المشتق نشرة إلكترونية نصف سنوية تم إطلاقها في تشرين الأول ٢٠٢٠، وذلك في خضم إنهيار سياسي واجتماعي واقتصادي وبيئي غير مسبوق في لبنان، هي محاولة لبناء مفردات وأساليب وممارسات جماعية قادرة على تفكيك الهجوم الممنهج الذي نواجهه وكيفية التعامل معه.

المشتق هي تلميذة إنتفاضة ١٧تشرين اول ٢٠١٩؛ إنها أولاً وقبل كل شيء كائن جذري يكمن حولها تعبئة وتكثيف مجموعة متنوعة من الممارسات العملية. من خلال تجربة نموذج التحرير الجماعي المشترك "مجموعة متنوعة من المحررين الضيوف"، فإن كل عدد هو وقبل كل شيء عذرًا للتفكير والعمل معًا وطريقة لتوسيع وتقوية شبكات الأصدقاء والحلفاء من خلال أنماط مختلفة من الخطاب والفكر والعمل.

في كل عدد جديد من المشتق يتم دعوة ثلاثة محررين ضيوف، ولكل واحد منهن\م محور معين منطلق من كلمة "جذر" مكونة من ثلاثة أحرف. ثم يتعاون كل محرر مع خمسة مساهمات\ين للمساعدة في الكشف عن الجوانب المختلفة لكل موضوع، بالإضافة إلى مساهمة فنية تستجيب لكل نص.

أن “نقصّر بنطلوننا”: عن الإبداع والممارسة (أو بين الپويسيس والپراكسيس)

هايغ أيفازيان

نقل الناقد البريطاني آل آلڤارِز في توطئة مؤلّفه «الإله المتوحّش: دراسة في الانتحار» حواراً دار بينه وبين سيلڤيا پلاث تناول فيه نسخة مبكّرة من قصيدتها «السيدة لعازر» التي كتبتها الشاعرة قبيل انتحارها في العام 1963. “لقد هالني الأمر”، هكذا عبّر عما ساوره حينما أنصت لإلقائها. “للوهلة الأولى، لم يبدُ لي ما وقع على مسمعي شعراً، بقدر ما كان هجوماً ضارياً.”[1] يقتبس من القصيدة “سيداتي سادتي / ها هما يداي / ركبتاي / جلد وعظام فحسب، وكأنني يابانية”[2] يهيل آلڤارِز المقطع الأخير، فيسأل الشاعرة “لماذا يابانية؟ أبحكم القافية؟ أم أنك وراء مغزى رخيص من استحضار ضحايا القنبلة الذرية؟”، قبل أن يشير على پلاث بأن “تلعبها بخفة” إن كان من الضروري أن “تستعين بهذه المادة القاسية…”

لن ترى هذه القصيدة النور إلا بعد وفاة الشاعرة، وبعد أن حُذف منها ذِكر اليابان المسيء. لقد أسف آلڤارِز من بعد لهذا الحذف، إذ أتى في كتاباته أنه حين أعاد النظر وجد أن پلاث “كانت حقاً بحاجة لأن تلتزم بهذه القافية، فالنغم محكم بما يجيز كناية قد تبدو بعيدة”.قبل أن يقرّ بأنه بالغ في ثورته “أمام ما بدا من ضراوة البيت من دون إدراك ما فيه من غريب الطلاوة.”[3]

بعد مرور أكثر من خمسين عاماً، وفي حوار جمع بين فرِد موتِن وسعيدية هارتمَن تناولا فيه تأصّل ممارستيهما في إرث أدبي مديد، وتقليد “ثقافي راديكالي عابر للمجالات” يستند إلى تاريخ وحشية يعجز عنها الوصف، ألمحت هارتمَن إلى “عدم تكافؤ ما بين أيدينا من مفردات نقدية من جهة، وما نسعى إلى التعبير عنه من جهة أخرى.” “إنك تتفوهين بهذا مستعينة بلغة معينة”، يجيبها موتِن، “بينما أعلم أن مقصدك غير ذلك، وأن ذلك المقصد موطنه لغة ما أخرى.”[4]

إن ما يصل ما بين هاتين المحاورتين هو مُلال لغوي: هاجس يقول إننا نضع الكلمات والأحرف والأصوات وضمائر الخطاب والمفاهيم والتواريخ والصور والخرافات تحت التصرّف، عالمين تمام العلم أنها “لاغية” بحسب تعبير موتِن. يقول فوكو إن وجود هذا “الاجتهاد الأبدي” هو من وجود اللغة نفسها، ومن اجتماعها الأصيل بالموت. فعلى شفير الموت – هكذا يقول – ترتد اللغة على نفسها “فتعكس نفسها إلى ما لا نهاية”. وفي استحداثه نموذجاً بصرياً لذاته “يكتشف الخطاب في صورته إرباً لا ينفذ”.[5] لربما اتّخذ الشعر لنفسه موضع امتياز من نوع ما، على مشارف ذلك الإرب، وحقاً يرى آلڤارِز أن في البيت الحسن ما يجيز لنا أن نختبر أموراً “على شفير التهافت والتداعي.”[6]

ولكن، هل ثمة نفع في لغة تهرع إلى شفير المعنى، أو خير يرجى من إعراب يبيّن عالماً متهافتاً؟ يقول أشيل مبيمبي في مؤلفه «توحش» أن السلطة تُخضع المادة الخام الحيّة والجامدة لإجراءات “استحالية” مرادها “القسر والسحق”، ومرادها “التهشيم والشرخ” .[7] إن مغزى السلطة – بحسب الكاتب – هو “الاستيلاء على ما لا يستولى عليه”، واستخراج ما كان من المعتقد أن من المحال استخراجه، ومن ثم فكفكة واستنزاف “جميع أنماط الحياة” .[8] لقد جعل هذا النوع من سلطة استنزاف الموارد من “الأحياء فريسة صيرورة الكربَنة”، كما “أحال الإنسانية واحدة من القوى الجيولوجية”.[9] ويخلص مبيمبي إلى أن “مجمل التاريخ – اصطلاحاً – هو تاريخ جيولوجي، بما في ذلك تاريخ السلطة”.[10]

إن تجاوزنا قسوة استحضار شبح الأجساد المتفحّمة، فإن هاجس كربَنة الحياة – شأنه شأن البيت المشطوب من قصيدة پلاث – يحرز إحاطة مقتضبة بقدر ما هي مُنتِجة، تعكس حقيقة عميقة، كشقّ عمودي يخترق طبقات اللغة والزمن الخطّي المتراصة. إن بدعاً مفاهيمية كهذه، أو “أفكار- صور” كما يدعوها مبيمبي، تضع بين أيدينا حصيلة دلالية تتيح لنا “أن نجرؤ على قصّ تاريخ العالم في جملة واحدة، أو على الأقل في مقال قصير.[11]، بحسب تعبير آنا تسينغ. لقد طرحت لينا عطاالله في مقال تناولت فيه تركة ثورة 25 يناير المصرية في ذكراها العاشرة تساؤلاً: “كيف يمكننا التعاطي مع الماضي بشكل سياسي وليس فقط تاريخي؟”، وهو السؤال الذي يعرب عن نفسه في محاولة للتملّص من “لولبة خطابية لا تنتهي عن النجاح في مقابل الفشل” هوت فيها جميع النقاشات التي تتناول سياسة الثورة.[12] إنها النقاشات ذاتها التي اعتادها كل من شارك في الحراك المنظّم منذ 17 تشرين الأول 2019 هنا في لبنان. 

تتعدد أشكال هذه اللولبة التي لا تنتهي، وإن جمعت بينها مسألة نمط المخاطبة أو السجية العامة: مسألة كيفية حشد قطاعات من المجتمع نأت بنفسها عن الانضمام إلى صفوفنا، وكيفية مخاطبة الموالين للأحزاب بيننا وصرافي المصارف والإعلام… تساؤلات أفضت بدورها إلى معضلات تعبوية أخرى: هل نختار قطع الطرقات أم الاستيلاء على مؤسسات الدولة؟ هل نولي مصرف لبنان اهتمامنا أم الطبقة السياسية الفاسدة؟ أنحتجّ سلمياً أم نلجأ إلى العنف الثوري؟ هل الأولوية للحراك المباشر أم للتنظيم السياسي؟ كل هذه اعتبارات تشتبك معها جميع الثورات. بيد أنه من العسير التخلص من شعور بأن صروح السلطة المتهالكة التي نجابهها قد نجحت في أن تدفعنا إلى اللهاث في حلقة مفرغة، إذ نجتهد قدر المستطاع في أن نبلغ بياناً وجلاءً يقف بالصدارة أمام فوضاها الشاملة. 

جواباً عن استنطاق إحدى مراسلات الإعلام عن الرسالة التي يرغب أحد المتظاهرين في إبلاغها وزير الاتصالات اللبناني محمد شقير، انتشر قول أحد المحتجّين “آني بدّيش وصّلو رسالة. آني وين ما شوفو نايك الإخت تبعولو”.[13] محتج آخر بصدد انتزاع السلك الشائك المحيط بمبنى “سراي” الحكومة، فاجأته مراسلة بسؤالها حول ما يفعله فأجابها “شو عم بعمل؟ عم قصّر بنطلون.[14]” إن دلالة هذه الردود لا تكمن في طرافتها ولا في حذاقتها ولا في بذاءتها، بل على العكس: إن دلالتها في التزامها الصارم بالممارسة بدلاً من الانشغال بالمخاطبة، وانشغالها بالصيرورة لا بالنتيجة. إن فحوى الرسالة – إن كان ثمة فحوى – هو “اتركينا لحالنا، ورانا أشغال”.

والأشغال التي هي وراؤنا ليست المفاضلة بين السجيات المذكورة آنفاً، ولا استحداث براديغم نظرياً جديداً، وإنما هي كتابة مقال قصير يعرض للمعالم التي تحدّد ذلك النطاق الواسع لما ينبغي الدفاع عنه، ومتى يجب هذا الدفاع ومع من نصطف. أو بحسب موتِن “إنها حقاً مسألة عدد من السجيات الأخلاقية والأدبية (من التأدب، لا الآداب) الجديدة عن كيفية تعاملنا مع… ومخاطبتنا بعضنا البعض الآخر.”[15] إنها مسألة تأليف “مِزوَد” من مفردات نافذة، وتوليد كل ما يلزم من الـ”أفكار- صور” للإحاطة بالهجوم الضاري والشامل الذي نتعرّض له.[16] صحيح أن قسماً من هذه الترسانة منوط به مخاطبة الآخر، إذ يُترجَم إلى جهود ضغط ومعارك قانونية وأجندات سياسية ومطالبات بالعدالة الاجتماعية. ولكنني أعتقد أن مربط الفرس هو شأن أكثر عمقاً بل هو بعينه ما لا يجوز ترجمته، ما لا يؤخذ في الاعتبار، ما لا يوثق بأمره، ما لا يستساغ.  

أمام هذه الوحشية التي يغذيها خراب كل شيء، والتي تستعمر أعصابنا وأمعاءنا وأنفاسنا، وكذا بحارنا وجبالنا وسماواتنا، والتي تريد لنا أن نبقى سجناء فقرنا وظلماتنا وجوعنا وخوفنا… أمام ذلك كله وغيره الكثير، لابد لنا أن نفتش عن مستوى يتجاوز حصر حصاد الجرائم التي ارتكبت ضدنا، ولغة قادرة على أن تصف – في جملة واحدة – كيف لشعب متفجّر أن يعيش. إننا بحاجة إلى هذه اللغة المتململة التي تهرع إلى شفير المعنى، وتخيّل للزمن يجيز لنا أن نجاور أشباحاً في المستقبل الآتي. إننا بحاجة إلى نوع من المادية ينقض صيرورة الكربنة بينما يحفظ لنا سياقنا الجيولوجي، وبحاجة إلى تشكيلة من الممارسات التحتانية تحفر أنفاقاً تفضي إلى بعضها البعض. 

لقد جاء «المشتق» نابعاً من مجمل تلك الحاجات، كما كان – بحسب كلمات عطاالله – نابعاً من “احتياج لا يشبع لمساحات للممارسة، بغية المضي في ما نقوم به وإضفاء شيئاً من المعنى عليه.”[17] لقد كان نابعاً من احتياج لتجاوز الاعتراف بالهزيمة “ليس بدافع أمل أعمى أو براءة سياسية، وإنما غشاوة فكرية معيّنة تنزّلت على المحاورة بأسرها.”[18] لأنه، وبحسب موتِن من جديد “ذلك النوع المحدّد من الإرهاب و… ذلك التاريخ المعيّن الذي نخوض فيه بكل تلك السبل المتباينة ليس… أمراً بالإمكان الحديث عنه من زاوية إحصاء الانتصارات والهزائم.”[19]

انتقينا ثلاثة جذور جديدة بمناسبة صدور العدد الثاني، وزعناها على ثلاثة محررين/ات، وأملنا هو أن تلعب هذه الجذور – وإن لم تكن حقاً “أفكار- صور” – دوراً مولّداً بما يتيح انفراجاً على شبكة تحتانية من الممارسة. لقد وقع اختيارنا على هذه الجذور انطلاقاً من زوايا معينّة، ومن ثم وضعناها بين أيدي رفاق قدامى وجدد، بغية أخذها في الاعتبار ومشاركتنا وآخرين في تأمّل ونبش ربما غابت وجهته عن أعيننا. سوف يشتبك طارق العريس مع الجذر و.ح.ش.، ومع الوحوش التي تستنفذ آدميتنا. أما «استوديو أشغال عامّة» فسوف تتناول الجذر ر.د.م.، وركام حال الخراب التي نعيشها حتى قبل انفجار الرابع من آب. سوف تتأمل رشا سلطي الجذر ق.ل.ق.، وضباب الحيرة والاضطراب الذي يغشي أبصارنا. لم نمس هيكل النشرة بتغيير: إذ وجّه/ت كل من المحررات/ين الدعوة لخمسة مشاركين/ات لتناول رافد مختلف من روافد كل من المفاهيم الثلاثة بالتحليل، إلى جانب مداخلة فنّية مصاحبة لكل من الاستكتابات. 

ترجمة: محمد عبد الله


[1]The Savage God: A Study of Suicide, by A. Alvarez, 1971, pp. 32. 

[2]«السيدة لعازر» سيلڤيا پلاث، تعريب محمد عيد إبراهيم.

[3]The Savage God: A Study of Suicide, by A. Alvarez, 1971, pp. 32.

[4]Duke Franklin Humanities Institute. “Moten, F & Saidiya Hartman at Duke University | The Black Outdoor.” Youtube, uploaded byDuke Franklin Humanities Institute,Oct 5, 2016,https://www.youtube.com/watch?v=t_tUZ6dybrc&t=1924s.

[5]Bouchard, Donald F., editor. “Language to Infinity.” Language, Counter-Memory, Practice: Selected Essays and Interviews, by Michel Foucault, Cornell University Press, 1977, pp. 54–55. 

[6]“A. Alvarez Dies at 90; Poet Elevated Both Sylvia Plath and Poker.” New York Times. Web. <https://www.nytimes.com/2019/09/23/arts/a-alvarez-died.html>. 

[7]Mbembe, Achille. “Brutalisme.” Paris: La Découverte, 2020. 8. Print.

[8]المرجع نفسه، ص. ٣٢

[9]المرجع نفسه، ص. ٩

[10]المرجع نفسه

[11]Unruly Edges: Mushrooms as Companion Species. Environmental Humanities. 1. 141-154. 10.1215/22011919-3610012. 2012. p. 142

[12]عطاالله، لينا. “بعض الأشياء التي تعلمتها عن كيف لا نتذكر الثور”. مدى مصر. 25 كانون الثاني 2021. من الإنترنت في 13 آذار 2021. <https://www.madamasr.com/ar/2021/01/24/opinion/u/%d8%a8%d8%b9%d8%b6-%d8%a7%d9%84%d8%a3%d8%b4%d9%8a%d8%a7%d8%a1-%d8%a7%d9%84%d8%aa%d9%8a-%d8%aa%d8%b9%d9%84%d9%85%d8%aa%d9%87%d8%a7-%d8%b9%d9%86-%d9%83%d9%8a%d9%81-%d9%84%d8%a7-%d9%86%d8%aa%d8%b0%d9%83/>.   

[13]قناة العشوائية. “الثورة في لبنان #ثورة )” موقع يوتيوب، قناة العشوائية. 18تشرين الأول، 2019. https://www.youtube.com/watch?v=QJVUeGK-t9k

[14]بابا، م. “عم قصر بنطلون” موقع يوتيوب، مقطع رفعه مازن بابا. 27 كانون الثاني، 2020. https://www.youtube.com/watch?v=6utCuv3kghc

[15]موتِن، فرِد. 

[16]“ليست هذه الحكاية التي أرويها. لقد سمعناها من قبل، لقد سمعنا كلنا عن كل هذه العصي والرماح والسيوف، أشياء تلطم وتنكز وتضرب، أشياء طويلة منتصبة، ولكننا لم نسمع عن الشيء الذي توضع الأشياء فيه، حاوية ما يلزم احتواؤه. هذه حكاية جديدة. هذا هو الخبر”.

“نظرية المِزوَد في السرد الأدبي” «الرقص على شفير العالم»، أورسولا ك. لي غوين، غروڤ پرس، 1989، ص. 4. https://otherfutures.nl/uploads/documents/le-guin-the-carrier-bag-theory-of-fiction.pdf

[17]عطاالله، لينا. “بعض الأشياء التي تعلمتها عن كيف لا نتذكر الثورة”.مدى مصر. 25 كانون الثاني 2021. (معرّباً عن النص الإنكليزي الأصلي)

[18]المصدر السابق.

[19]موتِن، فرِد.