المشتق نشرة إلكترونية نصف سنوية تم إطلاقها في تشرين الأول ٢٠٢٠، وذلك في خضم إنهيار سياسي واجتماعي واقتصادي وبيئي غير مسبوق في لبنان، هي محاولة لبناء مفردات وأساليب وممارسات جماعية قادرة على تفكيك الهجوم الممنهج الذي نواجهه وكيفية التعامل معه.

المشتق هي تلميذة إنتفاضة ١٧تشرين اول ٢٠١٩؛ إنها أولاً وقبل كل شيء كائن جذري يكمن حولها تعبئة وتكثيف مجموعة متنوعة من الممارسات العملية. من خلال تجربة نموذج التحرير الجماعي المشترك "مجموعة متنوعة من المحررين الضيوف"، فإن كل عدد هو وقبل كل شيء عذرًا للتفكير والعمل معًا وطريقة لتوسيع وتقوية شبكات الأصدقاء والحلفاء من خلال أنماط مختلفة من الخطاب والفكر والعمل.

في كل عدد جديد من المشتق يتم دعوة ثلاثة محررين ضيوف، ولكل واحد منهن\م محور معين منطلق من كلمة "جذر" مكونة من ثلاثة أحرف. ثم يتعاون كل محرر مع خمسة مساهمات\ين للمساعدة في الكشف عن الجوانب المختلفة لكل موضوع، بالإضافة إلى مساهمة فنية تستجيب لكل نص.

ر.د.م.

أشغال عامة

ردم المكان كعملية إعادة كتابة التاريخ

[قبرــ دفن ــ إخفاء ــ طمس – محو ــ تعمية ــ إسكات – ردم]

روى لي أحد الفلاحين يوماً، أن كلمة “كفر” الموجودة في عدد من أسامي القرى (كفركلا، كفرنبرخ، الخ) تأتي من فكرة تقول إن الفلاح “يكفر” بالآلهة حينما يزرع، لأنه “يردم/يقبر/يدفن” الحبة تحت التراب. وعلى الرغم من أنّها عملية من عمليات صنع الحياة ــ إذ إن الحبة تنتج حبات أخرى ــ لكن الفعل الأول ــ دفن الحبة ــ تعبير عن ردم للحبة الأولى بذاتها، وهو فعل قتل لها قبل أن تعطي الحياة لحبات أخرى. لعلّ قصّة هذا الفلاح غير حقيقية، خصوصًا أن المراجع اللغوية تتّفق على أن كلمة “كفر” تعود إلى الآرامية ومعناها “مزرعة”، إلّا أن الفكرة تأخذنا إلى قلب النقاش اليوم: الردم، لا كفعل خلق بل كعملية للقتل والإخفاء والدفن والنسيان.

ما هو الردم، كفعل وكتورية؟ لماذا نردم شيئاً ما ونترك غيره؟ وما الذي يحصل عندما نردم؟ نطرح من خلال هذا النص والنصوص الخمسة المقبلة، ثلاثة أسئلة، تبني هيكل البحث الذي نريد: ماذا نردم، بماذا نردمه، ولماذا؟ سنتناول هنا مفهوم الردم كعملية لاغية للآخر/الأخرى، كشخص وتاريخ وسردية ومكان. 

في كلامنا عن عملية الردم، نعالج في صميم مقاربتنا فعلاً تاريخياً. بمعنى أنها عملية تهدف بشكلها الأساسي إلى تغيير سردية تاريخية، تتخطّى قيمتها الآنية، لتصبح جزءًا من عملية التأريخ ــ (historiography) ــ في الذاكرة الجماعية كما في التخطيط المديني وبالتالي التغيير المكاني.

إذ نبدأ بالأسئلة الثلاثة، فما نردمه في الواقع اللبناني، يبدأ من مدننا وقرانا وودياننا وبحرنا، حتى تاريخنا وذاكرتنا الجماعية وحيوات الناس، لنخلق مساحات خاصة، وملكية فردية وسوقًا عقاريًّا ينافس المدن الكبرى في المنطقة. نردم مفقودي الحرب، والنساء واللاجئات والعاملات المهاجرات. ثم نردم الوجع والصدمة التي تأتي من الكوارث التي نمرّ بها. نردم جرائم الحرب، وتاريخها وذاكرتها، أمكنتها ولغتها، والدمار الناتج منها. نردم أحياء الفقراء وتاريخهم وحياتهم اليومية. نردم كل ما نعتبره غير منتج، غير مجدٍ، لأنّنا نرى الحياة عجلة إنتاج، فندفن من فقد رجلاً أو يداً أو عيناً. نردم الصفقات والاتفاقات السياسية. نردم حق الناس في تقرير مصير مدنهم ومناطقهم وتاريخها، بأن يقرروا ماذا يريدون أن يردموا وما يريدون الإبقاء عليه. 

نردمما لا نريد أن يسمعه أو يراه أو يعرف أو يشعر به أحد. والردم من هذا الموقع هو عكس عملية الأرشفة، هو تأريخ زائف. نردم ما يمكن أن يؤذينا من ذكريات، جرائم، ضحايا الجرائم، إثبات الجريمة: نردم كي نحمي أنفسنا. نردم ما نراه عاراً، لكي نحتفظ بالسلطة. ونردم ما هو إثبات على حقيقة مختلفة عمّا نريده أن يكون حقيقة، فنرويه كحقيقة.

من ضمن أفعال وأسباب الردم هذه كلّها، سنعالج ثلاث أفكار: ردم السردية، والعار كسبب للردم، والردم كميكانيزم للتآمر الجماعي، إذ نرى أن هذه الأفكار الثلاث تصبّ في علاقة المدينة والناس مع الردم كعملية سياسية اقتصادية اجتماعية ومكانية. 

ردم السردية والمكان

تردم السلطة المهيمنة الناس ومدينتهم، لتخفي تاريخها وأفعالها. وفيما لا نرى الردم طريقة وحيدة لإخفاء الماضي، أو لإسكات الناس، أو لتغيير الرواية، لكنه بالتأكيد أحد الأدوات المستخدمة، خصوصًا على المستوى المكاني ــ المديني من خلال التخطيط ومشاريع إعادة الإعمار. 

يمكننا أن نميّز ثلاث عمليات ردم حصلت ومازالت تحصل منذ بداية الحرب الأهلية إلى الآن: عملية ردم النفايات والمواد السامّة[1] التي كدّس أمراء الحرب من خلالها أموالاً طائلة جرّاء دفنها في الجبال والوديان، وعملية ردم البحر ببقايا المدينة المدمرة المحروقة[2]. وهذا يتعلّق بشكل مباشر برأس المال، حيث إن الطبقة المهيمنة وجدت ضالّتها في مصدر متجدّد للربح من جهة، ومن حيث إنّها استطاعت إنتاج العقارات الخاصة من دون الحاجة إلى شرائها من جهة أخرى[3]. تتلاقى هاتان العمليتان مع الردم المعنوي لمفقودي الحرب[4] وجرحاها وضحاياها، والردم السياسي الاجتماعي لذكرياتها ورواياتها. 

ويكون الردم هنا إسكاتاً بهدف النسيان وإخفاءً للجماعات المهمّشة في الزوايا المظلمة للتاريخ الجماعي، من أجل إنتاج سردية تاريخية واحدة ومحددة. في المقابل، تبقى السرديات غير المحكية مقموعة وصامتة، مردومة خلف طبقات من الصمت والخوف والترهيب، تماماً كمقابر جماعية. ما لم يتمّ سرده، لا يختفي، بل ينتفخ داخل الحفرة التي رُدم فيها، ليأتي يوم ويخرج فيه منها. إن ردم الذاكرة الجماعية[5] بأشكالها المتنوعة، هو طمس لسرديات متنوعة لتجارب مختلفة، للنساء واللاجئات/ين، لفقراء المدن أو سكّان القرى، لمهجّرين عاشوا عمراً في بيروت ولكن الدولة مافتئت تراهم “جلب”، لطفيليين قادمين من الأطراف [6]، كل هذا يعمل أيضاً على مستوى تغيير اللغة ومدلولاتها.

وهنا يمكننا أن نقرأ السلطة/الطبقة المهيمنة كالآخر الكبير عند جاك لاكان. هي، الآخر الكبير الذي يكتب التاريخ ويعطينا اللغة التي نمنطق بها هذا التاريخ ونحكيه ونخفي ما نخفي منه. هي، ما يقول لنا ماذا نردم من هذا التاريخ وما نُبقي عليه. كأن يقول لنا مثلاً إن الحرب الأهلية هي “أحداث”، وإنّنا يجب ألّا نتكلم عنها، وإنّ علينا أن نكمل حياتنا وكأنها لم تحصل، وإن المفقودين اختفوا ولن نبحث عنهم، وإن المدينة التي أمامنا هي أفضل ما يمكننا الحصول عليه. 

بعيداً من اللغة والسردية، نحن نردم البحر أيضاً وسكة الحديد، والمدينة القديمة، والآثار، نردم مخيمات اللاجئين وأحياء فقراء المدن ومواقع المجازر، فنردم بالتالي الهوية الجماعية التي يحملها المكان[7]. وتصبح الذاكرة إذّاك، مذ ردمناها، أثقل علينا من الفعل الذي أردنا طمسه.[8] عبر الردم، تصبح المشاعر ظاهرات مكانية: ينعكس الحزن والعار والذنب والقهر والظلم على المكان، ويصبح جزءًا منه. “تأخذ المشاعر، كالعار والذنب شكلاً في المكان، تُدمَج فيه، يتمّ ترميزها وتشفيرها فيه، وتتمّ تجربتها فيه أيضًا، تنحت شكل العلاقات التي تحصل في المكان، كما تتمّ مواجهتها وتخيّلها وتمثيلها في المكان.”[9] بهذا المعنى، فإن الأماكن المردومة هذه، هي جزء من جغرافيا الذنب والعار، نتيجة لما أردنا – كسلطة مهيمنة وكشعب، مغلوب على أمره أم لا ــ إزالته تماماً من ذاكرتنا.

ردم العار

هناك إذاً عار ما يُخلق في مرحلة من مراحل الردم، وهو بشكل من الأشكال أحد مسبّبات الردم هذا: نحن نردم ما يأتي علينا بالعار. في نصه حول نظرية الجنسانية، يربط سيغموند فرويد العار بالفعل الذي يتطلّب الكبت: ما كان يوماً مصدر متعة، أصبح الآن مصدر العار، ويجب بالتالي كبته. الحرب بذاتها ومعاركها ومجازرها التي كانت يوماً مصدر متعة وفخر واعتزاز لزعماء الأحزاب، أصبحت بعد الحرب مصدر عار. في مقابلة تلفزيونية، يعترف وليد جنبلاط بالمجازر التي ارتكبتها الأحزاب يومها وبأنهم “غزوا ونحن غزونا” (في كلامه عن القوات اللبنانية)[10]، بلهجة تحاكي شعوراً بالعار ممّا فعل، ثم يعود ليقول: “من قال إن هناك حروبًا نظيفة وحروبًا غير نظيفة؟”، رافضاً أي خضوع أو اعتراف بالعار. هناك نوع من الهشاشة والضعف في العار، وهذه السلطة لا تقبل لحظة ضعف.

يحمل تاريخنا، من الحرب الأهلية كذاكرة حتى المدينة كواقع مبني، مدلول الجريمة والمشاريع التي قامت بها الطبقة المهيمنة، لذا يصبح ردمها ضرورياً، لا لإخفاء الجريمة فقط، بل لأن الردم هنا يصبح ميكانيزما لحماية الذات. من منطلق لاكاني (جاك لاكان) الذي يقارن الردم برواية الطوطم، ولتستمرّ الطبقة المهيمنة في السلطة بعد جريمتها، ولكي  تتمكّن من الاحتفاظ بالموقع والسيطرة الدائمة عليه، عليها إخفاء فعلتها هذه. والردم/إخفاء الحقيقة هنا مهمّ جداً، بحيث لا جدوى للجريمة من دونه. فالكشف عن هذه الجريمة يؤدي إلى إخصائها وتجريدها من السلطة. الردم في هذه الحالة إذاً، مرتبط بشكل عضوي بحفاظ الطبقة المهيمنة على السلطة. 

من مشروع لينور شمال بيروت، حتى “مكبّ” النفايات شمال برج حمّود، مروراً بمكبّ بيروت الذي أصبح مشروع “بيال”، ومكبّ الكوستا برافا، والناعمة وصيدا، وغيرها من المشاريع التي بدأت كحلول سيئة لمشكلة طويلة الأمد، أصبحت حلولاً جيدة جداً كمشاريع الطبقة المهيمنة، تدرّ عليها المال،[11]  لهذا فإن إخفاء هذه المشاريع وتاريخها، أساسي وضروري لتمكين زعماء الحرب من تمديد سلطتهم وتأبيدها. والإخفاء هذا واضح مثلاً في الإعلام اللبناني[12]، خصوصاً في برامج النقاشات السياسية ــ التوك شوزــ التي ساهمت وتساهم في بناء الفقدان الجماعي للذاكرة وخلق واقع موازٍ يتناسى الحرب الأهلية ونتائجها. 

في بحثه عن عمليات الردم في بيروت، يقدّم إيريك فيرداي قراءة لدور الردم كمصدر لتمويل الطبقة المهيمنة وتأبيد سلطتها ومدّ جسور جديدة بهدف بناء علاقاتها. يعرض فيرداي في نصّه[13] هذا، العلاقة بين المال والسلطة، موضّحاً كيف يكون الاقتصاد السياسي نقطة دخول أساسية لفهم واقع الردميات في لبنان. من اللافت في ما يذكره فيرداي مثلاً، في إطار ردميات منطقة “بيال”، أن كلفة تدعيم المنطقة (لمقاومة التسونامي ولتثبيت الأرض)، بلغت مئات ملايين الدولارات، دفعتها الدولة اللبنانية واستفادت منها شركة سوليدير، بما أن المنطقة (بيال) أصبحت ملكاً لها من دون أي تكلفة. 

الردم كتآمر جماعي

سنة ١٩٧٣، كتبت أورسولا لوغوين قصة قصيرة من أربع صفحات عن مدينة خيالية إسمها “أوميلاز”[14]. تبدأ القصة بوصف دقيق لمهرجان بداية الصيف. المدينة جميلة وساحاتها العامة الكثيرة ملوّنة ومنبسطة، مفتوحة وواسعة، تستقبل أفواج النساء والرجال من كل الأعمار والحرف، حتى الجبال المكسوّة بالثلج التي أحاطت بالمدينة كانت مرئية في ذلك الصباح المبهر. شيئاً فشيئاً، ترتسم علائم المدينة المثالية لنا، فنجد أنفسنا ونحن نقرأ القصة، نتمنّى العيش فيها. وبعد صفحتين مزدحمتين بوصف دقيق ومبهر للعواطف والمواقف وما يمكن أو لا يمكن أن نجده في أوميلاز، وبعد أن تأكدت لوغوين من أنّنا على وشك أن نحزم أمتعتنا للذهاب إليها، تخبرنا بأن تحت أجمل مبنى في هذه المدينة الكاملة، وفي غرفة من دون شبابيك، يقبع طفل. فتاة أو صبي، في السادسة أو العاشرة من العمر، يعيش في غرفة صغيرة مليئة بوسخه، لا يزوره أحد غير من يمرّر له الطعام، وهناك عدد من الأطفال يمرّون كل فترة لينظروا إليه ويعاينوه بحشرية وقرف. 

“جميعهم يعرفون أنه هنا. كل أهل أوميلاز. الكل يعلمون بأن عليه أن يكون هنا. كلّهم يعلمون بأن سعادتهم، جمال مدينتهم، حنان صداقاتهم، صحة أطفالهم، حكمة مثقّفيهم، إبداع حرفييهم، حتى خير أرضهم ورقّة الطقس في سمائهم تعتمد كلياً على البؤس الكامل لهذا الطفل”.يشرح أهل أوميلاز هذا الموضوع لأطفالهم منذ عمر الثامنة. يمرّ الأطفال حينها بصدمة، يرفضون الوضع، ويسعون إلى مساعدته. لكن خروج الطفل إلى الشمس، تنظيفه وإعطاءه ثياباً دافئة، إطعامه والتربيت على كتفه، كفيل بتدمير حياة أهل المدينة وسعادتهم. “إن الشرط هنا صارم ومطلق: لن تَنطق كلمة حنونة مع الطفل”.

ثم يأتي حدث جلل، تكمل أورسولا لوغوين، بحيث تختفي فتاة أو صبي كل فترة، بعد زيارة الطفل. لا يعودان إلى بيتيهما، يخرجان من المدينة ولا يعودان. “هذا المكان الذي يذهبان إليه صعب التصور على كثيرين منّا، وهو أصعب حتى من مدينة السعادة هذه. لا يمكنني أن أصفه. يمكن ألّا يكون موجوداً حتى. لكن يبدو وكأنهم يعلمون إلى أين هم ذاهبون، أولئك الذين يمشون من أوميلاز”.

ما تتكلّم عنه لوغوين في نصّها هذا يشابه العار الجماعي الذي نحمله إزاء الحرب الأهلية، والقتل وردم البحر والدمار الناتج منها. وكأنه تآمر جماعي، هذا الذي يحصل منذ نهاية الحرب، فيشبه ما تقصّه لوغوين علينا من حيث إنه نسيان معاناة الأقلية (المفقودون والضحايا وأهلهم، وكل من عانى من الحرب الأهلية أو من فقدان حقوقه/ا وأرضه/ا ومدينته/ا نتيجة لها) بهدف سعادة الأكثرية. تعيدنا هذه الفكرة إلى حرب مخيّم نهر البارد. فبعد أربع عشرة سنة من معارك دامت خمسة عشر أسبوعاً، ومقتل ٤٧ مدنيًّا من أهالي المخيم، والتدمير شبه الكامل له وتهجير أكثر من ٣٠ ألف من سكّانه، ومن ثم تعقيدات عودتهم لعدم اكتمال مشروع إعادة الإعمار، جرى طمس جرائم مخيم نهر البارد ونسيان معاناة أهله التي لم نعد نراها أو نسمع عنها في الإعلام أو النقاشات السياسية. في نصّه عن حصار مخيّم نهر البارد[15]، يعالج سامر عبّود تجربة الاقتلاع التي عانى منها أهل المخيم، كما التأثير الطويل الأمد للحرب عليهم…اقتلاعٌ وفقدان المسكن والحارة والجيران والمخيم، تجارب لا نسمع عنها شيئاً في سردية مآسي ومعاناة شعوب المنطقة ككلّ. 

لقد عملنا في هذا العدد على مقاربة الردم من زوايا مختلفة ومتنوعة، نراها تصبّ في فهمنا للردم كعملية سياسية اقتصادية اجتماعية مكانية، وكأداة تأريخية، للمحو والإسكات والتعمية والإخفاء والطمس، للتضحية بجماعات مقابل سعادة جماعة أخرى، لتكديس ربح القلة على حساب الأكثرية كما يقول الشرع الرأسمالي. في خمس مقالات، يكتب كريم صادق عن الردم من منطلق فلسفي، بحثًا عن طريقة لوقفه. ثمّ تحكي ليلى السيد حسين عن ردم طبقات المدينة، ويقدّم إيريك فيرداي بحثًا عن عمل الأحزاب السياسية في ردم الجبال والمدن، فيما تشاركنا داليا الخميسي تجاربها كمصورة مع عائلات المفقودات والمفقودين في لبنان، وأخيراً تقدّم ثريا زريق قراءة أنتروبولوجية نفسية للردم بين الجماعات الأكثر تهميشاً. 

في بلادنا حيث يموت الناس، مردومون يوماً بعد يوم، تحت طبقات خفيفة أحياناً وثقيلة أحياناً أخرى، من الإفقار والحرمان والنسيان والصمت، لا مفرّ من أن نرى الردم محو لذواتنا الممتدّة عبر المكان والسردية والتاريخ واللغة. بين لحظة الحدث والآن، بين البحر والمدينة، مساحات يحقّ لنا أن نكتشفها ونعرفها، ولا يعمل ردمها إلّا باتّجاه حرمان الجماعات من معرفتها واستخدامها. وفي ذلك، بعضٌ من الكذب، وكثير من ظلم. 

جنى نخال من أشغال عامة 


[1]Boutros, Joelle. “بدايات قضية النفايات السامة في لبنان 1987 – 1989.” The Legal Agenda, no. 55, June 2018, pp. 6–8, https://legal-agenda.com/%D9%82%D8%B6%D9%8A%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%86%D9%81%D8%A7%D9%8A%D8%A7%D8%AA-%D8%A7%D9%84%D8%B3%D8%A7%D9%85%D8%A9-%D9%81%D9%8A-%D9%84%D8%A8%D9%86%D8%A7%D9%86-%D9%80-%D8%A7%D9%84%D8%AC%D8%B2%D8%A1-%D8%A7/

[2]Haugbolle, Sune. “The Historiography and the Memory of the Lebanese Civil War.” Online Encyclopedia of Mass Violence, vol. 5, 2011, www.lahlebanon.org/wp-content/uploads/2015/12/The-historiography-and-the-memory-of-the-Lebanese-civil-war.pdf.

[3]Verdeil, Eric. “Des Déchets Aux Remblais: Imaginaire Aménageur, Corruption et Dérèglements Métaboliques à Beyrouth.” Jadaliyya, 2017, www.jadaliyya.com/Details/34432/Des-d%C3%A9chets-aux-remblais-imaginaire-am%C3%A9nageur,-corruption-et-d%C3%A9r%C3%A8glements-m%C3%A9taboliques-%C3%A0-Beyrouth.

[4]Jaquemet, Iolanda. “Fighting Amnesia: Ways to Uncover the Truth about Lebanon’s missing.” The International Journal of Transitional Justice, vol. 3, no. 1, 2009, pp. 69–90, www.actforthedisappeared.com/sites/default/files/Resource%20Documents/Fighting%20Amnesia.pdf.

[5]وتعريف الذاكرة الجماعية، بمفهومها الاجتماعي النفسي، “يقترب من الهوية أو الثقافة حتى يتماهى معهما”، أي كما يقول هيرست ومانييه يتّصل بمفهوم الهوية الجماعية، بكيفية تشكيلها ونسيانها، وبسلطة الجماعات\المجتمع على إعادة تشكيلها. والذاكرة الجماعية بوصفها كذاكرة ثقافية، “تحفَظ مخزن المعرفة الذي تستقي منه المجموعة وعياً بوحدتها واختلافها، أي هويتها”، وهي بالتالي التي تُرسي هوية الجماعة.

[6]Larkin, Craig. “BEYOND THE WAR? THE LEBANESE POSTMEMORY EXPERIENCE.” International Journal of Middle East Studies, vol. 42, no. 4, 2010, pp. 615–635. JSTOR, www.jstor.org/stable/41308712

[7]Haugbolle, Sune. “Public and Private Memory of the Lebanese Civil War.” Comparative Studies of South Asia, Africa and the Middle East, vol. 25, no. 1, 2005, pp. 191–203. Project MUSE, www.muse.jhu.edu/article/185344.

[8]Vanolo, Alberto. “Shame, Guilt, and the Production of Urban Space.” Progress in Human Geography, 2020, doi:10.1177/0309132520942304.

[9]Vanolo, A. (2020). Shame, guilt, and the production of urban space. Progress in Human Geography, 0309132520942304.

[10]“مجازر وليد جنبلاط واعترافاته الوقحة.”YouTube, uploaded by Secular Lebanon, 20 Jan. 2018, www.youtube.com/watch?v=9x2LjKYKKEE.

[11]  لمزيد من التفاصيل عن مشاريع النفايات في لبنان: Abu-Rish, Ziad. “Garbage Politics.” Middle East Report 277, 2015, www.merip.org/2016/03/garbage-politics/

[12]Dib, Amal. “The Un (Civil) War: Media Framing and Memory Construction in Wartime and Postwar Lebanon.” Freie Universität Berlin, 2019.

[13]Verdeil, Eric. “Des Déchets Aux Remblais: Imaginaire Aménageur, Corruption et Dérèglements Métaboliques à Beyrouth.” Jadaliyya, 2017, www.jadaliyya.com/Details/34432/Des-d%C3%A9chets-aux-remblais-imaginaire-am%C3%A9nageur,-corruption-et-d%C3%A9r%C3%A8glements-m%C3%A9taboliques-%C3%A0-Beyrouth.

[14]Le Guin, Ursula K. “The Ones Who Walk Away From Omelas (Variations on a Theme by William James).” Utopian Studies, vol. 2, no. 1/2, 1991, pp. 1–5. JSTORwww.jstor.org/stable/20719019.

[15]Abboud, Samer. “The Seige of Nahr Al-Bared and the Palestinian Refugees in Lebanon.” Arab Studies Quarterly, vol. 31, no. 1/2, 2009, pp. 31–48. JSTORwww.jstor.org/stable/41858573