المشتق نشرة إلكترونية نصف سنوية تم إطلاقها في تشرين الأول ٢٠٢٠، وذلك في خضم إنهيار سياسي واجتماعي واقتصادي وبيئي غير مسبوق في لبنان، هي محاولة لبناء مفردات وأساليب وممارسات جماعية قادرة على تفكيك الهجوم الممنهج الذي نواجهه وكيفية التعامل معه.

المشتق هي تلميذة إنتفاضة ١٧تشرين اول ٢٠١٩؛ إنها أولاً وقبل كل شيء كائن جذري يكمن حولها تعبئة وتكثيف مجموعة متنوعة من الممارسات العملية. من خلال تجربة نموذج التحرير الجماعي المشترك "مجموعة متنوعة من المحررين الضيوف"، فإن كل عدد هو وقبل كل شيء عذرًا للتفكير والعمل معًا وطريقة لتوسيع وتقوية شبكات الأصدقاء والحلفاء من خلال أنماط مختلفة من الخطاب والفكر والعمل.

في كل عدد جديد من المشتق يتم دعوة ثلاثة محررين ضيوف، ولكل واحد منهن\م محور معين منطلق من كلمة "جذر" مكونة من ثلاثة أحرف. ثم يتعاون كل محرر مع خمسة مساهمات\ين للمساعدة في الكشف عن الجوانب المختلفة لكل موضوع، بالإضافة إلى مساهمة فنية تستجيب لكل نص.

المقام الثالث: بين ظلال القلق والشفاء

خيّام اللامي

صهيب أيوب, غير معنون, ألوان مائية. ٢٠١٩

منذ سنوات ليست بالبعيدة، عهد إليّ الاشتغال على موسيقى لفيلم كُتب نصّه باللغة العربية، تدور أحداثه في بلد عربي ويتمحور حول حادثة وطنية تاريخية، وقد قام بتمثّيل مَشاهده ممثلون ناطقون بالعربية ايضاً. ضمت نسخة الفيلم الأولى تشكيلة من مقاطع موسيقية وُضعت كيفما اتفق وعلى سبيل النمذجة، تنحو نحو الموسيقى الفنية الغربية[1]، وقد عبّرت في مجملها عمّ تعرض له شخوص الفيلم من قلق وتوتر وهموم، وما في أصل السرد الدرامي من مواقف، وما للتشخيص والتصوير من مفعول. سلّمت حينها عيّنات فيها جمل مُجرّدة للعود والإلكترونيات، فأدهشني ردّهم: “رجاءَ بلا العود وبلا الربع تون”

والمقصود هنا من تعبير “رُبع تُون” الشائع عند العامة، هو الإشارة إلى نغمة السيكاه (سه گاه) المذمومة: وهي النغمة اوالبعد النغمي الذي نسمعه في مقامات الراست والبيات والسيكاه العربية.

إن السيكاه (من الفارسية سه: بمعنى الثالث، وگاه: بمعنى الدرجة أو المقام) هي البعد النغمي الأبرز في موسيقى شمال أفريقيا والشرق الأوسط وبعض من آسيا الوسطى، حتى اصطبغت به الهوية الموسيقية في نطاق جغرافي متّسع، وإن داخلته تنويعات طفيفة، تتفاوت ما بين أهل الصنعة من الموسيقيين أنفسهم.

وعلى الرغم من وصف المستشرق الهولندي ج. پ. ن. لاند لهذا البعد النغمي بأنه “محايد”، والمقصود أنه ليس بعداً كبيراً (ميجور) ولا صغير (مينور)[2]، فإن السيكاه أبعد ما تكون عن ذلك. في الواقع، فإن شخصية هذا البعد النغمي المتلونة والمتنوعة لطالما راوغت أهل الصنعة منذ أيام الفارابي في القرن العاشر. ذلك أنه البعد النغمي الأشد ارتباطاً بما يُعرف بفن الطرَب. ونظراً لما له من عميق الصلة بالمقامات عموماً ولكمونيته الموسيقية خصوصاً، فقد بات امتحان المُلحن واختبار المُطرب والموسيقي، في إستمكانهم من نظام المقامات المفتول.

بيد أن صوت العود – وبخاصة صوت السيكاه – وإن أفرخ قلقاً وتوتراً وهمّاً، فقد أخطأ مقصد المَشاهد في الفيلم بالنسبة لصانعيه ومال عنها. حتى وإن أنتج الحال الإنفعالية ذاتها في تلك المشاهد وفي عيّنات الموسيقى المؤقتة الموضوعة فيها، فقد ارتكنت هذه إلى لغوة موسيقية مغايرة.

أضحيت يومها مشدوهاً بما أسفر عنه هذا الخيار الفنّي الذي بدا لي منطقياً وعضوياً، لعلّتين اثنين: أولاً، العود عنوان موسيقى المنطقة، والآلة الأساس للتنظير والتلحين وغير ذلك منذ قرون خلت. من هذا المقام، فإن للعود في الموسيقى العربية فضل البيانو في الموسيقى الفنية الغربية والجاز ونحو ذلك. وثانياً، فإن المقامات حجر الزاوية في السواد الأعظم من نُظُم الموسيقى في المنطقة العربية. ومن ثم فهي تقوم مكان هيكل نظام التقسيم المتساوي باثني عشر نغمة (التنغيم المعتدل) والسلالم الكبيرة والصغيرة (الميجور والمينور) المستخدمة في الموسيقى “الغربية”.

إن توزيع الآلات وجوهر الأبعاد النغمية – بغض البصر عن مجهود التجريد الذي استعاض عن الاستخدام التقليدي لهما – قد أثار حفيظة ما ، بل وتداعٍ مذموم في هذه الحالة. وهكذا عدت على بدئي، وبحثت عن سبيل موسيقي مغاير ربما يرضي طلبي الفنّي، ويرضي مخرج الفيلم في طلبه. على النقيض مما يظنه العامة، فإن درجة السيكاه لا تكشف عن وجودها اللهم إلا في أربع من المقامات الأساسية التسعة: وهي الراست والبيات والسيكاه والصبا، بينما تخلو منها مقامات العجم والنهاوند والكرد والحجاز والنكريز، كما تخلو منها مقامات الصبا زمزم والجهاركاه واللامي على ندرة استخدامهم.

ولكن ما انفك السؤال يؤرق مضجعي… ترى ما الذي آذاهم في لغوة موسيقية محلية وإقليمية كهذه؟ ماذا تداعى لهم وماذا أثارت في أنفسهم؟

***

لقد انكب أهل الصنائع العلمية طوال تاريخ البشرية على تبويب مسالك الناس وأحوالهم الجسمانية والنفسانية. ونحا أهل الفلسفة النهج ذاته في رسم معالم بعضاً من خصائص الثقافات الموسيقية تحت الأبواب الجسمانية والنفسانية ذاتها، إلى جانب أبواب دراسة الروح وحركة الأفلاك.

ينص مذهب الأخلاط الأربعة – أو الأمزجة الأربعة – وهو مذهب قديم، على أن جسم الإنسان يضم أربعة سوائل وهي الدم والبلغم والصفراء والسوداء، تتصل بأمزجة أربعة وهي التفاؤل والغضب والاكتئاب واللامبالاة، وأن تناسُب هذه الأخلاط يؤثر مباشرة على صحة الإنسان وعلى طباعه ومسلكه.

على الرغم من أن هذا المذهب وتنظيمه يُنسَب لصاحب النظريات الطبية الإغريقي ألكمايون (حوالي 540-500 ق م)، الذي تتلمذ على يد فيثاغورس على الأرجح، وعلى يد أبقراط تحديداً (حوالي 560-370 ق م)، فإن كارل سودهوف يرى أن لهذه المنظومة أصولها في مصر القديمة وبابل والصين والهند (1926:87)، وهو أمر ليس بالغريب على أي ممن تناول الثقافة الإغريقية بالدرس[3].

إن نظام الأيورڤيدا الهندي العتيق، والذي ثبت أن جذوره الشفهية تعود إلى حوالي العام 6000 ق م وإن لم يُدوّن كتابةً حتى حوالي 500 م، يستند إلى فكرة مشابهة وإن كانت أحكم ضبطاً وأدق تركيباً، وهي الدوشات الثلاث: ڤاتا (الريح) وپيتا (الصفراء) وكافا (البلغم)، إلى جانب سبع دهاتوس: راسا (السائل المغذي) وراكتا (الدم) ومامسا (اللحم) وميداس (الدهن) وأستي (العظم) وماجا (النخاع) وشوكرا (المني)[4].

في تلك النُظُم القديمة كلها، كانت الموسيقى عموماً ودرجات حدة التنغيم/ الأوتار/ المقامات على الأخص، تتصل في العادة بكل من حركة الأفلاك السماوية وجسم الإنسان ومسلكه. وفي ثقافة الشرق الأوسط، أشار الكندي (حوالي 801-873 م) إلى اتصال أخلاط البدن وأوتار العود، كما استفاض إخوان الصفا (القرن العاشر الميلادي) ومضوا بعيداً على هذا الدرب. لقد اعتقدت هذه الفرقة الصوفية البصْرية أن عدد أوتار العود الأربعة لم يأت “اعتباطاً، وإنما يرجع لما خلص إليه حكماء الصنعة تماشياً مع ما في غيرها من الأشياء الطبيعية من تربيع”، كما عرضوا لـ”الأثر، سلبياً كان أو إيجابياً، الذي تحدثه نغمات كل وتر من الأوتار إذ هي قادرة على تسخين مزاج وتلطيف آخر.”[5]:

– البلغم+ الصفراءالزير (الوتر الأعلى)
– السوداء+ الدمالمثنّى (الوتر الثاني)
– الصفراء+ البلغمالمَثلث (الوتر الثالث)
– الدم+ السوداءالبم (الوتر الأدنى)

كما تناول الفارابي (حوالي 872 – حوالي 951 م) في مؤلَّفه «كتاب الموسيقى الكبير» تأثير المقامات، لا من زاوية خصائصها الانفعالية وحسب، وإنما كما ورد في كتاب إزغاندروڤا أيضاً:

كان قد استقرأ تأثيرات الأذان و”وصف” المقامات التالية لكل من الصلوات الخمس، نظراً لما لها من تأثير على أهواء الناس: الرهاوي والحسيني بعد صلاة الصبح، والراست بعد طلوع الشمس، والزنكُلاه في منتصف العصر، والنوا بعد صلاة المغرب، والبُزرُك بعد صلاة العشاء، والزيرافكند قبل النوم[6].

يذكّرنا هذا بالنظام الهندوستاني الموسيقي الأقدم عهداً والأحكم ضبطاً والذي يعود إلى شمال الهند، والذي تقترن فيه كل راگا مع راسا (نكهة/ مزاج) كما تقترن بميقات معيّن من مواقيت النهار من المُستحب أن تُعزف فيه. وهو مسار يتوازى ومبادئ الأيورڤيدا فيما يتعلّق بمواقيت كلدوشا، ومقدرة كل راگا على ضبط ميزان المستمع الجسدي، ولا سيما المزاجي[7].

***

طفقت أقلب مفعول السيكاه على المستمع. أتراه يتصل بالتيار الموسيقي العام في المنطقة العربية والذي ينحو لتجنّب استعمال المقامات، أو على أقل تقدير تجنّب السيكاه المذمومة؟ لقد لمست التردد نفسه في سينما المنطقة، إذ ارتضت أن تتضمن أغانٍ عربية بأصوات نسائية تمزج في اتزان ما بين الهوية الوطنية وجماليات صوتية غريبة، وإن كانت تخلو دائماً من السيكاه. نذكر أغنية نور الهدى «تانغو الأمل» أو نجاة الصغيرة «أنا بعشق البحر» على سبيل أبرز الأمثلة.

لا يغيب عن أحد مفعول الموسيقى “الغربية”[8] وانتشار حسّها الجمالي الذي يبسط سلطانه على موسيقى المنطقة العربية منذ منتصف القرن العشرين. يحلو للبعض النظر لهذا الامتزاز من الناحية المجتمع-تاريخية (وهي نظرة سطحية وحرفية للغاية) في إطار الرغبة في “التحديث” أو “التقدم” الناتجة بدورها عن عقود من الاستعمار وهضم أيديولوجيا ومنطق أنغلو-أوروبي حتى صارت تجري في المجتمع والسياسة والثقافة مجرى الدم. بيد أن الحركات القومية في القرن العشرين تغيب عن هذا التصور، هي التي سعت لأن تفرض هويات جديدة – بقدر ما هي مصطنعة – إما بإعتناق سياقها الجغرافي أو بالنأي بنفسها عن محيطها هذا. يعجز هذا التصور أيضاً عن تسديد دائرة الضوء على الكثير من حركات المقاومة الثقافية، شأن موسيقى مرحلة النهضة على سبيل المثال، أو الخلافات الموثقة ما بين الباحثين العرب وأقرانهم من الأوروبيين في المؤتمر الأول للموسيقى العربية المعقود في القاهرة عام 1932. من أين إذن يأتي ذلك البعاد؟

إن تواشج وتشابك الأبعاد النغمية والمقامات والألحان والبنية الموسيقية والإيقاعات والآلات كلها مع الهوية الجغرافية، لا تقل أبداً عن تواشج ألفاظ اللغة العربية ومفرداتها ولهجاتها ولغوياتها. أيمكن لما هو مُجرّد تجريد البعد اللحني أو الخامة الصوتية لآلة ما، أن تكون له المفعولية اللازمة للتعبير عن الهوية المحلية والإقليمية في آن معاً؟ وإن كان، فما سر نفور الكثير من المبدعين من هذا الارتباط والتداعي؟ إن كانت نغمة السيكاه قادرة على إحداث مفعول كهذا، أتراها يا ترى رفضاً لا واعٍ للهوية؟ وإن كان، فلماذا السيكاه وحدها وليس ما لا يُعد ولا يُحصى من المعيّنات الثقافية التي لا تنفك تكشف عن حضورها في شتى ضروب الفن، كاللغة/ اللغوة، أو المناظر الطبيعية أو القصص أو الرموز أو الطهو أو النكت أو غيرها؟ هل ثمة متسلسلة رياضية يمكن أن نعيّن عليها موضع كل من المعيّنات الثقافية تبعاً لمفعولية تعبيرها الثقافي، ومن ثم درجة قبولها؟

لا يعبّر                                       يعبّر على نحو مقبول                                  يعبّر أكثر من اللازم

إن لم تكن مسألة هوية، فما هي إذن؟ مسألة سياسة؟ دين؟ تكنولوجية؟ مزيج سمّي من كل ما سبق؟ ربما يكمن هذا الاشتباك في رواسب حالات تاريخية طريفة، صيغت فيها هويات وطنية أو تأكدّت، بينما وفي الوقت ذاته اعتُنِق إرث أوروبي غريب. ربما كان خير مثال على ذلك هو الإصلاح اللغوي الذي أتى به كمال أتاتورك على اللغة التركية في عقد الثلاثينيات من القرن العشرين، الذي استبدل كلمات عربية أو فارسية بأخرى تركية الأصل، وفي الوقت نفسه استبدال الأبجدية العربية بأخرى لاتينية.

في موسيقى مصر والشام، تمثّل ذلك التوجه في اختفاء التلحين والعزف في قوالب عثمانية شأن السماعي والبشرف، واستبدالها بقوالب جديدة شأن الدور والأغنية والقصيدة. في بغداد، انتشر التخت الشرقي بديلاً عن الجالغي البغدادي التقليدي، واختفت آلات كالسنطور باعتبارها فارسية، أي غير عربية، واستبدلت جميع المفردات الفارسية المستخدمة بقرآة (اي غناء) المقام العراقي بمفردات عربية وذلك على الرغم من احتفاظ الأبعاد النغمية والمقامات بأسمائها الفارسية.

رافقت مرحلة التعريب هذه موجة عارمة لدمج مناهج أوروبية أو موائمة، شأن نظام التدوين الموسيقي الأوروبي أو معاهد دراسة الموسيقى على النهج الأوروبي أو نظام الدوزان بناء على التقسيم المتساوي بأربع عشرين نغمة. كان اللبناني ميخائيل مشاقة أول من اقترح هذا النظام في 1840، ورفضه تقريباً عموم المشاركين في مؤتمر القاهرة عام 1932. ولكنه فرض طريقه على كل حال في كتب نظريات الموسيقى، الأمر الذي جعل منه الأساس الذي استندت إليه التقنيات الموسيقية في القرن العشرين شأن الأورغ الشرقي، ومن ثم انتشر صوته وتغلغل بين عموم المستمعين ولاوعيهم في المنطقة.

مجدداً، لا يغيب على مهتم، اشتباك تلك القضايا والحوادث المحيطة بالإرث الموسيقي والتجديد الموسيقي والمقاومة الموسيقية، وإن لم تنل حظها من البحث والتمحيص، سواء في الماضي أو في الحاضر.

***

تحضرني هنا المرحلة التي تلت الثورات العربية في 2011، وكيف بات الكثير من رفاقي يكتبون بالعربية على شبكات التواصل الاجتماعي، قبل أن يعودون تدريجياً إلى الكتابة بالإنكليزية بعد العام 2016، وقتما تبيّن للجميع أن التغيير غير آت.

يحضرني أيضاً يوم غيّرت شركة أپل الخط العربي المعدّ مسبقاً على برنامج iOS التشغيلي منذ بضع سنوات، كي يغدو أكثر قبولاً. الأمر الذي لم يشجعني فحسب على الكتابة بالعربية، وإنما أيضاً كيف وصلني المزيد من الرسائل من رفاقي كتبت بهذا الخط الجديد. مؤخراً، تغيّر الخط من جديد وبات أقل إثارة ولا يحفز على الاستعمال.

من ثم هناك تلك البهجة الخالصة، التي تتفجر متى ضجت الغرفة بأغنية «نار» لحكيم، المليئة بنغمة السيكاه. بهجة منبعها في رأيي ليس طاقة إيقاع المقسوم الشعبي المصري وحده، وإنما أيضاً الجمل اللحنية والانتقالات المقامية نفسها.

***

في العام 2017 وريثما كنت أتعافى من إنهاك شديد ومن كل ما يصاحبه من قلق واكتئاب وشعور بالضياع، شرعت في الاشتغال على مسودات موسيقية، وذلك على سبيل الاستشفاء. كان في الأصوات الرقيقة المخلّقة والجُمل اللحنية المقامية المجرّدة ما أثار في داخلي شعور بالارتياح، على النقيض من جفاف العود في سرده، بيد أن الأمر لم يستو إلا حينما انبثقت نغمة السيكاه من داخل هذه الأصوات. حينها صار للأمور معنى.

وعلى مدار السنوات السالفة، وجدت نفسي أعود لأفتش بين هذه المسودات، أستمع إليها طلباً للمتعة، وكثيراً ما أعجز عن عزفها مجدداً. على الرغم من أن كلاً من الإرث المقامي من جهة والتقنيات الموسيقية والأساليب التلحينية الأوروبية والولايات المتحدة الأميركية من جهة أخرى، حاضرين كليهما بالقدر ذاته، فإنني متيقن من أمر واحد: من دون السيكاه، ليس ثمة ما يُذكر.

أميل للاعتقاد بأن نغمة السيكاه شديدة المفعول وعميقة الاتصال بثقافة المنطقة، الأمر الذي جعلها محل نفور فيها. أعتقد أنها تمثّل الثقافة أكثر من اللازم، ومن ثم فهي تستثير ردة فعل تتصل بالواقع السياسي الذي حطم قلوب الكثير منا، على أقل تقدير، إن لم يقض على بعضنا. وأميل أيضاً للاعتقاد والمحاججة بأنه وكما صيغت تلك التداعيات والارتباطات القديمة، فإن بمقدورنا أن نصوغ تداعيات جديدة. ولكن الصعوبة تظل في أن نعرف من أين لنا البدء.

تعريب: محمد عبدالله


[1] لم نجد تعريباً للجنس الموسيقي «Art Music» غير ذلك، تمييزاً له عن الموسيقى الشعبية والموسيقى التقليدية، وهو تمييز اعتباطي لا نعلم له سنداً. (المعرّب)

[2] لاند، ج. پ. ن. «دراسات في تاريخ المنطقة العربية، جلسات منتدى المستشرقين الدولي السادس 1883 في لايدن»، 1883، ص. 61.

[3] على سبيل المثال وليس الحصر، فإن كل من نظرية فيثاغورس (أ2 22) واكتشافه المزعوم للصلة التي تربط الموسيقى بالرياضيات هي معارف درست جذورها في ثقافات مصر وبلاد ما بين النهرين حق دراسة. انظر غاثري (1987:20 and 61) ونويغباور (1996:36) وكايزر (1970:46).

[4] لارسون، غ. ج. (1987) «أيورڤيدا ونظم الفلسفة الهندية القديمة»، سلسلة الفسلفة شرقاً وغرباً، 37(3), ص. 245-249.

[5] رايت، و (2010) «رسائل إخوان الصفا: في الموسيقى». أكسفورد: إصدارات جامعة أكسفورد، ص. 15-16. doi: 10.1093/jis/etr077.

[6]إزغاندروڤا، ن (2015) «الموسيقى في الرعاية الروحية الإسلامية: مراجعة مصادر كلاسيكية»، سلسلة دراسات دينية وفقهية، 34(1)، ص. 101-103. doi: 10.1558/rsth.v34i1.26326.

[7] كاوفمان، و. (1965) “مواقيت الراشا والراگا-مالا والعزف في مؤلفات راگا شمال الهند” سلسلة دراسات إثنوموسيقية 9(3)، ص. 272-291.

[8] كان بارزا التأثر بعدد من انواع الموسيقى اللاتينية المختلفة كالتانغو والرومبا في عشرينيات القرن الماضي وذلك بعد استيراد اسطوانات ال ٧٨ دورة في الدقيقة “78 rpm ” وال٤٥ دورة في الدقيقة “rpm 4”