المشتق نشرة إلكترونية نصف سنوية تم إطلاقها في تشرين الأول ٢٠٢٠، وذلك في خضم إنهيار سياسي واجتماعي واقتصادي وبيئي غير مسبوق في لبنان، هي محاولة لبناء مفردات وأساليب وممارسات جماعية قادرة على تفكيك الهجوم الممنهج الذي نواجهه وكيفية التعامل معه.

المشتق هي تلميذة إنتفاضة ١٧تشرين اول ٢٠١٩؛ إنها أولاً وقبل كل شيء كائن جذري يكمن حولها تعبئة وتكثيف مجموعة متنوعة من الممارسات العملية. من خلال تجربة نموذج التحرير الجماعي المشترك "مجموعة متنوعة من المحررين الضيوف"، فإن كل عدد هو وقبل كل شيء عذرًا للتفكير والعمل معًا وطريقة لتوسيع وتقوية شبكات الأصدقاء والحلفاء من خلال أنماط مختلفة من الخطاب والفكر والعمل.

في كل عدد جديد من المشتق يتم دعوة ثلاثة محررين ضيوف، ولكل واحد منهن\م محور معين منطلق من كلمة "جذر" مكونة من ثلاثة أحرف. ثم يتعاون كل محرر مع خمسة مساهمات\ين للمساعدة في الكشف عن الجوانب المختلفة لكل موضوع، بالإضافة إلى مساهمة فنية تستجيب لكل نص.

وحشة

حامد سنّو

Ali Cherri, from the "Dead Inside" series, watercolor. 2021

clubhouse

جوليان كريستوفر يدعوك : منذ ٣ دقائق

عليك المشاركة في هذه الغرفة. نتحدث أنا، وكورا نيرفال، وجيرارد لابروني، و٦ أشخاص آخرين، عن “تقنيات إزالة صوت النفس من الكلام الإذاعي”

أنا ميّت، عزيزي المستمع. هذا ليس تسجيل مسبق، ولا مجاز . هذه ليست أكذوبة. أنا ميّت، عزيزي المستمع، ونحن في ما يتعدى الحاضر.

رحيل

حصل الأمر عند نقطة التفتيش على الحدود. لا بد أن يكون حصل عندها، إلا إذا كان قد بدأ قبل أن أغادر حتى. ربمّا كانوا قد وضعوا شيئًا في الطعام  عندما كنت في الداخل، شيء بطيء المفعول ؟ لعله كذلك. ربما لا يسري المفعول إلا عندما نكون في الجو، وربما يمكن إبطاله.

أعتقد أنه لربما في الوقت الراهن، لا فرق. لا يهم كيف حصل الأمر، أو متى، المهم أنه حصل، إلا إذا كنت لست بوعي الآن. لا، لا يمكن. لا يهم.

حسنًا، فلأعد بخطواتي. يتوقف سائق التاكسي أمام مطار بيروت التذكاري. أخرج من السيارة واخرج  حقيبتي، وعندما أعود لأدفع للسائق، يبصق شخص في وجهي. أرفع رأسي فأراه يمشي مع رجلين آخرين، يسألني “ع شو عم تنتاكي تطّلعي؟” مشددًا على حروف التأنيث التي يفترض أنها تهينني . يتوقف الرجل وينظر إليّ، كمن يتوقع إجابة. لا يهم، أقول لنفسي، سأخرج من هنا، رغم أن جزءًا مني كان يدفعني لأن أقتلع فمه، وأن أتحسس حنجرته بين أصابعي، أن أخلعها بقبضة مطليّة الأظافر، وأن أغنّي عبر عنقه المعكوف. لكنني تعلمت ألا أبدأ أي شيء من هذا القبيل، لن يأتي أحد لإغاثتي على أية حال، ولا يستأهل الأمر كل هذا. لا شيء يستأهل كل  هذا. لا شيء يعني شيئًا. أشيح بوجهي، ثم أجر حقيبتي بإتجاه  الحمامات كي أغسل وجهي. 

أعتقد أن تلك هي آخر ذكرى لدي عن رؤية نفسي، رأيتني، من مرآة الحمام أحدق في نفسي. وأقول، أنظر لا أحد في المرآة غيرك. لم تستطع عيناي أن تركزان، بدوت أكبر في السن، أو ربما أبهت. رغم ذلك، كان من في المرآة أنا، أنا متأكد من ذلك، أعتقد. أراني أشبهها، ما كان إسمها، أمي؟ الحمامات تطوف.

“أهلا بكم في مطار بيروت التذكاري”

كورا:

كانت مرهقة، عندما وصلَت إلى مقعدها في الطائرة. فتحات الهواء الصغيرة في السقف همست: شششش، دون انقطاع، كأمٍ تهدئ إبنها المحموم.

المحرك التوربيني كبخار حليبي سميك،  يتكاثف بهدوء تحتها، فيشكلّ بساطًا من الدخان  يحملها ويحتضنها. الصوت ينتقل عبر جسدها، يثقل جفونها بصوت عميق، ويداعبها  خلف شحمة أذنيها واصلًا إلى حبالها الصوتية. أغنية تضعها في بطن نجمة، كوكبة كبيرة، تتخطى الشكليات. “في تلك القبلة الطويلة كادت أن تفقد أنفاسها.”

صحيت بينما كان القبطان يتحدث عبر مكبرات الصوت الخشنة، طالبًا من الناس النظر من النوافذ، إلى الجانب الأيمن من الطائرة، لكي يروا بيروت من الجو.

أنا ميت، عزيزي المستمع، ونحن في ما وراء الحاضر.

وحش

شيء ما لم يكن على ما يرام. كان صف المقاعد بجانبي كلّه يحدق بي. قلت لنفسي أن هذه ليست إلا عوارض البارانويا. لم يكن من لبنانيين على الطائرة. فكّرت بأنني أجلس قرب النافذة، ولا بدّ أنهم ينظرون عبر النافذة ولا ينظرون لي بالضرورة. لكنني بعد ذلك نظرت إلى يساري، فأشاح الرجلان الجالسين قربي بنظرهما عني. لم أعرف إن كانت تلك الإشاحة التي يُقصد منها ازالة الخزي، كما عندما يُشيح الناس بنظرهم على الشاطئ، عندما يغيّر أحدهم ملابسه، مع العلم بأنهم سيقضون النهار كلهّم، نصف عراة، سويًا. لم أعرف إن كانت تلك النظرة كذلك، أو إن كان المقصود منها كسر الخوف، مثلما فعلت قبل ذلك على باب المطار لكي أتجنب اعتداءًا ممكنًا. ربما كان الأمر ما بين بين، كما يشيح سكان نيويورك المخضرمون بأنظارهم في محطة المترو بعيدًا عن نظرة المتسوّلة عندما تحدّق فيهم. أفكر بأن النيويوركيين يُبعدون نظرهم مرتين بحركة واحدة، مرة لتجنب الخزي، والحرج الناتج عن نجاتهم، التي يعرفون بأنها أتت على حساب هذه المتسوّلة. ذلك الخزي الذي ينبع من أن يكونوا خيبة أمل، ليس للمتسولة عندما تطلب منهم المال فقط، بل لرؤية هذه المتسولة الذاتية التي تُحدد عبرها الصواب.

أما المرة الثانية فهي لتجنب النظر في عين الباسيلسك، وخطر التقاط الفقر المدقع عبر النظر إليه ومحاولة تجنبه، الموضوع، في النهاية، موضوع منطق. أفترض، ربما، ولعل ذلك سيكون غير ذي صلة. يصبح التمييز هنا اعتباطيًا، إذا كان الخوف مجرد عار طويل الأمد. “تصبح الطبقة العاملة غير مرئية في ظل الرأسمالية المتأخرة” أو شيء من هذا القبيل. هل كان هابرماس من كتب ذلك؟ بغض النظر،  أين يكن العرص الذي قال ذلك، فإنه مخطئ، العالم يرى، لكن الناس لا ينظرون إليهم لفترة كافية لكي يتحولوا ويصبحوا مثلهم. أدخل هنا استعارة حول ارتداء قناع الأكسجين الخاص بك قبل خنق والدتك. الرؤية والإقرار ليسا سيّان.

:Le sausage en procès

شعرت، بعد ثوانٍ، بحرارة ملتهبة لنظرات أحدهم عليّ مجددًا، واستدرت، لأرى بأن الشخص الجالس على يساري، يحدّق في منشعبي  بزاوية عينه. نظرت في عينيه، منتظرًا أن يلاحظني، لكنه لم ينتبه، إلا عندما حرّكت رجليّ، منتبهًا إلى ثقل غريب في حوضي. نظر الشخص للأعلى عندها، والتقت نظراتنا لجزء من الثانية. أعلم أن ما سأقوله سيبدو وكأنه ضرب من الخيال، لكنني أقسم أنني في هذه البرهة، أصبحت داخل جسده، أنظر إلى جسدي. عندها، أدركت ما يحصل، كان جلد يداي أغمق قليلًا، وكانت لها عروق أكثر، وكانت مُشعرة. قلّبت راحتي يدي لكي أفحصهما عن قرب، فرأيت فيها نتوء كتلك التي تنشأ عندما يقوم المرء بالكثير من الأعمال اليدوية.  قلّبت يديّ مجددًا، فتحسَستْ يدي اليمنى شيئًا لم أعهده قبلًا، كان لي لحية.

بمجرّد ما أشحت بنظري، وجدتني جالسًا مجددًا في مقعدي قرب النافذة، أحدّق في منشعبي.

أنا في جلدي مرّة أخرى، أنظر للأسفل

لماذا أحسّ بأير في بنطالي؟

أنا في جلد الشخص الآخر أنظر لمنشعبي

كيف يحصل كل ذلك ؟

أنا المضيفة، أقدم المرطبات للركاب

أريد أن أسأل ” قهوة أو شاي” لكنني نسيت الكلمات

سأكون الفتاة الجالسة في المقعد ٢٤ د، التي تحدّق بالمضيفة وقد تثبّتت مذهولة في منتصف الممر، بفهما المفتوح قليلًا، وهي تنظر في النافذة على يسارها إلى الشمس السوداء، ويداها ممتدّتان إلى أباريق القهوة والشاي لكي تسكب للمسافرين.

كنت جالسا في مقعد مجددًا، أردت أن أتنفس الصعداء، لكن الشاي السخن كان يتدفّق في حضني، أردت أن أصرخ من ألمي، وأردت المزيد من الألم. حاولت أن أصرخ، لكن صوتي، وفي كل مرة كنت أفتح فمي، كان يعود لي عبر قمرة الطائرة: صوت محرّك توربيني يمّزق الهواء.

أنا عربة البار التي تدور في الممر على الجانب الأيمن من الطائرة، فيما تصطدم بالحائط الذي يفصل الدرجة الإقتصادية عن الدرجة الأولى.

هو، أنا يراني  في حمام الدرجة الأولى، الحمامات تطوف، ثمة غريب ينيكني.

ما كان إسمها، أمي؟

أقف في الممر بسكين بلاستيكي في يدي، وأنزل بنطالي مستعدًّا للقطع، هل هناك من اعتراض؟ هناك وليس هناك، وحيث كان هناك، لم يعد، واستُبدل ما كان لا يمكن امتلاكه، بالحركة المتكررة للنيك.

أنا محرّك الطائرة، أُحرق نفسي، وفيّ الوفرة.

كيف لكلّ ذلك أن يحصل؟

هي، أنا في حمام الدرجة الأولى أنيك غريبًا، أختفي داخله، فيما نحاول أن نعود. ليس هناك سوى الحركة المتكررّة للنيك. نحن في C major.

ينبت الشعر من المقاعد الجلديّة. يقشعرّ البدن، يقشعّر البدن.

سأيتّم نفسي لكي أنظف.

أنا الطفل في ممر الخروج الذي يصرخ من سريره الصغير مناديًا على أمه لكي تأخذه معها. أفتح فمي لكي أصرخ لكن صوتي يعود إليّ من مكبرات الصوت. لا داعي للصراخ بعد الآن، فلتتبرؤوا منّي كما تريدون.

سأتعلم أسمائكم عندما أهجركم.

سأخراكم قريبًا، لن يعود عندها من داعٍ للمجاز.

يحترق المحرّك. هي كل ركاب الرحلة، نفتح فمنا لنغني صوت المحرك. ليس هناك إلا الصوت، بالكاد.

هذه ليست بأكذوبة، عزيزي المستمع، هذا يحصل في البث المباشر. إتصل الآن وأخبرنا برأيك. هذا ليس تسجيل. إتّصل الآن وأخبر ماما أن كل شيء على ما يرام. بلى. لقد متّ، سوف أموت. هل تسمعون ضحكتي عندما أقول كل هذا؟ أم أنني أبكي. سأموت، هل أنتم قربي؟

تدور الطائرة في الهواء. الطائرة هي السماء، لا سماء هنا، ولا هواء، ولا نفس. سينتهي كل ذلك قريبًا. نحن في ما يتعدى الحاضر، تطوف الحمامات من صوتي، ولا كلمات تبقى، ليس إلا الصوت.

هو الطائرة تدور دون هوادة. أنا الجاذبية تشّد الطائرة نحو مرفأ يعج بالمتفجرات. هي، ستيتّم نفسي لكي تكتمل. سأيتّم نفسي لكي أكتمل. هو أنا مات.

هو                     ستارة يصنع

شعر شعر شعر شعر مستعار شعر مستعار شعر مستعار شعر شعر

٩٦١٧٠١٤٣٥١٢ نغمة الإنتظار

اطعن  المنشعب. اطعن المنشعب وصلّح الأمور. أعمل:

واحد إثنان

واحد إثنان

تريتون من ٥

ثم اهبط على ٤ major ٧

عودًا إلى ١ major ٧ ثم اعزف النمط المهيمن.

الحمامات طافت. شدّ أحد ما أوتار البيانو لدرجة جعلتها تنفتق كلّما لمست مفاتيحي. سأيتم جيل بكامله، لكي لا يعرفوا ما الذي فعلتوه بهم.

بابا، هلّا أعدتني إلى جسدك؟ هلا تدعني أغني عبر عنقك ؟ هل ستغسل جسدي وتحملني أرضًا؟ هل ستجعلني نظيفًا. سأنسى إسمك يا ثكلى حين أيتّم نفسي. هي سمعتي الطائرات يا ثكلى قبل الإنفجار؟ هل سمعتيني؟ أنا ميّت، وهذا ليس مجاز .

أهلًا بك في نيويورك.

ترجمة: حسين ناصر الدين