المشتق نشرة إلكترونية نصف سنوية تم إطلاقها في تشرين الأول ٢٠٢٠، وذلك في خضم إنهيار سياسي واجتماعي واقتصادي وبيئي غير مسبوق في لبنان، هي محاولة لبناء مفردات وأساليب وممارسات جماعية قادرة على تفكيك الهجوم الممنهج الذي نواجهه وكيفية التعامل معه.

المشتق هي تلميذة إنتفاضة ١٧تشرين اول ٢٠١٩؛ إنها أولاً وقبل كل شيء كائن جذري يكمن حولها تعبئة وتكثيف مجموعة متنوعة من الممارسات العملية. من خلال تجربة نموذج التحرير الجماعي المشترك "مجموعة متنوعة من المحررين الضيوف"، فإن كل عدد هو وقبل كل شيء عذرًا للتفكير والعمل معًا وطريقة لتوسيع وتقوية شبكات الأصدقاء والحلفاء من خلال أنماط مختلفة من الخطاب والفكر والعمل.

في كل عدد جديد من المشتق يتم دعوة ثلاثة محررين ضيوف، ولكل واحد منهن\م محور معين منطلق من كلمة "جذر" مكونة من ثلاثة أحرف. ثم يتعاون كل محرر مع خمسة مساهمات\ين للمساعدة في الكشف عن الجوانب المختلفة لكل موضوع، بالإضافة إلى مساهمة فنية تستجيب لكل نص.

قلق – تدوينات من صناعة فيلم

غسّان حلواني

صهيب أيوب, غير معنون, ألوان مائية. ٢٠١٩

تمهيد 
رشا السلطي

سنة 2018، أكمل الفنان التشكيلي والمخرج غسان حلواني فيلمه الطويل الأوّل، “طرس، رحلة الصعود إلى المرئي”. يشكّل الفيلم رحلة صادقة تسبر أسئلة وجوديّة متجسّدة في صور، ومشاعر، وإشارات، واستعارات ومجازات، حول معنى الاستمرار في العيش في ظلّ غياب شخص مختطف، والتعايش مع أرشيف «لجنة أهالي المخطوفين والمفقودين في لبنان»، والإشارة إلى الغياب الحاضر، وتقبّله.

لا شكّ في أنّ قضيّة آلاف الأشخاص المفقودين خلال الحرب الأهليّة اللبنانيّة هي من موروثاتها الأكثر تأثيرًا وديمومة والتي ما زالت معلّقة حتّى يومنا هذا. منذ أن أنهى اتّفاق الطائف النزاع المسلّح، حاولت الميليشيات المتقاتلة، والتي تَحَوَّلَ زعماؤها إلى حلفاء سياسيّين في الجمهوريّة، دفن الآثار الفاضحة لجرائمهم، ماحين معالم عشرات المقابر الجماعيّة وطامسين مسألة المفقودين والمخفيّين. هل يمكن لشخص مفقود أن يُرغَم على الاختفاء؟ يجري طمس مغزى العيش، وتأسيس حياة، في قلق لامتناهٍ وحتمي، في ظلّ شخص بقي لغز اختفائه غير محلول، ومعلّقًا بشكل من أشكال الانتظار.
منذ اكتشافي الأوّل للفيلم، لفتتني آليّته وبناؤه المتشابك المثير للدهشة، وذلك نتيجة سنوات عديدة من العمل الدؤوب في حبك دقيق وخلاق لعناصر مرئيّة وسرديّة. فعلى مدى كل هذه السنين، جمع حلواني تدوينات كان يسجّل فيها مشاهد من أحداث عاشها، وحالات راقبها، ومقابلات أجراها مع اختصاصيين. كما أعاد صياغة مقالات صحافيّة. هنا، يكشف حلواني عن عناصر من أحجيته الرائعة، مستخدمًا رسومًاوثلاث تدوينات منسوبة لثلاث شخصيات مختلفة من الفيلم، مركبة كأنها حوار.

غسان حلواني, مقابر بيروت الجماعيّة في بدلة حماية السلم الأهلي,

قلق – تدوينات من صناعة فيلم

الصحافي

٦ كانون الأوّل/ ديسمبر ٢٠٠٥، سهل البقاع. داخل حقل سنابل قمح في سهل مجدل عنجر، عند سفح تلّة مقام النبي العزير.
على بعد أمتار قليلة من تلك التلّة، يمكن للمرء أن يلحظ تشوهًا بارزًا في المشهد وسط حقل سنابل القمح، أشبه بالانحدار. يمكن رؤيته بشكل أفضل من عند الجامع الموجود أعلى التلّة.
يبلغ ارتفاع التلّة ٧٥ مترًا تقريبًا.

المدعي العام

[…] يتبيّن من التحقيقات المجراة والتقارير الفنيّة والعلمية والمخبرية، أن ما أمكن جمعه من الرفات المحطم والمبعثر عائد إلى:

  1. جنين عدد ١
  2. مولود في الشهر الأول عدد ١
  3. مولود رضيع من الشهر التاسع حتى الشهر الثاني عشر عدد ١
  4. مولود من عمر سنتين إلى ١٤ سنة عدد ٧
  5. مولود من عمر ١٦ إلى ٢٥  سنة عدد ١
  6. مولود من عمر ٣٠ إلى ٥٩ سنة عدد ١٥
  7. مولود من عمر ٦٠ إلى ٨٠- سنة عدد ٨

الصحافي

ربضنا على التلّة ثلاثة أيّام طويلة وحارّة.
سُربت معلومات بأنّ شيئًا ما كان على وشك الحدوث في المنطقة.
لذا وما إن سمعنا ذلك توجّهنا على جناح السرعة إلى السهل، حتّى قبل حضور أيّ شخص، هناك نصبنا معدّاتنا وبدأنا ننتظر.
كانت السماء منقشعة الغيوم  تماماً، ما يُنبئ بنهار حارّ في السهل.
جال نظرنا في النبات والزهر البرّيّ. نسمة لطيفة كانت تنفخ في حقل سنابل القمح. كان الجوّ ساكناً؛ ولم نكن نسمع سوى زقزقة العصافير، وحفيف النسمات. 
فجأة، ارتفع هدير محرّكات ممزقًا ذلك السكون.
من وراء التلّة، ظهرت جرّافة تليها قافلة من السيّارات الأمنيّة التيّ تقدمت داخل الحقل، وتوقّفت عند الانحدار البارز في الأرض.
طلبوا منّا مغادرة المكان فورًا وقاموا بعزل الموقع.
سُمح لنا بالمشاهدة عن بُعد فقط.
بدأوا يتحدثون في ما بينهم ويشيرون إلى ناحية بعض النقاط، بعد ذلك تحرّكت الجرّافة رافعةً ذراعها الحديديّة وغرزتها في الأرض، في قلب ذلك الانحدار.
كانت التربة التيّ رفعتها الجرافة سوداء.
تعجّب أحد سكّان القرية الذي كان واقفًا معنا،  متمتمًا من خلفنا بأنّ تربة هذه الأرض مفترض أن تكون حمراء. وبالفعل، كانت تظهر في بعض مواقع التلّة الصخريّة على يميننا بقع من التربة الحمراء بشكل جليّ.
التربة السوداء كانت غريبة عن هذه الأرض، ولا بدّ أنها استُقدمت من مكان آخر.
استمرّت الجرّافة بالحفر وانتشال الكسوة الترابية السوداء
بعد ذلك بقليل، انضمّت جرّافة ثانية إلى العمليّة.
كنّا بالكاد نستطيع تمييز أي شيء آخر سوى تلك الحركة الحديديّة الثقيلة؛ وكانت القوى الأمنيّة قد قامت بإبعادنا إلى مسافة أكبر عن موقع النبش.
سارعنا إلى قمّة التلّة علّنا نحظى برؤية أفضل، إلّا أن المشهد بدا من هناك مصغّرًا.
الرجال في بذّاتهم كانوا منتشرين في جميع أرجاء الموقع.
الجرافتان كانتا تحفران بعمق أكبر الآن، والحفرة أصبحت واسعة.
بدا لنا من موقعنا، أن الرجال يقومون بنقل أجزاءَ منتشلة من الأرض ويضعونها في أكياس بيضاء.
خرج أحد العسكريين من المنطقة المعزولة، فهرعنا نحوه، إلّا أنه وعلى الفور صرّح بأنّه غير مخوّلٍ الإدلاء بأيّة معلومات. 

الخبير الجنائي

عزيزي غسّان،
أودّ إعلامك أن رسالتك والمستند المرفق قد وصلاني. وبالفعل، لم أستلم أي شيء قبل الآن، باستثناء الخبر الذي يشير إلى أنّك ستقوم بجمع بعض المعلومات وإرسالها إليّ. لا تقلق بشأن وقتي، فقط علمت البارحة أن مشروع التشاد قد تمّ تأجيله لبضعة أيّام، لذا لديّ الكثير من الوقت، وحين أفهم أكثر ما الذيّ تريده منيّ، سيُلهيني ذلك النهار كله. 
قرأت المقالات التي أرسلتها. إنّه بالفعل عمل استقصائي غريب ومربك، يُبقي على أسئلة عديدة من دون إجابات، بداية دعني أقول إنه ليس من المستغرب أن ما تمّ اعتُباره مقبرة جماعيّة، يتضح أنّة بالفعل مقبرة عاديّة. قد يكون الأمر كذلك، ولكن يُتوقَّع أن يقوم المرء ببعض الاستقصاءات قبل استقدام الجرّافات. إن الوسيلة التي استخدمت لتحديد عمر الرفات وزمن دفنها هي الوسيلة المعتمدة لتحديد عمر الجثث، ولا شكّ أنّ رصاصة نحاسيّة موجودة في الموقع ليست كافيّة لتكون دليلاً قاطعاً.

المدعي العام

بعد الاطلاع على كتاب معالي وزير العدل رقم ٣/٧٠٩٤ تاريخ ٢٠٠٥/١٢/٦ والذي يطلب فيه إجراء التحقيقات وتحريك الدعوى العامة بخصوص المقابر الجماعية المكتشفة في مناطق مختلفة من لبنان، وعلى الأوراق كافة المتعلقة بالعثور على رفات في محلة تلة النبي العزيز الكائنة في خراج بلدة عنجر، وبعد أعمال التنقيب بإشراف النيابة العامة الاستئنافية في البقاع، ونقل الرفات الى مقرّ عام قوى الأمن الداخلي من قبل لجنة طبية متخصصة، وجمع ما أمكن جمعه من هياكل عظمية محطمة ومبعثرة، وبعد اجراء المعاينات والفحوصات العلمية والمخبرية تبيّن ما يلي: 
إن عدد  الذكور هو ١٨ وعدد الإناث ١٠ بينهم امرأة حامل، وإن ١٦ رفاتًا تعذر تحديد جنسها، وإن عمر الدفن متفاوت يعود أحدثها لمدّة ٥٠ سنة وأقدمها لمدة تزيد عن ٣٥٠ سنة، وإنه لم تلاحظ آثار إصابات بأسلحة نارية.
[…] تبيّن بأن الظرف النحاسي الفارغ والمضبوط عائد لمسدس فرنسي طراز ١٨٩٢ وكان مستعملاً من قبل الشرطة في المستعمرات الفرنسية وقد بوشر بتصنيع هذا النوع من الرصاص عام ١٨٩٢ وتوقف تصنيعه رسمياً  في بداية الخمسينات.
[…]لجهة القطعة الفخاريّة، أودعت الجامعة اللبنانية قسم الآثار لدراسة ما إذا كانت لها قيمة أثرية أم لا.
[…] تبيّن ان قطع القماش التي عثر عليها (سروال عسكري وكنزة عسكرية) لا علاقة لها بالرفات  بدليل عدم امتزاج القطع القماشية بأي من السوائل والبقايا البيولوجية الحيوية بما في ذلك تلك التي تنتج عن تفكك وتحلل الجثة.

الخبير الجنائي

ما أثار حيرتي أيضًا هو إجراء فحوصات الحمض النووي على العظام!، لا وبل صور أشعّة لكلّ عظمة. عادة، تقوم بذلك عندما يكون لديك فرضيّة حول هويّة الأشخاص المدفونين في المكان. يُستخرَج الحمض النووي لهدف مقارنته مع الحمض النووي لأفراد أحياء من العائلة. ولكن في حالتنا هذه، وفي ظلّ غياب أيّ فكرة عن هويّة الضحايا، وغياب أيّ عيّنة من الأقارب لغرض المقارنة، فإنه من غير المنطقيّ القيّام بهذه العملية. 
استوقفني أيضًا وصف الموقع. فمن الغريب أن يقوم الفاعلون باختيار منطقة صخريّة لدفن الجثث أو إخفائها. يُشكّل حفر مقبرة عملًا شاقاً، والناس كسالى عمومًا، لذا من المهم البحث عن سبب أو دافع لاختيار هكذا موقع كمكان لإخفاء الجرائم. لربّما كان هذا المكان الوحيد المتاح في المنطقة لدفن الجثث من دون شهود. الأمر عينه ينطبق على المقبرة العاديّة،  باعتقادي لا تشكّل الأرض الصخريّة المكان الأمثل لمقبرة (إلّا في حال عدم وجود خيارات أخرى على امتداد منطقة جغرافيّة واسعة).

الصحافي

كانت الشائعات المشؤومة قد شقّت طريقها إلى أعلى التلّة. أخبرنا سكّان القرية قصصًا تناقلها الناس شفهياً حول ما كان يحدث هنا. كمنتْ مهمتنا في تبيان ما يمكن أن يكون حقيقةً وفصله عمّا قد يكون اسطورة أو شائعات محلّيّة. 
لم يغادر أحد منّا التلّة. على مدى ثلاثة أيّام، بقينا هنا نراقب عن بعد ما بدا وكأنّه عمليّة لا نهاية لها.
اعترانا الشكّ. ولكثرة ما حدّقنا من هذه المسافة البعيدة ولهذه المدّة الطويلة، تحت أشعّة شمس حارقة، ومع هوَسنا بالبحث عن الحقيقة، سرحت مخيّلتنا، وبات المشهد ضبابيًّا. 
سحرتنا حركة ذراعيّ الآلتين الميكانيكيّة المتكرّرة، كما هدير المحرّكات القوي. حملتنا هلوساتنا نحو فكرة أنّ شيئًا مروعاً على وشك الحدوث. بعد الترقب طوال هذه المدّة أصبحنا منهكين، انتفخ فضولنا من اللهفة والغضب. فقدت مخيلتنا كلّ الضوابط في حين كانت عقولنا تعيدنا إلى القصص المشؤومة التي رُويت لنا.
كصحافيّين، أصبحنا مهووسين بمهمّتنا، وكنّا، وحتّى تلك اللحظة، قد عجزنا عن القيّام بها.
الكبت والغضب كانا يهدران في نفوسنا، نحتاج إلى نهاية! أصبح واضحاً في تلك المرحلة، أنّ ما جرى نبشه لن يرتقي إلى مستوى التكهنات التي كانت تحيكها مخيّلاتنا.
والتي نودّ أن نظهرها إلى العالم!

الخبير الجنائي

الأمر الأخير الذي أودّ الإشارة إليه، علمًا أنني لم أعد أحسّ بالارتياح تجاه ذلك، فمن السهل جدًّا على المرء أن يكون جالسًا على كرسيّ خلف الحاسوب، كمّا أفعل الآن، ولكنّي سأذكره في كل الأحوال. لا تقتصر مشكلة عمليّة النبش هذه على غياب بحث مسبق، بل تمتدّ أيضًا إلى الطريقة التي تمّ استخدامها للقيام بذلك. لا تُستخدم الجرّافات في حال كانت النيّة الحفاظ على دلائل أو في حال كنت ترغب     في انتشال جثث كاملة. هذه الآليات عنيفة، ولا تتمتّع بالدقة المطلوبة للقيام بهذا العمل، بل هي تلحق الضرر أكثر ممّا تساعد على كشف أي شيء.
أستخدمُ مع زملائي الرفش والفرشاة، وربّما جرّافة صغيرة من أجل جرف الطبقة العليا من التربة (وهو أمر غير ممكن في منطقة صخريّة). كما أنّ عمليّة النبش تأخذ وقتًا يفوق بأشواط الفترة المذكورة في المقالات، وهو وقتٌ ضروريٌّ لتفادي مزج العظام وفصل الجثث (إلّا إذا وُضعت في المقبرة وهي مفصولة، وهو أمر غير شائع).
غسّان، تلك هي انطباعاتي الأولى، ولكن، بصراحة، لا أعلم ما إذا كانت تجيب عن تساؤلاتك. لا تتردّد في الاتّصال بي مجدّدًا. أعي أنّ ما أرسلته إليك لتوّي هو تقنيّ بحت ولا يمتّ بصلة إلى اللغة الواجب اعتمادها للتواصل.

غسان حلواني, المنحدر – سهل البقاع, . 2014

المدعي العام

التنوع في جنس أصحاب الرفات والتفاوت في أعمارهم يدل على أنهم دفنوا في محلة تلّة النبي العزيز بعد اعتماد تلك المنطقة كمدفن قبل ٣٥٠ سنة، وأن آخر واقعة دفن حصلت قبل ٥٠ سنة.
وحيث يضاف إلى ذلك أن أحداً من أهل المفقودين في لبنان منذ بداية الأحداث الأليمة عام ١٩٧٥ لم يدَّعِ بفقدان امرأة حامل أو نساء أو أطفال.
وحيث إن ما يؤكد صواب ما انتهت إليه التحاليل المخبرية والعلمية بأن تاريخ دفن الرفات يعود بحد أدنى إلى ٥٠ سنة ويمتد إلى ٣٥٠ سنة وأكثر، هو العثور على ظرف نحاسي لرصاص عائد لمسدس فرنسي صنع ١٨٩٢ والعثور على قطع قماش من الألبسة لا علاقة لها بالرفات، لأن الجثامين دفنت في أكفان أصحابها مسلمون، ولم تدفن مع ألبستها.
وحـیث إن الـشاھـد السـید قـاسـم عـبد الـغني الخـطیب، وھـو مـن مـوالـید 1928 مـن أھـالـي مجـدل عنجـر ومـقیم فـیھا، أدلـى بـأن والـده كـان خـادمـاً لـمقام الـنبي الـعزیـر وقـد ورثـھا عـن جـده، وأن أفـراد عـائـلته دفـنوا فـي تـلة الـنبي الـعزیـر، وأن الـحاكـم الـتركـي رشـدي بـك كان یملك منزلاً في المنطقة ودفن فیھا ثم نقلت رفاته لاحقاً إلى تركیا. 
وحيث إن الشاهد محمد علي حمود وهو من مواليد ١٩٢٥ من أهالي مجدل عنجر ويقيم فيها، أدلى بأن تلة النبي العزيز كانت تستعمل لمدفن الجنود الأتراك، وأن معالم قبورهم بقيت ظاهرة لحين قدوم الأرمن إلى بلدة عنجر، وبأن بعض الأهالي كانوا يدفنون موتاهم في المكان نفسه ومنهم والد زوجته وهو تركي.
وحيث إن الشاهد يوسف محمد حمزة من مواليد ١٩٤٣ من أهالي مجدل عنجر يقيم فيها أدلى بأنه بعد أن حضر بعض الفلسطينيين عام ١٩٤٨وأقاموا في المنازل التي شيدها الفرنسيون أثناء الانتداب دفنوا موتاهم في تلة النبي العزيز إلى أن غادروا المنطقة عام ١٩٥٦.
وحيث يُبنى على جميع ما تقدم، إن الرفات التي عثر عليها في تلة مقام النبي العزيز في بلدة مجدل عنجر في البقاع عائدة لمقبرة عادية  اعتمدها من  توالى على  الإقامة في البلدة من المسلمين لدفن موتاهم من الأجنّة والرضّع والحوامل والفتيان والفتيات والشبان والنساء والكهول والشيوخ والمسنين منذ بداية القرن السابع عشر وحتى أوساط القرن العشرين، وأن ليس بين الرفات من يعود تاريخ وفاته إلى ما بعد عام ١٩٥٠، وأن لا دليل على وجود مقبرة جماعية لرفات توفي أصحابها بعد هذا التاريخ، مما يستتبع القول بوجوب حفظ الأوراق لعدم دليل على وجود جرم جزائي.
لذلك، نقرر حفظ الأوراق لعدم الدليل على وجود جرم جزائي»

بيروت في ٦/٢٠٠٦ 
النائب العام لدى محكمة التمييز
سعيد ميرزا

الصحافي

فجأةً، ذهب الجميع وأصبح الموقع خالياً تمامًا! تُركت الحفرتان لنا من دون حسيب أو رقيب! في البدء كنّا مضطربين، فلم يحرّك أحدنا ساكنًا، إلّا أننا أخيرًا، وكما الكلاب التي تُركت من دون طعام لمدّة ثلاثة أيّام كاملة، هرعنا وغزونا الموقع. وأصبحنا المشهد.
من وصل منّا أوّلًا قفز داخل حفرة، وداس على كلّ شبر فيها. كان في الحفرة فضلات. عظامٌ! بدأنا بجمعها. حفرنا بأيدينا، لننتشل عددًا أكبر منها. هيجان وفوضى. البعض أخذ يكسر العظام بيديه ليتأكد من أنها عظام… وعثرنا على فكّ، ما زال يحمل سنًّا واحدة. لسبب ما، جعلنا هذا الفكّ نعي فجأة أنّنا كنّا نعبث ببقايا بشريّة داخل مقبرة جماعيّة.
جمعنا العظام التي وجدناها في كيس أبيض، ورجونا أحد سكّان القرية بتسليمها إلى السلطات إن عادت إلى هنا.
استاء عدد من زملائنا من الذين وصلوا متأخرين من تصرّفنا الأخير، إذ لم يتمكّنوا من أخذ أيّ صورة للموقع. قفزوا داخل الحفرة، نبشوا بعض العظام، ونسّقوها على التربة السوداء، والتقطوا الصور التي كانوا بحاجة إليها، ومن ثم غادروا.
بقيت العظام مكانها كما نسّقها الصحافيّون.


ترجمة: برونو برمكي