من حالة السُّكنى مع الذات والعيش في النص والانفصال عن القبيلة. وبينما يكتبون ويبدعون، يضطر هؤلاء الكُتّاب والفنانون إلى تحمّل هذا العنف والتّصالح مع حقيقة أنه حوّلهم إلى لاجئين في الخارج كما في أوطانهم وفي أجسادهم. في حالة الوِحشة هذه، تصبح الكتابة هي المسرح الذي يستحضر الوحش، والذي يشرع في نحره مراراً وتكراراً، لكن من دون جدوى. فالوحش يحمل مرآة الذات أيضاً؛ يدخلها ويشكّل وعيها تماماً مثل «غريغور سامسا» الذي يتحوّل إلى حشرة عملاقة ويفكّر مثلها في رواية «المِسخ» لـ فرانز كافكا. كيف نتغلّب على الوحوش والمسوخ التي تحولنا إليها؟

مع اشتداد الحروب والصراعات في منطقتنا، صار التَّوَحُّش منهج لحالة الوجود. ليس من المبالغة أن نقول إننا دخلنا مرحلة التَّوَحُّش الذي، ومهما كانت درجة طواعيته، يتخطّى عنف ووحشية أي مشروع متعطش للدماء[5]. إنتقل الوحش من الخارج إلى الداخل ليعيش إلى الأبد في الأحشاء، يسكنها ويطاردها ولا يفارقها أبداً. إستولى هذا الوحش أيضاً على مساحاتنا الحميمة، فقد دخل أسرّتنا وأصبح بمكانة حبيبٍ لنا. يتّخذ الوَحش شكل الألواح والشاشات الإلكترونيّة التي تربطنا بصورة الآخر وبصوته وبالشعور بالانتماء إلى عائلة ووطن، هي صورة قريبة جداً ولكنها بعيدة المنال تماماً. كعاملة في خدمة الكارثة، أدت عمليات الإغلاق التام والحَجر إلى تعاظم كرنفال التَّوَحُّش وإلى حشرنا أكثر فأكثر داخل الكهوف المنعزلة وقاعات المرايا.

ككائناتٍ بشريّة مُحَوَّلة ومُشوَّهة، أصبح علينا مواجهة الوحش من الداخل والخارج معاً من خلال التعلّم من الصعاليك وغيرهم من المحتالين والمكّارين. علينا مواجهة الوحش الذي انتقل من وسط بيروت في فترة الحرب الأهلية وغيره من مسارح الحروب في منطقتنا، ليعيش في أعماقنا وأحشائنا ويقحمنا نحن ومدننا داخل القَفر ووراء البحر. كان الصعاليك متمرسين  في هذه اللعبة، إذ قاموا بتمثيل وأداء وحوش شبه الجزيرة العربية قبل الإسلام، منها شخصية «الغول». قمتُ بدعوة هؤلاء الكُتّاب والفنانين المحكومين بالوِحشة، والذين عاشوا طويلاً مع الوحش وفهموا لغته، إلى فضح عنفه وآثار هذا العنف على الجسد وعلى الوعي. كما قمتُ بمناشدتهم لمواجهته، إذ أننا لم نعد قادرين على أن نحذو حذو شهرزاد ونؤجّل نَصل سيف الجلّاد عند الفجر. المشاركون/ات الذين دعوتهم هم شُعراء-صعاليك ومخترقون وخارجون عن القانون، كلٌّ  بطريقته/ها الخاصة. هم أيضاً انفصلوا عن القبيلة وشوّهوا سمعتها منذ زمن بعيد. لقد صعدوا على خشبة المسرح وأدّوا أدوارهم وواجهوا الوحشية مراراً وتكراراً، من بيروت والقاهرة إلى باريس وبرلين. لقد دعوتهم إلى سرد رواية الوحش والكشف عنه من خلال أعمالهم، وإلى جعل الوحش يتكلم بإسمه لننتقم منه جميعاً.

طلبتُ من هدى بركات أن تتحدث عن توحُّشِها مرة أخرى. في قَفر الإيمان والدهشة، سوف تستعرض بركات نقطة انكسار اللغة في لحظة تكوّنها الأوليّة. بينما سيمثّل حامد سنو ذلك التَّوَحُّشْ الجسدي الذي يخرج من بطنه ومن أحشائه ليستحوذ على  وجهه وصوته، ويجعله غير معروف إذ يصل بأمان إلى أرض اللاميعاد. يظهرأحمد ناجي في بثٍّ مباشر من بطن الوحش ومن مصنع الوحوش ليروي التاريخ ويحلّل أحلام الآلة الوحشية. وتتعقّب إيمان مرسال خطى الطهطاوي في مرسيليا، في سعيٍ منها إلى فهم انكساره بعد زهاء مئتي عام. حَوَّلَ انهيار الطهطاوي، الذي افتتح الحداثة العربية، الجسد إلى كومة من العظام التي يجب تدبيرها.  أما ربيع مروّة، فسوف يقوم  بالتّنقيب في هذه العظام وبنبش الموتى في جسده الذي أصبح الآن قبراً مجهولاً. يسعى مروّة إلى فضح هذا الانمحاء المطلق الذي يحصل عندما تفقد الحياة البشرية كلّ اتجاه. يستحضر هؤلاء المشاركون الخمسة «الوَحْش» في نصوصهم ويواجهون عنفه بكل أشكاله.

ترجمة: زياد شكرون


[1]هدى بركات، «بريد الليل»، بيروت: دار الآداب، 2018 ، ص. 107.

[2]إبن منظور، «و حـ ش»، في لسان العرب، تحرير علي شري ، 18 مجلدا. (بيروت: دار إحياء التراث العربي، 1988)، 15-16؛ 168-170.

[3]جيل دولوز وفيليكس غوتاري، «مكافحة أوديب: الرأسمالية وانفصام الشخصية» (باريس: منشورات مينوي، 1972) وأشيل مبيمبي، «الوحشيّة» (باريس: منشورات لا ديكوڤيرت، 2020)

[4]طارق العريس، «عودة الوحش: من قصيدة ما قبل الإسلام إلى الرواية المعاصرة». مجلة الأدب العربي (2016)، 47.1-2: 62-90.

[5]المرجع هنا هو بيان  «إدارة التَّوَحُّش» لأبو بكر ناجي الجهادي في العام 2004.