المشتق نشرة إلكترونية نصف سنوية تم إطلاقها في تشرين الأول ٢٠٢٠، وذلك في خضم إنهيار سياسي واجتماعي واقتصادي وبيئي غير مسبوق في لبنان، هي محاولة لبناء مفردات وأساليب وممارسات جماعية قادرة على تفكيك الهجوم الممنهج الذي نواجهه وكيفية التعامل معه.

المشتق هي تلميذة إنتفاضة ١٧تشرين اول ٢٠١٩؛ إنها أولاً وقبل كل شيء كائن جذري يكمن حولها تعبئة وتكثيف مجموعة متنوعة من الممارسات العملية. من خلال تجربة نموذج التحرير الجماعي المشترك "مجموعة متنوعة من المحررين الضيوف"، فإن كل عدد هو وقبل كل شيء عذرًا للتفكير والعمل معًا وطريقة لتوسيع وتقوية شبكات الأصدقاء والحلفاء من خلال أنماط مختلفة من الخطاب والفكر والعمل.

في كل عدد جديد من المشتق يتم دعوة ثلاثة محررين ضيوف، ولكل واحد منهن\م محور معين منطلق من كلمة "جذر" مكونة من ثلاثة أحرف. ثم يتعاون كل محرر مع خمسة مساهمات\ين للمساعدة في الكشف عن الجوانب المختلفة لكل موضوع، بالإضافة إلى مساهمة فنية تستجيب لكل نص.

إذا سمحت الأحوال الجوية…

هايغ أيفازيان

العدد الأول من «المُشتَق»

نطلق اليوم العدد الأول من «المُشتَق» والذي من المُخطط له – إذا سمحت الأحوال الجوية – أن يغدو إصداراً نصف سنوياً، ينبع من احتياجنا للاشتراك في التفكير بل وفي الشعور أيضاً. لقد وجّهنا الدعوة لثلاث محرّرات/ين اقترحنا على كل منهن/م جذراً ثلاثياً، نستشرف فيها مفاتيحَ مقبوضة، عسى أن تفُضَّ لنا اشتقاقاتها ما أحاط بنا من عُقدٍ. نتأمل في مَجمع تلك الانفراجات معالمَ دربٍ ما، قد يُفضي إلى حل سلسلة من أعسر المعضلات وأكثرها إلحاحاً. ما معنى مثلاً أن تتردد على لسان طفلة عمرها سبع سنوات أصداء كلمات عمرها 400 عاماً؟ ما هي معالم ذواتنا وقتما ننتظم في أشكال جمعيّة مغايرة، حتى لا يجوز فصل الواحد منا عن الآخر، وما هي أشكال القانون والمراقبة الجديدة التي سوف نخضع لسطوتها؟ كيف نرى أجسادنا، حينما لا يعني العناية بصحّتنا إلا ضمان حماية المستضعفين منا؟

1 – اعتقل 1……. واجه 100

“ما تخلّوهن يستفردوا فينا.” هكذا يحذّر المتظاهرون بعضهم البعض، كي لا يتأخّر أحدهم عن الحشد وحتى يرتصّ الجميع، تجنّباً للتعرّض للاختطاف من قِبل الدرك أو الجيش أو الزعران.

يوم 16 تشرين الثاني 2019، يقف سامر بين حشد من الناس على جسر فؤاد شهاب المعروف باسم “الرينغ”. وكما اقتضت العادة، قطع المعتصمات/ون السير على الجسر، وصرن/صاروا يهتفن/ون رفضاً لإخلاء الطريق إلى أن تتحقّق مطالبهن/م بالعيش الكريم والتحرّر من عقودٍ من الفساد والنهب الممنهج. وكما اقتضت العادة أيضاً، تندسّ عناصر مخابرات الأمن والجيش في ثيابهم المدنية بين المتظاهرات/ين، ن محاولين غرس البلبلة بين صفوف الحراك.

يقرّر سامر ورفيقه علي، وقد ساورتهما المخاوف حول تردّي الوضع، أن ينفصلا عن الحشد وأن يعودا أدراجهما إلى منزليهما. وبعد أمتار قليلة وعلى الطريق المؤديّة إلى حيّ الجميزة، يعترض طريقهما رجال مخابرات الجيش في ملابسهم المدنية، وسرعان ما يغيبان عن أبصار رفاقهما على جسر الرينغ. سرعان ما أصيب علي بكسر في ظهره من جراء ركلة استهدفت عموده الفقري، بينما اصطفق وجه سامر بأسفلت الطريق. هكذا بدأت وقائع الشدّة التي تعرضا لها على مدار يومين اثنين، إذ عصبت عيونهما قبل أن يتم اختطافهما وضربهما وإهانتهما وتهديدهما بالسلاح مراراً وتكراراً. درس عسير تعلّمه سامر وعلي وغيرهما الكثيرون، عن المعنى الحقيقي للعُصبة وقوة العدد. وحقاً، أدرك الحراك سريعاً أنه طالما هو كتلة يتعذّر تمييزها، فإن العزة لها، وبمجرد انفصال المتظاهرات/ين عن الحشد، أفراداً أو زرافات، صرن/صاروا ضعفاء يسهل استهدافهن/م.  

لا يسع كلاب السلطة إلا استهداف مَن يعتقدون في زعامتهن/م: أي أولئك ممن تتبادلن/يتبادلون دور ترديد الهتافات في قلب الحشد. ولما كانت قوة ما تتلفظ به الجماعة هو أصلاً سبب تمييز هؤلاء الأفراد، فإن المتظاهرات/ين تضخّمن/يضخمون صوت الجماعة عند كل حادثة توقيف أو خطف أو استدعاء أو تحقيق. وبمجرد إطلاق سراحهن/م تعدّن/يعودون إلى صفوف الحشد وتذكرن/يذكرون كيف كان صوت الجماعة يخترق جدران المخفر أو المحكمة فيصل إليهن/م. كم كانت تبث في أنفسهن/م الطمأنينة، وكم كانت تخل بتوازن السلطات تلك الهتافات التي تذكّرهم بأن من اجتُثَّت من وسط الجماعة تنتمي لجسد أكبر: “اعتقلوا واحد، بينزل مية” يهتفن/ون، و”مش خايفين مش خايفين اعتقلوا كل المعتصمين.”

2 – هتاف… رَجْع

ثم نتابع أخبار النضال القاصي والداني، نضال يعيد تأجيج قلوبنا في اللحظة التي نشعر فيها بانطفاء جذوتها.نضال قديم، نابع من تاريخ أكثر ظلماً وظلاماً وقهراً. لا تبث تلك الأخبار في نفوسنا أملاً وصموداً فحسب، وإنما تجعلنا نمعن النظر في أنفسنا، وفي إخفاقاتنا وفيما جهلناه. نتواصل مع رفاق يفصلنا عنهم المحيط، ونتعلّم منهم دروساً ثمينة. لا يكون التضامن بالعبارات الفارغة، بل إن ثمة الكثير مما ينبغي عمله. ثمة حياة سود مهمة هنا أيضاً، ثمة حياة فلسطينية، ثمة حياة سورية، حياة عراقية…

في الرابع من حزيران 2020 انطلقت مسيرة في بروكلين احتجاجاً على مقتل جمال فلويد، وهو رجل أسود في الخامسة والثلاثين من عمره مات مختنقاً بعد أن رشّه السجانون في مركز احتجاز متروپوليتان برذاذ الفلفل في زنزانته. تقف وينتا-أمور ذات الأعوام السبعة أمام مركز الاحتجاز، صوتها الرنان ينضح من جسدها الضئيل: “ردّدوا اسمه” فيأتيها رد الحشد الهادر. في داخل مركز الاحتجاز، يبدأ الموقوفون في الطَرقِ على قضبان زنازينهم. تسمع وينتا طرقهم: “هل تسمعون الطارقين؟” يصدح سؤالها، “إنهم ينشدون الحرية.”

“ردّدوا اسمه” هتافٌ يرفض أن تذهب أرواح ما لا يُحصى من السود الذين قُتلوا بأيدي الشرطة، من دون أن تتجاوز كونها إحصاءات مجهولة. ولكن، كيف لنا أن نوَفّق بين ضرورة التفرّد هذه – أي تسمية كل فرد قُتِل من جراء وحشية الشرطة، ورد آدميتهم إليهم بعد أن ذبحوا كالبهائم، وإحصاءهم على نحو لا يخلو من الهوس – وبين حقيقة أن كل من هذه الوفيات تمثّل حياةً اجُتُثَّت من أسرة وجماعة، حياةً كتبت نهايتها يد تفرقة عنصرية ممنهجة، ودمرتها ماكينة تقمع حياة السود منذ قرون؟

يقول عضو سابق في حركة «الفهود السود» أطلق سراحه حديثاً بعد أن أمضى قرابة الخمسين عاماً في السجن، وقد أثارت مشاعره مشاهدة مقطع الڤيديو الذي تظهر فيه وينتا-أمور: “إنه ألمٌ عمره 400 عاماً، وها هو يعبُر من خلال هذه الطفلة الصغيرة.”

3- شو بدنا نحكي لنحكي؟

يظل تبادل الحديث مع سائقي السرڤيس أسرع وسيلة لتحميل الأخبار، فهو من دون شك أسرع من أي إنترنت في هذه المدينة. وفي هذه الأيام، يحقق أي تعاطي مع آدمي آخر الغرض نفسه. على سبيل المثال، فإن المشي من بائع القهوة إلى الحلاق على بعد شارع واحد يوفر لي العناوين الرئيسية: سعر صرف الدولار وعدد حالات كوڤيد-19 الجديدة وما نقِصَ من قائمة الدعم الحكومية ومعدّل انقطاع الكهرباء المثير للجنون والغلاء المستحيل…

إن نطاق البطش المتاح تحت تصرف النظام لهو واسعٌ وِسعَ الجحيمِ نفسه. من الروتين المضجر وصولاً إلى الدموية، يستنفذ وقتنا الثمين في ازدحام المرور وبيروقراطية الدولة، بينما يرتكب مجازر جماعية. يعجز عن تأمين مياه الشرب، بينما يُغرِق منظومات بيئية بأسرها من أجل أن يضع يده على المزيد من الأراضي. يحبسنا في مدن ملوثة لا نَفَس فيها، بينما يشوّه سلاسل جبلية عتيقة من أجل استخراج الأسمنت. يفضي بنا إما للانتحار أو للإصابة بالسرطان، ويردينا قتلى على الطرقات إن تجرأنا على المطالبة بعيش أفضل.

كيف لنا أن نخاطب هذه الحملة الشعواء على كرامة الإنسان وغير الإنسان؟ كيف لنا أن نتناول عواقبها، بعيداً عن رصد الحال قهراً اليوم تلو الآخر، وبعيداً عن إحصاء سائق السرڤيس لحقائق مؤلمة صارت عاجزة عن التعبير عن عمق البطش؟ كيف لنا الوقوف على هذا كله، بعيداً عن اللجوء للحقائق والإحصاءات؟ وكيف لنا أن نقوم بكل هذا من زاوية خصوصية السياق، ونحن قادرون على العبور للتضامن مع نضال شقيق؟

هكذا يأتي «المُشتَق» سلسلة من التجارب في أنماط خطاب تشتبك وهذه المُعضلات. وجّهنا الدعوة لكل من إدوين نصر وريّا بدران وهشام عوض لتحرير العدد الأول، ومن ثم أطلقنا صيرورة قوامها تشكيلة من القراءات المشتركة والنقاشات الجمعيّة تتناول ثلاثة اشتقاقات: فرد وصدى ورقم. استكتبَت/استكتب كل من المحررات/ين خمس مساهمات/ين، فأتين/وا بنصوص تباينت أجناسها. وجهن/وجهوا الدعوة أيضاً لفنانة/فنان (أو خمس دي جيه في حالة إدوين) لتناول الثيمة في أشغال فنيّة تصاحب الكتابات المنشورة. وضع أيمن حسن (ستوديو زُمرة) واجهة تعكس هذا الاشتباك والفضّ، كما تقدم بمقترح لكيفية القراءة، يتيح تراكما وحراكاً متدرجا للنصوص الأسبوعية، وذلك من خلال عدة مفاهيم محورية. 

لابد لنا من أن نهشّم وأن نهدم المرّة تلو الأخرى. ثمة الكثير الذي ينبغي المحاربة من أجله والدفاع عنه، على الرغم من كل ما سلبوه منا. لكننا إن لم نُعمّر ملاجئ تؤوينا على درب طويل، طويل كدربنا، إن لم نخلق مساحات نشترك فيها في التفكير وفي الوجود ونستلهم فيها بعضنا البعض، بل ونستمتع فيها مع بعضنا البعض، فقد خسرنا نصف معركة النضال بالفعل. وما هذه إلا محاولة متواضعة لوضع حجر الزاوية لجماعة في اتّساع مطرد، حضورها الروحي مقرون راهناً بالشبكة العنكبوتية، بانتظار أن نلتقي وجهاً لوجه مجدداً.

ترجمة: محمد عبد الله